العلوم الحوسبيَّة
لا تُحاول العلوم الشرح، بل لا تحاول التفسير، وإنما تركز بشكلٍ رئيسي على إنشاء نماذج.
تُشير العلوم الحوسبيَّة إلى فروع كل مجال علمي مُختص في استخدام الحوسبة، مثل الفيزياء الحوسبيَّة والمعلوماتية البيولوجية والعلوم الإنسانية الرقمية. على الرغم من أن الأساليب العددية كانت سمةً من سمات العلم منذ قرون، فإن محاكاة النظم المُعقدة نادرًا ما كانت تُطبَّق قبل أجهزة الكمبيوتر. طوَّر العلماء نماذج رياضية، يُعبرون عنها عادةً في صورة مجموعاتٍ من المعادلات التفاضلية، ولكن إذا لم يتمكَّنوا من إيجاد حلول مُغلقة الشكل للمعادلات، فإن تعقيد النماذج عادةً ما كان يحول دون توصُّلهم إلى أي أسلوبٍ فعَّال لحساب النتائج. على الرغم من أن أجهزة الكمبيوتر بدأت تدريجيًّا تغزو جميع مجالات العِلم في الخمسينيات من القرن العشرين، فإن أجهزة الكمبيوتر الفائقة في الثمانينيات كانت نقطة تحوُّل في حشد قوة الحوسبة لحلِّ عددٍ متزايد من هذه المعادلات من خلال المحاكاة. وهذا بدوره أدى إلى تزايد نماذج المُحاكاة في العلم بشكلٍ هائل، وأدى بعضها إلى اكتشافات حازت جوائز نوبل. وبحلول منتصف الثمانينيات من القرن العشرين، كان العديد من العلماء يعتبرون المحاكاة باستخدام الكمبيوتر طريقة جديدة لممارسة العلم، إلى جانب الطرق التقليدية القائمة على النظرية والتجرِبة.
في ثمانينيات القرن العشرين، اجتمع علماء من مجالات علمية عديدة لتحديد «المشكلات ذات التحديات الكبرى»؛ وهي المشكلات التي أعطتها نماذجهم حلولًا تتطلَّب عمليات حوسبيَّة ضخمة. ومن خلال استقراء قانون مور بشأن تضاعف سرعة الشريحة الإلكترونية كل عامَين، تمكنوا من التنبُّؤ بدقةٍ كبيرة بالموعد الذي ستُنتِج فيه الحوسبة حلولًا لهذه التحديات. على سبيل المثال: توقع مهندسو الطيران أنه بحلول عام ١٩٩٥، سيكون بإمكانهم تصميم طائرة ركَّاب آمنة باستخدام المحاكاة كبديلٍ لاختبارات النفق الهوائي؛ وقد حققت شركة «بوينج» ذلك مع طائرتها رقم «٧٧٧»، التي أجرت رِحلاتها التجريبية الأولى في عام ١٩٩٤.
أصبحت عمليات المُحاكاة باستخدام الكمبيوتر جيدة جدًّا لدرجة أنه يمكن استخدامها كمِنصَّات تجريبية. ومن خلال المحاكاة، تمكن العلماء من استكشاف سلوك النظم المُعقدة التي لم تكن هناك نماذج تحليلية لها. كذلك فتحت المحاكاة الباب أمام طريقةٍ جديدة لاستكشاف العمليات الداخلية للطبيعة من خلال تفسير العمليات الطبيعية على أنها عمليات معلوماتية ومحاكاتها لفهم كيفية عملِها.
كان التحوُّل الحوسبي للعلوم وأساليبه وأدواته الجديدة واسعَ الانتشار، وكان التغيير جذريًّا. ووُصِفَت الأساليب الحوسبيَّة بأنها أهم تحوُّل في النموذج العلمي منذ ميكانيكا الكَم. وكانت الثورة في مجال العلوم الحوسبيَّة بمثابة البشير لظهور موجةٍ جديدة من التفكير الحوسبي. ولكن على عكس الموجات السابقة من التفكير الحوسبي — التي بدأها علماء الكمبيوتر — بدأ العلماء في مجالات أخرى موجةَ التفكير الحوسبي الجديدة. وأصبحت العلوم الحوسبيَّة قوة دافعة رئيسية في تطوير التفكير الحوسبي خارج نطاق الحوسبة.
خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، قدم التفكير الحوسبي مجموعة الأدوات العقلية للعلوم الحوسبيَّة الجديدة، والتي طُورت على نحوٍ مشترك عبر العديد من المجالات. وأصبح التفكير الحوسبي مهارة ضرورية للباحثين في المجالات التي يمكن فيها تفسير الظواهر الطبيعية بوصفِها عمليات معلوماتية. وللمفارقة، فإنه في الوقت الذي رأى فيه العلماء السابقون أن الحوسبة ليست علمًا لأنه لا توجَد عمليات معلوماتية طبيعية، وجَد الجيل الجديد من علماء الحوسبة عملياتٍ معلوماتية في كل أنحاء الطبيعة. وكما هو الحال مع علماء الكمبيوتر في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، تعلم علماء الحوسبة التفكير الحوسبي من ممارسة تصميم عمليات الحوسبة لاستكشاف الظواهر وحل المشكلات في مجالاتهم.
في هذا الفصل، سوف نوضح كيف أصبح التفكير الحوسبي جوهريًّا في العلوم، ونشرح عددًا من ممارسات التفكير الحوسبي في العلوم الحوسبيَّة، ونناقش الطرق الجديدة التي يفسر بها علماء الحوسبة مجالهم. وقد جلب عصر الحوسبة الإلكترونية بعض التطورات المذهلة للعلوم في ثلاثة جوانب: المحاكاة، والتفسير المعلوماتي للطبيعة، والأساليب العددية.
(١) العلوم والحوسبة: أصدقاء قدامى
لطالما كانت العلوم والحوسبة أصدقاءَ قدامى منذ قرون. على مدار معظم تاريخ العلوم والتكنولوجيا، كان العلماء يؤدون نوعَين شائعَين من الأدوار. الأول: هو الدور التجريبي، ويعني جمع البيانات لاستكشاف الظواهر وفصلها، ووصف التَّكرارات، والكشف عن متى تعمل الفرضية ومتى لا تعمل. والثاني: هو الدور التنظيري، الذي يُعنى بتصميم النماذج الرياضية لشرْح ما هو معروف بالفعل واستخدام النماذج للتنبُّؤ بما هو غير معروف. وكان كِلا الدورَين موجودَين في العلوم قبل ظهور أجهزة الكمبيوتر بفترةٍ طويلة.
استخدم العلماء الحوسبة في كِلا الدورَين. وأنتج أصحاب الدور التجريبي بياناتٍ كان يجِب تحليلها وتصنيفها وبيان مُطابقتها للقوانين المَصوغة رياضيًّا. واستخدم أصحاب الدور التنظيري التفاضل والتكامل لصياغة نماذج رياضية للعمليات الفيزيائية. وفي كِلا الدورَين، لم يتمكَّنوا من التعامُل مع المسائل الكبيرة جدًّا؛ لأن عمليات الحوسبة كانت موسَّعة ومُعقدة للغاية.
ثم ظهر دور ثالث، يتمثَّل في العلماء الذين رأوا فرصًا جديدة في استخدام أجهزة الكمبيوتر كمُحاكيات لم يستخدِمها لا التجريبيون ولا المُنظِّرون. وكان روَّاد الحوسبة في كلية مور، موطن مشروع المُكامِل الرقمي الإلكتروني، من أوائل مَنْ رأوا أن المحاكاة بالكمبيوتر يُمكن أن تُحَوِّل أي كمبيوتر إلى مُختبر. ورأوا أن تقييم النماذج وإنتاج بياناتٍ للتحليل بمثابة حدود جديدة للعلوم. ويتطلَّب عبور هذه الحدود طرقًا جديدة لدمج النمذجة والمحاكاة في الأبحاث، وكذلك دمج أنواع جديدة من التفكير الحوسبي ذات صِلة مباشرة بالعلوم.
تتطلب عمليات النمذجة والمحاكاة الواسعة النطاق ترقياتٍ كبيرة في البرمجيات الرياضية. وقد شارك محللو الأعداد، وهم مجموعة من علماء الكمبيوتر الأوائل، بشكلٍ كبير في جهود تحسين البرمجيات الرياضية من أجل حساب النماذج الرياضية بكفاءة على أجهزة الكمبيوتر. وكانت لدَيهم تخوُّفات خاصة بشأن تمثيل الأعداد وإجراء العمليات الحسابية الطويلة باستخدام آلاتٍ لا يُمكنها أن تُقدِّم سوى مستوياتِ دقةٍ محدودة؛ وكانت السيطرة على أخطاء التقريب وزيادة السرعة الحسابية من المخاوف الرئيسية.
ونظرًا إلى تعقيد عمليات الحوسبة المتضمَّنة في هذه المحاكاة، أصبحت أجهزة الكمبيوتر الفائقة العالية الأداء مهمة جدًّا في العلوم. ذلك أنها تنفرد دون غيرها بقدرتها على حل المعادلات التفاضلية عدديًّا عبر شبكات معقدة. وباستخدام أجهزة الكمبيوتر الفائقة، حلَّ علماء الحوسبة مشكلات التحديات الكبرى التي ظهرت في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين.
لمئات السنين، كانت النظرية والتجرِبة الطريقتَين الوحيدتَين لممارسة العلم. وغيَّرت أجهزة الكمبيوتر الفائقة هذا الأمر، مما مهَّد الطريق أمام نهجٍ جديد لممارسة العِلم قائمٍ على الاستكشاف الحوسبي والنمذجة. وكان هذا أهم تحوُّل في النموذج العلمي منذ ميكانيكا الكَم. وآذنت الثورة التي حدثت في العلوم الحوسبيَّة بقدوم موجةٍ جديدة من التفكير الحوسبي.
مع غزو الحوسبة للعلوم حدث شيءٌ غير مُتوقَّع. فبدلًا من أن تصبح الحوسبة أكثر تشابُهًا مع العلوم الأخرى، أصبحت العلوم الأخرى أكثر تشابهًا مع الحوسبة. ووجد العلماء الذين استخدموا أجهزة الكمبيوتر أنفسهم يُفكِّرون بشكلٍ مختلف — بمنهج حوسبي — ويُصمِّمون طرقًا جديدة لإحراز التقدُّم في العلم. فمن خلال محاكاة تدفقات الهواء حول جَناح الطائرة باستخدام معادلة نافييه-ستوكس، من خلال تقسيمها إلى شبكة تحيط بالطائرة، لم يعُد مهندسو الطيران في حاجة إلى الأنفاق الهوائية ولا إلى إجراءالعديد من الرحلات التجريبية. وأجرى علماء الفلك محاكاة لاصطدام المَجرات. كما أجرى علماء الاقتصاد الكُلي مُحاكاة للسيناريوهات الموجودة في الاقتصادات الوطنية والعالمية. وأجرى علماء الكيمياء محاكاة لتدهوُر الدروع الحرارية لمسبار الفضاء عند دخول الغِلاف الجوي. سمحت المحاكاة للعلماء بالوصول إلى أبعادٍ لا يمكن للنظرية والتجرِبة الوصول إليها. وأصبحت المُحاكاة طريقةً جديدة لممارسة العلم. وأصبح العلماء مُستكشِفين حوسبيِّين، بالإضافة إلى كونهم تجريبيين ومنظِّرين.
لمئات السنين، كانت النظريةُ والتجرِبة الطريقتَين الوحيدتين لممارسة العلم. وغيَّرت أجهزة الكمبيوتر الفائقة هذا الأمر، مما مهَّد الطريق أمام نهجٍ جديد لممارسة العِلم قائمٍ على الاستكشاف الحوسبي والنمذجة. وكان هذا أهم تحول في النموذج العلمي منذ ميكانيكا الكَم. وآذنت الثورة التي حدثت في العلوم الحوسبيَّة بقدوم موجةٍ جديدة من التفكير الحوسبي.
من الجدير بالذكر أن كلًّا من العلوم الحوسبيَّة والتفكير الحوسبي في العلوم ظهرا من داخل المجالات العلمية؛ ولم يُجلبا من علوم الكمبيوتر. في الواقع، تباطأ علماء الكمبيوتر في الانضمام إلى الحركة. وعلى الرغم من أن المُحلِّلين العددِيِّين غالبًا ما شعروا بأنهم منبوذون من الرياضيات خلال خمسينيات القرن العشرين ومنبوذون من الحوسبة خلال السبعينيات، فقد كانوا مشاركين طبيعِيِّين في العلوم الحوسبيَّة. ولحُسن الحظ، لم يستمرَّ هذا الوضع؛ فالمُحللون العدديون أعضاء مُهِمُّون في مجال الحوسبة.
نظرًا إلى أن التفكير الحوسبي قد ساهم في تقدُّم العلوم — من خلال توفير أساليب أفضل للتحليل العددي والمحاكاة المُتقدمة والتفسير المعلوماتي للعمليات الفيزيائية — سيُقرر العديد من الأشخاص تعلُّم المهارات المطلوبة من المُصمِّمين والمُفكرين الحوسبيين.
(٢) التفكير الحوسبي في العلوم
يتمتع التفكير الحوسبي في العلوم بجانبَين. أولًا: جانب المهارات العقلية التي تسهِّل تصميم النماذج الحوسبيَّة للعمليات الطبيعية ولأساليب تقييم النماذج. وتتردَّد عبارة «النمذجة والمحاكاة» بشكلٍ مُتكرر في هذا الجانب من التفكير الحوسبي في العلوم. ونالت مصطلحات الحوسبة استحسانًا بين علماء الحوسبة؛ لأنها ميزت الأساليب الحوسبيَّة الجديدة لممارسة العِلم عن الأساليب التقليدية للنظرية والتجريب.
الجانب الثاني من التفكير الحوسبي في العلوم هو مهارة تفسير العالم كعملياتٍ معلوماتية. بدلًا من طرح سؤال عن الحوسبة، مثل: «هل يمكن أتمتة عمليةٍ معلوماتية بكفاءة؟» يسأل علماء الحوسبة: هل يمكن للعملية المعلوماتية التي جرَت مُحاكاتها أن تكون نسخةً من عملية حقيقية؟ وما نوع العملية المعلوماتية التي تنشئ ظاهرةً تمَّت ملاحظتها؟ ما الآلية الحوسبيَّة وراء عملية تمَّت ملاحظتها؟ على سبيل المثال: يدرس العديد من علماء الأحياء التفاعلات بين الحمض النووي والبروتين كعملياتٍ معلوماتية أملًا في تصميم حمض نووي مُستقبلي يشفي الأمراض ويُطيل العمر. ويأمُل علماء الفيزياء أنه من خلال تفسير الفيزياء كعملياتٍ معلوماتية، يُمكنهم معرفة المزيد عن الجسيمات التي يصعب اكتشافها من خلال مُحاكاة الجسيمات.
نرى إذن أن التفكير الحوسبي في العلوم الحوسبيَّة له اتجاه مختلف عن التفكير الحوسبي في علوم الكمبيوتر. تهتمُّ العلوم الحوسبيَّة باستخدام النمذجة والمحاكاة لاستكشاف الظواهر واختبار الفرضيات والتنبؤ بها في مجالاتها الخاصة. أما علوم الكمبيوتر فتهتمُّ بتصميم الخوارزميات لحلِّ المشكلات. وغالبًا ما لا يتولَّى العلماء والمهندسون الذين يُصمِّمون عمليات المحاكاة بصياغة بيانات المشكلة؛ وإنما يدرسون سلوك الظواهر. أما الأشخاص الذين يعملون في مجال الحوسبة، فهم لا يستخدمون عمليات المحاكاة لفهم آلية عمل الطبيعة؛ وإنما كل ما يفعلونه هو أنهم يُصممون برامج لإنجاز مهامَّ للمُستخدِمين.
يجب أن يضع الأشخاص الذين يعملون في مجال الحوسبة، والعلماء الذين يتطلَّعون إلى التعاون، هذا الفرق في اعتبارهم. وسوف ينجح التعاون بينهم إذا طوَّر الأشخاص الذين يعملون في مجال الحوسبة فهمًا للمجال العلمي، وطوَّر العلماء فهمًا لمجال الحوسبة. على سبيل المثال: شَهِد واحدٌ منَّا (بيتر) شخصيًّا انفصالًا بين علماء الحوسبة وعلماء الكمبيوتر في الثمانينيات من القرن العشرين. دعا فريق من حمَلَة الدكتوراه في مجال علم ديناميكا الموائع الحوسبيَّة حملةَ الدكتوراه في علوم الكمبيوتر للانضمام إليهم، فاكتشفوا أن علماء الكمبيوتر لا يفهمون ديناميكا الموائع بما فيه الكفاية ليتمكَّنوا من التعاون بشكلٍ مُثمر. ولم يستطيعوا التفكير في ديناميكا الموائع الحوسبيَّة بالسهولة نفسها التي يتمتَّع بها خبراء ديناميكا الموائع. وانتهى الأمر بتعامُل علماء ديناميكا الموائع مع علماء الكمبيوتر كمُبرمِجين وليس كأقرانٍ لهم، مما أثار استياءَ علماء الكمبيوتر إلى حَدٍّ كبير.
(٣) النماذج الحوسبيَّة
يمكن أن يكون مصطلح «النموذج الحوسبي» أيضًا مصدرًا لسوء الفهم. فالنماذج الحوسبيَّة بالنسبة إلى العالِم هي مجموعات من المعادلات، وغالبًا ما تكون معادلاتٍ تفاضُلية تصف عملية فيزيائية، ويمكن استخدام هذه المعادلات حوسبيًّا لتوليد بياناتٍ عددية حول العملية. وغالبًا ما تكون عمليات المُحاكاة هي الخوارزميات التي تقوم بذلك. في المقابل، النموذج الحوسبي في الحوسبة هو آلة مجردة تعمَل على تشغيل برامج مكتوبة بإحدى لُغات البرمجة. وغالبًا ما يُستشهَد بآلة تورينج في الحوسبة على أنها النموذج النظري الأساسي لجميع عمليات الحوسبة، على الرغم من أنها بُدائية للغاية لدرجةٍ تمنعها من أن تكون مفيدةً لمُعظم الأغراض.
يستخدم العلماء بشكلٍ روتيني الآلات المجردة بالمعنى الحوسبي؛ لأن كلَّ لغة برمجة مألوفة مُرتبطة بآلة مجردة. على سبيل المثال: تُقدم لغة فورتران آلة مجردة تُجيد على وجه الخصوص إيجاد قِيَم التعبيرات الرياضية. وتقدِّم لغة جافا آلة مجردة تستضيف عددًا كبيرًا من «الكائنات» المُستقلَّة التي تتبادل إرسال الرسائل واستقبالها بشكلٍ متزامن فيما بينها. كما تحتوي لغة «سي ++» أيضًا على كائناتٍ ولكنها أقرب إلى الآلة الفعلية، ومن ثَم تُنتج نصوصًا برمجية قابلة للتنفيذ على قدْر أكبر من الكفاءة.
تُعَد النماذج الحوسبيَّة في العلوم الحوسبية بمثابة مُخططات لمحاكاة العمليات المعلوماتية. وتتحوَّل هذه المخططات إلى برامج كمبيوتر يجري تشغيلها على آلات تصوُّرية لمحاكاة العمليات الطبيعية.
(٤) النمذجة والمحاكاة
تتمتع العلوم الحوسبيَّة بمجموعةٍ غنية من الأساليب لنمذجة العمليات الطبيعية ومحاكاتها وتنفيذها. وسوف نُلقي نظرةً على خمسة أمثلة توضِّح هذه المجموعة، كما سنُشير إلى بعض سمات التفكير الحوسبي الأساسية في النماذج وعمليات المحاكاة.
مجموعة ماندلبرو
عند تعيين لون كل نقطةٍ إلى بكسل، تظهر مجموعة ماندلبرو على شاشة الرسومات. لم يظن أحد أن مثل هذه العملية الحوسبيَّة البسيطة سوف تُنتج مثل هذا الكائن الجميل الغامض (انظر الشكل التالي). يمكن للمرء تحديد مُربع صغير في أي موضعٍ على الرسم، وتكبيره، وتغطيته بشبكة، وحساب الألوان لجميع نقاط الشبكة، وعندئذٍ سيرى المزيد من نُسَخ مجموعة ماندلبرو تظهر بأحجام أصغر. ويكشف كلُّ تكبير جديد المزيدَ من المجموعات. ويستمر الأمر هكذا إلى ما لا نهاية. وقد أطلق ماندلبرو على هذا السلوك المُتكرِّر ذاتيًّا في جميع المقاييس مصطلح «الكسيريات» (أو الفراكتلات).

كانت فكرة الكسيريات (التماثُل الذاتي على المقاييس المختلفة) هي مفتاح خوارزميات زمرة إعادة التنظيم (الاستنظام) التي وصل إليها كين ويلسون والتي أدَّت إلى اكتشافاتٍ جديدة في الفيزياء عندما تمت محاكاتها على جهاز كمبيوتر فائق، وبفضلِها حصل على جائزة نوبل. تُستخدَم فكرة الكسيريات في نظم التصوُّر لحوسبة صورٍ رسومية واقعية، مثل الأشجار أو الآفاق، بسرعة.
مهندسو الاتصالات

غرفة انتظار الطبيب

محاكاة الطائرات
يستخدم مهندسو الطيران مُحاكاة ديناميكيات السوائل الحوسبيَّة لعمل نموذج لتدفُّقات الهواء حول الطائرة المقترَحة. وقد أتقنوا ذلك لدرجة أنهم يستطيعون اختبار تصميمات الطائرات الجديدة دون أنفاقٍ هوائية، وتصميمات مكوك الفضاء دون رحلات تجريبية. تتمثَّل الخطوة الأولى في إنشاء شبكةٍ ثلاثية الأبعاد للمساحة المُحيطة بالطائرة (انظر الشكل التالي). يكون تباعُد نقاط الشبكة أصغر بالقُرب من جسم الطائرة؛ حيث تكون التغييرات في حركة الهواء أكبر. ثم تُحوَّل المُعادلات التفاضلية لتدفُّق الهواء إلى معادلات الفرق على الشبكة، ويُنتج الكمبيوتر الفائق ملفات مجال تدفُّق الهواء وقوى الضغط الواقعة على كلِّ جزءٍ من الطائرة بمرور الوقت. وتُحوَّل النتائج العددية إلى صور مُظلَّلة (كما هو موضح في الشكل التالي) لتصوُّر أجزاء الطائرة التي تتعرَّض لأقصى معدلات الضغط.


هذا الشكل من النمذجة شائع في العلوم. وتتمُّ نمذجة العملية الفيزيائية على شكل معادلاتٍ تفاضلية تربط قِيَم العملية عند نقطةٍ ما في الفضاء بقِيَم العملية عند نقاط الجوار. وتتم نمذجة الفضاء الذي ستُدرَس العملية فيه باستخدام شبكة. وتُستخدَم معادلة الفروق لربط قيمة كل نقطة من نقاط الشبكة بقِيَم نقاط الجوار. ويحوِّل العرض الرسومي مجال القِيَم على الشبكة إلى صورةٍ ملوَّنة. ويمكن إعادة حوسبة الشبكة بأكملها للخطوة الزمنية التالية، مما يُعطي تصورًا متحركًا.
الخوارزميات الجينية
منذ الخمسينيات من القرن العشرين، أجرى علماء الوراثة تجارِب لمُحاكاة التطوُّر البيولوجي باستخدام الكمبيوتر، ودرسوا كيفية انتقال السمات المُختلفة وكيفية تطوُّر مجموعة ما لتتكيَّف مع ظروفها. وفي عام ١٩٧٥، عدَّل جون هولاند فكرة هذه المُحاكاة كأسلوبٍ عامٍّ لإيجاد حلول شِبه مثالية للمشاكل المُعقدة في مجالات عديدة. تكمن الفكرة، كما هو موضَّح في المُخطط التنظيمي في الشكل التالي، في إعداد مجموعة من الحلول المُرجَّحة للمشكلة، مشفرة كسلاسل من وحدات البت. ويتم إيجاد قيمة كلِّ سلسلة من وحدات البت بواسطة دالَّةٍ مُلائمة، ويُختار الأعضاء الأكثر ملاءمةً من المجموعة للتكاثُر عن طريق الطفَرات والتهجين. تُعدَّل سلسلة وحدات البت بالطفَرات عند قلْب بتٍّ واحدٍ أو عدة وحدات من البت منها عشوائيًّا. ويُعدَّل زوج من سلاسل وحدات البت بالتهجين عن طريق تحديد نقطة فصلٍ عشوائية وتبادل ذيلَي السلسلتَين. ويُنتج هذا مجموعة جديدة. وتُكرَّر العملية عدة مراتٍ حتى لا يكون هناك المزيد من التحسينات في الأفراد الأكثر ملاءمةً أو حتى تنضب ميزانية الحوسبة. وتُعَد هذه العملية رائعةً في إيجاد حلولٍ شِبه مثالية لمشاكل التحسين التي ما كان لحلولها المباشرة أن تكون مُمكنةً لولا ذلك.

(٥) التحديات الكبرى والمشكلات العصية على الحل
لقد تغيَّرت الحوسبة بشكلٍ كبير منذ نشوء النمذجة الحوسبيَّة. في الثمانينيات من القرن العشرين، كان النظام المُضيف لنماذج التحديات الكبرى هو الكمبيوتر الفائق. أما اليوم، فإن النظام المُضيف هو «السحابة»؛ وهو نظام موزَّع على نطاقٍ واسع للبيانات وموارد المُعالجة حول العالم. وتُتيح خدمات السحابة التجارية للمُستخدِمين استدعاء كَميات هائلة من سعة التخزين والمعالجة التي يحتاجونها عند الحاجة إليها. بالإضافة إلى ذلك، لم تعُد أجهزة الكمبيوتر مُقيدةً بالتعامُل مع عمليات الحوسبة المحدودة؛ بمعنى أنها لم تعُد تبدأ مهمة الحوسبة المُحدَّدة وتؤديها ثم تتوقف عن العمل. بل أصبحت الأجهزة الآن تستفيد من تدفُّقاتٍ لا نهاية لها من البيانات وقوة المعالجة حسب الحاجة، ويعتمِد المُستخدمون على استمرار تشغيلها إلى أجلٍ غير مُسمَّى. بالاستعانة بكل هذه القدرة الحوسبيَّة العملاقة والرخيصة، يمكن لمزيد من الأشخاص أن يعملوا في التصميم الحوسبي ويُعالجوا مشكلات التحديات الكبرى.
ومع ذلك، هناك حدود مُهمة لِما يمكن أن تفعله كل هذه الإمكانات الحوسبيَّة. أحدُها أن معظم الأساليب الحوسبيَّة تركز على مهمةٍ بعينِها؛ فهي جيدة جدًّا في المهمة المُحددة التي صُمِّمت من أجلها، ولكنها ليست بالجودة نفسها في المهام التي تبدو متشابهةً معها. يمكن التغلُّب على هذا في كثيرٍ من الأحيان بتصميمٍ جديدٍ يسدُّ الفجوة الموجودة في التصميم القديم. ولنأخذ التعرُّف على الوجوه مثلًا. قبل عَقدٍ من الزمان، لم تكن أساليب اكتشاف الوجوه والتعرُّف عليها في الصور جيدةً جدًّا؛ وكان على الناس النظر إلى الصور بأنفسهم. أما اليوم، فقد استُخدِمت خوارزميات التعلُّم العميق (الشبكات العصبية) لتصميم برامج التعرُّف على الوجوه الآلية الموثوق بها للغاية، وسد الفجوة السابقة. تُدرَّب هذه البرامج عن طريق عرْض عددٍ كبير من حالات الصور المُسمَّاة. ولكن برامج التعرُّف على الوجوه «ضعيفة»؛ بمعنى أن لا أحد يعلم كيف ستتصرَّف الآلة عند تقديم مدخلاتٍ خارج المجموعات التي تدرَّبت عليها. وحفَّز ذلك علماءَ الحوسبة على النظر إلى الآلات التي تتعلَّم دون مجموعات تدريب. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك آلة تعلَّمت ممارسة لعبة «جو» اللوحية من خلال التنافُس مع آلات أخرى، وأصبحت في النهاية جيدةً بما يكفي لهزيمة أفضل لاعب «جو» في العالم في مباراة من خمس جولات.
أثار التعلُّم الذاتي للآلات تخوُّفًا آخر؛ ألا وهو قابلية التفسير. يريد المُصمِّمون والمُستخدمون أن يعرفوا كيف توصلت الآلة إلى استنتاجها. إن فكرة أن الآلة يمكن أن تصِل إلى استنتاجٍ تُصبح منطقية عندما ننظر إلى الخوارزميات على أنها إجراءات متتابعة؛ لأن النتيجة يمكن تفسيرها عن طريق فحص الخطوات المُتبَعة. ولكن عندما لا تكون الخوارزميات إجراءاتٍ متتابعة، كما في حالة خوارزميات التعرُّف على الوجوه وممارسة لعبة «جو»، فإن التفسير يُصبح مستحيلًا. فكل ما يوجَد بداخلها هو كتلة مُعقدة من الروابط يصعب فهمها. إنها المشكلة نفسها التي نُواجهها مع البشر؛ إذ كيف نفسر أسباب تصرُّفاتنا؟ إذا سُئلنا مباشرة، فقد لا نعرف الإجابة، ومن المؤكد أنه لا يمكن اكتشافها بتشريح أدمغتنا. لا بدَّ من وجود طرق أخرى لمعرفة متى يمكن الوثوق بالآلات ومتى لا يمكن الوثوق بها. ولا يزال التفكير الحوسبي المُرتبط بتعلُّم الآلة في مراحله الأولى.
هناك حَدٌّ آخر لما يمكن القيام به باستخدام الإمكانات الحوسبيَّة، وهو وجود العديد من المشكلات التي لا يمكن حلُّها بالحوسبة على الإطلاق. قدَّمنا أمثلة في الفصل الثالث، وهي إما ليست حوسبيَّة على الإطلاق، أو مُعقدة للغاية بحيث تتجاوز أي قدرة حوسبيَّة يُمكننا توفيرها. ولكن التعقيد ليس العائق الوحيد. فهناك عائق آخر وهو أن بعض المشكلات تتجاوز بشكلٍ جوهري نطاق العلم والتكنولوجيا ولا يمكن حلُّها بالأساليب العلمية والتكنولوجية. ومن هذه المشكلات «المشكلات العصية على الحل»؛ خاصة القضايا المُتعلقة بتفاعُل المجتمعات والتقنيات. يصعُب حلُّ هذه المشكلات عندما تمتلك الفصائل قوةً كافية لرفض أي اقتراحٍ لا يُعجبها ولكنها لا تمتلك القوة الكافية لتحقيق التوافق في الآراء. وهناك العديد من الأمثلة: تُنتج ملايين السيارات «النظيفة» مُجتمعةً ضبابًا دخانيًّا غير صحِّي في المدن المزدحمة. وتُعزز تكنولوجيا المعلومات الجديدة زيادة التفاوت في الدخل حيث يحصل المُصمِّمون على دخل أكبر بكثيرٍ من المُستخدِمين. ويكافح التعليم في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات لمعرفة كيفية إعداد الطلاب لمواجهة الحيرة بشأن مُستقبل العمل، وشبكات الأمان الاجتماعية، والتكنولوجيا، وتغيُّر المناخ. حلول هذه المشكلات ليست علمية أو تقنية أو حوسبيَّة بل سنصِل إليها عن طريق التعاون الاجتماعي بين المجموعات التي تُقدِّم الآن أساليب مُتنافسة ومتضاربة. وعلى الرغم من أن التفكير الحوسبي يمكن أن يساعد من خلال تصوُّر الآثار الواسعة النطاق للأفعال الفردية، فإن التوافق الاجتماعي والعمل الاجتماعي وحدَهما هما اللذان يُمكنهما حل المشكلات العصية على الحل.
يُعَد التفكير الحوسبي قوة مؤثرة داخل العلم. فهو يركز على «الطريقة الحوسبيَّة» لمُمارسة العلم ويجعل مُمارسيه مُصمِّمين حوسبِيِّين مهَرَة في مجالاتهم العلمية. إنه يجلب تفسيرات جديدة للمعلومات في مجموعةٍ متنوعة من التخصُّصات. ويقضي ممارسو التفكير الحوسبي في العلوم الكثير من وقتهم في نمذجة العمليات الفيزيائية، وتصميم أساليب حلِّ لهذه العمليات، وتشغيل عمليات المحاكاة، وتصوُّر النتائج.