تمهيد

نحن الآن في خضم ثورة هائلة في مجال الكمبيوتر. وقد أدى غزو الحوسبة لمختلِف جوانب حياتنا إلى فوائد جمة تشمل البريد الإلكتروني، والإنترنت، وشبكة ويب العالمية، والتجارة الإلكترونية عبر أمازون، وأكاديمية خان، وخدمة «أوبر» لطلب سيارات الأجرة، وخرائط جوجل، وأجهزة الملاحة، والهواتف الذكية، وبرامج الترجمة الآنيَّة، وغيرها من ملايين التطبيقات. وفي الوقت نفسه، أثار ذلك مخاوف كبيرة تشمل احتمال فقدان الوظائف بسبب الأتمتة، وخضوعنا جميعًا للمراقبة، وانهيار البِنية التحتية الأساسية، والحرب الإلكترونية، وبيع بياناتنا الشخصية على نطاقٍ واسع، وغزو الإعلانات، وفقدان الخصوصية، والاستقطاب السياسي، وانعدام الأدب والافتقار إلى حُسن الإصغاء، وتفاقم مشكلة تفاوت الدخل.

يُعاني الكثير من الناس من صعوبةٍ في استيعاب كل هذا. فهل يمكنهم جني ثمار هذا التطوُّر دون تكبُّد تكاليفه الباهظة؟ وهل يمكنهم عيش حياة هادفة إذا هددت الحوسبة فجأة بإحالة كل ما تعلموه طوال حياتهم إلى شيءٍ عتيق قديم الطراز؟ وما الذي يجب أن يتعلمه أطفالهم عن الحوسبة لتمكينهم من التقدم والنجاح في العالم الجديد؟

يُعَد التفكير الحوسبي مصطلحًا جديدًا، دخل الخطاب العامِّ حديثًا، مع محاولات الناس المُستميتة للإجابة عن هذه الأسئلة. إنه يمنحنا بصيص أمل في أن نتمكن من التفكير بوضوح في قوى الحوسبة الجماعية وأخطارها، وأن نتعلَّم تصميم أجهزة الكمبيوتر والبرامج والشبكات لزيادة الفوائد وتقليل المخاطر. يشعر الآباء بالفعل بالدهشة من سهولة تعامُل أطفالهم مع العالم الرقمي. فهل التفكير الحوسبي هو السبيل إلى منح أطفالنا تعليمًا مناسبًا في هذا العالم؟

لقد أعددنا هذا الكتاب ليكون حوارًا مفيدًا لمساعدتك على فهم ماهية التفكير الحوسبي حتى تستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة بنفسك.

إنَّ أول ما يجب عليك فهمه هو أن جزءًا كبيرًا من الخطاب اليومي يتشكل بفعل الانتشار الواسع لأجهزة الكمبيوتر. وهذا ليس جديدًا؛ فقد تشكلت طرق تفكير أسلافنا بفعل تقنيات الثورات السابقة. ففي عصر الصناعة، على سبيل المثال، كثيرًا ما كان الناس يستخدمون تعبيرات مثل:

«انفجر غضبه»

«أعمل بكامل طاقتي»

«بيئة كثيرة الضغوط»

«كان عليَّ أن أنفِّس عن غضبي.»

واليوم نسمع تعبيرات مثل:

«برمجني حمضي النووي للقيام بذلك بهذه الطريقة.»

«قوانيننا عبارة عن خوارِزميَّات لإدارة مجتمعنا»

«دماغي هو الجهاز المادي وعقلي هو البرنامج»

«تعطل دماغي، وأحتاج إلى إعادة تشغيله.»

وكما هو الحال في عصر الصناعة، تكشف التعبيرات الجديدة في عصر الكمبيوتر عن ثقافتنا الشعبية أكثر مما تكشف عن التكنولوجيا نفسها.

مثل الإله يانوس لدى الرومان، للتفكير الحوسبي وجهان؛ أحدهما: ينظر إلى الماضي ويفسِّر كل ما حدث، والآخر: ينظر إلى المستقبل ويُخبرنا بما يمكن تصميمه. ونستدعي الوجهَين عندما نريد من أجهزة الكمبيوتر أداء مهامَّ من أجلنا. من الوجه الذي ينظر إلى الماضي، نحتاج إلى فهم آلية عمل أجهزة الكمبيوتر، وكيفية التحكُّم فيها بواسطة الخوارزميات، وكيف يُمكننا التعبير عن الخوارزميات بإحدى اللغات البرمجية، وكيف يُمكننا دمج العديد من وحدات البرامج في نظم عاملة. أما من الوجه الذي ينظر إلى المستقبل، فنحن نحتاج إلى الإدراك لفهم السياق الذي يعمل فيه مُستخدمو برنامجنا. نريد أن يكون برنامجنا قيمًا لهم ولا يُسبب لهم أو لبيئتهم أي ضرر. ومن ثَمَّ، يُرشدنا التفكير الحوسبي إلى فهم التكنولوجيا المتاحة لنا وتصميم البرامج لإنجاز مهمةٍ أو حلِّ مشكلة.

إنَّ التفكير الحوسبي ليس مجرد شيءٍ يجب على المُبرمجين معرفته، بل هو أيضًا أداة تفكير لفهم عالمنا الاجتماعي المُشبع بالتكنولوجيا. فهو يَزيد من وعيِنا بكيفية عمل أدواتنا الرقمية اليومية، ويدعم أخلاقياتنا الإلكترونية، ويُعزز مرونتنا ضد مختلِف التهديدات مثل المحاولات القائمة على الخوارزميات لتوجيه سلوكنا، الاجتماعي في نشر المعلومات وتداولها بسرعة البرق، وتحليل تحركاتنا عن طريق جمع كَميات هائلة من البيانات على نطاقٍ واسع. علاوة على ذلك، فقد غيَّر التفكير الحوسبي بشكلٍ لا رجعة فيه أدوات العلم وأساليبه وأصوله. ومن ثَمَّ يُمكننا القول إن تعلُّم التفكير الحوسبي له العديد من الفوائد التي تتجاوز نطاق البرمجة.

إذا حاولت فهم المقصود بالتفكير الحوسبي من خلال وسائل الإعلام، فسوف تجدها تتحدَّث عن حلِّ المشكلات باستخدام الخوارزميات، وأيضًا عن القدرة على التفكير بالعديد من مستويات التجريد اللازمة لحل المشكلات. كما ستجد صورًا لأطفال سعداء يستمتعون بالبرمجة وبممارسة الألعاب التي يقلِّدون فيها الخوارزميات. في الواقع، تعلَّم معلِّمونا الكثير عن التفكير الحوسبي من تدريس الحوسبة للأطفال، وطوَّروا طرقًا رائعة لتدريس مبادئ الحوسبة الأساسية للمبتدئين. وفي هذا الكتاب، سوف نُطلق على هذا المجال اسم «التفكير الحوسبي للمبتدئين».

لكن رؤى ومناقشات التعليم من مرحلة رياض الأطفال إلى الثانوية بالكاد تخدش سطح التفكير الحوسبي. على المستويات الأكثر تقدمًا، يتعلق التفكير الحوسبي بتصميم الأجهزة والشبكات ونُظم التخزين ونظم التشغيل والسحابة الإلكترونية. وقد استُخدِمت الممارسات القديمة في الاستعانة بفرقٍ بشرية لإجراء الحسابات الكبيرة، وتنظيم خطوط الإنتاج في التصنيع، وتوجيه المُشرِّعين، وإرساء قواعد البيروقراطيات. وقد طوَّر التفكير الحوسبي أنماطًا تتوافق مع المجالات الرئيسية التي تلعب فيها الحوسبة دورًا حاسمًا، مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة وهندسة البرمجيات وعلم الكمبيوتر. سنُريك كل هذا من خلال إلقاء الضوء على أنواع التفكير الحوسبي اللازمة للتعامُل مع هذه الأبعاد المختلفة للحوسبة. وسوف نحتاج إلى نوعٍ أكثر تقدمًا بكثير من التفكير الحوسبي للتعامُل مع هذه المجالات. وسوف نُطلق على هذا المجال في الكتاب «التفكير الحوسبي للمحترفين».

في بعض الأحيان، يُصوَّر التفكير الحوسبي على أنه نهج عام لحل المشكلات. فنجد وسائل الإعلام الجماهيرية تُخبرنا بأننا إذا أخذنا بعض الدورات التدريبية في البرمجة، فسنتمكَّن من حل المشكلات في أي مجال. ليت الأمر كان كذلك! إن قدرتك على حلِّ مشكلةٍ لشخص ما تعتمد على فهمك للسياق الذي تُوجَد فيه المشكلة. على سبيل المثال: لا يمكنك إنشاء محاكاة للطائرات أثناء الطيران دون فهم ديناميكيات الموائع. ولا يُمكنك برمجة عمليات البحث في قواعد بيانات الجينوم دون فهم بيولوجيا الجينوم وأساليب جمع البيانات. إذن فالتفكير الحوسبي قوي، ولكنه ليس حلًّا سحريًّا لكل المشاكل.

يُبرز لنا التفكير الحوسبي فرقًا جوهريًّا في طرق معالجة البشر والآلات للمعلومات. فالآلات تستطيع معالجة المعلومات بإجراء مليارات أو تريليونات العمليات الحسابية في الثانية، في الوقت الذي يُحسِن فيه البشر صنعًا إذا أجروا عمليةً حسابية واحدة في الثانية. وتقوم الآلات بالمعالجة دون فهم للبيانات التي تُعالجها، بينما يفهمها البشر ويمكنهم تصحيح الأخطاء الواردة فيها أثناء معالجتها. ويمكن للآلات أن تُحوِّل خطأً في الخوارزمية إلى كارثة باهظة التكاليف قبل أن يتمكن أي إنسانٍ من التصرُّف. وقد درس المُفكرون في فلسفة العقل وعلم النفس العصبي وعلوم الإدراك والذكاء الاصطناعي هذه الاختلافات وأظهروا لنا الفرق الشاسع بينهما. وعلى الرغم من أن بعض المهام البشرية مثل البحث والفرز يمكن تسهيلها بتطبيق الخوارزميات عليها، فإن معظم التفكير الحوسبي في الصورة الكبرى يركز على الحوسبة الآلية.

فكِّر لحظةً في مسألة السرعة. يمكن لجهاز الكمبيوتر العادي، في ثانية واحدة، إجراءُ مليار عملية حسابية ورسمُ صورة مُعقدة على الشاشة. أما الإنسان فسوف يحتاج إلى ١٠٠ عام لإجراء الخطوات نفسها بالسرعة البشرية. ومن الواضح أن البشر يرسمون الصور بشكلٍ أسرع بكثير من ذلك، لكن مُصممي الآلات لم يحاكوا هذه القدرة البشرية بعد. لو لم يتلقَّ البشر أي مساعدة من أجهزة الكمبيوتر، لمَا كانت لدَينا رسومات في الوقت الفعلي. وتقريبًا كلُّ ما نرى البرامج تقوم به قد أصبح ممكنًا بفضل السرعات المُذهلة لأجهزة الكمبيوتر. هذه الآلات، وليس البشر الذين يُنفذون الخوارزميات بأنفسهم، هي السبب في ثورة الكمبيوتر. تقوم أجهزة الكمبيوتر بما هو مستحيل بالنسبة إلى الإنسان.

قد يُشعرك هذا بالإثارة، ولكنه يجب أن يُشعرك أيضًا بالخوف. يتم التحكُّم في الطائرات الحديثة بواسطة شبكات من أجهزة الكمبيوتر تقوم بمليارات العمليات الحسابية في الثانية. ويمكن أن يتسبَّب خطأ واحد في إحدى الخوارزميات في أن يُرسل نظامُ التحكم الطائرةَ إلى دوامة مُميتة قبل أن يتمكن الطيار البشري من التصرُّف. فقد أُجهضت بعثات أبولُّو الأولى وبعثات المريخ الأحدث وفشلت بسبب أخطاء في برامجها. يمكن أن تكون الأخطاء في الخوارزميات قاتلةً ومكلفة. فكيف يُمكننا أن نثِق بالخوارزميات التي تُشغل النظم المهمة وأن نعرف بأنها ستعمل بشكلٍ صحيح، وتثمر عن نتائج إيجابية وتقلل احتمالية حدوث أضرار؟ نحن بحاجة إلى تفكير واضح لمساعدتنا في إيجاد طريقنا عبر هذه المتاهة المُعقدة. وهذا يتطلَّب شكلًا متقدمًا من التفكير الحوسبي لا يتم تعلُّمه من ألعاب المحاكاة الخاصة بالأطفال. «التفكير الحوسبي للمُحترفين» أمر بالِغ الجدية والأهمية.

سوف نتناول في هذا الكتاب موضوع التفكير الحوسبي بجميع أنواعه، بداية من التفكير الحوسبي للمُبتدئين وحتى المُحترفين، وفي المجالات الفرعية الكبرى مثل هندسة البرمجيات والعلوم الحوسبيَّة. فهدفنا هو وصف التفكير الحوسبي بكلِّ ما فيه من ثراء واتِّساع وعُمق. نحن نريد الاحتفاء بعمل المُحترفين الخبراء الذين يتصدَّون للتحدِّيات الصعبة لإنجاح النظم المُعقدة بأمانٍ وفاعلية، وأنواع التفكير التي يُقدمونها والتي مكَّنتهم من تحقيق سجلٍّ حافل. ونريد أيضًا الاحتفاء بعمل المُعلمين الخبراء الذين يعملون على تسهيل الخطوات الأولى في التفكير الحوسبي في مرحلة رياض الأطفال وحتى مرحلة التعليم الثانوي، ووضع الأساس لتزويد الجميع بالوسائل التي تُمكنهم من التكيُّف مع العالم الرقمي. إن التفكير الحوسبي الأساسي للمبتدئين والتفكير الحوسبي المُتقدِّم للمحترفين يعملان معًا لإنتاج نسيجٍ غني من الفكر الحوسبي.

بيتر جيه دنينج
ساليناس، كاليفورنيا، أغسطس ٢٠١٨
ماتي تيدري
يوينسو، فنلندا، أغسطس ٢٠١٨

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥