من نظرية المُعالجة المزدوجة إلى نظرية العقلَين
كما فهِم السير فرانسيس جالتون، لا بد أن الجزء الأكبر من عمل الدماغ تلقائي لأن الوعي ذو قدرة محدودة. من الملاحظات الشائعة أننا نؤدي العديد من مهامِّنا في وضع «الطيار الآلي». يُمكننا القيام بشيءٍ مُعقد مثل قيادة السيارة في حركة المرور الحديثة بقدْرٍ ضئيل جدًّا من الانتباه الواعي مما يسمح لنا بالتخطيط ليومِنا أو الدخول في محادثةٍ مع راكبٍ بجوارنا، أو الاستماع إلى مسرحية إذاعية في الراديو. لا ينطبق هذا سوى على المهارات التي تم التدرُّب عليها بشكل كبير، بالطبع، وحتى مع هذه المهارات «ربما» نحتاج في بعض الأحيان إلى الانتباه الواعي. إذا حدث موقف خطير، على سبيل المثال عندما تتباطأ حركة المرور أمامنا فجأة، فسيتحوَّل انتباهُنا إلى مهمَّة القيادة ولن نتمكن من متابعة الراديو. يُخبرنا هذا ببعض الأمور المُهمة. أولًا، في الوقت الذي يكون فيه انتباهنا الواعي موجهًا نحوَ شيءٍ آخر، فإن هناك عمليةً في دماغنا لا تزال تراقِب حالة الطريق تحسبًا للأخطار ويُمكنها استدعاء الانتباه الواعي عند الحاجة. ثانيًا، يُظهر هذا لنا أن قُدرتنا على التفكير بوعيٍ محدودة، وأننا نحتاج إلى تحويلها من مهمَّةٍ تتطلب الانتباه لأداء مهمَّةٍ أخرى. إذا كانت المهمة المُتنافِسة تتداخل مع هذه المُهمة، فمن شأن التشتُّت أن يكون أمرًا خطيرًا. على سبيل المثال، تُشير الكثير من الأدلة الآن إلى أن استخدام الهواتف المحمولة أثناء القيادة، حتى مع استخدام سمَّاعات الأذن، يمكن أن يؤدي إلى حوادث.
بينما كان الوعي يُهيمن على معظم الأعمال الفلسفية حول التفكير منذ زمن أرسطو، كان هناك أيضًا بعض الفلاسفة، منذ أفلاطون ومَن بعده، الذين اعترفوا بأشكالٍ من التفكير غير الواعي. خلال الخمسين عامًا الماضية تقريبًا، كان هناك قدْر كبير من الاهتمام بالمعالجة المزدوجة في علم النفس، ولكن مع وجود العديد من النظريات المُختلفة والتنوُّع الكبير في المُصطلحات. في هذا الكتاب، استخدمتُ مصطلح «النوع الأول» للإشارة إلى التفكير السريع والحدسي، ومصطلح «النوع الثاني» للإشارة إلى التفكير البطيء والتأمُّلي. ولكن لا يزال بعض علماء النفس المُعاصرين يُميزون بين التفكير الواعي وغير الواعي، وخاصةً في علم النفس الاجتماعي. من بين هؤلاء تيم ويلسون، الذي ركَّز الكثير من عملِه على الوعي الذاتي. ويصِف ويلسون الكثير من الأدلة التي تُشير إلى أن لتفكيرنا الواعي دورًا محدودًا في التحكم في سلوكنا، وأن المواقف الضمنية والقوالب النمطية لها تأثيرات أكبر بكثير مما نعتقد. في كتابه الذي نُشر عام ٢٠٠٢، «غرباء عن أنفسنا»، يقول ويلسون إن «اللاوعي التكيفي أكثر من مجرد حارس بوابة، فهو يُقرر المعلومات التي يسمح بدخولها إلى الوعي. إنه أيضًا خبير علاقاتٍ عامة يُفسر المعلومات خارج الوعي.»
هناك الكثير من الأدلة في علم النفس الاجتماعي تُشير إلى أنه حتى الأشخاص الذين يعتقدون أنهم غير مُتحيِّزين ودعاةً للمساواة يتشاركون، على الرغم من ذلك، في القوالب النمطية الثقافية مع أولئك الذين يُظهِرون تحيزًا علنيًّا. استعارت إحدى الدراسات التي أُجرِيَت في الولايات المتحدة طريقةً من علم النفس المعرفي تُعرَف بالتمهيد الدلالي. لنفترِض أنه يُعرَض عليك سلسلة من الحروف على شاشة الكمبيوتر ويُطلَب منك تحديد ما إذا كانت تُشكِّل كلمة. يمكنك الضغط على مفتاح للإجابة ﺑ «نعم» وآخر للإجابة ﺑ «لا»، مع تسجيل الوقت الذي تستغرقه في الإجابة. تخيَّل أن هناك كلمتَين متتاليتَين، هما «قط» و«كلب». سيكون وقت الإجابة على كلمة «كلب» أسرع من لو كانت الكلمتان «سماء» و«كلب». الكلمة المستهدفة «كلب» تم التمهيد لها بكلمة أخرى ذات معنًى مشترك، مثل «قط».
في إحدى الدراسات في علم النفس الاجتماعي، كانت الكلمتان التمهيديتان هما «أسود» و«أبيض» ولكنهما عُرضتا بطريقةٍ خفية، بحيث لا يمكن رؤيتهما بشكل واعٍ. ولم يكن لدى المشاركين أدنى فكرة على الإطلاق أن مواقفهم كانت محلَّ اختبار. وجد المؤلفون أن الكلمات التي تُشكل جزءًا من القالب النمطي الثقافي للبِيض والسُّود تم التمهيد لها بواسطة هذه الإشارات اللاشعورية ولكن بطرق مختلفة. عند استخدام كلمة «أبيض»، تعرف المشاركون بسرعة أكبر على الكلمات التي كانت ذات ارتباطٍ إيجابي بالقالب النمَطي عن البيض، مثل الذكاء والنجاح. غير أنه لم يكن هناك تأثير تمهيدي للكلمات التي تُشكل جزءًا سلبيًّا من القالب النمَطي للبِيض، مثل الجشع والمادية. ولكن مع الإشارة اللاشعورية إلى «أسود»، لوحِظ العكس؛ إذ تمَّ التمهيد للكلمات السلبية فقط في القالب النمَطي (كسول، عنيف) وليس الإيجابية (رياضي، مُتدين). يشير هذا إلى موقفٍ ضِمني سلبي لا يتوقع معظم المشاركين أنهم يتَّخذونه. ولكن العديد من النتائج المُشابهة قد لوحِظت.
إذا كانت القوالب النمَطية تعمل على مستوى «النوع الأول» أو على المستوى غير الواعي، فهل يُمكن كبحُها بواسطة المعالجة الواعية من «النوع الثاني»؟ تُشير الدراسات إلى أن ذلك مُمكن إلى حدٍّ ما، ولكن فقط إذا كان الفرد يُدرك أن الموقف الضِّمني يؤثر في سلوكه. ومثل أنواع أخرى من المعالجة من «النوع الثاني» التي ناقشناها في هذا الكتاب، تتطلَّب هذه المعالجة جهدًا واعيًا. للأسف، كما رأينا أيضًا، يمكن أحيانًا استخدام المعالجة من النوع الثاني لتبرير نتائج الانحيازات اللاواعية. على سبيل المثال، قد يُعطي أحد مسئولي التوظيف أسبابًا وجيهة لتفضيل مُرشح شاب، وذكَر، وأبيض، وتكون كلها أسبابًا مرتبطة تمامًا بالوظيفة المَعنية ومؤهلات المرشح. وقد يكون غير مُدرك على الإطلاق لأي تحيُّز يؤثر على قراره. في الواقع، تُظهِر الأبحاث أنَّ مَن يُديرون المقابلات الشخصية يمكن أن يتأثروا بعددٍ كبير من الميزات التي لن تُذكَر أبدًا في تقرير المقابلة مثل مظهر المرشح، أو نبرة صوته، أو حتى قوة مُصافحته.
يتجنَّب العديد من المُتخصِّصين في علم النفس المعرفي، الحديثَ عن الوعي على الإطلاق، مُعتقدين أنه مفهوم غير مُحدَّد بوضوح. لذلك يستخدمون العديد من المصطلحات المختلفة لوصف التفكير من النوع الأول والنوع الثاني. يتحدث بعض المؤلِّفين عن المعالجة الحدسية والتأمُّلية، ويتحدَّث آخرون عن المعالجة التلقائية والخاضعة للسيطرة، كذلك يُميز بعضهم الآخر المعالجة المُعتمِدة على تداعي الأفكار عن تلك التي تعتمِد على القواعد. ويُقارن بعضهم التفكير الحدسي (النوع الأول) بالتفكير المنهجي أو التحليلي (النوع الثاني). ولا يزال من غير المعروف وممَّا يُثير الكثير من الجدل ما إذا كان جميع هؤلاء المُنظِّرين يَعنُون بالضبط نفسَ الشيء بهذه المصطلحات. وسأعود إلى هذه المشكلة لاحقًا.
المعالجة من النوع الأول وقوة الحدس
طالما ربطت نظريات المعالجة المزدوجة، في علم نفس التفكير والاستدلال، التفكيرَ من النوع الأول بأنواعٍ مختلفة من الانحياز المعرفي. ولكن سيكون من الخطأ الاعتقاد أن التفكير من النوع الثاني أفضل بالضرورة. فلدَيه ميزات خاصة، بالتأكيد، ولكنه أيضًا يتَّسم بقدرةٍ محدودة جدًّا وهو بطيء نسبيًّا. يجب أن يُنفِّذ الدماغ الغالبية العُظمى من عمليات المعالجة التي يقوم بها تلقائيًّا، وبسرعة، ودون وعي. معظم هذه المعالجات فعَّالة وتساعدنا على تحقيق أهدافنا.
فكِّر مرةً أخرى في مثال قيادة السيارة أثناء الاستماع إلى الراديو. الاستماع إلى الراديو هو البؤرة التي يُركز عليها انتباهنا الواعي إلى أن تُصبح القيادة محفوفة بالمخاطر. إذن، فماذا يفعل الدماغ أيضًا أثناء الاستمتاع بالمسرحية الإذاعية؟ فيما يلي بعض العمليات من النوع الأول التي تجري في الدماغ: المعالجة البصرية لحالة الطريق، والتحكُّم الحركي في السيارة، ومعالجة الكلام واللغة لفهم ما يُقال عبر الراديو. تنطوي كل هذه العمليات على عمليات مُعالجة مُعقدة جدًّا وسريعة لا يُمكننا القيام بها على مستوى النوع الثاني من التفكير. أجل، نحن واعون، إذا كنَّا نُركز على حالة الطريق، وما تقوله الشخصيَّات في المسرحية وعلى نبرات أصواتهم. ولكننا — الأشخاص الواعين — ليس لدَينا أدنى فكرة عن كيفية تحقيق أيٍّ من الإنجازات العظيمة في معالجة المعلومات التي تسبق هذه التجارب الواعية.
عندما يتحدث المؤلِّفون عن الحدس أو التفكير الحدسي، فإنهم عادةً لا يُشيرون إلى نوع المعالجة التلقائية التي تكمُن وراء المعالجة البصرية أو الكلام. في علم نفس التفكير والاستدلال، تُستخدَم المعالجة من النوع الأول بشكلٍ أكثر شيوعًا للإشارة إلى «الشعور الداخلي» أو النزعات التي تُحدد اتخاذنا للقرارات في غياب التفكير المُتأمِّل الواعي. اقترح بعض المؤلِّفين، مثل جيجرينزر، أننا غالبًا ما نستطيع اتخاذ قرارات أفضل بالاعتماد على مثل هذا الشعور مقارنةً باستخدام التفكير الواعي. لاحِظ أن هذه هي بالضبط الحُجة «المضادة» للتفسير المعتاد للانحيازات المعرفية التي تحدَّثنا عنها في هذا الكتاب. عادةً ما توصَف عمليات التفكير من النوع الأول بأنها أفكار حدسية خاطئة استُخدِمَت لتفسير الانحيازات المعرفية، بينما نحتاج إلى التفكير من النوع الثاني الذي يتطلَّب وقتًا وجهدًا أكبر للوصول إلى الإجابة الصحيحة. فكيف ينشأ هذا التناقُض؟
أعتقد أن السر هنا هو دور «التعلم التجريبي»، المعروف أيضًا بالتعلم الضمني أو التعلم بالارتباط. فنحن نتعلم باستمرار من خلال التجربة دون أن نكون واعِين بالضرورة لذلك. ويمكن أن يوفِّر هذا التعلم أفكارًا حدسية شديدة الفعالية لمساعدتنا في اتخاذ القرارات. في الفصل الثاني، أشرتُ إلى أن حلَّ الخبراء للمشكلات واتخاذهم للقرارات غالبًا ما ينشأ من عمليات التعرُّف السريع على الأنماط وليس من التفكير التأمُّلي البطيء. ووصفتُ حالة قائد فريق الإطفاء الذي أمر رجاله بالخروج من مبنًى مشتعلٍ لأن «حاسته السادسة» أخبرته أن هناك شيئًا خاطئًا، على الرغم من أنه لم يتمكن من تحديد ما هو هذا الشيء بوعي. لدى الخبراء، مثل الجميع، نوعان مختلفان من المعرفة. عندما يتدرب الأطباء في كلية الطب، على سبيل المثال، يكتسبون الكثير من المعرفة الصريحة عن الحالات الطبية وعلاجاتها من خلال التعلُّم من الكتب. سيحتاجون إلى الاستعانة بهذه المعرفة في وقتٍ مُبكر من حياتهم المهنية وأيضًا في وقت لاحق عندما يواجِهون حالات غير عادية. ولكن عندما يمارس الطبيب الطب، فإنه أيضًا يكتسب الكثير من المعرفة الضمنية من خلال التعلم التجريبي. لن يحتاج الممارس العام ذو الخبرة الكبيرة إلى استدعاء ما تعلَّمَه من الكتب الدراسية عند التعامُل مع مجموعة معتادة من الأعراض. فهو يستطيع بالتجربة وحدَها أن يعرف السبب المُحتمل وكيفية علاجه. وبالمثل، سيعرف مُحقق الشرطة الخبير عادةً متى يكذب المُشتبه به، ولكنه لم يتعلَّم هذا من محاضرة أو من كتاب أكاديمي.
جميعنا نتعلم ضمنيًّا طَوال الوقت بالارتباط والأنماط دون أي جهد واعٍ للتعلم. في الواقع، أثبت آرثر ريبر، الذي أجرى العديد من الدراسات حول التعلم الضمني، أن «محاولة» تعلم الأنماط المعقدة يمكن أن تأتي بنتائج عكسية في بعض الأحيان. هذا هو الفرق الذي يُفكر فيه المؤلفون عندما يتحدثون عن المعالجة الارتباطية (الضمنية) والقائمة على القواعد (الصريحة). تسود المعالجة الضمنية أو الارتباطية عندما تكون الأنماط معقدةً وصعبة الوصف كقواعد بسيطة يمكن تطبيقها بوعي. يستشهد مالكوم جلادويل، في كتابه الشهير «في لمح البصر»، بأمثلةٍ مثل الخبير الفني الذي عرف أن أحد التماثيل مُزيف ولكنه لم يستطع تفسير كيفية معرفته لذلك وما كان الخطأ فيه. كما يتحدث عن مستشار الزواج الذي كان يتمكن من التنبُّؤ بدقةٍ عالية بنجاح الزواج بعد جلسة استشارة واحدة فقط تستغرق ١٥ دقيقة. يستجيب هؤلاء الخبراء للأنماط، التي قد تكون عبارة عن مجموعات مُعقدة جدًّا من الإشارات يكتسبون معانيها من خلال الخبرة. كان التعلم ضمنيًّا، والمعرفة ضمنية، ومن ثم يُراوِد الخبير ما نُسميه الحدس. إنه «شعور»، ليس له تفسير واعٍ. وهو شيء مُختلف تمامًا عن تعلم القواعد الصريحة وتطبيقها بوعيٍ بواسطة الاستدلال من النوع الثاني.
إذن لماذا يُلام الحدس والمعالجة من النوع الأول في كثيرٍ من الأحيان على الانحيازات المعرفية في التجارب المُختبرية؟ السبب هو أن المشكلات التي يُقدمها علماء النفس تميل إلى أن تكون جديدةً وأيضًا شديدة التجريد في طبيعتِها. وعادةً لا يكون لدى المُشاركين أيُّ خبرة سابقة مُفيدة يُمكنهم الاستعانة بها في هذه المهام، أو إذا كانت لدَيهم مثل هذه الخبرة فإنهم يتمُّ استبعادهم عن عمْد. على سبيل المثال، لا يُسمَح للأشخاص الذين تلقَّوا تدريبًا في المنطق بالمشاركة في تجارب الاستدلال الاستنباطي، أو يتم تجاهل بياناتهم. أحيانًا يتم تصميم المشكلات أيضًا بحيث تجعلها المعرفة السابقة «أصعب» في الحل. في نموذج انحياز المُعتقَد، على سبيل المثال، تُقدَّم للمشاركين قياساتٌ تتطلب استدلالًا صعبًا لحلِّها. يتم إعداد المسألة بحيث تكون بعض الاستنتاجات قابلة للتصديق وبعضها غير قابلٍ للتصديق، ولكن هذا ليس له عَلاقة بما يُطلب منهم الحُكم على سلامته منطقيًّا. لذا في هذه الحالة، إذا اعتمد الشخص على شعوره بصحة أو خطأ الاستنتاج، فسيُظهر انحياز المُعتقَد.
التفكير من النوع الثاني، والذكاء، والذاكرة العاملة
يأتي التفكير من النوع الثاني — التأمُّل الواعي — عندما تكون المشكلات مُعقدة وجديدة في الوقت نفسه، ولا يمكن حلُّها بالاستعانة بالخبرة ذات الصِّلة. تتطلَّب هذه المشكلات «استدلالًا» صريحًا، واعيًا، وشاقًّا لحلِّها. نظرًا للاهتمام بهذا النوع من الاستدلال، صُمِّمَت العديد من المسائل المُختبرية عمدًا لتتطلَّبه. في المُختبر، غالبًا ما يواجِه المشاركون صعوباتٍ في هذه المسائل، ويرتكبون العديد من الأخطاء التي أدَّت إلى النقاش حول العقلانية الذي تحدثنا عنه في الفصل السادس. أحد الأمور التي أظهرَتها دراسة هذه المسائل بوضوح هو أن الأشخاص ذوي معدل الذكاء المرتفع أكثر قُدرةً على حلِّ معظمها. لقد عرفنا أيضًا المزيد عن أنواع المشكلات التي يحتاج حلُّها إلى التفكير من النوع الثاني. عادةً ما تتطلَّب هذه المشكلات ما أُسمِّيه التفكير الافتراضي وما يُسميه ستانوفيتش «الفصل المعرفي». يعني هذا أن الناس يجِب أن يُجروا عمليات محاكاة ذهنية وأن يفصِلوا أو يتجاهلوا ما يعرفونه مُسبقًا ويعتقدون فيه.
بينما تُتَّخَذ معظم القرارات على أساس العادة والخبرة، فإننا نحتاج إلى التفكير من النوع الثاني عندما نريد تخيُّل ومقارنة العواقب المُستقبلية لأفعالنا. كيف نُقرر كيفية السيطرة على الاحتباس الحراري أو معرفة العواقب الاقتصادية لانضمام دولةٍ أو انسحابها من إحدى الصفقات التجارية؟ تتطلَّب منَّا هذه القرارات استخدام أقصى قُدرات التفكير من النوع الثاني. يبدو هذا التفكير بطيئًا، وشاقًّا، ومنفصلًا، ولا يُمكنه فعليًّا معالجة أكثر من مهمةٍ واحدة في كل مرة. إذا كان هذا التفكير مميزًا حقًّا عن جُملة عملياتنا المعرفية، فلا بدَّ أن تكون هناك آلية خاصة في العقل البشري تجعله مُمكنًا. وقد أنتجت دراسة الذاكرة إشارةً إلى ماهية هذه الآلية. في الواقع، خلال الأربعين إلى الخمسين عامًا الماضية، عندما كانت نظريات المعالجة المزدوجة تتطوَّر في علم النفس المعرفي والاجتماعي، كان باحثو الذاكرة يعملون على مجالٍ مختلف تمامًا من الدراسات. ولم يُصبح الرابط بين المجالَين واضحًا إلا مؤخرًا.
في الستينيات من القرن العشرين، ميَّز الباحثون في مجال الذاكرة بوضوحٍ بين الذاكرة القصيرة الأجل والذاكرة الطويلة الأجل، وهما مُصطلحان يُستخدَمان بشكلٍ مختلف في الثقافة الشعبية. بالنسبة لعالم النفس، تستمرُّ الذاكرة القصيرة الأجل لبضع ثوانٍ فقط، ما لم يتم تدريبها بوعي، ولها سعة تخزينٍ محدودة جدًّا. في أوائل السبعينيات من القرن العشرين، أدرك آلان باديلي وزملاؤه أن هذا المخزن القصير الأجل يلعب دورًا مهمًّا للغاية في المعرفة البشرية، حيث يُمكِّن من الاحتفاظ بالمعلومات مؤقتًا لمزيدٍ من المعالجة، مثل تحويلها إلى الذاكرة الطويلة الأجل، أو معالجة اللغة، أو الاستدلال. وقد صاغوا مصطلح «الذاكرة العاملة» ليعكس هذه الخصائص، وأسَّسوا مجالًا بحثيًّا مُهمًّا ازدهر منذ ذلك الحين.
بدأت الدراسات الموازية للاستدلال والذاكرة العاملة في تضمين قياسات الفروق الفردية في العشرين عامًا الماضية تقريبًا. تم تأكيد ما كان يُساور الكثير منَّا الشكُّ فيه في دراسة الاستدلال واتخاذ القرارات، وهو أن قياسات الذكاء العام تتنبأ بالنجاح في معظم هذه المهام المختبرية. في الوقت نفسه، بدأ باحثو الذاكرة في قياس «سعة الذاكرة العاملة» بملاحظة عدد العناصر التي يمكن للأشخاص الاحتفاظ بها في الذاكرة القصيرة الأجل أثناء أدائهم لمهمةٍ معرفية أخرى غير ذات صِلة. وسرعان ما لوحظ أن سعة الذاكرة العاملة تختلف اختلافًا كبيرًا فيما بين الأفراد وتتنبَّأ بالأداء في مجموعةٍ واسعة جدًّا من المهام المعرفية. ولم يمضِ وقتٌ طويل أيضًا حتى اكتُشِف أن هذا القياس يرتبط بدرجةٍ كبيرة مع قياسات الذكاء العام مثل مُعدل الذكاء، وكذلك مع القدرة على الاستدلال.
لا تعتمد العلاقة بين التفكير من النوع الثاني والذاكرة العاملة على الفروق الفردية فحسب. وصف الباحثون في التفكير والاستدلال التفكيرَ من النوع الثاني بأنه بطيء، وواعٍ، وتَسلسُلي، ومحدود السَّعة، وجميعها خصائص وُصِفَت بها الذاكرة العاملة في أبحاثٍ مختلفة. في السنوات الأخيرة، أظهر علماء النفس الذين يدرسون التفكير واتخاذ القرارات أن الأشخاص ذوي السعة الأكبر في الذاكرة العاملة يُمارسون الاستدلال بشكلٍ مختلف عن أولئك ذوي السعة الأقل؛ فاستدلالهم أكثر تجريدًا وأقل اعتمادًا على المُعتقدات، على سبيل المثال. كما أعطى باحثو التفكير للمشاركين في الأبحاث ما يُعرَف بأحمال الذاكرة العاملة — وهي عناصر يتعين عليهم تذكُّرها أثناء الاستدلال — وأثبتوا أن هذا يتسبَّب في زيادة الانحيازات المعرفية وتقليل الحلول الصحيحة في مختلف المسائل. الشاهد هنا هو أن هذه الأحمال تتداخل مع الاستدلال من النوع الثاني وليس النوع الأول، لأن النوع الثاني وحدَه هو ما يعتمد على الذاكرة العاملة.
التفكير من النوع الأول صعب التعريف للغاية لأنه يبدو أن هناك العديد من الأنظمة في الدماغ التي تعمل بشكلٍ مُستقل ومتوازٍ. ولكن يبدو الآن أن تعريف المعالجة من النوع الثاني أكثر وضوحًا. في ورقة بحثية حديثة، ردَدْتُ أنا وستانوفيتش على عدد من الانتقادات لنظرية المعالجة المزدوجة التي نُشِرَت في السنوات الأخيرة. من بين هذه الانتقادات أن النظرية تَميل إلى أن تكون غامضةً وغير مُحددة بشكلٍ جيد. لقد عرفنا المعالجة من النوع الثاني بأنها تلك التي (أ) تدخل فيها الذاكرة العاملة و(ب) تتضمَّن تفكيرًا افتراضيًّا أو فصلًا معرفيًّا. أي القدرة على التفكير في الاحتمالات مع تجاهُل ما تعرف أنه صحيح بالفعل.
كيف يمكن لنظريات المعالجة المزدوجة تفسير الانحيازات المعرفية؟
يفترِض معظم مُنظِّري المعالجة المزدوجة أن (أ) العمليات من النوع الأول تعمل بسرعة، مما يؤدِّي إلى إجاباتٍ حدسية على المشكلات، ولكن (ب) قد تتغيَّر هذه الإجابات المُحتملة نتيجةً للاستدلال اللاحق من النوع الثاني. في بعض الأحيان، يؤدي التحقُّق من الحدس الأولي إلى تبريره أو تسويغه فحسب، كما لوحظ في الدراسات الأولى لمسألة الاختيار لواسون (الفصل الثالث). ولكن هذه المسألة ذات مُعدل خطأ عالٍ للغاية. أما في المشكلات التي يكون الناس أكثر نجاحًا في حلِّها، فيزعم المنظِّرون أن المشاركين قد يجدون خطأً في حدسهم الأوَّلي ومن ثم ينخرِطون في الاستدلال الأكثر تدقيقًا. نتيجة لذلك، قد يتجنَّبون الانحياز ويُعطون إجابةً صحيحة. وركزت الكثير من الأبحاث على متى يحدُث هذا الانخراط في الاستدلال ومتى يكون ناجحًا. اتخذ هذا النهج العام ستانوفيتش، وكانمان، وأنا، إلى جانب آخرين.
أشار ستانوفيتش إلى أنه لكي يتمكن الناس من حلِّ إحدى هذه المشكلات، يجب أن يشعروا أولًا بالحاجة إلى الاستدلال. ويقترح أننا بطبيعتنا «بُخلاء معرفيًّا» حيث لا نبذل الجهد في الاستدلال إلا عندما يكون لدَينا دافع قوي لذلك. يمكن أن تكون الإجابات الحدسية مُقنعة للغاية لدرجة تجعلنا غير مُضطرين للانخراط في الاستدلال على الإطلاق. أثبت فريدريك ذلك في اختبارٍ بسيط من ثلاثة مسائل يُعرَف باسم اختبار التأمُّل المعرفي. وقد ناقشنا إحدى هذه المسائل — مشكلة المضرب والكرة — في الفصل الثاني. وإليك مسألة أخرى:
إذا كانت خمس آلات تستغرق خمس دقائق لصُنع خمس أدوات، فكم من الوقت ستستغرق ١٠٠ آلة لصنع ١٠٠ أداة؟
تأتي الإجابة البديهية، ١٠٠ دقيقة، مباشرة إلى العقل والعديد من الناس، حتى من ذوي معدلات الذكاء المُرتفعة، يُجيبون بها دون التفكير على ما يبدو في المشكلة على الإطلاق. بينما سيكشِف بعض التفكير أن كلَّ آلة تستغرق خمس دقائق لصنع أداة، ومن ثم فهذا هو الوقت الذي ستستغرقه ١٠٠ آلة لصنع ١٠٠ أداة.
درسَتْ مثل هذه المسائل فاليري تومسون وزملاؤها، وأثبتوا أن من غير المُرجَّح أن ينخرط الناس في الاستدلال إذا كان لديهم شعور قوي بالثقة في الإجابة الحدسية. وقد وضعت فاليري طريقةً مبتكرة لدراسة هذا الأمر، تُسمَّى مسألة الاستجابة الثنائية. يُعطى للمُشاركين مشكلة من مشكلات الاستدلال أو اتخاذ قرارات ويُطلب منهم إعطاء إجابة سريعة وحدسية. ثم يُطلَب منهم تقييم مدى ثقتهم بصحة الإجابة، وهو ما تُسميه فاليري تقييم «الشعور بالصحة». ثم يُطلَب منهم التفكير مرةً أخرى في المشكلة لأطول فترةٍ يرغبون فيها وإعطاء إجابةٍ ثانية قد تكون مختلفة.
النتيجة الرئيسية التي توصلت إليها هي أنه عندما تكون درجة الثقة الأولية أو تقييم «الشعور بالصحة» عاليًا، يقضي الناس وقتًا أقلَّ في إعادة التفكير في المشكلة ويكون احتمال تغييرهم للإجابة أقل. ويعتمِد تحقُّقهم من حدسهم بالاستدلال من عدمه أيضًا على «أسلوبهم المعرفي»، وهي سمة تُقاس بعددٍ من المقاييس التي يُشار إليها مجتمعةً بمُصطلح «نزعات التفكير العقلاني». يميل بعض الناس عادةً للاعتماد على حدسِهم بينما يَميل بعضهم الآخر أكثر إلى التحقق منه بالاستدلال. استخدم ستانوفيتش وويست هذه المقاييس بشكلٍ واسع في دراساتهما، بالإضافة إلى قياس الذكاء العام. ووجدا أن الناس بشكلٍ عامٍّ يكونون أكثر نجاحًا في مثل هذه المسائل (أ) عندما يتمتَّعون بمعدلات ذكاء أعلى وأيضًا (ب) عندما يكون لدَيهم نزعة أقوى للاستدلال العقلاني. وكما يُشير ستانوفيتش، قد نحتاج أيضًا إلى تدريب ومعرفة مُلائمين لممارسة بعض أنواع الاستدلال، وهو يُطلق على هذا التدريب والمعرفة اسم «الأدوات العقلية». على سبيل المثال، سيتفوَّق الأشخاص الذين تلقَّوا تدريبًا في الرياضيات والإحصاء عند ممارسة الاستدلال حول الأرقام والاحتمالات وسيُظهرون انحيازاتٍ معرفية أقل.
لا تَتَّبِع جميع نظريات المعالجة المزدوجة شكلًا تسلسُليًّا، يسبق فيه الحدس الاستدلال. فقد اقترح بعض المؤلِّفين على خلافِ ذلك أن هناك أشكالًا موازية من التفكير قد تُنتِج إجاباتٍ مختلفة وتتنافس فيما بينها. ويوصف هذان النوعان من المعالجة عادةً بالمعالجة القائمة على القواعد (النوع الثاني) والمعالجة بالارتباط (النوع الأول). لنفترِض أنك تختار مكانًا لتناول الطعام في مدينة غريبة. ترى سلسلة مطاعم مألوفة كنتَ قد تناولت الطعام فيها كثيرًا من قبلُ في مدنٍ مختلفة وكانت النتائج مُرضية. ستُعطيك المعالجة بالارتباط شعورًا إيجابيًّا وميلًا لاختيار ذلك المطعم. ولكن افترض أيضًا أنك قُمتَ ببحثٍ على الإنترنت قبل مغادرة فندقك ورأيتَ تقييماتٍ سلبية حديثة لذلك المطعم. قد يؤدي الاستدلال القائم على القواعد في هذه الحالة إلى استنتاجٍ معاكس: «التقييمات على الإنترنت عادةً موثوقة، وهذه التقييمات سلبية؛ لذا ربما لن أستمتِع بالوجبة.» في هذه الحالة، سيكون شكلَا المُعالجةِ في تنافُس؛ ويَجذبانك في اتجاهَين مختلفَين.
يمكن تطبيق هذا النوع من النظريات على المسائل المُختبرية القياسية أيضًا. لذلك، في الاستدلال القياسي، قد يكون هناك صراع بين الاستدلال القائم على القواعد وانحياز المُعتقَد الارتباطي. السؤال الفنِّي هنا هو ما إذا كانت عمليات التفكير تتم بالتوازي أم بشكلٍ مُتسلسل. تُوجَد طرق لمحاولة حلِّ هذه المشكلة ولكنَّ وصْفَها خارج نطاق هذا الكتاب.
هل هناك نظرية عامة واحدة للمعالجة المزدوجة؟
المعالجة من النوع الأول (الحدسية) | المعالجة من النوع الثاني (التأمُّلية) |
---|---|
سريعة | بطيئة |
سعة عالية | سعة محدودة |
متوازية | تسلسُلية |
قائمة على المُعتقدات | مجردة |
غير واعية | واعية |
استجابات مُنحازة | استجابات معيارية |
سياقية | مجردة |
تلقائية | خاضعة للسيطرة |
ارتباطية | قائمة على القواعد |
تعلُّم ومعرفة ضمنِيَّان | تعلُّم ومعرفة صريحان |
اتخاذ قرارات بناءً على الخبرة | اتخاذ قرارات بناءً على العواقب |
لا تعتمد على القدرة المعرفية | مُرتبطة بالقدرة المعرفية |
«لا تعتمد على الذاكرة العاملة» | «تتطلَّب الذاكرة العاملة» |
«مستقلة» | «فصل معرفي ومحاكاة عقلية» |
النظام الأول (العقل القديم) | النظام الثاني (العقل الجديد) |
تطوَّر مبكرًا | تطوَّر متأخرًا |
مُشابه للإدراك الحيواني | مُميِّز للبشَر |
معرفة ضمنية | معرفة صريحة |
انفعالات أساسية | انفعالات مُعقَّدة |
لقد أوضحت بالفعل أن المعالجة من النوع الأول تؤدي «عادة» إلى انحيازات وأن المعالجة من النوع الثاني تؤدي «عادة» إلى الإجابات الصحيحة في المسائل المُختبرية، لكن ليس هناك سبب قاطع لحدوث ذلك. يمكن أن تكون العمليات الحدسية من النوع الأول مُفيدة عندما يمتلك الناس الخبرة ذات الصلة، أو عندما تؤدي إشارات حدسية أخرى إلى الإجابة الصحيحة، وقد لا ينجح الاستدلال من النوع الثاني لعدم تمتع الناس بالقدرة الكافية على الاستدلال أو لافتقارهم إلى المعرفة ذات الصلة. على الرغم من ذلك، يتحدَّث بعض المؤلِّفين كما لو كنَّا نستطيع معرفة نوع المعالجة من صحَّة الإجابة. على سبيل المثال، أفاد باحثون أن الإجابات الصحيحة (وكذلك الإجابات المُتحيزة) يمكن أن تكون مقنعةً بديهيًّا وقدموا هذا كمشكلةٍ من مشكلات نظرية المعالجة المزدوجة. في دراسة حديثة أجراها سايمون هاندلي وآخرون، عرضت على المشاركين مشكلات استدلال بسيطة تتضمَّن حججَ قياسٍ منطقيٍّ مُثبَت، يتعارض فيها الاعتقاد مع المنطق. على سبيل المثال:
إذا وضعنا «حزين» مكان «سعيد»، فلن يكون هناك تعارُض. أظهرت العديد من الدراسات السابقة أنه عندما يُطلَب من الناس إجراء استدلالات منطقية، فإن هذه التعارُضات تتداخل مع العملية. الجديد هنا هو أن المشاركين تم توجيههم أيضًا، في مسألة منفصلة، لتحديد ما إذا كان الاستنتاج «معقولًا» أم لا. من المُثير للدهشة أن منطقية الاستنتاج تداخلت أيضًا مع الأحكام المُستنِدة إلى المعتقَد. على سبيل المثال، عندما يكون هناك استنتاج سليم بأن الطفل سعيد، فإن المشارك يستغرق وقتًا أطول لاستنتاج أنه ليس كذلك، بناءً على اعتقاده. ومن ثَم يبدو أن «الأفكار الحدسية المنطقية» تتداخل مع الأحكام المُستنِدة إلى المعتقَد بالطريقة نفسها التي تتداخل بها الاستدلالات المُستنِدة إلى المعتقد مع الأحكام على صحَّة الشيء. هذا الاكتشاف مُثير للاهتمام للغاية، ولكننا لا يجب أن نفترض أن الاستدلالات السليمة تتطلَّب بالضرورة معالجةً من النوع الثاني أو أن العمليات من النوع الأول قائمة على المُعتقدات فحسب. القياس المنطقي المُثبت بسيط جدًّا وقد يترتَّب على الفور على فَهم كلمة «إذا». لا يُجهِد هذا الاستدلال الذاكرة العاملة، فلماذا لا يكون حدسيًّا أيضًا؟ ربما يكون هناك حقًّا حدسان أو عمليتان من النوع الأول في تعارُض هنا.
أعترف أنا وستانوفيتش أن هناك مشاكل في نظريات المعالجة المزدوجة، ولكننا نؤكد أن نظرية المعالجة المزدوجة المُتفق عليها هي مجرَّد كيان وهمي لم يقترِحه أيٌّ من المؤلِّفين في الواقع. يبدو أن هذه النظرية العامة موجودة في أذهان بعض المؤيدين للمنهج والمُنتقدين له، ولكنها ليست كيانًا حقيقيًّا يُمكن مهاجمته. السمات المشتركة هي سمات مُشتركة فحسْب. أما السمات الضرورية والمميزة الوحيدة التي نقترِحها فهي الارتباط بالذاكرة العامِلة والتفكير الافتراضي التي ناقشناها بالفعل.
نظرية العقلَين
اقترح عدد من المؤلِّفين، بما في ذلك سيمور إبشتاين، وأرثر ريبر، وكيث ستانوفيتش، وديفيد أوفر، وأنا، في أوقاتٍ مختلفة، أنه قد يكون هناك نظام ضمني (أو النظام الأول) الذي هو قديم تطوريًّا ومشترك مع الحيوانات الأخرى، ونظام صريح (أو النظام الثاني) الذي هو إنساني بالدرجة الأولى أو مُميِّز للإنسان. ولكن أصبح واضحًا الآن أن النظام الثاني ليس «حكرًا» على البشر. فالحيوانات أيضًا لدَيها نوع من الذاكرة العاملة والانتباه الخاضع للسيطرة، على سبيل المثال. ولكن، بالتأكيد، قدرات التفكير الافتراضي مُتطورة بشكلٍ أفضل بكثيرٍ في البشر مقارنة بالحيوانات الأخرى. إن إنجازاتنا الفكرية تبرُز على جميع الحيوانات الأخرى. إذ إن إنجازاتنا الفكرية تفوق كل الأنواع الأخرى.
تأتي الفكرة التي تقول إن المُعالجة من النوع الأول تُشبه معالجة الحيوانات بشكلٍ خاصٍّ من دراسات التعلُّم التجريبي. من خلال التركيز على الارتباط الشرطي وأسلوب التعلم بالارتباط، أغفَل مؤيدو علم النفس السلوكي سِماتٍ رئيسيةً في الإدراك البشري. ولكن هذه الأشكال القديمة للتعلُّم جزءٌ من العقل البشري أيضًا. في نُسختِي الخاصة من نظرية العقلَين، يُشكِّل هذا النوع من التعلم جزءًا من العقل القديم (الحدسي)، بينما يرتبط العقل الجديد (التأمُّلي) بالاستدلال والتفكير الافتراضي. وتدعم كتابات عالِم الآثار المعرفي ستيف ميثين هذه النظرية. إذ يزعم أن نظام التعلُّم العام في البشَر القدماء تم تعزيزه بتطوُّر الذكاء المُتخصِّص في البشر الأوائل للتعامُل مع التبادل الاجتماعي، والبيئة الطبيعية، وصنع الأدوات، واللُّغة. ولكن على نحوٍ فريد، من بين النوع البشري، طوَّر البشر المُعاصرون لاحقًا نوعًا من الذكاء المرِن مكَّننا من التواصُل عبر مجالات مختلفة وممارسة الاستدلال العام. يتوافق هذا الذكاء المرِن إلى حدٍّ كبير مع العقل الجديد.
الآن، أُفضِّل الحديث عن العقل القديم والعقل الجديد أكثر من النظام الأول والنظام الثاني، حيث يتَّضح أن لكلِّ عقلٍ أنظمة متعددة، وأن العقل الجديد يعتمد على العمليات من النوع الأول وكذلك من النوع الثاني. من بين الذكاءات المُتخصِّصة، أو الوحدات المعرفية، التي نمتلِكها، هناك بعضها مشترك إلى حدٍّ كبير مع الحيوانات الأخرى. وتشمل هذه التعلُّم بالارتباط وجزءًا كبيرًا من نظامِنا البصري. ولكن هناك وحدات عديدة خاصة فقط بالبشر ولا يستطيع العقل الجديد أن يعمل بدونها. لقد ذكرتُ واحدة منها بالفعل، وهي اللغة. وهناك وحدة أخرى تُسمَّى «التمثيل الأعلى» أو «نظرية العقل». يُمكننا تصوُّر أفكار الآخرين ومشاعرهم والنظر فيها، و«قراءة» أذهانهم من سلوكهم والسياق. هذا يجعلنا متقدِّمين جدًّا اجتماعيًّا ولم يُعثَر إلا على الجوانب الأكثر بدائيةً لهذه القدرة في بعض القرود. ولكن على غرار الوحدات المعرفية الأخرى، تعمل هذه الوظائف بشكلٍ مستقل في الغالب. يُمكِننا بسهولة فهم طبقات هذه التمثيلات، مثل أن يقولَ لنا شخصٌ ما: «بول مُنزعج لأنه يعتقد أن ماري لم تعُد تُحبه.» قد نرد: «هذا أمر طبيعي بالنسبة لبول، فهو دائمًا يفتقد الثقةَ بالنفس»، ونضيف اعتقادنا عن اعتقاد بول فيما يتعلَّق بمشاعر ماري. أحد أشكال الأدلة التي تُشير إلى أن هذه القدرة الاستثنائية تستخدِم وحدة عقلية مُتخصِّصة هو أنها تبدو غائبة أو ناقصة بشكلٍ كبير لدى الأشخاص المُصابين بالتوحُّد.
وفقًا لنظرية العقلَين، أُضِيف العقل الجديد إلى العقل القديم، الذي لا يزال موجودًا، بحيث يعمل كل منهما بآليات مختلفة قد تتعارَض. في معظم الأوقات، يعمل العقلان معًا بشكلٍ جيد، ونعتمِد في حياتنا على العديد من الأنظمة المُستقلة القديمة والجديدة. ولكن عندما تسوء الأمور بشكلٍ كبير، نُدرك التعارُض بينهما. قد يكون لدَينا إدمان سلوكي قهري، مثل لعب القمار، لا نستطيع التخلُّص منه على الرغم من أننا نعلَم أنه يُدمر حياتنا. وقد نُصاب برُهاب يمنعنا من السفر لرؤية أحد الوالدين في مرضه، أو من استخدام المصعد للوصول إلى اجتماع مُهم في مبنًى شديد الارتفاع. وبذلك، يمكن أن يعيق العقل القديم أحيانًا أهداف العقل الجديد.
في نظريتي، يتَّسم كل عقلٍ منهما بنوع مختلف من العقلانية. يُحقق العقل القديم أهدافه من خلال الاستجابة للماضي. إذ يتعلَّم العقل القديم بتكرار ما أثبت فاعليته في الماضي، كما هو الحال في الإدراك الحيواني. ولكن العقل الجديد يتطلع إلى المستقبل ويحاول اتخاذ القرارات من خلال المُحاكاة الذهنية: التخيل والاستدلال حول العواقب المُستقبلية لأفعالنا. وكما تُظهر الأبحاث المتعلقة بالمعالجة المزدوجة، فإن هذا الاستدلال صعب ويتطلَّب جهدًا، وغالبًا ما يعكس سلوكُنا عاداتِنا وحدْسَنا بدلًا من ذلك. على سبيل المثال، فإن الاستدلال واتخاذ القرارات المُستنِدَين إلى النظر في العواقب وحدَهما هما ما سيُمكِّنان من إنقاذ العالم من الاحتباس الحراري. ولا يُمكننا التعلُّم من تجربة كارثةٍ ستقع في المُستقبل. ولا يزال من غير الواضح على الإطلاق ما إذا كنا سنتمكن فعليًّا من تغيير سلوكنا الراسخ بالقدْر اللازم بناءً على هذا الاستدلال.
أفكار ختامية
أترك القارئ مع فكرة ختامية. الذاكرة العاملة/النظام الثاني هو ما مكَّن البشر المُعاصِرين من تطوير نوع الذكاء المرِن الذي يتحدث عنه ميثين، والذي أُطلِقُ عليه اسم العقل الجديد. نحن بحاجة للاحتفاظ في عقلنا بمعلوماتٍ مختلفة في نفس الوقت، على سبيل المثال للتفكير في نوع أداة الصيد التي قد نتعامل بها مع مُفترِس جديد. ولدَينا نظام ذاكرة عاملة أكثر قوة من الحيوانات الأخرى بسبب التضخم الكبير الذي حدث في مرحلةٍ ما من تطوُّر البشر المُعاصرين، لأسبابٍ مجهولة، في الفصوص الجبهية. أيضًا، لأسبابٍ لا نستطيع سوى التكهُّن بها، طوَّرنا نحن البشَر المُعاصرين شكلًا قويًّا جدًّا من اللغة التمثيلية والقدرة على التفكير في الأفكار. مكَّن الجمع بين كل هذه الأشياء نوعَنا من تطوير شكل من الذكاء يُميزنا عن جميع الحيوانات الأخرى.