لَيْلَةٌ فِي مَلْهًى

Wave Image
طَـرَبُ الـشِّـعْـرِ أَنْ يَـكُـونَ نَـسِـيـبَـا
مُـذْ أَجَـالَـتْ لَـنَـا الْـقَـوَامَ الـرَّطِـيـبَا
وَتَـجَـلَّـتْ فِي مَسْرَحِ الرَّقْصِ حَتَّى
أَرْقَــصَـتْ بِـالْـغَـرَامِ مِـنَّـا الْـقُـلُـوبَـا
أَقْــبَــلَــتْ تَــنْــثَـنِـي بِـقَـدٍّ رَشِـيـقٍ
أَلْـبَـسَـتْـهُ الْـبُـرْدَ الْـقَـصِـيـرَ قَـشِـيبَا
قَــصَّــرَتْ مِـنْـهُ كُـمَّـهُ عَـنْ يَـدَيْـهَـا
وَأَطَــالَـتْ إِلَـى الـنُّـهُـودِ الْـجُـيُـوبَـا
حَـبَـسَ الْـخَـصْـرَ حَيْثُ ضَاقَ وَلَكِنْ
أَطْــلَــقَ الــنَّـحْـرَ بَـادِيًـا وَالـتَّـرِيـبَـا
هُـوَ زِيٌّ يَـزِيـدُ فِـي الْـحُـسْـنِ حُسْنًا
مَـنْ تَـزَيَّـا بِـهِ، وَفِـي الـطِّـيـبِ طِيبَا
خَـطَـرَتْ وَالْـجَـمَـالُ يَـخْـطِـرُ مِـنْـهَا
فِـي حَـشَـا الْـقَـوْمِ جَـيْـئَـةً وَذُهُـوبَا
وَعَــلَــى أَرْؤُسِ الْأَصَــابِــعِ قَـامَـتْ
تَــتَــخَــطَّــى تَــبَــخْــتُـرًا وَوُثُـوبَـا
يَــعْــبِـسُ الْأُنْـسُ أَنْ تَـرُوحَ ذَهَـابًـا
وَيُــعِــيــدُ ابْــتَــسَــامَـةً أَنْ تَـئُـوبَـا
فَـهْـيَ إِنْ أَقْـبَـلَـتْ رَأَيْـتَ ابْـتِـسَـامًا
وَهْــيَ إِنْ أَدْبَــرَتْ رَأَيْــتَ قُـطُـوبَـا
نَـحْـنُ مِـنْـهَـا فِـي الْـحَـالَـتَـيْنِ تَرَانَا
نَـرْقُـبُ الـشَّـمْـسَ مَـطْـلَـعًـا وَمَـغِيبَا
تُـضْـحِـكُ الْـجَوَّ فِي الصَّبَاحِ طُلُوعًا
ثُـمَّ تُـبْـكِـيـهِ فِـي الْـمَـسَـاءِ غُـرُوبَـا
أَظْـهَـرَتْ فِـي الْمَجَالِ مِنْ كُلِّ عُضْوٍ
لَــعِــبًــا كَــانَ بِــالْــقُــلُـوبِ لَـعُـوبَـا
حَــيَّــرَتْــنَــا لَــمَّــا أَرَتْــنَـا عَـجِـيـبًـا
فَـعَـجِـيـبًـا مِـنْ رَقْـصِـهَـا فَـعَـجِـيـبَا
شَـابَـهَـتْ عَـطْـفَـةَ الْـغُـصُونِ انْثِنَاءً
وَحَـكَـتْ خَـطْـرَةَ الـنَّـسِـيـمِ هُـبُـوبَا
تَـلْـفِـتُ الْـجِـيـدَ لِـلـرُّجُـوعِ انْصِيَاعًا
كَـفَـطِـيـمٍ رَأَى عَـلَـى الْـبُـعْـدِ ذِيـبَـا
تَـثِـبُ الْـوَثْـبَـةَ الْـخَـفِـيـفَـةَ كَـالْـبَـرْ
قِ صُـعُـودًا فِـي رَقْـصِـهَـا وَصُـبُـوبَا
حَـــرَكَـــاتٌ خِــلَالَــهَــا سَــكَــنَــاتٌ
يَــقِــفُ الْــعَـقْـلُ بَـيْـنَـهُـنَّ سَـلِـيـبَـا
وَخُـطًـى تَـفْـضَـحُ الْـعُـقُـودَ اتِّـسَاقًا
نَــظَــمَــتْــهَــا تَــسَــرُّعًــا وَدَبِــيـبَـا
بَــسَـمَـتْ كَـوْكَـبًـا وَمَـرَّتْ نَـسِـيـمًـا
وَشَـدَتْ بُـلْـبُـلًا وَفَـاهَـتْ خَـطِـيـبَـا
لَـوْ غَدَا الْحُسْنُ شَاعِرًا يَنْظِمُ الْحُبَّ
قَــرِيــضًــا أَبْـدَى بِـهَـا الـتَّـشْـبِـيـبَـا
هِـيَ كَـالـشَّـمْـسِ فِـي الْبِعَادِ وَإِنْ كَا
نَ إِلَــيْــنَـا مِـنْـهَـا الـشُّـعَـاعُ قَـرِيـبَـا
عَــمَّــتِ الــنَّــاسَ بِــالْـغَـرَامِ فَـكُـلٌّ
قَــدْ غَــدَا عَــاشِــقًــا لَـهَـا وَرَقِـيـبَـا
زَهْــرَةٌ تُــبْــهِــجُ الـنَّـوَاظِـرَ حُـسْـنًـا
وَرُوَاءً وَتُــنْــعِــشُ الــرُّوحَ طِــيـبَـا
هِــيَ دَائِــي إِذَا شَــكَـوْتُ مِـنَ الـدَّا
ءِ وَطِـــبِّـــي إِذَا أَرَدْتُ طَـــبِــيــبَــا
وَأَتَـتْ بَـعْـدَهَـا مِـنَ الْـغِـيـدِ أُخْـرَى
يَـقْـتَـفِـي إِثْـرَهَـا الْـجَـمَـالُ جَـنِـيـبَا
فَأَرَتْــنَــا مِــنَ الْــجَــبِـيـنِ صَـبَـاحًـا
وَمِــنَ الْــخَــدِّ كَــوْكَــبًـا مَـشْـبُـوبَـا
حَــمَــلَــتْ بُــنْــدُقِــيَّــةً صَـوَّبَـتْـهَـا
نَــحْـوَ مُـسْـتَـهْـدِفٍ لَـهَـا تَـصْـوِيـبَـا
وَاسْـتَـمَـرَّتْ رَمْـيًـا بِـهَـا عَـنْ بَـنَـانٍ
لُــطْــفُــهُ ضَــامِـنٌ لَـهُ أَنْ يُـصِـيـبَـا
تُـحْـسِـنُ الـرَّمْـيَ تَـارَةً مُـسْـتَـقِـيـمًا
وَإِلَــى الْــخَــلْــفِ تَــارَةً مَــقْــلُـوبَـا
وَانْــكِــبَــابًــا إِلَــى الْأَمَــامِ وَإِقْــعَـا
سًــا كَــثِـيـرًا إِلَـى الْـوَرَاءِ عَـجِـيـبَـا
وَهْـيَ فِـي كُـلِّ ذَا تُـصِـيـبُ الـرَّمَايَا
مِـثْـلَـمَـا طَـرْفُـهَـا يُـصِـيـبُ الْـقُـلُوبَا
لَـوْ أَرَادَتْ رَمْـيَ الْـغُـيُـوبِ وَأَغْضَتْ
لَأَصَــابَــتْ خَــفِـيَّـهَـا الْـمَـحْـجُـوبَـا
•••
مَــشْــهَــدٌ فِــيــهِ لِــلْـحَـيَـاةِ حَـيَـاةٌ
تَــتْــرُكُ الْــوَالِــهَ الْـحَـزِيـنَ طَـرُوبَـا
قَــدْ شَــهِــدْنَــاهُ لَــيْــلَـةً جَـعَـلَـتْـنَـا
نَـحْـمَـدُ الـدَّهْـرَ غَـافِـرِيـنَ الـذُّنُـوبَـا
بَـيْـنَ رَهْـطٍ شُـمِّ الْـعَرَانِينِ يَنْفِي الْـ
ـهَــمَّ عَــنِّـي حَـدِيـثُـهُـمْ وَالْـكُـرُوبَـا
كَــرُمُــوا أَنْــفُــسًـا وَطَـابُـوا فِـعَـالًا
وَسَـمَـوْا مَـحْـتِـدًا وَعَـفُّـوا جُـيُـوبَـا
كُــلُّ ذِي نَــجْــدَةٍ تَـرَاهُ لَـدَى الْـفِـعْـ
ـلِ كَــرِيــمًــا وَفِـي الْـمَـقَـالِ أَدِيـبَـا
تِــلْــكَ وَالــلــهِ لَـيْـلَـةٌ لَـسْـتُ أَدْرِي
فِــي بِـلَادِي قَـضَـيْـتُـهَـا أَمْ غَـرِيـبَـا
كِـدْتُ أَنْـسَـى بِـهَـا الْـعِـرَاقَ وَإِنْ أَبْـ
ـقَــى نُـدُوبًـا بِـمُـهْـجَـتِـي فَـنُـدُوبَـا
يَــا سَــوَادَ الْـعِـرَاقِ بَـيَّـضَـكَ الـدَّهْـ
ـرُ فَأَشْــبَــهْـتَ مُـقْـلَـتَـي يَـعْـقُـوبَـا
شَـمَـلَـتْ رِيـحُـكَ الْـعَـقِـيـمُ وَقَـدْ كَا
نَـتْ لَـقُـوحًـا تَـهُـبُّ فِـيـكَ جَـنُـوبَـا
أَيْـــنَ أَنْــهَــارُكَ الَّــتِــي تَــمْــلَأُ الْأَرْ
ضَ غِــلَالًا بِــسِـيـحِـهَـا وَحُـبُـوبَـا؟
إِذْ حَـكَـتْ أَرْضُـكَ الـسَّـمَـاءَ نُـجُومًا
مَــاحِــيَــاتٍ أَنْــوَارُهــنَّ الْـجُـدُوبَـا
لَـهْـفَ نَـفْـسِـي عَـلَـى نَـضَـارَةِ بَـغْدَا
دَ اسْــتَـحَـالَـتْ كُـدُورةً وَشُـحُـوبَـا
أَيْــنَ بَـغْـدَادُ وَهْـيَ تَـزْهُـو عُـلُـومًـا
وَزُرُوعًـــــا وَأَرْبُــــعًــــا وَدُرُوبَــــا؟
أَقْـفَـرَتْ أَرْضُـهَـا وَحَـاقَ بِـهَـا الْـجَهْـ
ـلُ فَــجَـاشَـتْ دَوَاهِـيًـا وَخُـطُـوبَـا

عن القصيدة

  • مناسبة القصيدة: لما كان الرصافي في الآستانة سنة ١٨٩٨م أخذه جماعةٌ من فضلاء فلسطين، معهم الأستاذ خليل السكاكيني، إلى مرقص من مراقص الآستانة في إحدى الليالي، واقترحوا عليه أن يصفه، فقال هذه القصيدة.
  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: الخفيف
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

معروف الرُّصافي: أديب وشاعر وأكاديمي عراقي له إسهامات معتبَرة في حقلَي التعليم والثقافة.

وُلِدَ معروف عبد الغني محمود الجباري في مدينة بغداد العراقية عام ١٨٧٥م وتلقَّى علومه الأوَّلِيَّة في الكتاتيب كباقي أقرانه، ثم التحق ﺑ «المدرسة العسكرية الابتدائية» لفترة، ولكنه انتقل للدراسة في المدارس الدينية حيث تتلمذَ على يد مجموعة من علماءِ بغداد الكبار، وقد لقَّبَهُ أحد شيوخه بمعروف الرُّصافي بدلًا من معروف الكرخي.

بعد تخرُّجه عمِل الرُّصافي معلمًا ﺑ «مدرسة الراشدية» ثم مدرسًا للأدب العربي ﺑ «المدرسة الإعدادية» ببغداد، وقد تنقَّل بين المدارس حتى أصبح مدرِّسًا للُّغة العربية ﺑ «الكلية الشاهانية» بإسطنبول، وكان أيضًا يمارس الصحافة؛ حيث عمل محررًا بجريدة «سبيل الرشاد».

انتُخِب الرصافي عضوًا ﺑ «مجلس المبعوثان» العثماني في عام ١٩١٢م (وهو شبيه بالمجالس النيابية الآن)، وتقديرًا لجهوده الأدبية والتعليمية انتُخِب عضوًا ﺑ «مجمع اللغة العربية» بدمشق، ثم عُيِّنَ مفتشًا بمديرية المعارف العراقية.

آمَن الرُّصافي بأهمية التعليم وعمِل على نشره بين العراقيين من خلال دعواته وجهاده المستمر لبناء المزيد من المدارس، محفِّزًا الأغنياء على دعم المشاريع التعليمية وكفالة طلبة العلم، حيث رأى أن طريق التحرُّر الوطني يمر بالمدارس. والحديث عن التحرُّر الوطني يَجرُّنا بالضرورة إلى نشاط الرُّصافي السياسي ورفضه للاحتلال البريطاني واستبداد السلطة؛ فنجده قد دبَّج المقالات وألَّف القصائد الحماسية محرِّضًا الشعب على النضال السياسي، وكذلك الثورة ضد التقاليد والجمود.

ترك الرُّصافي الكثير من الأعمال الشعرية والنثرية المميزة التي عكست أسلوبَه الرصين ولغته المتينة جزْلة الألفاظ، وقد تنوعت الموضوعات التي كتب فيها ما بين السياسي والاجتماعي والأدبي والتاريخي، وكثيرًا ما أثارت كتبه ضجَّةً كبرى في الأوساط الثقافية؛ فكتابه الشهير «الشخصية المحمدية» اعتبره البعض تهجُّمًا على الدين ومقدساته.

تُوُفِّيَ الرُّصافي بعد حياة حافلة في عام ١٩٤٥م عن سبعين عامًا.

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤