الاستدلال
يُمكننا اكتساب المعرفة مباشرةً أو عبر الاستدلال. على سبيل المثال، لنفترض أنني أعرف ماري وابنتها سو. ذات يوم، التقيتُ أنا وماري وعرَّفتني بشقيقها بول. في المرة التالية التي أرى فيها سو، ربما أسألها عن خالِها بول. ولكن في الواقع لم يُخبرني أحد أن بول خالُها، وإنما «استنتجت» ذلك. مثل معظم الناس، تعلمتُ قاعدة عامة، وهي أن شقيق الأم هو خال أبنائها. في هذه الحالة، طبَّقت القاعدة، ربما دون وعي، لأستنتج أن بول هو خال سو (وبالمثل، أنها ابنة أخته). تخيَّل كم سيكون الأمر صعبًا إذا لم نكن قادِرين على إجراء استنتاجات من هذا النوع. سنحتاج إلى الاحتفاظ في أذهاننا بجميع العلاقات الأُسرية لكل فردٍ نعرفه على حدة، وهو ما سيكون غير فعَّال بالمرة. في بعض الأحيان نحتاج إلى استخدام قواعد صريحة للاستدلال، وهي أقلُّ شهرةً لدَينا من هذه القاعدة، مثلًا لمعرفة الضرائب المُستحقَّة علينا للحكومة في نهاية العام. قد تكون معرفة القواعد التي يجِب تطبيقها وكيفية حساب تأثيراتها أمرًا صعبًا في مثل هذه الحالات، ومن ثم نُقرر الاستعانة بمُحترف للقيام بذلك نيابةً عنَّا.
في هذا الفصل، أتناول الاستدلال الاستنباطي، حيث يُمكننا استخلاص استنتاجاتٍ من افتراضاتٍ تترتب بالضرورة، وكذلك الاستدلال الإحصائي، الذي نستنتِج فيه الاحتمالات من احتمالاتٍ أخرى. يشترك هذان المجالان من دراسة علم النفس في الكثير. أولًا، كلاهما يُقدم مشكلاتٍ تُقدَّم لك فيها بعض المعلومات ويُطلَب منك استخلاص استدلال. ثانيًا، لكلٍّ منهما ما يُعرَف ﺑ «النظرية المعيارية»، وهي مجموعة من القواعد التي تُخبرنا أيُّ الاستنتاجات صحيحة وأيُّها خاطئة. في حالة الاستدلال الاستنباطي، تكون النظرية المعيارية هي المنطق، وفي حالة الاستدلال الإحصائي، تكون هي نظرية الاحتمالات. ثالثًا، يُظهر كل مجالٍ منهما أن العديد من الإجابات التي يُقدمها الأفراد خاطئة وفقًا لهذه المعايير، مما يُذكي نيران الجدل حول عقلانية البشر.
الاستدلال الاستنباطي
المنطق هو موضوع أساسي في الفلسفة ولطالما كان كذلك منذ زمن أرسطو. يتضمن الاستدلال المنطقي استنباط الاستنتاجات من الافتراضات، التي تُعرف عادةً «بمقدمات» الحُجة. على سبيل المثال، إذا قلتُ لك إن جميع اختصاصيي علم النفس ودودون وإن سارة عالمة اختصاصية في علم النفس، فلا بدَّ أن تستنتج أن سارة ودودة. لاحظ أنك لا تحتاج بالضرورة إلى أن تُصدق أن هذا الاستنتاج صحيح. إذا «افترضنا» أن المقدمات صحيحة، إذن فسيترتب عليها الاستنتاج لأن هذه الحُجة صحيحة منطقيًّا. وبطبيعة الحال، الحُجة الصحيحة هي التي تضمن صحَّة الاستنتاج بشرط أن تكون المُقدمات صحيحة. بالطبع، بعض الحجج عبارة عن مُغالطات. فلو قلتُ لك إن جميع اختصاصيي علم النفس ودودون وإن سارة ودودة، فسيكون من قبيل المُغالطة أن تستنتِج أنها اختصاصية في علم النفس. وقد يكون هذا الاستنتاج أبعدَ ما يكون عن الصواب حتى لو كانت المقدمات صحيحة.
عندما نقول إن شخصًا ما يستدل منطقيًّا، فإننا نعني أنه يقدم حُججًا سليمة ويتجنب المغالطات. هذا النوع من الاستدلال كان يُعتبر لفترةٍ طويلة التعريف الرئيسي للتفكير العقلاني. لهذا السبب، تطوَّر مجال كبير من دراسة علم النفس يتم فيه إعطاء الناس مشاكل في الاستدلال لحلِّها، ثم يتم تقييم هذه الحلول بناءً على منطقٍ معياري مُعين. ظهرت هذه الدراسات الأولى في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، وسرعان ما توسع المجال منذ الستينيات فصاعدًا. المنهج الأكثر شيوعًا هو إعطاء الناس مقدماتِ الحُجة مع استنتاجٍ مُحتمل، وسؤالهم عما إذا كان هذا الاستنتاج يترتَّب بالضرورة على هذه المقدمات. على سبيل المثال، قد تُعرض عليهم الحُجة التالية التي تنطبق على بطاقةٍ تحتوي على حرفٍ على أحد وجهيها وعدد على الوجه الآخر:
المقدمات
الاستنتاج
إذن، يوجد العدد ٦ على الوجه الآخر
سيتفق الجميع تقريبًا هنا على أن هذا الاستنتاج يترتب بالضرورة على المقدمات. هذا استدلال منطقي بسيط وسليم جدًّا يُعرَف باسم قانون «القياس المنطقي المثبت». القاعدة العامة في دراسة الاستنباط هي أن المُشاركين لا يتلقَّون أي تعليمات في المنطق؛ لأن الغرض هو اختبار ما إذا كانوا منطقيين بالفطرة. ولكن من الطبيعي إخبار الناس بأن يفترضوا أن المقدمات صحيحة ولا يقبلوا استنتاجًا إلا إذا كان يترتب على المقدمات «بالضرورة». تُوضح هذه التعليمات عمومًا ما هي الحُجة السليمة، وتُلمح أيضًا إلى أن ما يعتقدونه بالفعل غير ذي صلة.
وبينما قد يكون القياس المنطقي المُثبت سهلًا للغاية، فإن الاستدلالات المُشابهة قد لا تكون كذلك. على سبيل المثال:
المقدمات
الاستنتاج
إذن، لا يوجَد الحرف «ب» على الوجه الآخر
هذا الاستدلال، الذي يُسمَّى «القياس المنطقي المَنفي»، سليم منطقيًّا أيضًا، ولكنَّ ثُلثَي المشاركين تقريبًا فقط، وهم عادة طلاب جامعيون، سيقولون إن الاستنتاج يترتَّب على المقدمات بالضرورة. الآن، فكِّر في هذه الحُجة:
المقدمات
الاستنتاج
إذن، يوجد الحرف «ب» على الوجه الآخر
سيقول العديد من الطلاب، وأحيانًا الأغلبية، إن هذا الاستنتاج يترتب بالضرورة على المُقدمات، رغم أنه ليس كذلك. هذه مغالطة، مُشابِهة لتلك المُتعلقة بأن سارة اختصاصية في علم النفس التي سبق الإشارة إليها. في حالة سارة، كانت المُغالطة واضحة لأننا نتعامل مع مفاهيم من الحياة الواقعية. أما هنا، في التعامُل مع الحروف والأعداد، فهي أقلُّ وضوحًا، مع أن القاعدة لا تتطلَّب وجود الحرف «ب» في الجهة الأخرى من العدد ٦. رغم العديد من سنوات البحث في مثل هذه المشاكل، ما زلنا لا نفهم في الواقع السبب وراء صعوبة حلِّها على المشاركين. لكننا نعرِف أن المشاركين الذين يتمتَّعون بمعدلات ذكاء أعلى عادة ما ينجحون في حلِّ المزيد منها حلًّا صحيحًا.
تزداد الأمور تعقيدًا إذا استخدمنا عباراتٍ شرطية، على شاكلة «إذا … إذن …» في سياق أكثر واقعية. في هذه الحالات يتأثر المشاركون بما إذا كانوا يعتقدون في هذه العبارة أم لا. لنفترض أننا نُقدم حُجة القياس المنطقي المثبت التالية:
في هذه الحالة، لن يعتقد معظم الناس أن العبارة الشرطية صحيحة، حيث ينبغي أن تؤدي زيادة الأجر، في الواقع، إلى زيادة التوظيف. إذا تم إعطاء الطلاب الجامِعيِّين مشكلةً مثل هذه، فسيرفض العديد منهم تأييد الاستنتاج. يبدو أن معتقداتهم الواقعية تعيق الاستنتاج. ولكن إذا قدَّمنا تعليماتٍ قويةً حول الاستدلال المنطقي، فسنجد أن أصحاب معدلات الذكاء الأعلى غالبًا ما يستخدمون القياس المنطقي المُثبت، ويقولون إن النتيجة تترتَّب بالضرورة على المُقدمات. أما المشاركون من ذوي القدرات الأقل فسيظلون في الغالب مُلتزمين بما يعتقدونه، بدلًا من اتباع المنطق.
يُمكننا أيضًا تعطيل القياس المنطقي المُثبت بتقديم معلومات إضافية لا تؤثر على منطق الاستنتاج. لنفترض أننا نُقدم المشكلة التالية:
سيقول معظم الناس تلقائيًّا إن روث ستذهب إلى المسرح. ولمجموعة مختلفة، نُضيف الجملة التالية:
في هذه الحالة، سيُعطِّل العديد من الناس استدلال القياس المنطقي المُثبت ويقولون إنه لن يترتب على ذلك شيء. من الواضح أن ما يحدُث هنا هو أن الناس يبدءون في التفكير في أنه إذا لم تكن روث تملك ما يكفي من المال، فلن تتمكن من الذهاب إلى المسرح، حتى إذا التقت بصديقتِها. ولكن هذا غير منطقي في الواقع. إذا كانت العبارتان الأولى والثالثة صحيحتَين، كما قيل للناس، فإن القياس المنطقي المُثبت لا يزال مُنطبقًا.
تُخبرنا هذه النتائج، والعديد من النتائج المُماثلة، بشيء مُثير للاهتمام للغاية. يبدو أن الاستدلال المبني على الاعتقاد هو القاعدة لدى البشر، مهما كانت قدراتهم. بعض الناس يُمكنهم، عند الحاجة، أن يتجاهلوا مُعتقداتهم ويمارسوا الاستدلال بطريقةٍ منطقية مجردة. نعرف أن هذا لا بدَّ أن يكون صحيحًا، لأن الناس يُمكنهم أن يُصبحوا، على سبيل المثال، خبراء بارِعين في الرياضيات. لكن مثل هذا الاستدلال المنطقي ليس طبيعيًّا أو شائعًا كما افترض العديد من الفلاسفة وعلماء النفس في وقتٍ ما. يبدو أنه يتطلَّب الجمع بين نسبة عالية من الذكاء وقدْرٍ كبير من الجهد الواعي لتحقيقه. قد يتطلَّب أيضًا تدريبًا مكثفًا، كما هو الحال في الرياضيات.
الاستدلال القياسي وانحياز المعتقد
كان أول من وضع أقدم نظامٍ للمنطق الشكلي هو أرسطو، ويُعرف بالقياس الحَملي. تربط القياسات المَنطقية بين ثلاثة حدود في مُقدمتَين. تربط المقدمة الأولى بين «أ» و«ب» وتربط المقدمة الثانية بين «ب» و«ج». ويربط الاستنتاج، الذي قد يكون يترتَّب أو لا يترتَّب بالضرورة بين «أ» و«ج». ويمكن تمثيل ذلك في أشكالٍ مختلفة. إليك مثال بسيط:
هذا القياس المنطقي سليم، ويمكن للجميع أن يرَوا ذلك، بنفس سهولة القياس المنطقي المُثبت. ولكن افترض أن المثال صِيغ على النحو التالي:
هذه الحجة ليست سليمة، ولكن العديد من طلاب الجامعات يقولون إنها كذلك. يُمكنني بسهولة إقناعك بأنهم مُخطئون بإحلال بعض الحدود الواقعية محل «أ» و«ب» و«ج»:
بالطبع لن يوافق أحد على أن هذه حجة سليمة، ولكنها مُطابقة تمامًا من حيث الشكل للنسخة التي تحتوي على الحدود «أ» و«ب» و«ج». إن الشكل هو الذي يُحدد سلامة الحجة، وليس المُحتوى. يُظهر هذا مرة أخرى مدى صعوبة الاستدلال المنطقي التجريدي بالنسبة لمعظم الناس. ولكن الاستعانة بمعتقداتنا لا يُحسِّن بالضرورة من استدلالنا. بل يُمكنه في الواقع أن يكون مصدرًا رئيسيًّا للانحياز. إليك قياس منطقي مُعقَّد في شكله التجريدي. حاوِل أن تُقرر ما إذا كان سليمًا منطقيًّا أم لا:
صعب، أليس كذلك؟ إليك نسخة بالصيغة نفسها ولكن بحدود واقعية:
في إحدى الدراسات التي يُستشهد بها كثيرًا، قال ٧١ في المائة من الطلاب الجامعيين إن هذه حجَّة سليمة. كما طُلب منهم تقييم القياس التالي:
في هذه الحالة، قال ١٠ في المائة فقط من الطلاب الذين تم اختبارهم إن ذلك الاستنتاج يترتب منطقيًّا على المقدمات. ولكن إذا نظرت عن كثب، يمكنك أن ترى أن كِلا النُّسختَين الواقعيتَين لهما نفس الشكل المنطقي تمامًا. كل ما فعلناه هو إحلال حدود واقعية مختلفة محلَّ الحدود «أ» و«ب» و«ج». في المنطق، المعنى الفعلي لهذه الحدود الثلاثة غير مُهم. هذا الشكل من القياس ليس في الحقيقة حجةً سليمة. (ولكن إذا كان الاستنتاج هو أن بعض «ج» ليس «أ» فسيترتب بالضرورة على المقدمات). إذن، لماذا يقول الكثير من الناس عن طريق الخطأ إن استنتاج أن «بعض الأشياء المُسببة للإدمان ليست سجائر» يترتب منطقيًّا على المقدمات، لكنهم يرفضون الاستنتاج القائل بأن «بعض المليونيرات ليسوا أثرياء» وهم مُحقُّون في رفضهم هذا؟ تتَّضح الإجابة بما لا يدع مجالًا للشك من خلال العديد من التجارب النفسية. الاستنتاج الأول يمكن «تصديقه»، بينما الثاني «لا يُصدَّق». حتى مع التعليمات الواضحة للاستدلال المنطقي، يميل الناس بشدة إلى القول بأن الاستنتاجات القابلة للتصديق تترتب على المقدمات، بينما الاستنتاجات غير القابلة للتصديق لا تترتَّب على المقدمات. وهذا ما يُعرف بتأثير انحياز المُعتقد.
كان البحث الذي أثبت طبيعة انحياز المُعتقد (الذي كنتُ مؤلِّفَه الأول) أيضًا من أساسات نظرية المعالجة المزدوجة في الاستدلال. وقد أشرنا إلى أن هناك تعارضًا بين انحياز المُعتقد غير الواعي من النوع الأول والمحاولة الواعية من النوع الثاني للاستدلال منطقيًّا وفقًا للتعليمات. باستخدام تحليل البروتوكول، أظهرْنا أن الردود المنطقية كانت غالبًا مرتبطةً بالانتباه لمقدمات الحجة، بينما كانت العمليات المبنية على المعتقدات مرتبطة في الغالب بالتركيز على الاستنتاج. كما بيَّنَّا أنه عندما يكون هناك تعارُض بين المعتقد والمنطق، قد يتبع نفس المشارك نهج النوع الأول أو النوع الثاني من التفكير في المناسبات المختلفة. لهذا السبب، يُشار إلى انحياز المُعتقد غالبًا (ويُناقش) باعتباره حالة نموذجية لنظرية المُعالجة المزدوجة.
نظرية النماذج الذهنية
إحدى أكثر النظريات تأثيرًا في علم نفس الاستدلال هي نظرية النماذج الذهنية، التي اقترحها وطوَّرها على مدار سنواتٍ فيل جونسون-ليرد ومُعاونوه. في هذه النظرية، تمثل النماذج الذهنية حالاتٍ محتملة قد تكون صحيحة أو خاطئة في العالم الواقعي. يقوم الناس بالاستدلال من خلال بناء نماذج من مقدمات الحجة التي تمثل الاحتمالات المُمكنة. وأي عبارة صحيحة في جميع الاحتمالات التي يتم أخذُها في الاعتبار يمكن اعتبارها استنتاجًا صحيحًا. ولكن الناس يرتكبون الأخطاء لأن هذه النماذج غالبًا ما تكون غير مُكتملة وتغفل بعض الاحتمالات. يمكن أن يحدث هذا لأن الناس لدَيهم قدرة محدودة على التفكير في نماذج مُتعددة، وأيضًا لأنهم يركزون على ما هو صحيح بدلًا من التفكير فيما هو خطأ.

اكتشف جونسون-ليرد وزملاؤه أيضًا مجموعةً مُثيرة للاهتمام من «الاستدلالات الوهمية»، حيث يستنتج الأشخاص نتيجةً معاكسة لتلك التي تترتب منطقيًّا على المقدمات. فكِّر في هذه المشكلة. جملة واحدة فقط من هاتَين الجملتَين الشرطيتَين صحيحة:
(١) إذا كان معي بطاقة ملك، فإن معي بطاقة آس
أو
(٢) إذا كان معي بطاقة ملكة، فإن معي بطاقة آس
سيستنتج معظم الناس أن معي بطاقة آس. في الواقع، وصل جونسون-ليرد نفسه إلى هذا الاستدلال، حتى أخبره برنامجه الحاسوبي أنها مُغالطة. حتى إنه بحث عن احتمالية وجود خطأ في البرنامج! وفقًا للنظرية، يتخيَّل الناس وجود بطاقة ملك مع بطاقة آس إذا كانت العبارة (١) صحيحة، وبطاقة ملكة مع بطاقة آس إذا كانت العبارة (٢) صحيحة، ومن ثم فبطاقة الآس موجودة دائمًا. لكنهم ينسون أن إحدى العبارتَين يجب أن تكون «خاطئة»، وهذا هو المفتاح لإيجاد الإجابة الصحيحة. إذا كانت العبارة (١) خاطئة، فلا بد أن يكون هناك بطاقة ملك وليس بطاقة آس. وإذا كانت العبارة (٢) خاطئة، فلا بد أن تكون هناك بطاقة ملكة وليس بطاقة آس. في كلتا الحالتَين، لا يوجد آس! إنه حقًّا وهم قوي جدًّا.
تنصُّ نظرية النماذج الذهنية على أن لدى الناس طريقة في الاستدلال سليمة من حيث المبدأ، ولكنها غالبًا ما تكون مَعيبة عند تطبيقها. غير أن هناك نظرية منافسة تقول إن الناس يُمارسون الاستدلال عن طريق الوصول إلى منطق عقلي، أي مجموعة من قواعد الاستدلال المتأصِّلة في العقل. لقد كان هناك جدل طويل حول ما إذا كان الناس يستخدمون النماذج أم القواعد في استدلالاتهم. لم يُحسَم هذا الجدل بوضوح، على الرغم من أنه من المُنصف القول بأن نظرية النماذج أكثر شعبية وقد ألهمت العديد من الأوراق البحثية.
الاستدلال باستخدام الاحتمالات
في الفصل الرابع، تناولتُ مغالطة التزامن (مشكلة ليندا)، حيث يسند الناس احتمالات للأحداث بطريقةٍ تبدو غير منطقية. هناك في الواقع العديد من الأدلة التي تُشير إلى أن حدسَنا فيما يتعلق بالاحتمالات وقدرتنا على استخلاص استنتاجاتٍ صحيحة منها ضعيفة. يُمكننا اختبار قدرة الأشخاص على الاستدلال باستخدام الاحتمالات بنفس الأسلوب الذي نستخدِمه في إجراء التجارب على الاستدلال الاستنباطي. أي أننا يُمكننا أن نُعطي الناس بعض المعلومات ثم نطلب منهم استخلاص استنتاج منها. على سبيل المثال، فكِّر في هذه المشكلة الطبية التشخيصية:
النسخة «أ»: إذا أعطى اختبار الكشف عن مرضٍ ينتشر بنسبة ١/١٠٠٠ نتيجة إيجابية زائفة بنسبة خمسة في المائة، فما احتمال أن يكون الشخص صاحب النتيجة الإيجابية مُصابًا بالفعل بالمرض، مع افتراض أنك لا تعرف شيئًا عن الأعراض التي يُعاني منها المريض؟
قُدِّمت هذه النسخة من المشكلة إلى طلاب الطبِّ والأطباء المُبتدئين، وكانت النتائج مروِّعة. كانت الإجابة الأكثر شيوعًا ٩٥ في المائة، في حين أن الإجابة الصحيحة هي اثنَين في المائة فقط تقريبًا! في وقتٍ لاحق، تم توضيح أن المشكلة تُصبح أسهل في الفهم إذا صيغت في شكل تكرارات، كما هو موضح في النسخة التالية:
النسخة «ب»: واحد من كل ألف شخصٍ أمريكي مُصاب بالمرض «س». تم تطوير اختبار لاكتشاف ما إذا كان الشخص مُصابًا بهذا المرض. وفي كل مرة يتم فيها إجراء الاختبار على شخصٍ مُصاب بالمرض، تكون النتيجة إيجابية (أي أن «نسبة النتائج الإيجابية الحقيقية» هي ١٠٠ في المائة). لكن في بعض الأحيان، يُعطي الاختبار نتيجة إيجابية عندما يُجرى على شخصٍ سليم تمامًا. على وجه التحديد، من بين كل ألف شخص سليم، تأتي نتائج ٥٠ منهم إيجابية (أي أن «نسبة النتائج الإيجابية الزائفة» خمسة في المائة).
في النسخة «ب»، عندما سُئل المشاركون عن عدد الأشخاص الذين جاءت نتائج اختبارهم إيجابيةً وكانوا مُصابين بالفعل بالمرض، أظهرت إحدى الدراسات أن ٥٦ في المائة من المشاركين قدموا الإجابة الصحيحة وهي اثنَان في المائة. هذا أفضل بكثير، ولكنني لا أزال أودُّ أن يعرف «جميع» أطبائي كيفية تفسير الاختبار التشخيصي!

لماذا تعتبر النسخة «ب» أسهل؟ تعرض هذه النسخة الاحتمالات باستخدام معلومات التكرار. على سبيل المثال، نُخبر المشاركين أن ٥٠ من كل ألف شخص سليم يحصلون على نتيجةٍ إيجابية بدلًا من مجرد القول إن نسبة النتيجة الإيجابية الزائفة هي خمسة في المائة. جادل بعض الباحِثين بأنَّنا تطوَّرنا للتعامل مع معلومات التكرار في البيئة، في حين أن مفهوم الاحتمالية هو اكتشاف متأخِّر جدًّا للباحثين من البشر. غير أنه قد طُعِنَ بقوة في التفسير التطوري لتأثير التكرار، ودارت نقاشات حادة حول هذا الموضوع.
النظرية المعيارية لهذه المشكلة هي نظرية بايز، وهي برهان مُهم في نظرية الاحتمالات. لأولئك الذين يهتمُّون بالتفاصيل التقنية، يوجَد تعريف مفصَّل لنظرية بايز في ملحق هذا الكتاب، إلى جانب إثبات لحلِّ نسبة مشكلة التشخيص الطبي الذي يساوي ٢ في المائة. ما توضحه هذه النظرية هو أن إيماننا بالفرضيات بعد فحص بعض الأدلة لا بدَّ وأن يتحدَّد بناءً على معتقداتنا السابقة حولها والأدلة التي تم فحصها. يتغير المعتقد دائمًا في اتجاه الأدلة ولكن بمعدلات مختلفة. لنفترض أن أحد المحلَّفين في محاكمة يُفكر حاليًّا في أن المُتهمة ربما تكون مُذنبة في حين يوجَد دليل مُقدَّم يدعم براءتها. إذا كان اعتقاده المسبق بإدانتها قويًّا جدًّا وكان الدليل ضعيفًا، فقد لا يُغير من حُكمه. ولكن إذا لم يكن مقتنعًا تمامًا بإدانتها أو كان الدليل على براءتها قويًّا، فقد يكون ذلك كافيًا لإثارة الشك المعقول. وهذا ما يُعرف بالاستدلال البايزي.
في المهام المُختبرية، ينشأ عادةً «الاعتقاد المسبق» من خلال تمثيل معلومة معدل الأساس، ويبدو أن الاستدلال البايزي مُنحاز. لقد كان معروفًا منذ فترة طويلة أنه عندما يُحاول الناس حلَّ مثل هذه المشكلات لا يُولون اهتمامًا كافيًا لمعدل الأساس. أحد الأمثلة الشهيرة على هذا، والذي قدَّمه لأول مرة تفيرسكي وكانمان، يُعرَف بمشكلة سيارات الأجرة. يُخبر المشاركون أن شركتَين لسيارات الأجرة تعملان في المدينة: شركة سيارات الأجرة الزرقاء التي تمتلك ٨٥ في المائة من سيارات الأجرة في المدينة، وشركة سيارات الأجرة الخضراء التي تمتلك ١٥ في المائة. تورَّطت إحدى سيارات الأجرة في حادث صدم وهروب، وشهد شاهد عيان أن السيارة كانت خضراء. عند إخضاع الشاهد لاختبارات، تبيَّن أنه يُمكنه التعرف على لون السيارة بشكلٍ صحيح بنسبة ٨٠ في المائة في ظل ظروف مشاهدة مُماثلة، لكنه يخلِط بينه وبين اللون الآخر بنسبة ٢٠ في المائة. يُطلَب من المشاركين بعد ذلك تحديد ما إذا كان من المُرجَّح أن تكون السيارة خضراء أم زرقاء بالفعل. مُعظمهم يقولون إنها خضراء، على الرغم من أن الإجابة الصحيحة هي أنها زرقاء.

تُظهر الأبحاث حول مشكلاتٍ مثل هذه أن الناس لا يُولون اهتمامًا كافيًا لمعلومة معدل الأساس. ولكن طرق التلاعُب النفسي يمكن أن تُغيِّر هذا. ومن هذه الطرق استخدام صِيَغ التكرارات، كما رأينا بالفعل. ومن الطرق الأخرى استخدام الصياغة التي تُثير نماذج ذهنية سببية. إذا تم عرض مشكلة سيارات الأجرة بالتعديل التالي، فإن النتيجة ستكون مختلفةً للغاية. في هذه النسخة، يُخبَر المشاركون بأن هناك عددًا متساويًا من سيارات الأجرة الخضراء والزرقاء في المدينة ولكن ٨٥ في المائة من سيارات الأجرة «التي تتورَّط في الحوادث» زرقاء اللون. باقي المشكلة لا يتغير، وكذلك الإجابة الصحيحة لأن ٨٥ في المائة هي معدل الأساس في هذه المشكلة. عند استخدام هذه الصياغة، يقول معظم المشاركين بشكلٍ صحيح إن سيارة الأجرة المتورِّطة في الحادث من المرجَّح أن تكون زرقاء. الآن بعدما تمكَّنوا من رؤية أصلٍ سببي لمعدل الأساس (شركة سيارات الأجرة الزرقاء توظف سائقين خطِرين)، أصبحوا يولون المزيد من الاهتمام لهذه المعلومة.
إن الأخطاء في الاستدلال الإحصائي التي تكشف عنها دراسات بحثية كهذه هي بالتأكيد مُهمة جدًّا لاتخاذ القرارات في الحياة اليومية. من الضروري، على سبيل المثال، أن يعرف الأطباء كيفية إجراء الاستدلال البايزي الصحيح عند تفسير الاختبارات التشخيصية وأن تعرف المحاكم كيفية تفسير الأدلة الإحصائية، كما في حالة اختبارات الحِمض النووي «دي إن إيه». في حجةٍ تُعرف باسم «مُغالطة المُدَّعي العام»، قد يعتمد المُدعي العام في حجته بأن المُتهم مُذنب فقط على أساس اختبار الحمض النووي الإيجابي. تكون الحجة كالتالي: شخص واحد فقط من كل ١٠٠ ألف شخص سيتطابق حمضهم النووي مع العينة الموجودة في مسرح الجريمة، ومن ثم فإن الشخص الذي تكون نتيجة اختباره إيجابيةً من المُرجَّح بنسبة ٩٩٫٩٩ في المائة أن يكون مُذنبًا. لكن هذا الاستدلال يشكل مغالطةً تخلط بين احتمالَين مختلفَين. إذ تحوَّل احتمال الحصول على نتيجة إيجابية في الاختبار إذا كنت بريئًا إلى احتمالِ أن تكون بريئًا إذا كانت نتيجة الاختبار إيجابية. هذا التحوُّل غير صحيح، ومرة أخرى يجب مراعاة معدلات الأساس. في مدينة بها مليون شخص، سيتطابق ١٠ أشخاص مع العينة. لذلك إذا تم العثور على شخص يُطابق حمضه النووي العينة الموجودة في مسرح الجريمة نتيجة إجراء اختبار «دي إن إيه» جماعي، ولكن هذا الشخص لا يُوجَد أي دليل آخَر ضده، فإن احتمال براءته أكبر بكثيرٍ مما يجادل به المدعي العام.
البايزية والمنظور الجديد لعلم نفس الاستدلال
البايزية هي أكثر من مجرد تطبيق لنظرية بايز. فهي حركة فلسفية ورياضية لها تأثير متزايد في علم النفس المعرفي. يركز البايزيون على المُعتقد، المتمثل في الاحتمالات «الذاتية»، التي تتراوح (مثل الاحتمالات الموضوعية) بين صفر وواحد. عادةً ما تُعرَّف الاحتمالات الموضوعية بناءً على التكرارات الطويلة الأجل. على سبيل المثال، من منظور الاحتمالات الموضوعية، إذا كان احتمال سقوط العملة على الصورة عند رمْيِها ٠٫٥ فهذا يعني أنها ستُظهر الصورة في ٥٠ في المائة من المرات في سلسلةٍ كبيرة من الرميات. ولكن كيف تحدِّد الاحتمالات إذا كنتَ ستُراهن على رميةٍ واحدة فقط للعملة؟ من منظور الاحتمالات الذاتية، التي اقترحها البايزيون، يُمكنك تحديد احتمالٍ ذاتيٍّ بقيمة ٠٫٥ مما يعني أنه ليس لديك سبب لتفضيل ظهور الصورة عن الكتابة عند رمي العملة. هذا يعني أنه يُمكنك أن تُطبِّق الاحتمال على القرارات المحفوفة بالمخاطر ذات الفرصة الواحدة من النوع الذي يحدُث بشكلٍ مُتكرر في الحياة الواقعية. عندما تختار مهنةً أو شريكًا للحياة فإن هناك بالتأكيد مخاطر يجب النظر فيها، ولكنك لا تملك فرصةَ إعادة المحاولة عدة مرات لتُوازن الأمور!
تم تطوير نظرية بايز، إلى جانب الاحتمالات الذاتية والمنفعة (القيمة الذاتية)، مع دمج كلٍّ من نظرية الاحتمالات ونظرية اتخاذ القرارات، إلى نظام رياضي وفلسفي. ويمكن تعديل المُعتقدات التي تُعرَف بوصفها احتمالاتٍ ذاتية عند ظهور أدلة جديدة، عن طريق تطبيق نظرية بايز. توفر البايزية أيضًا فلسفةَ علم بديلة لطريقة كارل بوبر المنطقية، التي ناقشناها في الفصل الثاني. لا يسعى البايزيون إلى التأكيد أو الدحض المُطلق، بل يُعيدون تقييم مُعتقداتهم باستمرار في ضوء الأدلة. اعتقد بوبر أن الاحتمالات موضوعية، وبالتالي لا يمكن تعيين احتمالٍ لنظرية علمية تُشبه الحدث الفردي. لا يُمكنك، على سبيل المثال، السؤال عن عدد المرات التي سيكون فيها مبدأ داروين للانتخاب الطبيعي صحيحًا في سلسلةٍ طويلة من الفُرَص. ولكن يمكنك تعيين درجةٍ من الاعتقاد بهذا المبدأ، مُعبرًا عنها كاحتمالٍ ذاتي.
عندما نواجِه نظريةً لأول مرة، قد نجدها معقولة، أو غير معقولة، أو لا نكوِّن رأيًا قاطعًا عنها، ونُعيِّن لها درجات اعتقاد، مثل ٠٫٨ أو ٠٫٢ أو ٠٫٥ على الترتيب. ولكن إذا كانت الأدلة قويةً ومُتسقة بما فيه الكفاية، فإن النظرية ستصبح في النهاية مقبولةً بغض النظر عن مدى تشكُّكنا في البداية. هناك العديد من الأمثلة على هذا في تاريخ العلوم. فكِّر مثلًا في حالة نظرية مركزية الأرض، التي تنصُّ على أن الشمس تدور حول الأرض، والتي سيطرت على العلم لمدة ١٥٠٠ سنة تقريبًا بعدما طرحها أرسطو وبطليموس. ولم يشكك أحد في هذه النظرية حتى القرن السابع عشر حين تحدَّاها كوبرنيكوس وكبلر، وقد قُوبِلا في البداية بمقاومةٍ ثقافية ودينية كبيرة. ولكن الأدلة على نظرية مركزية الشمس سادت في النهاية، ومن ثم حلَّت نظرية محلَّ أخرى. بشكل عام، تُشير الأدلة إلى أن العلماء الحقيقيين يميلون إلى التصرف مثل البايزيين وليس البوبريين.
عندما واجه علماء النفس الأدلة على الاستدلال غير المنطقي في دراسة الاستنباط، كان أمامهم خياران؛ إما أن يُعلنوا أن الناس غير عقلانيين (كما فعل بعضهم، بما في ذلك بيتر واسون)، أو أن يُشككوا في استخدام المنطق كمعيارٍ للحكم عليهم. ومنذ تسعينيات القرن العشرين وصاعدًا، بدأ العديد من الباحثين يُشكِّكون في النموذج القياسي، ليس فقط بسبب ارتفاع مستويات الخطأ بشكلٍ غير مقبول، ولكن أيضًا بسبب الأدلة القوية على أن الاستدلال البشري يعتمد بشكلٍ جوهري على الاعتقاد. في الواقع، لم يعُد العدد الكبير من الباحثين في مجال علم النفس يرَون المنطق التقليدي معيارًا للاستدلال السليم. وقد قام مايك أوكسفورد ونيك تشاتر بقيادة برنامجٍ بحثي مُهم ومؤثر للغاية، ومنذ أوائل التسعينيات كانا يُفسران الاستدلال الاستنباطي على أنه قائم على الاحتمالات كما كانا يعتقدان أن الاستدلال اليومي عقلاني من منظورٍ بايزي. هذا جزء مما يُعرف بالمنظور الجديد لعلم نفس الاستدلال، على الرغم من أن المؤلِّفين الآخرين الذين يؤيدون هذا المنظور لا يُشاركونهما بالضرورة وجهةَ نظرهما القائلة بأن الاستدلال البشري بايزي بحت.
في المنظور الجديد، تُمنح العبارات الشرطية تفسيرًا احتماليًّا. فبدلًا من سؤال الناس عما إذا كانت العبارات الشرطية صحيحةً أم خاطئة، يُمكننا أن نطلب منهم أن يحكموا على درجة اعتقادهم بها، من خلال تعيين احتمالٍ لها. في دراسة أجراها ديفيد أوفر وزملاؤه، طُلب من الأشخاص تعيين احتمالاتٍ لعبارات تتعلق بعلاقاتٍ سببية في الحياة اليومية، مثل:
إذا ازداد الاحتباس الحراري، فستغرق لندن.
في مسألة منفصلة، طُلب من المشاركين أنفسهم أيضًا تعيين احتمالاتٍ للأحداث التالية:
-
(أ)
سيزداد الاحتباس الحراري وستغرق لندن: ٠٫٤
-
(ب)
سيزداد الاحتباس الحراري ولن تغرق لندن: ٠٫٢
-
(جـ)
لن يزداد الاحتباس الحراري وستغرق لندن: ٠٫٣
-
(د)
لن يزداد الاحتباس الحراري ولن تغرق لندن: ٠٫١
أدرجتُ هنا مجموعة توضيحية من الردود التي يجب أن يكون مجموعها هو واحد. تكررت هذه المسألة بالعديد من العبارات الشرطية السببية الأخرى. واتضح أن المشاركين لم يتأثروا حقًّا سوى بالعبارات «أ» و«ب» في تحديد ما إذا كانوا يعتقدون في صحَّة الجُملة الشرطية. بشكلٍ عام، دلَّت تقييماتهم على ما يلي:
احتمال أنه «إذا استمرَّ الاحتباس الحراري، فستغرق لندن» = احتمال أن «لندن ستغرق في حال استمرار الاحتباس الحراري».
هذا يعني أن الاحتمال المُقدَّر للجملة الشرطية كان قريبًا جدًّا من تقييم احتمال الحدث «أ» مقسومًا على تقييم احتمال الحدث «أ» زائد تقييم احتمال الحدث «ب». في المثال المُعطى، سيقدرون احتمال الجُملة الشرطية بنحو ٠٫٦٧ (٠٫٤/٠٫٦). ولكن ما تقييم الاحتمال هنا وفقًا للمنطق القياسي؟ وفقًا للمنظور التقليدي، تُعتبر الجملة الشرطية صحيحةً في جميع الحالات باستثناء «ب»؛ لذا يجب على المشاركين تعيين احتمالٍ يُقدَّر بنحو ٠٫٨، على الرغم من أنه نادرًا ما يفعل أحد ذلك. يبدو أنهم يُجرون محاكاة ذهنية حيث يتخيلون الحالة التي يستمرُّ فيها الاحتباس الحراري، وعلى هذا الأساس يُحاولون تحديد مدى احتمالية أن تغرق لندن. وبالتالي يتجاهلون مُعتقداتهم حول الحالات التي لا يستمر فيها الاحتباس الحراري. يؤكد هذا الاكتشاف آراء الفلاسفة المُعاصرين، مثل دوروثي إدجينجتون، القائلة بأن الجُمل الشرطية في اللغة اليومية لا تحمِل المعنى الذي يُعطى لها عادةً في كتب المنطق. وهو أيضًا ذو أهمية كبيرة في المنظور الجديد لعلم نفس الاستدلال.
لسنواتٍ عديدة، بدا أن الاستدلال المنطقي كان أمرًا مستقلًّا تمامًا عن الاستدلال باستخدام الاحتمالات. ومع مرور الوقت، أصبح من الواضح أن الاستدلال المنطقي المجرد ليس شيئًا يُمكن للناس العاديين القيام به بشكلٍ جيد بدون تدريب وأن الطريقة الطبيعية للاستدلال قائمة على الاعتقاد. كما أن الناس يفتقرون أيضًا إلى القدرة على الاستدلال بشكلٍ صحيح باستخدام الاحتمالات المقدمة في المشكلات الشكلية المجردة، مرةً أخرى بدون تدريب خاص. غير أن هناك أدلة متزايدة على أن الناس على الأقل بايزيون بشكلٍ عام، حيث يحتفظون بمعتقداتٍ بدرجاتٍ مختلفة من الاحتمالات الذاتية ويحدِّثونها عندما يواجهون أدلةً جديدة. في المنظور الجديد لعلم نفس الاستدلال، لم يعُد المنطق يُعتبر المعيار الواضح للاستدلال العقلاني. وبدلًا من ذلك، انصبَّ الاهتمام على كيفية استخدام الناس لمعتقداتهم الموجودة بالفعل عندما يُمارسون الاستدلال في وجود أدلة جديدة. وتُعَد طريقة قيامهم بذلك ومدى قُربهم من التصرُّف مثل البايزيين «النموذجيين» موضوعًا يحظى بالكثير من الجدل.