سَاعَاتُ الْبَوْحِ

الساعة الأولى

اللاانتماءُ أكذوبةٌ يا «مروة»
أنا مثلًا أنتمي للأشياءِ الناقِصة
اكتمالُها يُفقِدُني اهتمامي بها
ونقصُها يَسترعي انتِباهِي للحَظات
أنتمي للخوفِ مِنَ التجرِبة
وأنتمي للشغفِ باختبارِ الاحتِمالات
لن تَصلكِ الإجاباتُ علی طبقٍ مِنْ حذَر
لكنَّ اللاخُطةَ تَسوقُ إليكِ الكثيرَ منها
ولن يُكلِّفَكِ ذلكَ سوی بعضِ التَّوَهان
ربَّما اهتراءَ نعليْكِ وقليلًا مِن آلامِ الرُّكبتَين
الكثيرَ مِن أغاني «أمِّ كُلثوم» أيضًا
«قُرْبَكْ نَعِيمِ الرُّوووحْ، وِالْعِينْ، وِنَظْرِتَكْ سِحْرْ، وِإلْهَااامْ»
وتفكِّرينَ أنكِ لا تنتمينَ إلی قُربِ أحَد
البعدُ — كَما النقصُ — مُغرٍ
كما الانتماءُ إلی الطُّرق
وإلی لحظاتِ الإفاقة
والنظرةِ المستكشفةِ في مرآةِ كلِّ صباح
وكأنكِ تُعيدينَ التَّعرُّفَ علی حُدودِ المُمكِنِ/حُدُودِكِ
كلَّ صباح
التَّكرارُ مُحبِط
تُخبِرُني «إيثار» أنَّ البشرَ نُسخةٌ واحدةٌ تتكرَّر
يختلفُ ترتيبُ الأطوارِ وتتباينُ مُدَدُها
لكنَّنا — أقولُ — ندورُ في الدائرةِ ذاتِها مِن عَدَمِ النُّضج
متی يَعرِفُ أحدُهُم أنهُ كَبرَ كِفاية؟
متی نتوقَّفُ عن الافتتانِ بالرواياتِ التي تَحكي الأشخَاصَ النيِّئين
نُحِبُّهم لأنَّ كاتبيهم كانوا مِنَ الجُبنِ بِمكان
حتی إنهم استخدَموهم كغطاءٍ لانكساراتِهم الخاصَّة
ومتاهاتِ الطفولةِ التي عَلِقوا فيها وما زالوا عَالِقين
يمتلكونَ شعْراتٍ بيضاءَ طويلةً كَمِثلِ التي لديَّ
لكنَّهم — مِثلي — لا يتوقَّفونَ عن طَرحِ السؤال:
متی ستبْدأُ حياتي؟
لا في جَانبِها المُكتمِل
إنَّما …
متی ابتداءُ النَّقْص؟
نقصٌ يُمكِنُني الانتماءُ إليه!

الساعة الثانية

أحدِّدُ مَوعدًا
لكنَّ يومًا كاملًا يقفُ علی رأسِهِ فوقَ رأسي
يمنعُني
وأيُّ كتابةٍ أصلًا؟!
ولماذا كلَّما فكَّرتُ فكرةً ساذَجةً
قلتُ لي: «لا تكتُبيها … ساذَجة!»
كان يمكنُني أن أكتبَ عن هذا الصباح
بقايا النومِ في عيني تُريني ما لم أكنْ لأری
سائقُ الحافلةِ امرأةٌ نصفُ مُمتلِئة
تبدو سعيدة
شعرُها مصبوغٌ بالأصفرِ المضطرب
علی شفاهِها طِلاءٌ قاتم
وابتسامةٌ مُرتاحة
وأحدُهم يهتِف: «علی جنب يا اسطی»
فتنظرُ في المرآةِ بثقةٍ مُومِئة
والسِّتُّ تُغنِّي:
«ده الهوی العطشان
عطشان عطشان
عطشان في قلبي … بيندهك»
يمكنُني أن أكتبَ عن «داليا»
ماذا عن «داليا»؟
عن البوحِ اليسير
أفتقدُ أن أبوحَ بيُسر
أسألُ «سجود»:
لماذا لا يُمكنُني أن أحصلَ علی أذنين؟
أذنَيْنِ لا تمانعانِ أيًّا من هُراءاتي
أقولُ كلَّ وأيَّ شيء
ولا تنطقان … أو لتنطقا بالرَّاحة!

الساعة الثالثة

إنها نوبةُ الذعرِ تتجدَّدُ يا أُمِّي
أنا ملتاعةٌ مذعورة
ولا أملِكُ القُدرةَ علی التشبُّثِ بيَدِ حبيبي
يدي تصرُخُ في يدِهِ
وما بينَ اليدينِ يغرقُ في الصَّمَم
وأغرقُ أنا في خوفي
وخوفي في خَفْقاتِ قلبيَ المُخفِقة
… واختناقٌ يا أُمِّي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤