الفصل الثالث

التفكير الافتراضي

من السمات الرائعة والمميزة للذكاء البشري هي قدرتنا على التفكير الافتراضي. إذ يُمكننا أن نتخيل كيف يمكن أن تكون الأمور في المستقبل، وكيف كان يمكن أن تسير بشكلٍ مختلف في الماضي. بقدراتنا التخيلية هذه نستمتع بقراءة الروايات ومشاهدة الدراما في التلفزيون أو السينما، وهي في حدِّ ذاتها دليل استثنائي على الشكل الفريد للذكاء البشري. ولكن الخيال ليس موجودًا للترفيه فحسب. لكنه يلعب دورًا مهمًّا في العلم، والفن، والهندسة، وهو أساسي في اتخاذ القرارات العقلانية.

الفرضية هي افتراض يتعلَّق بأحد جوانب العالم من حولنا. ويُشكِّل وضع الفرضيات واختبارها بطريقةٍ غير رسمية جزءًا من تفكيرنا اليومي. إذا تعطلت سيارتنا في الصباح وكانت لدَينا معرفة ابتدائية بالميكانيكا، فقد نفكر في السبب الأكثر شيوعًا، وهو أن تكون البطارية فارغة. سرعان ما يُمكننا استبعاد هذه الفرضية إذا دار المحرك بشكلٍ سليم عند إدارة مفتاح التشغيل لكن السيارة لم تعمل. في هذه الحالة، لديَّ من المعرفة ما يكفي لأفترض أن المشكلة تتعلق إما بنقص الوقود أو بعُطل في نظام الإشعال. كما لديَّ من المعرفة ما يجعلني أذهب بالسيارة إلى الميكانيكي في هذه الحالة لمعرفة الخلَل وإصلاحه. يُمكننا أن نرى هنا أن اختبار الفرضيات هو جزء من حلِّ المشكلات. المشكلة هنا هي أن السيارة لا تعمل وتحتاج إلى إصلاح. ولكن تحديد سبب المشكلة هو المرحلة الأولى في حلها. والميكانيكي لن يُضيع الوقت في فك خطوط الوقود بحثًا عن انسدادٍ دون إجراء اختبارٍ بسيط لنظام الإشعال. قد يكون السبب أن شمعات الإشعال مُتسخة، ويمكن فحصُها بسرعة وسهولة.

عند هذه المرحلة يُمكننا الحديث عن فكرة «النموذج الذهني». جميع سائقي السيارات لديهم نموذج ذهني للسيارة في عقولهم يُخبرهم بكيفية تشغيلها. بوجهٍ عام، يكون مثل هذا النموذج بسيطًا نوعًا ما، ويتضمن قواعد مثل: إدارة مفتاح الإشعال تُشغِّل المحرك، والضغط على دوَّاسة الوقود يزيد السرعة، والضغط على الفرامل يُقلل السرعة، وما إلى ذلك. غير أن الخبراء لدَيهم نماذج عقلية أكثر تعقيدًا وتفصيلًا. فالميكانيكي لدَيه نموذج ذهني مُفصل عما يحدث بين إدارة مفتاح الإشعال وتشغيل المحرك، أو بين الضغط على الفرامل ونتيجته. أما السائق العادي فليس لدَيه إلا فكرة غامضة عن هذه الأشياء أو ربما لا يعرف شيئًا عنها على الإطلاق. عندما لا تعمل سيارتي، فإن فرضياتي هي في الأساس: (أ) البطارية فارغة (وفي هذه الحالة أعرف ماذا أفعل)، أو (ب) سبب آخر (وفي هذه الحالة أترك الأمر للميكانيكي). يُتيح النموذج الذهني الأكثر تعقيدًا للميكانيكي اختبار سلسلةٍ من الفرضيَّات الأكثر تحديدًا، مما يجعله يصل بكفاءة إلى سبب المشكلة. تُشبه عملية التفكير لمعرفة الأعطال الميكانيكية إلى حدٍّ كبير تلك التي تُستخدَم في التشخيص الطبي، والتي تسير على نحوٍ مُشابه لما يلي:

  • جمع الأدلة الأولية (مثل أعراض المريض) وتشكيل فرضية عن الحالة الأكثر احتمالًا التي تتوافق مع هذه الأعراض.

  • إجراء بعض الفحوصات للتحقق من صحة الفرضية (مثل فحص المريض أو إجراء تحليل دم).

  • إذا استبعدت الأدلة الفرضية الأولى، يتم تخمين فرضية جديدة حول ثاني أكثر سبب احتمالًا وتكرار العملية.

بالطبع، كل من ميكانيكيي السيارات والأطباء هم خبراء في حل المشكلات، مما يعني أنهم يعتمدون بشكلٍ كبير على التعرف على الأنماط المألوفة ولديهم إجراءات مدروسة جيدًا لاختبار الفرضيات. ركزت الأبحاث النفسية حول اختبار الفرضيات، كما هو الحال في معظم موضوعات علم النفس المتعلقة بالتفكير، على المشارِكين غير المدرَّبين الذين يواجهون مشكلات جديدة، حيث يكون الاستدلال هو المحور الرئيسي. أحد الأسباب التي تُعطي أهمية لهذا الأمر هو أن اختبار الفرضيات يلعب دورًا مهمًّا في التفكير العلمي.

اختبار الفرضيات والاستدلال العلمي

ليس هدف العلوم جمع الحقائق فحسب، بل تطوير المعرفة أيضًا. وتعتمد العلوم على وجود نظرياتٍ جيدة، مثل ميكانيكا نيوتن أو نظرية الانتخاب الطبيعي لداروين في التطوُّر. تُساعدنا هذه النظريات في فَهم العالم الطبيعي والتنبؤ بما يحدُث فيه، كما تُشكِّل الأساس للتقدم التكنولوجي. لكن فلاسفة العلوم طالما شُغلوا بما يُعرَف «بمشكلة الاستقراء». غالبًا ما تُصاغ القوانين العلمية بعبارات عامة: «كل أ هو ب». مثال على ذلك قانون بويل، الذي ينصُّ على أن ضغط الغاز في نظامٍ مُغلق يتناسب عكسيًّا مع حجمه، شريطة أن تظلَّ درجة الحرارة ثابتة. ينطبق هذا القانون على جميع الغازات في جميع الظروف. ويمكن اختبار مثل هذا القانون تجريبيًّا بوضوح. إذا قُمنا بضغط كميةٍ من الغاز إلى نصف حجمها الأصلي (مع إبقاء درجة الحرارة ثابتة)، يُمكننا التنبؤ بتضاعُف الضغط. بعد ذلك، يمكن أن تؤكد قياسات مُستقلة للضغط صحة توقُّعنا.

المشكلة الفلسفية في هذه الطريقة هي أنه مهما كان عدد التجارب التي تؤكد صحة القانون، لا يُمكننا أن نستنتج أن قانون بويل صحيح بشكلٍ مُطلق. فالقانون ليس استنتاجًا صحيحًا منطقيًّا من الأدلة. ولكن كما أشار الفيلسوف كارل بوبر، لا نحتاج سوى إلى دليل نفيٍ واحد لنعرف أنه «خاطئ». إذا كان قانوننا العلمي بالصيغة «كل أ هو ب»، يكفي أن نجد حالة واحدة فقط ﻟ «أ» لا يكون فيها «ب» لدحض القانون. وهذا الاستنتاج «بالفعل» صحيح منطقيًّا. لذا، من حيث المبدأ، قد تكون تجربة واحدة كافية لدحض القانون. بناءً على ذلك، أوصى بوبر بأن نصوغ النظريات العلمية بطريقةٍ يمكن دحضها، ثم نبدأ في محاولة إثبات خطئها.

كانت فلسفة بوبر في العلم مؤثرة للغاية عندما نُشرت في خمسينيات القرن العشرين، وألهمت عالم النفس البريطاني بيتر واسون في بعض تجاربه المبكرة التي نُشرت منذ الستينيات فصاعدًا. كان لواسون تأثير مهم للغاية على علم نفس الاستدلال كما نعرفه اليوم. فقد ابتكر عدة مسائل جديدة لا يزال الباحثون يستخدمونها حتى الآن، وكان من أوائل علماء النفس الذين اقترحوا أن الناس قد يكونون مُتحيِّزين وغير عقلانيِّين في استدلالهم. فقد اقترح تحديدًا أن الناس، أو، على الأقل، المشاركين في التجارب من طلابه، لا يلتزمون بفلسفة بوبر في العلم. إذ بدا أنهم يختبرون فرضياتهم بمحاولة إثبات صحتها بدلًا من محاولة دحضها. وقد أصبحت هذه النزعة تُعرَف على نطاقٍ واسع باسم «الانحياز التأكيدي». كان دليل واسون مبنيًّا على مسألتَين من اختراعه، تُعرفان بمسألة ٢–٤–٦ ومسألة الاختيار.

نُشرَت مسألة ٢–٤–٦ لأوَّل مرة في عام ١٩٦٠، لكن دراستها استمرت حتى يومِنا هذا. يتم إبلاغ المشاركين (غالبًا طلاب) بأن من يُجري التجربة لديه قاعدة في ذهنه تُصنف مجموعاتٍ من ثلاثة أعداد صحيحة، أو ثُلاثيات. مثال على مجموعة تتماشى مع هذه القاعدة هو ٢–٤–٦. والمسألة هي اكتشاف القاعدة عن طريق تكوين ثُلاثيات جديدة، ثم سيُفيد مجري التجربة بما إذا كانت هذه الثُّلاثيات تتماشى مع القاعدة أم لا. طُلب من المشاركين تسجيل الأسباب لكل ثُلاثية وعدم الإفصاح عن القاعدة سوى عند التأكد منها. ولكن إذا لم يتمكنوا من معرفة القاعدة الصحيحة، فسيُطلَب منهم الاستمرار في إجراء المزيد من الاختبارات حتى ييئسوا أو ينتهي الوقت المُحدد للمهمة. تحتوي التجربة على خدعة تجعل من الصعب جدًّا حل المسألة. فالقاعدة في الواقع عامة للغاية — «أي تسلسُل تصاعدي» — ولكن المثال المقدَّم يُشير إلى شيء أكثر تحديدًا، مثل الأعداد التي تزيد بمقادير متساوية. ما يحدث هو أن الناس يقتنعون بأن القاعدة الصحيحة هي قاعدة أكثر تحديدًا؛ لأن جميع اختباراتهم تؤكد صحَّة ما يعتقدونه. إليك مثال على أحد البروتوكولات التي جاءت في الدراسة الأصلية التي أُجريت عام ١٩٦٠:

٨–١٠–١٢ حيث يجمع ٢ في كل مرة؛ ١٤–١٦–١٨ أعداد زوجية مُرتبة حسب القيمة؛ ٢٠–٢٢–٢٤ نفس السبب؛ ١–٣–٥ حيث يجمع ٢ على العدد السابق

  • «القاعدة هي أنه عند البدء بأي عدد، يتم جمعُه مع ٢ في كل مرةٍ لتكوين العدد التالي» (١)

  • ٢–٦–١٠ العدد الأوسط هو المتوسط الحسابي للعددَين الآخرين؛ ١–٥٠-٩٩، نفس السبب

  • «القاعدة هي أن العدد الأوسط هو المتوسط الحسابي للعددين الأول والأخير» (٢)

  • ٣–١٠–١٧ يجمع ٧ في كل مرة؛ ٠–٣–٦ يجمع ٣ في كل مرة

  • «القاعدة هي أن الفارق بين أي عددين مُتتاليين متساوٍ» (٣)

  • ١٢–٨–٤ يُطرح نفس العدد في كل مرة

  • «القاعدة هي جمع عدد، نفس العدد دائمًا، لتكوين العدد التالي» (٤)

  • ١–٤–٩ أي ثلاثة أعداد مُرتبة حسب القيمة

  • «القاعدة هي أي ثلاثة أعداد مرتبة حسب القيمة» (٥)

يواصل هذا المشارك الإفصاح عن قواعد خاطئة، بعضها متشابه جدًّا، قبل أن يجد الحل في النهاية. لاحظ أن كل ثُلاثية يتم اختبارها، بما في ذلك الأخيرة، هي اختبار إيجابي للفرضية الحالية. بعبارة أخرى، حالة يُتوقع أن تتوافق مع القاعدة. ولكن الثُّلاثية الأخيرة ١–٤–٩ ستكون اختبارًا سلبيًّا لكل القواعد السابقة التي تم الإفصاح عنها، مثل جمع نفس العدد لتكوين العدد التالي في السلسلة. لتلك الفرضية، يجب على مُجري التجربة أن يقول لا، لا تنطبق عليها القاعدة. النتيجة الرئيسية للدراسة هي أن هذه الاختبارات السلبية نادرًا ما تُجرى، ومن ثم فإن الفرضيات التي يطرحها اختبار ٢–٤–٦ من الصعب أو من المستحيل استبعادها.

تُظهر مسألة ٢–٤–٦ أن الناس يختبرون فرضياتهم في الغالب من خلال توقُّعات إيجابية، ولكن هل يعني هذا أن لديهم انحيازًا تأكيديًّا كما اقترح واسون؟ انظر إلى جدول ٣-١. من حيث المبدأ، يمكن أن يؤدي كلٌّ من الاختبار الإيجابي أو السلبي إلى تأكيد الفرضية أو نفيِها. في هذه المسألة بالذات، لا يمكن للاختبار الإيجابي للفرضية أن يتلقَّى الإجابة «لا»، لكن هذا لا ينطبق على الفرضيات عمومًا. إذا كان بُستانيٌّ يراقِب النباتات في قطعة أرض تم الحصول عليها حديثًا ويعتقد أن التربة حمضية، يُمكنه إجراء اختبار درجة الحموضة الذي سيكشف عما إذا كانت حمضيةً أم قلوية. ورغم أن الاختبار إيجابي في التوجُّه، يمكن ببساطة أن تكون النتيجة سلبيةً إذا كانت التربة قلوية بالفعل. وإذا كان جاره مقتنعًا بأن التربة قلوية وأجرى الاختبار، فستكون النتيجة هي نفسها. لا يهمُّ أي نتيجةٍ كانت مُتوقعة.
جدول ٣-١: النتائج التأكيدية والنافية للاختبار الإيجابي والسلبي للفرضية
هل يتطابق مع القاعدة؟
اختبار الفرضية نعم لا
إيجابي يؤكد ينفي
سلبي ينفي يؤكد

ما الذي يفعله العلماء فعليًّا عندما تُخطِّئ تجاربهم توقُّعاتهم؟ تشير دراسات لمجموعات عِلمية حقيقية إلى أن النظريات والفرضيات نادرًا ما تُتْرَك عندما تدحضها إحدى النتائج للمرة الأولى. بدلًا من ذلك، يتم التحقق من التجربة وغالبًا ما تُكرَّر. ولا تُرفَض الفرضية وتُراجع النظرية المؤدية لها إلا عندما يتكرَّر دحضها. وبصفتِي عالمًا، لا أعتبر هذا انحيازًا تأكيديًّا. تستغرق النظريات الكثير من الوقت والجهد لوضعها وتستنِد إلى الكثير من الأدلة. وعندما يتم إثبات خطأ أحد التوقُّعات، من المنطقي التحقق مما إذا كانت التجربة هي السبب. لكن يمكن أن تهزَّ التجارب أيضًا النظريات الراسخة عندما لا يمكن تفسير نتائجها. وقد كانت إحدى هذه التجارب ذات أهميةٍ حاسمة في تطوير نظرية النسبية لأينشتاين، كما أشرتُ سابقًا في هذا الكتاب.

مسألة الاختيار لواسون

مسألة الاختيار، التي نُشرت لأول مرة في عام ١٩٦٦، هي على الأرجح المشكلة الأكثر شهرةً في علم نفس الاستدلال. فقد حظِيت ببحثٍ مُكثف وأدَّت إلى عدد من التطورات النظرية الجديدة. ولكنها قُدِّمت في الأصل كمسألة لاختبار الفرضيات، حيث اعتقد واسون أيضًا أنها ستُظهر انحيازًا تأكيديًّا. إنها مسألة تحتوي على تلك الكلمة الصغيرة «إذا»، التي أبهرتني إلى حدٍّ جعلني أكتب العديد من أوراقي البحثية، بل وكتابًا كاملًا، حولها. «إذا» هي الكلمة التي نستخدمها في لُغتنا اليومية للتعبير عن الفرضيات وتحفيز التفكير الافتراضي. نستخدِم هذه الكلمة للنصح (إذا درستَ بجد، فستنجح في الامتحان) وللتحذير (إذا لم تسرع، فستفوتك الطائرة)، وأيضًا للإقناع (إذا صوَّتَّ للحزب الفلاني، فستنخفض ضرائبك). كما نستخدِمها للتعبير عن التنبؤات بشكلٍ مباشر (إذا أمطرت، فسيُلغى حفل الشواء) وللتعبير عن النوايا (إذا عُرضت عليَّ الوظيفة، فسأقبلها). كما تظهر الجُمَل الشرطية بشكلٍ متكرِّر في الفرضيات العلمية (إذا شاهد الطفل برامج التلفزيون التي تحتوي على العنف، فسيُصبح عنيفًا).

استخدم الشكل الأصلي لمسألة الاختيار لواسون موادَّ مجردة مثل الحروف والأعداد، مما يجعلها اختبارًا خالصًا للاستدلال. إليك مثال على مسألة الاختيار المجردة مُوضح في شكل ٣-١. يقول معظم الناس إن البطاقة «أ» يجب قلبها، والعديد منهم أيضًا يختارون البطاقة «٣». لكن الإجابة الصحيحة المقبولة عمومًا هي البطاقة «أ» والبطاقة «٧». السرُّ هو التفكير فيما يمكن أن يجعل القاعدة «خاطئة»: وهو بالتأكيد أن تحتوي إحدى البطاقات على الحرف «أ» على جهةٍ ولا تحتوي على «٣» على الجهة الأخرى. ويمكن أن يكشف قلب البطاقة «أ» عن مِثل هذه الحالة، وكذلك قلب بطاقة لا يظهر عليها العدد «٣»، وهي في هذه الحالة البطاقة «٧». البطاقة «٣» غير ذات صِلة، لأن العثور على بطاقةٍ بها «أ» و«٣» سيكون متَّسقًا مع القاعدة ولكنه لن يثبت أنها صحيحة. القاعدة لا تنصُّ على أن البطاقة «٣» يجب أن تحتوي على الحرف «أ» في الجهة الخلفية. لذلك، فوَحْدها البطاقات التي تحتوي على الحرف «أ» ولا تحتوي على العدد «٣» هي البطاقات ذات الصِّلة.
fig5
شكل ٣-١: نسخة مجرَّدة قياسية من مسألة الاختيار لواسون.
اقترح واسون أن لدى الناس انحيازًا تأكيديًّا، ويُمكنك أن ترى السبب. فعندما يُطلَب منهم اختبار فرضيةٍ شرطية، من النوع الذي يُستخدَم عادة في العلم، فإن الاختبارات التي يُجرونها تستهدف تأكيد الفرضية وليس دحضها. يدعم تحليل البروتوكول هذا. فسيقول المشارك: «أقلب البطاقة «أ» لأن وجود العدد «٣» على الجهة الأخرى من البطاقة سيجعل الفرضية صحيحة، والعكس صحيح.» ولكن كما اكتشفتُ في وقتٍ مبكر جدًّا من مسيرتي المهنية، فإن تغييرًا صغيرًا في الصياغة يُحدث مشكلة كبيرة في هذا التفسير. اترك كل شيءٍ كما هو في شكل ٣-١ باستثناء القاعدة، التي تُصبح الآن:

إذا كان الحرف «أ» على إحدى جهتَي البطاقة، «فلا يوجَد» العدد «٣» على الجهة الأخرى من البطاقة.

مرة أخرى، يختار معظم الأشخاص البطاقتَين «أ» و«٣»، وهما الآن اختياران صحيحان منطقيًّا. وفقًا لهذه القاعدة، البطاقة الوحيدة التي يمكنها دحض القاعدة هي التي تحتوي على الحرف «أ» على إحدى الجهتَين والعدد «٣» على الجهة الأخرى. كيف يفسر الناس هذين الاختيارين؟ حسنًا، الآن يقولون مثلًا: «أقلب البطاقة «أ» لأن وجود العدد «٣» على الجهة الأخرى سيجعل القاعدة خاطئة.» وهذا أمر غريب جدًّا. عادةً ما تجعل القواعد السلبية الأمور أكثر صعوبة، ولكن هنا تُحَل النسخة السلبية من القاعدة بسهولة ويُقدَّم التفسير الصحيح!

اكتُشِف هذا التأثير بعدَ وقتٍ قصير من الفترة التي أشرف فيها واسون على رسالة الدكتوراه الخاصة بي في أوائل سبعينيات القرن العشرين. وأطلقنا عليه اسم «انحياز المُطابقة»، حيث يبدو أن الناس يختارون البطاقات التي تطابق القيمة المذكورة في القاعدة. كما اقترحنا أن الأسباب التي يُقدمها الناس لاختياراتهم هي تبريرات. تذكَّر أنه في مسألة ٢–٤–٦، غالبًا ما يُعيد الأشخاص صياغة فرضيات مُتشابهة أو حتى متطابقة لتلك التي رفضها للتوِّ مُجري التجربة، باستخدام كلماتٍ مختلفة. والآن، في مسألة الاختيار، نجد أن الناس يُفسِّرون اختياراتهم إما بأنها تؤكد القاعدة أو تُفندها، على الرغم من أنهم في الحقيقة يختارون البطاقات المُطابقة. أدَّى بنا هذا إلى نشْر أولى نظريات المعالجة المزدوجة للتفكير في عِلم نفس الاستدلال، مُشيرين إلى أن نوعَين مختلفَين من التفكير كانا مسئولَين عن الاختيارات التي تم اتخاذها (النوع الأول) وليس عن التفسيرات المُقدمة (النوع الثاني). وبعد فترةٍ طويلة، استطعتُ أن أثبت أن انحياز المطابقة مُرتبط باستخدام النفي الضِّمني، على سبيل المثال، العدد ٧ يعني «ليس ٣». إذا وُصِفَت البطاقات على أنها «أ»، و«ليس أ»، و«٣»، و«ليس ٣»، فإن تأثير انحياز المُطابقة يختفي إلى حدٍّ كبير.

في شكلها القياسي (شكل ٣-١)، تُعتبر مسألة الاختيار صعبةً للغاية، حيث يتمكن ١٠ إلى ٢٠ في المائة فقط من الأشخاص من حلِّها، وذلك اعتمادًا على العينة المُختبرة. وقد تبيَّن أن القلة الذين يحلُّون المشكلة يتمتَّعون بذكاءٍ عام مرتفع بشكل غير عادي. ولكن من المعروف منذ سنوات عديدة أنه عندما تصبح المسألة واقعية، وليست مجردة، قد تصبح أسهل بكثير. تظهر في شكل ٣-٢ نسخة سهلة للغاية من مسألة الاختيار، وهي قاعدة العمر المُصرح فيه بشرب الكحول. غالبية الأشخاص الذين تُعرَض عليهم هذه المشكلة يختارون قلب بطاقتي «الجعة» و«١٧ عامًا». ويبحثون بشكلٍ صحيح عن الحالة التي يشرب فيها شخص الجعة وهو تحت السنِّ المصرح فيها بشُرب الكحول.
fig6
شكل ٣-٢: نسخة واقعية من مسألة الاختيار لواسون.
لاحقًا تم اكتشاف أن مشكلة العمر المُصرح فيه بشربِ الكحول، وغيرها من النسخ الواقعية التي تجعل المشكلة سهلةَ الحل، تختلف منطقيًّا عن المسألة القياسية. في المسألة القياسية، يتحقَّق المشاركون مما إذا كانت القاعدة صحيحة أم خاطئة. أما مع قاعدة العمر المُصرح فيه بشُرب الكحول، فهم يتحقَّقون مما إذا كانت القاعدة قد تمَّ اتباعها أم لا. فبدلًا من البحث عن حالةٍ تنفي القاعدة، يبحثون عن مخالف لها. هذا جزءٌ مُهم مما يجعل المشكلة سهلة. تُحسِّن النسخ الواقعية من المسألة التي تتعلَّق بصحَّة القاعدة أو خطئها الأداء أحيانًا ولكن بدرجةٍ أقل موثوقيةً بكثير. لكن تأثيرات السياق أيضًا دقيقة للغاية. في إحدى الدراسات، على سبيل المثال، حُذِفَت أول جملتَين في شكل ٣-٢ بحيث أُعطي للمشاركين قاعدة العمر المُصرح فيه بشرب الكحول لاختبارها، ولكن دون سيناريو ضابط الشرطة. بهذا التغيير، أصبحت المسألة صعبةً كما كانت من قبل!

كانت النسخة الواقعية من مسألة الاختيار الأساس لعدد من المقترحات النظرية الرئيسية في علم نفس الاستدلال. يبدو أن النُّسخ الأسهل هي تلك التي يُطلَب منَّا فيها الاستدلال حول التصريحات (مثل قاعدة العمر المُصرح فيه بشرب الكحول) أو الالتزامات، مثل «إذا دخلت هذه المنطقة، فيجب عليك ارتداء خوذة صلبة». وقد اقترح بعض المؤلِّفين أن لَدَينا قدرة خاصة على الاستدلال في مثل هذه المواقف، لكن ثمة خلاف حول ما إذا كانت هذه القدرة تُكتَسب خلال نمو الطفل أو تورث من خلال التطور. وقد لجأ منظِّرون آخرون إلى آليات أكثر عمومية تتعلق بكيفية تأثير السياق على تفسير اللغة أو تطبيق نظرية اتخاذ القرارات (التي سنُناقشها في الفصل الرابع). وإذ إنه لا يُوجَد حلٌّ واضح لهذه الجدالات في الوقت الحاضر، يُمكننا القول بثقةٍ إنه لا توجد أي مسألة أخرى قد ألهمت هذا القدْر من التفكير النظري حول كيفية الاستدلال.

تقييم احتمالات الفرضيات

تتناول مسألة واسون كيف يُقرر الناس ما إذا كانت الفرضيات صحيحةً أم خاطئة. على أرض الواقع، ثمة الكثير من عدم اليقين. على سبيل المثال، في الولايات القضائية التي تعتمد على القانون العام الإنجليزي، بما في ذلك الولايات المتحدة، يُطلَب مِن المحلَّفين تقييم الاحتمالات. في القضايا الجنائية، يجب أن يكون لديهم درجة قوية (لكن غير مؤكدة) من الاعتقاد في ارتكاب المُتهم للجريمة قبل إدانته، بينما في القضايا المدنية، ليس عليهم سوى أن يُقرروا، بناءً على توازن الاحتمالات، أي جانب تدعمه الأدلة. في مثل هذه القضايا، يخضع تقديم الأدلة لقواعد صارمة. ولكن خارج قاعة المحكمة، قد تتلاعب مصالح الأشخاص ذوي المصالح الخاصة بتصديقِنا للأدلة، كما هو الحال في الجدل حول مدى كون تغيُّر المناخ تهديدًا وشيكًا، أو ناتجًا عن النشاط البشري. تُشكِّل كيفية تحديد الأفراد لدرجة الثقة في المصادر موضوعًا دراسيًّا لدى خبراء عِلم النفس الاجتماعي، وهو أمر خارج نطاق هذا الكتاب. غير أن هناك أيضًا دراسات معرفية مُهمة حول كيفية تحديد الناس لرأيهم في الفرضيات.

للتمييز بين الفرضيات، نحتاج إلى فحص الأدلة. ولكن ليست جميع الأدلة متساوية؛ فنحن بحاجةٍ إلى أدلة «تشخيصية». لنفترض أنه تم تقديمي لعضو في مجلس الشيوخ الأمريكي وأحاول معرفة الحزب السياسي الذي يُمثله. قد أفكر أنه يرتدي بدلة، ومعظم أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين يرتدون البدلات، ومِن ثَم من المُحتمَل أن يكون جمهوريًّا. لكن هذا سيكون استدلالًا مغلوطًا؛ لأن معظم أعضاء مجلس الشيوخ يرتدون بدلاتٍ مشابهة، بغضِّ النظر عن الحزب السياسي الذي ينتمون إليه. ارتداء البدلة ليس دليلًا تشخيصيًّا. ولكن بعد ذلك أُلاحظ أنه يرتدي ربطة عنق حمراء وأستنتج بناءً على هذا أنه من المُحتمل أن يكون جمهوريًّا. هنا، موقفي أقوى؛ فالأحمر هو لون الجمهوريين وعادةً ما يرتدي أعضاء هذا الحزب ربطات العنق الحمراء. في هذه الحالة، الدليل تشخيصي أكثر من دليل ارتداء البدلة.

جدول ٣-٢: إمكانات الحدوث في علاقةٍ سببية مُحتملة.
التأثير المحتمل «ﻫ»
السبب المحتمل «ج» موجود غائب
موجود «أ» «ب»
غائب «ج» «د»
ومع ذلك، فالناس لا يُفكرون بالضرورة بوضوح شديد في الأدلة. افترض أننا نحاول تحديد ما إذا كان السبب المُحتمل «ج» يؤدي إلى النتيجة «ﻫ» من خلال ملاحظة مدى تكرار حدوثهما معًا أو كلٌّ على حدة. في الواقع، هناك أربع حالاتٍ علينا أخذها في الاعتبار (جدول ٣-٢). إذا اعتقدنا أن «ج» هو سبب ﻟ «ﻫ»، فعلينا الانتباه إلى جميع تكرارات الحدوث الأربعة، «أ»، «ب»، «ج»، «د» الموضحة في الجدول. في مشكلة عضو مجلس الشيوخ، قد تكون تكرارات حدوث ارتداء البدلة كما يلي:
«أ» جمهوري يرتدي بدلة: ٩٨ في المائة
«ب» جمهوري لا يرتدي بدلة: ٢ في المائة
«ج» ديمقراطي يرتدي بدلة: ٩٥ في المائة
«د» ديمقراطي لا يرتدي بدلة: ٥ في المائة

الآن نرى أن الأشخاص الذين يضعون في اعتبارهم فقط «أ» و«ب» سيستنتجون استنتاجًا خاطئًا، لأن احتمال ارتداء الجمهوريين للبدلات أعلى بمقدارٍ ضئيل من احتمال ارتداء الديمقراطيين لها. الآن، لنتأمَّل في دليل ربطة العنق الحمراء. قد تكون الأرقام كما يلي:

«أ» جمهوري يرتدي ربطة عنق حمراء: ٣٠ في المائة
«ب» جمهوري لا يرتدي ربطة عنق حمراء: ٧٠ في المائة
«ج» ديمقراطي يرتدي ربطة عنق حمراء: ٥ في المائة
«د» ديمقراطي لا يرتدي ربطة عنق حمراء: ٩٥ في المائة

الآن افترض أن المشاركين لم يُعطوا سوى المعلومة «أ»، أن ٣٠ في المائة من الجمهوريين يرتدون ربطات عنق حمراء. قد يُجادلون بأن معظم الجمهوريين لا يرتدون ربطات عنق حمراء، ومن ثم فإن عضو مجلس الشيوخ الذي يرتدي ربطة عنقٍ حمراء ربما ليس جمهوريًّا. ستكون هذه مغالطة أكبر! المسألة المهمة هي ما إذا كان ارتداء ربطة عنقٍ حمراء يجعل عضو مجلس الشيوخ أكثر احتمالًا لأن يكون جمهوريًّا، وهو أمر واضح من هذه الأرقام. ولكن عليك النظر في جميع تكرارات الحدوث الأربعة لتعرف ذلك. تُظهر الأبحاث حول هذا النوع من المشكلات انحيازاتٍ معرفية. على سبيل المثال، عندما تُقدَّم للمشاركين تكرارات الحدوث ويُطلب منهم تحديد ما إذا كان «ج» سببًا ﻟ «ﻫ»، يرجحون أكثر «أ»، ثم «ب»، و«ج»، و«د»، بهذا الترتيب. التأثير مُشابه للانحياز الإيجابي الذي رأيناه عند مناقشة مشكلة ٢–٤–٦، وانحياز المطابقة في مسألة الاختيار. يركز المشاركون على الفرضية «أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون يرتدون ربطات عنق حمراء» ولا يُفكرون سوى في هذه الصفات، وذلك بدلًا من أن يأخذوا ما يرتديه الديمقراطيون في الاعتبار أيضًا.

التفكير السببي والتفكير المُخالف للواقع

من الموضوعات المُهمة الحالية في علم نفس التفكير، النماذج الذهنية التي قد نكوِّنها لفهم العلاقات السببية. يمكن أن تُساعدنا النماذج السببية في التمييز بين العلاقة السببية والعلاقة الارتباطية. لنفترِض أنك لاحظتَ أن هناك ثلاثة مُتغيرات عادةً ما ترتبط معًا، مثل مدى لياقة الشخص، ومقدار التمارين التي يمارسها، واحتمالية أن يكون شخصًا قَلِقًا. في الواقع، هناك ثلاثة أنواع مختلفة من النماذج السببية التي يُمكننا تكوينها (شكل ٣-٣). إحدى الفرضيات لتفسير هذه العلاقات الارتباطية هي أن الأشخاص القَلِقين يقلقون على صحَّتهم أكثر ومن ثم يُمارسون المزيد من التمارين. ونتيجة لذلك، يكونون أكثر لياقة. هذا نموذج من النوع (ج) في شكل ٣-٣:
الشخصية القَلِقة التمارين الرياضية اللياقة البدنية
fig7
شكل ٣-٣: نماذج سببية بديلة تربط بين ثلاثة مُتغيرات.

لكن قد نكون مُخطئين. قد يكون السبب أن ممارسة التمارين الرياضية تجعلك قلقًا بالإضافة إلى أنها تزيد من لياقتك: النموذج (ب)؛ أو قد يكون أن القلق والتمارين يُسهمان كلٌّ على حدة في تحسين اللياقة البدنية: النموذج (أ). اختبار مثل هذه الفرضيات السببية يتطلَّب «التدخُّل»، وهو أسلوب العلم التجريبي. وينطوي التدخُّل على تغيير أحد المُتغيرات تغييرًا منهجيًّا. قد نلاحظ أن الأشخاص ذوي الأصابع الصفراء أكثر عرضةً للإصابة بسرطان الرئة، ولكن من غير المُرجَّح أن يؤدي طلاء أصابعهم باللون البُني إلى تحسين صحتهم! نحن على الأرجح بصدد نموذجٍ من النوع (ب) حيث يُسبب التدخين كلًّا من اصفرار الأصابع وسرطان الرئة. لاحظ في هذه الحالة أن الأصابع الصفراء دليل «تشخيصي» لسرطان الرئة، حتى وإن لم يكن لها دور سببي. أي أن الأشخاص ذوي الأصابع الصفراء أكثر عرضةً للإصابة بسرطان الرئة. من المُفترض أن يُقلل التدخل لمنع التدخين من كلٍّ من صفرة الأصابع وسرطان الرئة إذا كان هذا النموذج صحيحًا.

الثقافة الشعبية مليئة بالتفسيرات السببية الخاطئة. فمن التعبيرات الشائعة في بريطانيا (ولكن ليس في فنلندا) «الجو بارد جدًّا لدرجة أنه لا يمكن أن يتساقط الثلج». في المناخ البريطاني، يسود نوعان من الطقس الشتوي، خاصة في الجنوب: البارد والصافي، أو المُعتدل والمُمطر. ومن ثم فهناك علاقة ارتباطية سلبية بين تساقُط الثلوج ودرجة الحرارة. فعادةً عندما يكون الجو شديد البرودة، تبقى الغيوم بعيدًا، ومن هنا جاء هذا التعبير الغريب. من الواضح أنه يمكن أن يتساقط الثلج عندما يتزامن هطول الأمطار مع درجات حرارة قريبة من درجة التجمُّد أو أقل منها؛ لذا غالبًا ما يكون الجوُّ دافئًا جدًّا بدرجةٍ لا تتساقط معها الثلوج! غالبًا ما يقع المقامرون الذين يُعانون من مشاكل في فخِّ الفهم الخاطئ للاحتمالات والاعتقاد الزائف بأن بإمكانهم التدخُّل لتغيير الأحداث العشوائية من خلال الاستراتيجيات التي يستخدمونها. على سبيل المثال، يعتمد البعض على «أنظمة» لعبة الروليت، وهي مَبنيَّة على الفرضية الخاطئة بأن الرهانات اللاحقة يُمكنها التعويض عن الخسائر السابقة. لكن هذا غير صحيح؛ لأن كل رهان فردي له خسارة متوقعة رياضيًّا. وبدون تدريب خاص، فإن فَهمنا للعلاقات السببية والارتباطية والاحتمالات يظلُّ دون المستوى المطلوب.

وأخيرًا، أودُّ أن أذكر ميلَنا غير العادي للانخراط في التفكير المخالف للواقع. وهو التفكير فيما كانت ستئول إليه الأحداث السابقة لو سارت الأمور بشكلٍ مختلف في الماضي. تَظهر الجُمل الشرطية المخالفة للواقع بشكلٍ مُتكرر في حياتنا اليومية، مثل: «كنتُ سأسجِّل نتيجةً رائعة اليوم لو كنتُ قد سجلت بعض الضربات في لعبة الجولف»، أو «لم تكن تاتشر ليُعاد انتخابها لو لم تغزُ الأرجنتين جزر فوكلاند»، أو «لم أكن لأُعلق هنا لو كنتُ قد أجريت صيانة لسيارتي.» نستخدِم هذا النوع من الجُمل طَوال الوقت، وغالبًا ما تعبر (بشكل غير مباشر) عن فرضيةٍ سببية. تُشير الجُمَل المخالفة للواقع عادةً إلى نماذج سببية أكثر تفصيلًا، مثل: «لم تكن السيدة تاتشر تتمتَّع بشعبية كبيرة، ولكن عندما غزت الأرجنتين جُزر فوكلاند، خاضت حربًا ناجحة، حرَّرت بها الجزر. وهذا عزَّز شعبيتها، ممَّا مكَّنها من الفوز بالانتخابات العامة التالية.»

نستخدم أيضًا الجُمَل المخالفة للواقع للتراجُع عن الأحداث الماضية في أذهاننا، لا سيما عندما نندم على نتائجها. ومن المُثير للاهتمام أننا نميل للتراجُع عن بعض الأحداث أكثر من غيرها. على سبيل المثال، نحن أكثر عرضةً للندم على فعلٍ أقدَمْنا عليه من ندمِنا على عدم القيام بشيء. إذا احتفظنا بسهمٍ ينخفض سعرُه لاحقًا، سنشعر بندمٍ أقل مما لو بِعنا سهمًا يرتفع سعره لاحقًا. فنحن نميل لأن نقول «لو أنني لم أبِع ذلك السهم» في الحالة الثانية، أكثر من أن نقول: «لو أنني بعتُ ذلك السهم» في الحالة الأولى. وبالمثل، إذا قرَّرنا أثناء قيادتنا للسيارة في رحلة العودة إلى المنزل من العمل تغيير مسارنا المُعتاد، ثم اصطدمنا ببُقعة زيت وتعرَّضنا لحادث، فسنقول «لو أنني لم أُغيِّر مساري.» ولكن لو وقع الحادث في مسارنا المُعتاد، فلن نندم على عدم تغييره. نجد أيضًا أنه من السهل للغاية أن نحكم على ما إذا كانت الفرضية المُخالفة للواقع صحيحة أو مُحتملة. إليك هذه العبارة على سبيل المثال:

لو لم يُهاجم الإرهابيون نيويورك في عام ٢٠٠١، لَما غزت الولايات المتحدة العراق.

سيتَّفق الكثيرون مع هذه الجملة دون أن يأخذوا وقتًا طويلًا للتفكير فيها. ولكن أحداث ١١ سبتمبر غيَّرت العالم بعدَّة طُرق كثيرة، لدرجة أن عواقب «التراجع عن» هذا الحدث تبدو بوضوحٍ غير قابلة للحساب. يبدو أن هذا ليس صعبًا على التفكير الافتراضي اليومي! حتى وإن لم تكن العراق مسئولةً عن هجوم ١١ سبتمبر، قد يُجادل المرء بأن هذا الحدث قد غيَّر بشكلٍ كبير مواقف الأمريكيين تجاه الحرب والشرق الأوسط، للدرجة التي يُمكن اعتبارهم بها مسئولين عن تمكين غزو العراق الذي كان مدفوعًا بعوامل سياسية أخرى. يبدو أننا نستطيع بسهولةٍ أن نُنشئ نماذج ذهنية سببية لسيناريوهات مُخالفة للواقع بشكلٍ طبيعي، مهما بدَت مُعقدة أو غير قابلة للحساب.

بشكلٍ عام، يختبر الناس الفرضيات من خلال إجراء تنبُّؤات إيجابية أو البحث عن أدلة إيجابية لدعمها. نحن نميل إلى إهمال الفرضيات البديلة والأدلة السلبية. غير أن الأبحاث التي أُجريت على مسألة الاختيار لواسون تُظهر أننا أفضل بكثيرٍ في التحقُّق مما إذا كانت القواعد قد تمَّ اتباعها في السياقات الأكثر واقعية. في العالم الحقيقي، نتعامل عادةً مع عدم اليقين وعلينا محاولة تحديد مدى احتمالية الفرضيات وما إذا كانت إحداها أكثر احتمالًا من الأخرى. ومرة أخرى، ثمة انحيازات منهجية في كيفية إجراء ذلك، حيث تكون عمليات البحث عن الأدلة عادة غير مكتملة. تبدو الفرضيات السببية والنماذج الذهنية أساسية لتفكيرنا، لكن قُدرتنا على التمييز بين العلاقة الارتباطية والعلاقة السببية بدون تدريبٍ محدودة. لدَينا أيضًا ميل استثنائي للتفكير المُخالف للواقع من خلال التراجع الذهني عن الأحداث الماضية لتخيُّل نتائج بديلة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥