مقدمة وتاريخ
من المشهور عن الفيلسوف الفرنسي ديكارت أنه قال: «أنا أفكر، إذن أنا موجود.» التفكير في الواقع هو جوهر ما يَعنيه أن تكون إنسانًا، وهو ما يُميز نوعَنا أكثر من أي شيءٍ آخر. فالنجاح المُذهل الذي حقَّقه البشر، والذي يتجاوز بفارقٍ كبير جميع الحيوانات الأخرى، يعتمِد على قدراتنا الفريدة في التفكير. ومن خلال التفكير، ولا سيما الاستدلال للوصول لغاية مُحددة، يُمكننا استغلال جميع القدرات الهائلة للذكاء البشري. يُساعدنا الاستدلال على حلِّ المشكلات الجديدة، واتخاذ القرارات الطارئة، وتطوير الرياضيات والعلوم والهندسة، وتصميم بيئاتنا بما يُناسِبنا. يمكننا حتى استخدام التفكير لدراسة التفكير نفسه، كما فعل الفلاسفة ومِن بعدِهم في الآونة الأخيرة علماء النفس على مدار قرون.
إن قدرة الاستدلال البشري مُذهلة حقًّا. إذ يتضمن الاستدلال وضع افتراضات واستخلاصَ نتائجها. قد يكون هذا مُعقدًا، حيث يتضمن عمليات رياضية، على سبيل المثال. ولكن ما يجعل التفكير العظيم صعبًا للغاية هو امتلاك الخيال لطرح الأسئلة الصحيحة، أو القدرة على رؤية الأمور من منظورٍ جديد تمامًا. عندما وضع أينشتاين نظريته عن النسبية، كانت فيزياء إسحاق نيوتن مدعومة بقوة بالأدلة المُتاحة لدرجة أن الجميع اعتقد أنه لا يُوجَد سبب للتشكيك بها. وأكدت جميع التجارب المعروفة تقريبًا توقُّعاته، لكن كانت هناك بعض الدراسات الغريبة التي تُشير إلى أن سرعة الضوء لا تعتمِد على سرعة المصدر الذي ينبعث منه. في محاولةٍ لفهم هذا، توصَّل أينشتاين بطريقةٍ ما إلى فكرةِ أن سرعة الضوء ثابتة، مما يعني أن الزمن لا بدَّ أن يكون نسبيًّا. افترض جميع الفيزيائيِّين السابِقين، ومِنهم نيوتن، أن الزمن مُطلَق. ومن هذه الفكرة الإبداعية الهائلة، وبمساعدة عددٍ ضخم من العمليات الرياضية المُعقَّدة، نشأت نظريَّتا النسبية الخاصة والعامة، اللتان أحدثتا ثورةً في عِلم الفيزياء.
أحد أمثلتي المُفضَّلة على قوة الاستدلال البشَري هو فكُّ شفرة إنيجما على يد ألان تورينج وغيره من علماء الرياضيَّات الذين اجتمعوا سرًّا في حديقة بلتشلي بإنجلترا، خلال الحرب العالمية الثانية. كانت شفرة إنيجما واحدةً من أهم الشفرات التي استخدمتها القيادة الألمانية لتشفير الاتصالات السرِّية التي تُبَث بالراديو. وقد كانت آلة إنيجما اختراعًا مُعقدًا وذكيًّا يحتوي على لوحة مفاتيح مُتصلة بعدَّة دوَّارات (أقراص دوَّارة) يمكن ضبطُها على عدة تكوينات. كما كانت تحتوي على لوحة توصيلٍ ذات أسلاكٍ متقاطعة قابلة للتعديل، ممَّا يزيد بدرجةٍ كبيرة عددَ مواضع البدء المُمكنة. مع كل ضغطةِ مفتاح، كانت الدوَّارات تدور، مما يُغير الشفرة لكل حرفٍ يتمُّ إدخاله. وعلى الرغم من ذلك، فبحلول الوقت الذي تمَّ فيه الحصول على أول آلة إنيجما، كان علماء بلتشلي قد عرفوا بالفعل شكلَها، بعد أن استنتجوا طبيعةَ الدوَّارات وأسلاك لوحة التوصيل وعددها فقط من خلال دراسة الاتصالات المُشفَّرة. وتمكَّنوا من فكِّ شفرة إنيجما وغيرها من الشفرات الصعبة، مما، ربما، يكون قد ساهم مساهمةً كبيرة في انتصار الحلفاء في الحرب.
لا يؤدي كلُّ تفكير إلى نتائج جيدة. ومن المُمكن أن يكون للعجز عن الاستدلال أو للاستدلال السيئ عواقب مؤسِفة أو حتى كارثية. في عام ٢٠١٣، أطلق أوسكار بيستوريوس، الرياضي الأولمبي الجنوب أفريقي، النار على حبيبتِه ريفا ستينكامب عبر باب حمَّامٍ مُغلق وقتَلَها. كان تبريره الفوري، الذي لم يتراجع عنه البتة، أنه ظنَّها مُتسللًا. كان بيستوريوس مُصابًا بخوفٍ مزمن من المتسلِّلين الخطِرين ولذلك كان يحمل السلاح. بحسب روايته، سمع صوتًا في الحمَّام، فأخذ مُسدسه وطلب من حبيبته، التي كان يظنُّ أنها ما زالت في السرير، أن تتَّصِل بالشرطة. وقد قال في المحكمة: «ثم سمعتُ صوتًا في الداخل، فظننتُ أن ثمة شخصًا على وشك الخروج من الحمَّام. وقبل أن أُدرك الأمر، أطلقتُ أربع رصاصاتٍ عبر الباب.» لم تُصدِّق الشرطة قصته عن المُتسلل ووجَّهت إليه تهمة القتل. ولكن بعدَ محاكمةٍ طويلة، قبلت المحكمة تفسيره وأدانته بالقتل غير العمْد أو، بالأحرى، القتل الخطأ. (في وقتٍ لاحق، غيَّرت محكمة الاستئناف الحُكم إلى إدانةٍ بالقتل استنادًا إلى وجهة نظرٍ قانونية.) في هذه الحالة، أدَّى استدلال خاطئ — بوجود مُتسلِّل خطير في حمَّامه — إلى عواقب مُميتة.
أحد أنواع الأخطاء الاستدلالية القاتلة التي تحدُث كل يومٍ هو التشخيص الخاطئ للحالة المرَضية للمريض. إذ يُقدَّر أن ما بين ٤٠ ألفًا و٨٠ ألفَ مريض يموتون سنويًّا في المستشفيات الأمريكية بسبب أخطاءٍ تشخيصية. هناك العديد من الأسباب التي تؤدي إلى وقوع مثل هذه الأخطاء. وتزداد احتمالية حدوثها عندما تكون أعراض المريض غامضةً وقد تحتمِل حالات مرضية مُختلفة. قد تحدث الأخطاء أيضًا بسبب إرهاق طاقم العمل الذين يتعاملون مع عدة حالاتٍ طارئة في وقتٍ واحد. ولكنَّ ثمة احتمالًا أن يرجع العديد من هذه الأخطاء إلى واحدٍ أو أكثر من «الانحيازات المعرفية» التي سنُناقشها في هذا الكتاب. لقد حظِيَت هذه الانحيازات بدراسةٍ مُكثفة من قِبل المُتخصِّصين في علم النفس المعرفي والاجتماعي وأصبحت مفهومةً إلى حدٍّ كبير. ومن أمثلتِها التي تنطبق على حالات التشخيص الطبي «الانحياز التأكيدي». إذا فكر الطبيب في بادئ الأمر في تشخيصٍ مُعين، فقد يستمر في البحث عن أدلةٍ تدعمه ولا يبحث عن (أو لا يلاحظ) الأدلة التي تدحضه. نعلم أن مثل هذه التشخيصات الخاطئة تحدث بكثرة لأنه يمكن اكتشافها أثناء فحوصات ما بعدَ الوفاة.
أنواع الاستدلال المختلفة
يُميز الفلاسفة بين ثلاثة أشكال رئيسية للاستدلال: الاستنباط، والاستقراء، والاستخلاص. ويعني الاستخلاص «الاستدلال بأفضل تفسير»، والتشخيص الطبي هو مِثال جيد على ذلك. إذ يعتمد هذا النوع من التشخيص عادةً على مزيجٍ من عدة أشكال من الأدلة: العلامات والأعراض القابلة للقياس الموضوعي (مثل فحوصات الدم)، والتاريخ الطبي للمريض، وعوامل الخطر ذات الصلة (مثل العمر، والنوع الاجتماعي، والتاريخ العائلي)، والمُقابلة الشخصية مع المريض. عادةً ما تكون هذه الاستدلالات احتمالية، أي أن أفضل تفسيرٍ هو الأكثر احتمالًا، لكنه ليس بالضرورة صحيحًا. تظهر الاستدلالات الاستخلاصية أيضًا في العديد من المجالات الأخرى التي نبحث فيها عن تفسيرات. افترض أن طائرةً تحطَّمت في المُحيط. هل كان ذلك بسبب عطلٍ ميكانيكي، أم خطأ الطيار، أم تخريب، أم سبب آخر؟ في بعض الأحيان يمكن تحديد السبب بثقةٍ عالية جدًّا، ولكن في حالاتٍ أخرى يظل السبب غير مؤكد. وغالبًا ما يطلب الجمهور من العلماء تقديم تفسيرات للأحداث، مثل الزيادات التي يبدو أنه لا يمكن كبحُها في درجات حرارة المحيطات والمناخ.
الاستدلالات الاستخلاصية بطبيعتها غير مؤكدة، ولا يُصيب الخبراء دائمًا فيها. على سبيل المثال، في عام ١٩٩٦، نشرت الحكومة البريطانية تقريرًا مدعومًا من كبار العلماء، يشير إلى وجود صلة بين تناول لحم البقر المُصاب بمرض الْتهاب الدماغ الإسفنجي البقري، أو جنون البقر، وظهور عددٍ من حالات الإصابة بشكلٍ جديد بشري من جنون البقر يُطلَق عليه مرض كروتزفيلد جاكوب. ولأن الشعب البريطاني كان قد تعرَّض للَّحْم الذي يحتوي على بروتين البريون المُسبب لمرض جنون البقر لسنواتٍ عديدة، وبما أن الأعراض كانت بطيئة الظهور، اقترح عدد من الخبراء البارزين في ذلك الوقت أن ما نشهده ليس سوى قمَّة جبل الجليد. وتوقَّعوا ظهور آلاف الحالات الأخرى في السنوات القليلة المقبلة. وبطبيعة الحال، تسبَّب هذا في حالةٍ من الذُّعر، لكن المرض لم يصل قطُّ إلى حالة الوباء، بل إن عدد حالات مرض كروتزفيلد جاكوب في المملكة المتحدة قد بدأ في الانخفاض بالفعل منذ ذلك الحين. كان الاستدلال الاستخلاصي بوجود علاقةٍ بين مرض كروتزفيلد جاكوب الجديد واللَّحم المصاب بجنون البقر منطقيًّا للغاية، لكنه كان على ما يبدو خاطئًا. لا أنتقد الخبراء هنا؛ فقد كان هذا هو أفضل تفسير وفقًا للأدلة المتاحة في ذلك الوقت. ولكن الناس لا يتسامحون دائمًا مع أخطاء الخبراء. فعلى الرغم من أن التنبؤ بالزلازل أمرٌ صعب للغاية، فقد أُدينت مجموعة من العلماء بتُهمة القتل الخطأ من قبل محكمة إيطالية إقليمية في عام ٢٠١٢ وحُكِم على كلٍّ منهم بالسجن ست سنوات. كانت جريمتهم هي تقديم تطميناتٍ كاذبة قبل وقوع زلزالٍ أودى بحياة أكثر من ٣٠٠ شخص. أدى هذا إلى احتجاجٍ جماعي من جانب المجتمع العلمي الدولي، وقد ألغت محكمة الاستئناف هذه الإدانات الاستثنائية لاحقًا.
يُولِي الفلاسفة أهمية خاصة للاستنتاجات الاستنباطية أو المنطقية. السبب هو أن الحجة المنطقية الصحيحة ستضمَن استنتاجًا صحيحًا إذا كانت الافتراضات صحيحة. يمكن اعتبار مُعظم الرياضيَّات شكلًا خاصًّا من المنطق، حيث تُستنبَط النظريات من المُسلَّمات أو الافتراضات. من الأمثلة الجيدة على ذلك هندسة إقليدس، التي أذهلت العقول عند نشرها في عام ٣٠٠ قبل الميلاد، والتي استنبطت جميع الأفكار الرئيسية للهندسة الأولية كما تُدرَّس اليوم. كان النظام يعتمد على خمسة افتراضات أساسية أو مُسلَّمات، مثل: (أ) يمكن رسم خط مستقيم بين أي نقطتَين، و(ب) جميع الزوايا القائمة متساوية، و(ج) الخطوط المتوازية لا تتلاقى أبدًا. في الأنظمة المنطقية، هناك دائمًا بعض الأمور المُصادَرة أو المُفْترَضة، والتي يُستنبَط منها كل شيء آخر. هذه المُسلَّمات عادة ما تكون بديهية ولا يمكن إثباتها بحدِّ ذاتها. إذا كان هناك قصور، فسوف يوجد هنا. على سبيل المثال، تنطبق مُسلَّمات إقليدس على الأسطح المسطحة وليس المنحنية، مثل سطح الأرض. ولهذا لا تنطبق بعض مسلماته على هذه الحالة، مما يجعل نظرياته غير صحيحة، وبالتالي فإننا نحتاج إلى نظام هندسي مختلف للأسطح والمساحات المُنحنية.
إذا فكرنا في هذا النوع من الاستدلال في النقاشات اليومية، فسنرى أن المشكلة نفسها ستظهر. حتى لو كان استدلال شخصٍ ما صحيحًا، فقد لا نتفق مع استنتاجاته لأننا لا نقبل مُقدماته. هذا هو السبب الذي يجعل النقاشات السياسية تبدو عقيمةً أو غير قابلة للحل. عادةً ما تُجرى هذه النقاشات بين أشخاص يتبنَّون أنظمة اعتقاد مختلفة. لنفترض أن النقاش يدور حول الإجهاض. يرى أحد الأطراف أن حقَّ المرأة في التحكُّم بجسدها هو من المُسلَّمات، بينما يبدأ الطرف الآخر نقاشَه بافتراض أن الحق في الحياة مُطلَق وينطبق على الجنين، بغضِّ النظر عن عُمره. بناءً على هذه المقدمات، سيصِل الطرفان، لا محالة، إلى نتائج مُتناقضة بشأن ممارسة الإجهاض. ولا يمكن لأي قدْر من الاستدلال المنطقي أن يحلَّ هذا الجدل. يُعطي المنطق نتائج أفضل في المجالات العلمية حيث يمكن للأشخاص الاتفاق على بعض الافتراضات والمُمارسات الأساسية. لكن حتى في العلم، ليس من المُمكن دائمًا التوصُّل إلى اتفاق، وقد ينقسِم أصحاب المجال الواحد إلى مناهج أو مواقف مُختلفة، على الأقل حتى تُجمَع أدلة دامغة لدعم موقف أو الآخر.
إذا كان الاستدلال الاستنباطي هو كل ما لدَينا للاعتماد عليه، فلن نتمكن أبدًا من تعلُّم أي شيءٍ جديد. فلا تأتي الاستدلالات الاستنباطية سوى بالنتائج التي نصل إليها بناءً على ما نعتقده أو نفترض صحته مُسبقًا. إذا كنا نعتقد أن جميع القطط لها ذيول وعلِمنا أن جيراننا لديهم قطٌّ جديد يُدعى «فلافي»، فيُمكننا إذن استنباط أن «فلافي» لديه ذيل. ولكن كيف توصَّلنا ابتداءً إلى الاعتقاد بأن جميع القطط لها ذيول؟ ربما تعلَّمنا ذلك، كقاعدةٍ علمية، ولكن الأرجح أننا تعلَّمناه من خلال خبرتنا عندما كنَّا أطفالًا. وهنا يأتي دور الاستدلال الاستقرائي. سيصادف الطفل عشرات إن لم يكن مئات القطط أثناء نشأته، وجميعها (عادةً) ستكون لها ذيول. أن تستنتج أنَّ جميع القطط لها ذيول من هذه الملاحظات هو الاستقراء. هذه الاستنتاجات ليست صحيحةً منطقيًّا (فقد تكون هناك قطط بلا ذيول لم نرَها)، لكنها مُفيدة جدًّا. بالطبع، بعض القطط لأسبابٍ تتعلق بالنوع أو بالحوادث لا تمتلك ذيولًا في الواقع؛ لذا فإن التعميم ليس دقيقًا تمامًا. ولكن هذه هي طبيعة معظم القواعد العامة التي نكتسبها من التجربة أو الخبرة. إذا كانت تنطبق في معظم الأحيان، فإنها تظلُّ أشكالًا مُفيدة من المعرفة، ويبدو أننا تطورنا للتعلم بهذه الطريقة لهذا السبب.
تُعَد دراسة التفكير في علم النفس قديمةً قِدَم علم النفس نفسه، حيث أُجريَت أولى التجارب المنهجية في القرن التاسع عشر. كان التفكير موضوعًا رئيسيًّا في مقررات عِلم النفس الجامعية حتى في أوائل القرن العشرين، قبل أن يسمع أحد بعلم النفس المعرفي أو علم النفس العصبي بكثير. وثمة سبب وجيه لذلك. فقد تفرَّع علم النفس عن الفلسفة، وكان الفلاسفة، منذ أرسطو ومَن بعده، مُهتمِّين بمحاولة فَهْم التفكير البشري وتفسيره. فهو، في نهاية المطاف، الأداة الرئيسية لمِهنتهم. كما اعتقد القدماء، كما لا يزال يعتقد مُعظم علماء النفس اليوم، أن التفكير — أو بالأحرى نوع مُعين من التفكير — هو ما يميز الذكاء البشري عن ذكاء باقي الأنواع الحيوانية. تتعلَّم الحيوانات بشكل عام تعديل سلوكها بناءً على ما نجح في الماضي. والبشر وحدَهم هم مَن يُمكنهم تخيُّل المستقبل، أو الأشكال المختلفة من المُستقبل، ثم حساب خطة العمل اللازمة لضمان أفضل النتائج.
هذا الكتاب من سلسلة «مقدمة قصيرة جدًّا» تحت عنوان «التفكير والاستدلال» لأن معظم أنواع التفكير التي يدرسها علماء النفس المُعاصرون تنطوي على تفكيرٍ يحسب نوعًا من النتائج ويمكن وصفه بأنه شكل من أشكال الاستدلال. ولكنِّي لم أستطع تسمية الكتاب «الاستدلال» فحسْب، حيث أغطِّي أيضًا مواضيع مثل الحدس والبصيرة التي لا تندرج بوضوحٍ تحت هذا التصنيف. على مرِّ التاريخ، تطوَّر تعريف التفكير من تعريفٍ كان يعتمد في الأصل على محتويات وَعْيِنا إلى فكرة الحوسبة الحديثة. سأُقدم نظرةً سريعة على كيفية هذا التطوُّر.
الدراسات المبكرة بالمنهج الاستبطاني
قد تعتقد، كما اعتقد أرسطو، أن التفكير يرتبط بمحتويات عقلك الواعي. للتقريب، فعلى سبيل المثال، إذا كنت مع مجموعة من الأصدقاء، «غارقًا في التفكير» ومن الواضح أنك لا تنتبه، فربما يسألك أحدهم عما كنت تفكر فيه. ستتذكر أفكارًا، أو صورًا، أو كلماتٍ خطرَت ببالك مؤخرًا يمكنك استخدامها للإجابة عن السؤال، إذا اخترت فعل ذلك. بطبيعة الحال، نعتبر مثل هذه الأفكار خاصة ولا يمكن لأحد غيرنا الوصول إليها. إذا كان ما كنا نفكر فيه بالفعل هو أن السائل قد اكتسب وزنًا زائدًا، أو أن زوجته تخونه وهو لا يعلم، فمِن غير المرجَّح أن نُجيب إجابةً صادقة. ولكن من حيث المبدأ، يبدو أننا قادرون على وصف ما نُفكر فيه بوعي. استخدم الفلاسفة، منذ أرسطو ومَن بعدَه، المنهج الاستبطاني لدراسة التفكير. فقد درسوا العقل الوحيد الذي كان بإمكانهم دراسته، عقلهم.
وعندما ظهر علم النفس كعلمٍ مستقل في القرن التاسع عشر، استند إلى الدراسة المنهجية للسلوك البشري باستخدام المنهج التجريبي قدْر الإمكان. وسرعان ما وضع ذلك مشكلاتٍ أمام المنهج الاستبطاني التقليدي. يتطلَّب المنهج العلمي أن تكون الملاحظات موضوعيةً وقابلة للتكرار. فكيف يمكن لمُلاحِظ مُستقل التحقُّق من الاستبطان؟ استخدمت التجارب المبكرة، مثل تلك التي نُفذت في جامعة فورتسبورج في ألمانيا عام ١٩٠٠ تقريبًا، «مُستبطنين» مُدرَّبين. كان يُفترض أن الرابط بين المثير والاستجابة يمكن أن يكون فكرةً أو صورة ذهنية واعية ويمكن التعبير عنها. على سبيل المثال، إذا أعطيتك اختبار تداعي الكلمات وكانت إجابتك «أوراق» عندما أقول «شجرة»، فقد تقول إنك رأيت صورة شجرة بأوراقها. أحيانًا يكون هذا هو ما حدث، ولكن في مناسبات أخرى، أفاد المُلاحِظون المُدرَّبون بأن شيئًا لم يخطر ببالهم يربط بين الكلمات، أو أفادوا بمشاعر غامضة لا يمكن وصفُها. الإشارة الواضحة هنا هي أن التفكير قد لا يمكن الوصول إليه دائمًا على مستوى الوعي.
كان أحد الآباء المؤسِّسين العظماء لعلم النفس، وهو ويليام جيمس، قلقًا من ألا يُدلي الأشخاص سوى بأفكارهم المُتعلقة بذكرياتٍ عن شيءٍ مضى، وأن يكون الاستبطان في حدِّ ذاته فِعلًا عقليًّا. فأن يُطلَب من شخص التعبير عن أفكاره من شأنه بالتأكيد أن يُغير ما يُفكر فيه. ولكن أعظم الرؤى المبكرة لمشكلات محاولة دراسة التفكير البشري ترجع إلى السير فرانسيس جالتون. وُلد جالتون عام ١٨٢٢، وكان أحد أقرباء تشارلز داروين من بعيد. كان باحثًا وكاتبًا غزير الإنتاج في مجموعةٍ متنوعة من العلوم، حيث قدَّم إسهاماتٍ مهمة لا سيما في علم النفس، والإحصاء، وعلم الوراثة. من بين العديد من المواضيع، أجرى دراساتٍ مهمة حول طبيعة التفكير، مُستخدمًا نفسه موضوعًا للدراسة.
وبينما كان جالتون يدرس تفكيره، ادَّعى أنه حلَّ المشكلة التي أثارها جيمس، على النحو التالي: «يبدو أنه من المُستحيل إعطاء الانتباه المطلوب لعمليات التفكير والتفكير في الوقت نفسه بحرية كما لو كان العقل غير مُنشغلٍ بأي شكلٍ من الأشكال. ما يُميز التجارب التي أنا على وشك وصفها هو أنني تمكنتُ من تجاوز هذه الصعوبة. منهجي هو السماح للعقل بالتفكير بحرية لفترة قصيرة، حتى تتبادر إليه فكرة أو فكرتان، ثم … توجيه الانتباه نحوهما … لإمعان النظر فيهما وتسجيل ظهورهما بدقة.» يبدو هذا التأكيد الذاتي للصحة غريبًا لعالِم النفس الحديث، لكن نتائج تجاربه تستحق الملاحظة.
اقترح الفلاسفة بدايةً من أرسطو أن التفكير يتكوَّن من «تداعي أفكار» تتبادر إلى العقل بالترتيب. لهذا السبب، ركَّزت التجارب الاستبطانية المُبكرة، بما في ذلك تجارب جالتون، على تداعي الأفكار. وتضمَّنت معظم تجاربه اختبارات تداعي الكلمات التي كان يُجريها على نفسه بشكلٍ مُتكرر، مع تسجيل التداعيات التي تطرأ على ذهنه بدقة. على الرغم من ذلك، فقد وصف أول الأمر نزهة في شارع «بال مال» في لندن، حيث قدَّر أنه لاحظ ما يقرب من ٣٠٠ شيء، ولكنه لم يُسجِّل سوى الأفكار التي خطرت على باله. كتب: «كان من المُستحيل عليَّ أن أتذكر، إلا بأكثر الطرق غموضًا، العدد الكبير من الأفكار التي مرَّت بعقلي، لكني على الأقل كنتُ واثقًا بأن بعض أحداث حياتي قد مرَّت أمامي … وأدركت على الفور أن الدماغ كان أكثر نشاطًا بكثيرٍ مما كنت أعتقد سابقًا.» ولكنه كان أقل انبهارًا عندما كرَّر التجربة ووجد أن العديد من التداعيات لم تتغير: «كان عدد المُمثلين على مسرحِ عقلي، كبيرًا بالفعل، لكن ليس بالقدْر الذي كنتُ أتصوَّره.» تم تأكيد هذه الإعادة المُتكررة للأفكار بشكلٍ أكثر دقة في تجارب تداعي الكلمات الخاصة به، حيث سُجِّلَت جميع التداعِيات رسميًّا.
لكن الملاحظة الأكثر عمقًا لجالتون كانت أن إنتاج هذه الأفكار كان تلقائيًّا، أي أنه سار دون مستوى الوعي: «كلما فحصتُ عملَ عقلي أكثر … استصغرت الدور الذي يلعبه الوعي … يبدو أن موقفه هو موقف المشاهد السلبي في الجزء الأكبر من العمل التلقائي للدماغ ولا يتدخل إلا في جزءٍ ضئيل جدًّا من عمل الدماغ.» ورغم أن تجارب جالتون تنتمي إلى عصرٍ مضى، فإن هذه النتيجة عصرية بشكلٍ لافت، وقليل من علماء النفس المعاصرين سيختلفون معها. إن الأفكار التي نكون واعِين بها تُمثل بالفعل جزءًا صغيرًا جدًّا من العمل الذي يقوم به الدماغ. وهنا يكمن القصور الرئيسي في المنهج الاستبطاني؛ حيث لا يُمكننا التوصُّل إلى كيفية عمل عقولنا بمجرد دراسة وعيِنا.
تأثير النظرية الفرويدية
كان سيجموند فرويد طبيبًا نمساويًّا، وُلِد في عام ١٨٥٦، وتخصَّص في علاج الأمراض النفسية، وخاصةً العصاب. ولهذا الغرض، طوَّر ممارسة «التحليل النفسي»، حيث يتحدث المعالج إلى المريض خلال عدة جلسات للكشف عن الأسباب الكامنة وراء حالته. يمكن تصنيف هذه الممارسة الآن كأسلوب من أساليب العلاج النفسي. ما يميز هذا النهج هو النظرية التي تكمن وراءه، وهي النظرية التي اشتهر بها فرويد بشكلٍ خاص. قد يكون من المفاجئ أن نعلم أن النظرية الفرويدية تلعب دورًا ضئيلًا في تدريس علم النفس اليوم. فقد يحصل الطالب على شهادته الجامعية دون أن يدرسها على الإطلاق. وإذا صادفها، فسيكون ذلك على الأرجح في مُقرر عن تاريخ علم النفس. السبب في ذلك هو أن علم النفس الحديث يُهيمن عليه المنهج العلمي، حيث يجب اختبار النظريات تجريبيًّا، ويفضل أن يتم ذلك من خلال تجارب مضبوطة. ويجب أن تكون النظرية العلمية، مبدئيًّا، قابلةً للدحض. ومن هذا المُنطلق، لا يعتبر علماء النفس النظرية الفرويدية نظريةً علمية. فكيف، على سبيل المثال، يمكن اختبار صحَّة تفسيرٍ تحليلي نفسي لحلمٍ من الأحلام؟
لقد كانت النظرية الفرويدية ولا تزال ذات تأثيرٍ كبير في الأدب والثقافة، وكذلك في العلاج النفسي. كما أنها تُشكل جزءًا مهمًّا من تاريخ علم النفس، وقد أثرت بالتأكيد على الأفكار المتعلقة بالتفكير. إذا كان التفكير هو تدفُّق الوعي، كما كان يُعتقَد بوجهٍ عامٍّ على مدار أكثر من ألفَي عام، فإن العقل كيان واعٍ. لكن فرويد — ومعه مُحللون نفسيون آخرون — زعموا أن سلوكنا يتحكم فيه غالبًا عقل غير واعٍ أو مُسبق الوعي. مثل جالتون، ولكن لأسبابٍ مختلفة تمامًا، كان فرويد يعتقد أن الوعي هو قمة جبل الجليد. وقد كان اهتمامه الأساسي هو علاج الاضطرابات النفسية مثل القلق الغامض السبب، والرُّهاب، وسلوكيات الوسواس القهري. كما هو معروف، فإن اللاوعي الفرويدي هو مستودع الانفعالات المكبوتة التي من شأنها أن تؤدي إلى سلوكياتٍ غير عقلانية. وترتبط بالكبت الآليات الدفاعية، مثل الإسقاط والتبرير. على سبيل المثال، قد يتجنَّب شخص حضور اجتماع يتطلَّب العودة إلى موقعِ حادثٍ صادم تم قمع ذكراه. وإذا سُئل عن السبب، فسوف يدَّعي أنه مشغول جدًّا أو لا يشعر أنه بصحة جيدة. وفقًا لفرويد، فإن مثل هذه التفسيرات هي «تبريرات»، أي أسباب زائفة اخترعها العقل الواعي لتفسير سلوكٍ تسبَّب فيه اللاوعي.
لا تزال فكرة أن الناس قد يُبررون سلوكًا ناتجًا عن دوافع غير واعية قائمة في علم النفس الحديث، ولكن بدون التفسير المُتعلق بالانفعالات المكبوتة. في الواقع، لقد استفدتُ من هذه الفكرة شخصيًّا في عملي على نظرية المعالجة المزدوجة التي سأناقشها لاحقًا في هذا الكتاب. في إحدى التجارب الشهيرة التي نُشرت في سبعينيَّات القرن العشرين، طُلب من المشاركين الاختيار بين أربعة أزواج من الجوارب المعروضة من اليسار إلى اليمين، بناءً على جودتها. كان هناك تفضيل واضح للزوج الموجود على اليمين، مُوضِّحين أنه يتمتع بخصائص أفضل، من حيث القوة، والمرونة، وما إلى ذلك. ولم يقُل أحد إنه اختار هذا الزوج لأنه كان على اليمين. المشكلة الوحيدة هي أن الجوارب الأربعة كانت متطابقة. يوضح لنا هذا أن (أ) الناس ليسوا واعِين بالانحياز المكاني الذي أظهرته التجربة، و(ب) أنهم يُبررون سلوكًا ناتجًا عن هذا الانحياز اللاواعي. ولكن يجب ملاحظة أنه على عكس نظرية فرويد، فإن هذا التبرير ليس آلية دفاعية. فمن غير المعقول التفكير في أن أيَّ عواطف مكبوتة كانت تلعب دورًا هنا، بالتأكيد بالنسبة إلى غالبية المشاركين. لكن حقيقة أن الناس يُمكنهم بسهولة تبرير تفسيرهم لسلوكهم تُعتبر ملاحظة سلبية أخرى على منهج الاستبطان.
جميعنا لدَينا آراء بديهية حول سلوكنا وسلوك الآخرين، وهي ما يُسمَّى أحيانًا «علم النفس الشعبي». وفكرة أن بإمكاننا تقديم تفسيرات لسلوكنا هي واحدة من هذه الآراء. ولا بدَّ أن يكون هذا الرأي سليمًا، لأنه ثمة صناعة لاستطلاعات الرأي مَبنية عليه. فمستطلعو الرأي لا يسألون الناس فحسب عن أصواتهم في الانتخابات، على سبيل المثال، بل يسألونهم أيضًا «لماذا». أو يسألونهم كيف تأثرت آراؤهم بالأحداث الأخيرة. هناك العديد من الدراسات النفسية التي تُشير إلى أن الإجابات عن هذه الأسئلة من شأنها أن تكون غير موثوقة. قد يفترض علم النفس الشعبي أن الناس يتصرَّفون لأسبابٍ واعية يمكنهم التعبير عنها، لكن الأدلة العلمية تشير إلى غير ذلك. الجانب المُعضل في هذا هو أن الناس لا يعرفون ما لا يعرفونه! واحدة من القواعد الأساسية في علم النفس هي أن الناس سيجيبون عن أي سؤالٍ سخيف تطرحه عليهم. ولكن ذلك لا يعني أنه يجب عليك تصديق الإجابات.
السلوكية
في أوائل القرن العشرين، تأسست حركة تُسمى «السلوكية» كردِّ فعلٍ قوي ضد علم النفس الاستبطاني. نفت السلوكية أيَّ إشارة إلى العمليات الداخلية للعقل، وهيمنت على عِلم النفس لمدة تُقارب الخمسين عامًا. كان منطقها واضحًا. فعلم النفس هو عِلم، ويجب إذن أن يعتمد على ملاحظات موضوعية قابلة للتكرار على يد أيِّ مُلاحِظ آخر. على هذا الأساس، يُمكننا دراسة السلوك فقط، وليس الحالات العقلية. وكما تقول النكتة القديمة، عندما يلتقي اثنان من السلوكيين، يسأل أحدُهما: «كيف حالي؟» فيرد الآخر: «أنت بخير. كيف حالي أنا؟» سيطرت السلوكية، بأشكالها المختلفة، على عِلم النفس خلال النصف الأول من القرن العشرين.
تأسست المدرسة السلوكية على يدِ جون بي واتسون، الذي وُلد في ساوث كارولينا عام ١٨٧٨. في مقال شهير نُشر في عام ١٩١٣، شنَّ واتسون هجومًا لاذعًا على عِلم النفس الاستبطاني، حيث قال: «علم النفس كما يراه السلوكي هو توقع السلوك والسيطرة عليه. لا يُشكل الاستبطان جزءًا أساسيًّا من أساليبه … يبدو أن الوقت قد حان ليُقصي عِلم النفس كل إشارة إلى الوعي؛ وأنه لم يعُد بحاجة لخداع نفسه بالاعتقاد بأن الحالات العقلية هي موضوع الملاحظة.» كان واتسون، مثل السلوكيين اللاحِقين، مُهتمًّا جدًّا بدراسة تعلُّم الحيوان، واقترح أن سلوكَي الإنسان والحيوان يخضعان للآليات نفسها.
ركَّز مؤيدو علم النفس السلوكي الأوائل على «الارتباط الشرطي التقليدي أو الكلاسيكي». عندما يتم ربط مثيرٍ واستجابةٍ ويوجَد الدعم (مكافأة أو عقاب)، فإن هذا الارتباط سيتم تعلُّمه. ومن ثم يمكن تدريب فأر على الهروب من ضوء أحمر إذا تم صعقه كهربائيًّا عند إضاءة هذا الضوء. سيقول السلوكيون إن الرهاب لدى الإنسان يتم تعلُّمه بالطريقة نفسها تمامًا. على سبيل المثال، قد يرفض شخص تعرَّض لاضطراباتٍ جوية شديدة أثناء الطيران صعود الطائرة في المُستقبل. ولكن السلوكي لن يُشير إلى تجربة انفعالية مثل الخوف، بل سيقول ببساطة إن تجنُّب الطيران هو استجابة مشروطة. وهكذا، تم اعتبار علم النفس «علمًا» من خلال تقييد مُصطلحاته بالملاحظة الموضوعية.
ربما يكون أشهر السلوكيين هو عالم النفس الأمريكي بي إف سكينر (١٩٠٤-١٩٩٠). لقد ركز على ما يُعرف بالارتباط الشرطي الاستثابي أو الأدواتي. فقد تُنتَج السلوكيات عشوائيًّا، ولكن فقط تلك التي تتم مكافأتها هي التي ستستمر، مما يعني أن سلوك الفرد يتشكل أو يتكيَّف وفقًا لبيئته. كان سكينر أشهر عالم نفس في عصره بلا مُنازع، حتى إنه قد كتب رواية بعنوان «والدن الثاني»، تُصور رؤيته لمجتمعٍ فاضل مبني على الارتباط الشرطي الاستثابي. ولكن سكينر قد واجه غريمَه عندما كتب كتابًا حاول فيه تفسير اكتساب اللغة البشرية باعتباره ارتباطًا شرطيًّا «للسلوك اللفظي». فقد كتب لغويٌّ شاب غير معروف نسبيًّا آنذاك يُدعى نعوم تشومسكي واحدةً من أهم مُراجعات الكتب في تاريخ علم النفس، حيث نسف حُجج سكينر. أظهر تشومسكي، الذي أصبح أشهر وأهم لغوي في العالم، أن اللغة لها بِنية لا يمكن اكتسابها من خلال التعلُّم السلوكي كما اقترحه سكينر. كان هذا أحد التأثيرات الرئيسية التي دفعت الناس إلى فَهم عدم كفاية نظرية التعلُّم السلوكية.
هيمنت السلوكية على عِلم النفس حتى أواخر خمسينيات القرن العشرين، وهو أمر يُثير الدهشة بالنظر إلى مدى قصورها. على وجه الخصوص، فإن اقتراح أن سلوك الإنسان يمكن تفسيره بالطريقة نفسها التي يُفسَّر بها سلوك الحيوانات الأخرى هو أمر جليُّ الخطأ. على سبيل المثال، يمتلك البشر نظامًا متقدمًا للغاية للُّغة، لا يمكن، كما أظهر تشومسكي، وصفُه ببساطة بأنه «سلوك لفظي». يمكن للبشر أيضًا أداء إنجازاتٍ معرفية لا يمكن لأي نوع من الارتباط الشرطي تفسيرها. وأُشير هنا إلى البشر العاديين في حياتهم اليومية، وليس العباقرة. على سبيل المثال، افترض أنك تعيش في جزءٍ من أجزاء لندن وتدعُو شخصًا يعيش في منطقةٍ أخرى لتناوُل العشاء. وتُعطيه — باستخدام اللغة — المعلومات التالية فقط: رقم المنزل، واسم الشارع، والرمز البريدي، والوقت، والتاريخ. باستثناء حالات الحوادث، سيتمكن معظم الناس من الوصول في الوقت المُتفق عليه تقريبًا، حتى لو لم يزوروا تلك المنطقة من قبل. ولكي يفعلوا ذلك، يتَّخذون العديد من القرارات مثل قطار الأنفاق الذي يجب أن يركبوه، وفي أي محطة يجِب أن يُغادروا القطار، وأي منعطف سيسلكونه للوصول إلى المنزل. إنها رحلتهم الخاصة، ومن ثم لا يوجَد ارتباط شرطي بين المُثير والاستجابة. من الواضح أنه لا يمكن لأي حيوانٍ آخر على هذا الكوكب تحقيق مثل هذا الإنجاز أو أيٍّ من مكوناته الأساسية، مثل فهم اللغة، أو قراءة الخرائط، أو حساب وقت الرحلة مسبقًا. للتعامُل مع مثل هذه الأمور، كانت هناك حاجة إلى نهجٍ جديد تمامًا.
علم النفس المعرفي
علم النفس المعرفي هو حركة بدأت عام ١٩٦٠ تقريبًا وخلال ١٠ سنوات أو نحو ذلك حلَّت إلى حدٍّ كبير مَحلَّ السلوكية. ولا يزال هو النموذج المهيمن لدراسة التفكير، على الرغم من أن علم الأعصاب قد أكمل أساليبه في بعض الأحيان في السنوات الأخيرة، مما سمح بتتبع عمليات الدماغ أثناء أداء الناس للمهام المعرفية. غالبًا ما يُهيمن القياس على التفكير العلمي؛ على سبيل المثال، اقترح واتسون أن الدماغ يُشبه لوحة مفاتيح الهاتف حيث تُوصل المثيرات الواردة مباشرةً بالاستجابات الصادرة. نشأ عِلم النفس المعرفي من تقدُّم الحوسبة الرقمية والتشبيه القوي الذي قدمته. تُعالج أجهزة الكمبيوتر المعلومات وفقًا لمجموعة من التعليمات — أو البرامج — التي يتم تزويدها بها.
الافتراض الأساسي في عِلم النفس المعرفي هو أن الدماغ عبارة عن جهاز كمبيوتر ومُهمتنا هي اكتشاف برامجه. عندما تُعطيني عنوانًا وأصل في الوقت المُتفق عليه للعَشاء، فهذه استجابة لمُثير. لكن بينهما يجِب أن يكون هناك قدر كبير من النشاط العقلي في شكل معالجة للمعلومات يُجريها الدماغ. لا يمكن لأي روبوت مُجهز بأذكى أجهزة الكمبيوتر أن يُتصوَّر قيامه بهذه المهمة في الوقت الحاضر، لكننا نفترض أنه سيتمكن من ذلك في نهاية المطاف، عند تزويده بالبرمجة الصحيحة. نحن البشر لدَينا هذا البرنامج بالفعل! إن محاولة جعل أجهزة الكمبيوتر والروبوتات ذكيةً، ومحاولة فهم كيفية عمل الذكاء البشري هما نشاطان يُكمل أحدهما الآخر. فكلاهما معًا يشكلان ما يُعرف باسم العلوم المعرفية.
لقد دخلت دراسة العقل البشري مرةً أخرى إلى علم النفس في شكلٍ مختلف عن ذلك الذي سبق السلوكية. فلم يعُد يُنظَر إلى التفكير باعتباره تدفقًا للوعي، بل كشكلٍ عالي المستوى من معالجة المعلومات داخل الدماغ. بلا شك، لا يزال الوعي لغزًا وموضوعًا للدراسة، ولكنه لم يعُد يُعتبَر جوهر العقل، كما أن الاستبطان لم يعد المنهجية المُفضلة لدى المُتخصِّصين في علم النفس المعرفي. ما نقوم به هو علمي تمامًا ولا يختلف كثيرًا عن منهجية دراسة الفيزياء. في كِلا المجالَين، نقوم بملاحظة السلوك الذي يمكن ملاحظته ونضع النظريات حول العمليات المُفسِّرة له غير القابلة للملاحظة. على سبيل المثال، مجال الجاذبية هو النظرية التي تفسر السلوك الملحوظ للأجسام ذات الكتل المختلفة الموجودة بعضها بالقُرب من بعض، مثل النجوم في المجرَّة. تُختبَر نظريات الجاذبية من خلال التنبؤات التي تُقدمها حول حركة الأجسام. وبالطريقة نفسها، ندرس التفكير عن طريق وضع النظريات حول العمليات العقلية التي يتضمَّنها، والتنبؤ بالسلوك. على سبيل المثال، نتوقَّع أن يكون حل مشكلةٍ ما أصعب من مشكلة أخرى، وفقًا لقياس عدد الأخطاء أو الوقت المُستغرَق للاستجابة. تشير النظريات إلى عمليات لا يمكن ملاحظتها، ولكن يمكن اختبارها من خلال آثارها القابلة للملاحظة على سلوكنا.
إذن، ما هو التفكير كما يراه عالِم النفس المعرفي الحديث؟ أي مهمة معرفية تشمل عدة عمليات داخلية مثل تلك المتعلِّقة بتوليد اللغة أو فهمها، أو إدراك المثيرات، أو تحريك إصبع للإشارة ﺑ «نعم» أو «لا» ردًّا على مهمةٍ حسب التعليمات. عندما نتحدث عن «التفكير»، فإننا نشير إلى أعلى مستويات هذه العمليات وأكثرها مرونة. يحدث التفكير عندما لا توجَد برمجة عصبية بسيطة أو ردٌّ معلوم مسبقًا على المهمة الحالية. تتعامل سيكولوجية التفكير بشكل أساسي مع الأشياء الجديدة. كيف نحلُّ مشكلة، أو نتخذ قرارًا، أو نستدل وصولًا إلى استنتاج عندما تكون هذه المهمة التي نحن بصددها جديدةً تمامًا علينا ولم نمر بها من قبل؟ كان المتخصِّصون في علم النفس المعرفي يدرسون مثل هذه الأسئلة بشكل مكثف على مدى الخمسين سنة الماضية أو أكثر، وهذا الكتاب سيُلخِّص العديد من اكتشافاتهم.