الفصل الثامن

تعليم التفكير الحوسبي للجميع

تتمثل فكرتي الأساسية في أن البرمجة أقوى وسيلة لتنمية التفكير المُتطور والدقيق اللازم للرياضيات والقواعد النحوية والفيزياء والإحصاء وجميع المواد «الصعبة». وربما أُدرجت الفلسفة والتحليل التاريخي أيضًا في القائمة. باختصار، أُومن أكثر من أي وقتٍ مضى بأن البرمجة يجب أن تكون جزءًا أساسيًّا من التطوُّر الفكري للشباب.

سيمور بابيرت (بابيرت، ٢٠٠٥)

خلال فترة التسعينيات من القرن العشرين، كان تعليم التفكير الحوسبي في الغالِب حكرًا على الجامعات؛ إذ لم يكن متاحًا في أي مكانٍ آخر إلا نادرًا. وكانت لدى المدارس بداية من مرحلة رياض الأطفال وحتى المرحلة الثانوية مجموعة من دورات الكمبيوتر؛ تركز في معظمها على محو الأمية في مجال الكمبيوتر، ويُركز القليل منها على موضوعاتٍ في البرمجة. وجاءت نقطة التحوُّل بعد عام ٢٠٠٠ عندما رأى الكثيرون مدى انتشار الحوسبة في العمل اليومي والحياة المنزلية. وبدأ مسئولو التعليم وصنَّاع السياسات في الاتفاق على أن فهم آليات التحوُّل الرقمي من المهارات المُهمة في القرن الحادي والعشرين.

دخل مفهوم الخوارزمية الذي كان غامضًا من قبل إلى المُحادثات اليومية حيث يُشيد الناس بالفوائد التي حصلوا عليها من الخوارزميات في عمليات البحث على شبكة الويب، وفي إعداد ضريبة الدخل، والتسوُّق عبر الإنترنت، والجداول الإلكترونية، والمُستندات المُنسقة بدقة، والعروض التقديمية الجاهزة للعرض، والدورات المُحوسَبة، ثم لاحقًا في الهواتف الذكية، والشبكات الاجتماعية، وطلبات استدعاء السيارات، والإيجارات القصيرة الأجل، والمواعدة والبحث عن الأصدقاء، وما إلى ذلك. ويبدو أن فهم الآلية العامة لكل شيءٍ أصبحت مَطلبًا أساسيًّا للتعامُل مع العالَم الحديث. ولذا، فقد حان الوقت أخيرًا لإدخال الحوسبة في التعليم بدءًا من مرحلة رياض الأطفال إلى مرحلة التعليم الثانوي.

(١) تعليم الحوسبة

كان إدخال تعليم الحوسبة في المدارس من مرحلة رياض الأطفال إلى مرحلة التعليم الثانوي يتطلَّب كفاحًا من نوعٍ مختلف تمامًا عن إدخال تعليم الحوسبة في الجامعات. فقد فشلت العديد من المشاريع التجريبية لإدخال أجهزة الكمبيوتر في المدارس نظرًا إلى قلَّة أعداد المُعلِّمين الذين لدَيهم أي خبرة في التعامُل مع أجهزة الكمبيوتر وعدم توفير دعمٍ سياسي قوي في مجالس إدارة المدارس. بحلول الثمانينيات من القرن العشرين بدأ تحوُّل جذري، حيث حصل المزيد من الآباء والمُعلِّمين على أجهزة كمبيوتر منزلية، وبدءوا يلمسون الأهمية المُتزايدة للحوسبة في مجالات عملِهم. وكانت دورات «محو الأمية في مجال الكمبيوتر» التي قُدِّمت في ذلك الوقت مُخيبة للآمال بشكلٍ عام من منظور التفكير الحوسبي؛ لأنها ركَّزت على استخدام أدوات مثل برامج معالجة الكلمات وجداول البيانات، وليس على البرمجة.

كان إدخال تعليم الحوسبة في المدارس من مرحلة رياض الأطفال إلى مرحلة التعليم الثانوي يتطلَّب كفاحًا من نوع مُختلف تمامًا عن إدخال تعليم الحوسبة في الجامعات. وكانت دورات «محو الأمية في مجال الكمبيوتر» ومن بعدِها دورات «الإلمام بتكنولوجيا المعلومات» مُخيبة للآمال بشكلٍ عام. ولكن في عام ٢٠٠٦، بدأت حركة التفكير الحوسبي، التي حَمَّست مسئولي التعليم ومجالس إدارات المدارس على إدخال دورات الكمبيوتر في جميع مراحل التعليم ما قبل الجامعي.

في أواخر التسعينيات من القرن العشرين، وفي الوقت نفسه الذي بدأ فيه الإنترنت يُصبح سلعةً منزلية، اكتسبت حركة تعليمية جديدة زخمًا، حيث فضَّلت «الإلمام بتكنولوجيا المعلومات» على «محو الأمية في مجال الكمبيوتر» ودعمت كِتابًا دراسيًّا شهيرًا يحمل الاسم نفسه. وقامت هذه الحركة على فكرةٍ جذَّابة مفادها أن الإلمام بلُغات البرمجة وممارسات الحوسبة سيكون داعمًا قويًّا في عالم التحوُّل الرقمي الناشئ. وأن إدخال تعليم الحوسبة إلى المدارس سيؤدي إلى تمكين الأطفال من أن يُصبحوا مُستخدِمين أذكياء لتكنولوجيا الحوسبة، وتعريفهم بالقيود والمخاطر التي تكتنف العمليات الخوارزمية التي تكمُن وراء الوظائف الناشئة، مثل: الشراء عبر الإنترنت والبحث على الإنترنت وخدمات الأخبار والاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي لاحقًا. وعلى الرغم من جاذبية الفكرة، لم تُسفر حركة «الإلمام بتكنولوجيا المعلومات» عن تغييرٍ واسع النطاق في تعليم الحوسبة في المدارس من مرحلة رياض الأطفال إلى مرحلة التعليم الثانوي.

ثم في عام ٢٠٠٦، اقترحت جانيت وينج أن التفكير الحوسبي هو ما يُريده الجميع؛ وليس محو الأمية في مجال الكمبيوتر أو الإلمام بتكنولوجيا المعلومات.1 وقد أحدث رأيُها دويًّا قويًّا. وفي السنوات القليلة التالية في المؤسسة الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة، حشدت ٤٨ مليون دولار من الموارد وأقنعت العديد من الأشخاص بإدراج دورات الكمبيوتر في جميع مراحل التعليم من رياض الأطفال إلى التعليم الثانوي. وكان من بين نجاحاتهم الرئيسية جعل منظمات التعليم تُصدر تعريفات للتفكير الحوسبي والمناهج الدراسية المُرتبطة به في المستويات الدراسية المختلفة، وتدريب المُعلمين على مبادئ علوم الكمبيوتر، وبدء مجموعة جديدة من الدورات التمهيدية لمبادئ علوم الكمبيوتر في الجامعات، وتطوير مناهج وامتحانات جديدة لتحديد المستوى المُتقدِّم لربط المدارس الثانوية بهذه الدورات التمهيدية الجديدة. وهكذا أصبح التفكير الحوسبي هو التوجُّه السائد.

ولكن كما أشرنا سابقًا، لم يكن هذا النجاح سهلًا. فعادةً ما كانت مجالس إدارات المدارس في مؤسَّسات التعليم ما قبل الجامعي من رياض الأطفال وحتى التعليم الثانوي تتحفَّظ على إضافة مناهج دراسية للحوسبة في مدارسها. أحدثت حركة التفكير الحوسبي تحولًا في تفكير العديد من مجالس إدارات المدارس. فبدون هذه الحركة، لم نكن لنتحدَّث عن التفكير الحوسبي في التعليم ما قبل الجامعي بالقدْر الذي نتحدَّث به اليوم. وسوف نُوضح، في هذا الفصل، تطوُّر تعليم الحوسبة بوصفه سلسلةً من الموجات التي بدأت بنوع التفكير الحوسبي المُتاح في خمسينيات القرن العشرين (تحويل المشكلات إلى خوارزميات وحل المشكلات الرياضية)، ثم انتقلت إلى «عَصْف العقول» لبابيرت، ثم إلى محو الأمية في مجال الكمبيوتر والإلمام بتكنولوجيا المعلومات، ثم وصلت في الآونة الأخيرة إلى نسخةٍ حديثة من التفكير الحوسبي مُصمَّمة للأطفال في المدارس.

(٢) أدوات تفكيرٍ ذات أغراض عامة

بدأ التعليم الأكاديمي لآلات الحوسبة الذاتية التشغيل في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين، عندما بدأ روَّاد الحوسبة برامج تعليمية حول الأساليب العددية لحلِّ المشكلات باستخدام آلات الحوسبة الواسعة النطاق. انتشرت هذه الجهود المُبكرة في خمسينيات القرن الماضي عندما تطلَّب الإنتاج الضخم لأجهزة الكمبيوتر ذات البرامج المُخزَّنة عددًا كبيرًا من الأشخاص القادرين على برمجتها. بعد الدخول المُبكر للشركات الخاصة، بدأ المدرسون الجامعيون في تنظيم مؤتمراتٍ لمناقشة تعليم الحوسبة في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين. وبحلول عام ١٩٦٠، قدمت حوالَي ١٥٠ جامعة أمريكية تدريبًا في مجال الحوسبة. ومع ذلك، لم يكن هناك رأيٌ موحَّد حول ما يحتاج الناس إلى معرفته عن الحوسبة؛ تعتمِد البرامج الفردية على الخصوصيات المحليَّة مثل الوظائف المُحدَّدة واحتياجات الشركات والأجندات الشخصية لأعضاء هيئة التدريس الخاصة وعقود البحث واهتمامات أصحاب المصلحة الآخرين.2

حتى في تلك الأيام الأولى، وصف بعض مُعلِّمي الحوسبة رؤاهم للحوسبة بوصفها «أداة تفكير لأجل التعلُّم»؛ أي أداة للتعامُل مع المشكلات والأسئلة في العديد من المجالات إلى جانب علوم الكمبيوتر. كان ألان برليس، الذي أسس قسم علوم الكمبيوتر في جامعة كارنيجي ميلون، مناصرًا صريحًا لهذه الرؤية. وقال إن الحوسبة ستؤتمت العمليات في العديد من المجالات، وإن الأشخاص في تلك المجالات سيُحوِّلون المشكلات إلى خوارزميات. وكان يقصد بذلك التفكير في المشكلات وتطوير حلولٍ حوسبيَّة لها. واستشهدَ جورج فورسايث ببرليس في خطابه عام ١٩٥٨ لدى جمعية الرياضيات الأمريكية: «على الرغم من أننا نعتقِد أننا نعرف شيئًا ما عندما نتعلَّمه، ونقتنع بأننا نعرفه عندما نستطيع تعليمه، فإن الحقيقة هي أننا لا نُدركه حقًّا حتى نتمكن من تحويله إلى نصٍّ برمجي نُدخِله إلى جهاز كمبيوتر آلي!» وبعد عَقد من الزمان، ردَّد فورسايث الادعاء بأن الحوسبة توفِّر أدواتٍ ذهنية عامة الأغراض تخدم الشخصَ مدى الحياة. كان كلٌّ من برليس وفورسايث يؤمِنان بأن جميع الأشخاص في جميع المجالات سيستفيدون من تعلُّم الطرق الإجرائية للقيام بالأشياء حوسبيًّا. وكانا يعتقدان أن النماذج الحوسبيَّة ستكون مُفيدةً في جميع المجالات.

ازداد طموح رؤى تعليم الحوسبة فيما سيتمكَّن التفكير الحوسبي من تحقيقه. جادل مارفين مينسكي، وهو رائد مشهور في مجال الذكاء الاصطناعي، في خطابه بمناسبة حصوله على جائزة تورينج عام ١٩٦٩، بأن الحوسبة ستتفوَّق على الرياضيات من حيث الأهمية للتعليم المُبكر.3 جادل دونالد كنوث، وهو رائد في فهم الخوارزميات، بأن تعليم الكمبيوتر القيام بشيءٍ ما يُجبِره على الدقة ويؤدي إلى فهمٍ أعمق مقارنةً بالوسائل التقليدية للتفكير.4 ورأى رائد آخر أن الخليفة الحديث ﻟ «الشخص الكلاسيكي» سيكون «شخص تورينج».5 وكتبَ اثنان من مُعلمي الحوسبة المشهورين أن المعرفة الإجرائية للحوسبة تخلق ثورةً في كيفية تفكير الناس وتعبيرهم عن أنفسهم.6 وقد تبيَّن أن كل هذا التفاؤل بشأن قُدرة مهارات الحوسبة على حلِّ المشكلات العامة كان سابقًا لأوانه، كما سنناقش لاحقًا.

(٣) التفكير الحوسبي ليس قابلًا للنقل بسهولة

ركزت الموجة الأولى لإدخال التفكير الحوسبي في مراحل التعليم ما قبل الجامعي على البرمجة. ففي منتصف الستينيَّات من القرن العشرين، حصلت بعض المدارس الثانوية الأمريكية على أجهزة كمبيوتر «بي دي بي-٨» الصغيرة من إنتاج شركة «ديجيتال إكويبمنت كوربوريشن»، ونظَّم المُعلمون المغامرون دوراتٍ حولها. وأدَّت العديد من المبادرات لاستخدام أجهزة الكمبيوتر في المدارس خلال الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين إلى بعض الابتكارات البارزة. على سبيل المثال: طُرِح جهاز «ليتل مان كمبيوتر» لتدريس لُغات الآلة وأجهزة الكمبيوتر للطلَّاب في عام ١٩٦٥، وطُرِحَت إحدى لُغات البرمجة المبكرة للأطفال، وهي لغة «لوجو»، في عام ١٩٦٧، وظهر مفهوم دينابوك الشهير، وهو جهاز كمبيوتر محمول للأطفال، في عام ١٩٦٨. وعلى الرغم من انتشار أجهزة الكمبيوتر الصغيرة وبعض أجهزة الكمبيوتر الدقيقة في أواخر السبعينيات، فإن المُعلِّمين، الذين يفتقرون إلى الموارد المالية والإرادة السياسية، لم يتمكَّنوا من تحويل الدورات التجريبية إلى خطةٍ واسعة النطاق في المدارس.

برزت لغة البرمجة لوجو بين العديد من المبادرات في ستينيات القرن العشرين. ولم تكن لغة برمجةٍ مستقلة عامة. بل كانت جزءًا من إطار متكامل من الأفكار التربوية والتكنولوجية والتعليمية التي صمَّمها سيمور بابيرت بناءً على فهمه العميق لكيفية تعلُّم الأطفال. وكان كتابه «عَصْف العقول» الصادر عام ١٩٨٠، والذي كتبه بعد عَقد من دراسة لغة لوجو وتجرِبتها، علامة فارقة في تعليم الحوسبة وتدريس التفكير الحوسبي. وصاغ بابيرت عبارة «التفكير الحوسبي» لممارسة التفكير الإجرائي الذي علَّمه للأطفال. وكان يرى أن التعلُّم يكون أكثر فعاليَّةً عندما «يبني المُتعلمون المعرفة»؛ فهم يكتسبون المُمارسات من خلال الانغماس في عالم الممارسات. إنهم يبنون معرفتهم من ممارستها بدلًا من أن تُملى عليهم. وأصبحت نظرية التعلُّم البنائية شائعة جدًّا في التعليم. واستمر بابيرت في الدفاع عن التعلُّم الموجَّه ذاتيًّا والتعلم القائم على المشاريع والعروض التقديمية الهادفة والتعليم القائم على التيسير واستخدام التكنولوجيا لدعم التعلُّم في الفصول الدراسية. وأثرت أفكاره في شركة ليجو لتصميم وتسويق مكعَّبات الأطفال القابلة للبرمجة والتي تُسمَّى «ليجو مايندستورمس».

يُعَد تعليم مهارات التفكير الحوسبي الأساسية، مثل البرمجة ونمذجة الكمبيوتر، أصعب بكثيرٍ من تعليم جداول البيانات ومعالجة النصوص وغيرها من أدوات تطبيقات الحوسبة. وعلى الرغم من شهرة البنائية، كان من الصعب تسويق الفكرة الجوهرية في كتاب «عَصْف العقول» — ألا وهي التحوُّل من «تعلُّم البرمجة» إلى «البرمجة للتعلُّم» — بين المُعلمين. كيف يمكننا نشر تعليم التفكير الحوسبي دون وجود عددٍ كافٍ من المُعلمين الراغبين؟ هل يمكننا الاعتماد على مجموعة أصغر من المُعلمين المُهتمين لتعليم الجميع؟

رافَق الأمل في أن يتمكن عدد قليل من المُعلمين من تعليم التفكير الحوسبي للجميع فرضيةَ الانتقال. وترى هذه الفرضية أن التفكير الحوسبي مهارةٌ ما وراء معرفية يتعلَّمها الطلاب من البرمجة، ويُصبح الطلاب الذين يتعلَّمون التفكير الحوسبي في مجالٍ ما أفضلَ في حلِّ المشكلات في مجالاتٍ أخرى أيضًا. وقد عزَّز هذه الفرضيةَ الرأيُ القائل بأن تعليم الحوسبة يجب أن يكون عنصرًا أساسيًّا في التعليم ما قبل الجامعي. وقدَّم أكثر المؤيدين المُتحمِّسين للفرضية ادعاءاتٍ مثل «مفهوم الإجراء هو السر الذي يبحث عنه المُعلمون منذ فترة طويلة»، و«القيمة التربوية للنهج الخوارزمي تساعد في فهم شتَّى أنواع المفاهيم». ورأوا أن تعليم البرمجة يُحسِّن مهارات التفكير العامة مثل التفكير المنطقي و«يشحذ العقل» بشكلٍ عام. ستكون فرضية الانتقال مهمة حقًّا إذا ثبتت صحَّتها.

أشار منتقدو فرضية الانتقال إلى قاعدةٍ بحثية في عِلم الإدراك النمائي، وتعلَّلوا بأنه لا يوجَد دليل على انتقال المهارات من البرمجة إلى مجالاتٍ أخرى. فالأبحاث التي أُجريت على البالِغين لم تدعم انتقال المهارات المعرفية بين المجالات. والبرمجة نفسها هي شبكةٌ مُعقدة من المهارات تتضمَّن القدرات الرياضية والمنطق الشرطي والمنطق القياسي والتفكير الإجرائي والمنطق الزمني وسعة الذاكرة. ولم يكن من الواضح أي أجزاء من هذه المهارات تنتقِل وأيها لا تنتقل. وبعد الكثير من عمليات التحقُّق التفصيلية، خلَص الباحثون التربويون في النهاية إلى أنه لا يُوجَد دليل كافٍ لقبول فرضية الانتقال. ومن ثَمَّ لم يكن من الممكن اعتبارها مبررًا مقنعًا لتعليم الحوسبة في المدارس.

بما أن فرضية الانتقال غير مقبولة، فإن المدارس تحتاج إلى المزيد من المُعلِّمين الذين يفهمون التفكير الحوسبي ويُمكنهم تدريسه في سياقاتٍ مختلفة. والقليل فقط من المُعلمين لديهم دراية جيدة بأجهزة الكمبيوتر بالقدْر الذي يكفي للقيام بهذه المهمة. ربما يُمكنهم تدريس دورة محو الأمية في مجال الكمبيوتر، ولكن هذه الخطوة البسيطة لن تؤهِّلهم لتعليم التفكير الحوسبي. وفي منتصف العَقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما بدأت المؤسسة الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة في دعم تدريب المزيد من مُعلِّمي الحوسبة، بدأت أعداد المُعلمين المؤهَّلين في التراجُع.

(٤) من محو الأمية إلى الإلمام بتكنولوجيا المعلومات

كان من شأن المُدافعين الأوائل عن التفكير الخوارزمي أن يشعروا بالذهول من كثرة دورات «محو الأمية في مجال الكمبيوتر» في الثمانينيات والتسعينيات التي ركَّزت على كيفية استخدام تطبيقات سطح المكتب، مثل مُعالجات النصوص وجداول البيانات ولوحات الرسم. وقد وجد الطلَّاب والمُعلمون المُتحمِّسون أن هذه الدورات مُملة. كان محو الأمية باستخدام برامج سطح المكتب بعيدًا كل البُعد عن طموحاتهم للمشاركة في ثورة الكمبيوتر وتشكيلها. وعرضت الجمعيات المِهنية، التي كانت من بينها جمعية آلات الحوسبة وجمعية الكمبيوتر التابعة لِمعهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات والجمعية البريطانية للكمبيوتر، مساعدتها على مسئولي التعليم ما قبل الجامعي في تطوير دورات كمبيوتر أشمل وأعمق، لكنها لم تحصُل على الكثير من الدعم. وفي عام ١٩٩٩، طالبت إحدى لجان مجلس البحوث الوطني الأمريكي برفع مستوى تعليم الكمبيوتر في المدارس ليُصبح أكثر تحديًا ويتجاوز محو الأمية في مجال الكمبيوتر إلى الإلمام بتكنولوجيا المعلومات. قدَّم الإلمام بتكنولوجيا المعلومات قدراتٍ ومفاهيم ومهارات أساسية لبعض مستويات التفكير الحوسبي. واقترنت مبادرة مجلس البحوث الوطني الأمريكي بكتاب دراسي بعنوان «الإلمام بتكنولوجيا المعلومات» والذي أصبح شائعًا جدًّا بين معلمي المدارس الثانوية.

أدخلت العديد من المدارس الحوسبة في مناهجها الدراسية لأسبابٍ عملية تتعلَّق بالاستجابة إلى مطالب الآباء ومجالس إدارات المدارس. وسعوا إلى الوصول إلى عمليات المحاكاة والبرامج التعليمية الأخرى، والوصول إلى البرمجة الأساسية، والمشاركة في ثورة الإنترنت، وتعلُّم مهارات القرن الحادي والعشرين، والتحضير للعمل في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، والمشاركة الاجتماعية المُوسعة، وكذلك وسيلة جديدة للأطفال للتعبير عن الإبداع الفردي.7 كان المعلمون والآباء مُستعدِّين لهذه الأهداف؛ لأنهم اعتقدوا أن تعلُّم البرمجة يُعلم مهارات مهمة لا تُعلمها أي مادة أخرى، ولأنهم لم يرغبوا في أن يكون أطفالهم غير مؤهَّلين في عالَم يعتمد بشكلٍ متزايد على المهارات في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

في مُستهل القرن الحادي والعشرين، كان دخول البرمجة والتصميم الحوسبي إلى المدارس أسهل أيضًا بسبب التقدُّم في منهجية البرمجة والتكنولوجيا والتغيُّرات التي طرأت على ما يحتاج المبرمجون المبتدئون إلى معرفته. كانت لُغات جديدة، مثل بايثون، أسهل بكثيرٍ في الاستخدام وأخفت التفاصيل الأساسية لنظام التشغيل والأجهزة. وكانت واجهات الاستخدام الرسومية التي تتميز بسِمة السحب والإفلات ناجحة للغاية. كما ساعدت الأدوات الفعَّالة في أتمتة أجزاءٍ كبيرة من عملية البرمجة.

مع كل هذه التطورات في لغات البرمجة والأدوات والأساليب، أضحت البرمجة في متناول المزيد من الطلاب والمُعلمين عن أي وقتٍ مضى. وزادت فرص الإلمام بالحوسبة. ولكن رغم ذلك كلِّه، لم يكن لدى العديد من المدارس في عام ٢٠١٠ أي دورات كمبيوتر أو مناهج لتحديد المستوى المُتقدم في الحوسبة. ولم يكن الإلمام بتكنولوجيا المعلومات قويًّا بما يكفي ليُصبح قوة دافعة.

(٥) إحياء التفكير الحوسبي

أحدث مقال جانيت وينج عام ٢٠٠٦ حول التفكير الحوسبي موجةً جديدة في الاتجاه إلى توفير دورات الحوسبة لجميع الطلاب في مراحل التعليم ما قبل الجامعي. وأحدث مصطلح «التفكير الحوسبي» صدًى وحثَّ على العمل رغم عدم نجاح محو الأمية في مجال الكمبيوتر والإلمام بتكنولوجيا المعلومات في ذلك. وحشدت وينج موارد كبيرة في المؤسَّسة الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة لحثِّ عددٍ كبير من الباحِثين على إجراء أبحاثٍ ودراساتٍ حول إدخال التفكير الحوسبي في التعليم، وتدريب عددٍ كبير من المُعلمين على تدريس التفكير الحوسبي، وعلى حشد المُنظمات الخاصة لإنتاج توصيات المناهج الدراسية للتفكير الحوسبي في مراحل التعليم ما قبل الجامعي، وتطوير مناهج وامتحانات لتحديد المستوى المتقدِّم في مبادئ الحوسبة. وأصبح مقال وينج واحدًا من أكثر المقالات التي يُستشهَد بها في تعليم الحوسبة، وأضحى نقطةَ تحوُّل في حركة عالمية لإدراج التفكير الحوسبي في مراحل التعليم ما قبل الجامعي.

طورت منظمات كبرى؛ منها جمعية مُعلمي علوم الكمبيوتر والمنظمة البريطانية للحوسبة في المدارس ومنظمة code.org وهيئة المناهج الدراسية والتقييم والتقارير الأسترالية، وأوصت بإطار عملٍ للمناهج الدراسية لتعليم التفكير الحوسبي في مراحل التعليم ما قبل الجامعي. وروَّجت هذه المنظمات لنوادي التشفير ومُخيمات التشفير والحركة الدولية التي تُسمَّى «ساعة الترميز». وأصبح التفكير الحوسبي كلمة بحثٍ أساسية تحصل على مئات الآلاف من النتائج في الأخبار والمدوَّنات وفصول الكتب والمشاريع البحثية والمقالات حول تعليم الحوسبة.
أدَّى التدفُّق السريع للعديد من الوافدين الجُدد المُتحمسين الذين لم يكونوا على دراية بالتاريخ الطويل السابق للتفكير الحوسبي إلى التباسِ تعريفات التفكير الحوسبي وأهداف تعلُّمه. وابتكر البعض إطارات عملٍ جديدة لمناهج التفكير الحوسبي في المدارس من مرحلة رياض الأطفال إلى مرحلة التعليم الثانوي، مما جعلهم يُعيدون صياغة أفكار نُوقِشَت لعقودٍ من الزمان، ويحذفون أفكارًا مهمَّة، ويخلطون التفكير الحوسبي باستخدام التطبيقات، ويُدرِجون بعض المفاهيم الخاطئة حول الحوسبة والخوارزميات. وأدى هذا إلى خلافاتٍ متنوعة بين المجموعات المختلفة التي تستخدِم التفكير الحوسبي.8 وفيما يلي بعضٌ من نقاط الخلاف الأكثر شيوعًا، التي قد يكون سببُها الاختلاف بين التفكير الحوسبي للمُبتدئين والتفكير الحوسبي للمُحترِفين — فالتفكير الحوسبي الأساسي في مراحل التعليم ما قبل الجامعي يختلف بالتأكيد عن التفكير الحوسبي المُتقدِّم في التعليم العالي — وكذلك الاختلاف في سياقات التطبيق:
  • (١)

    هل التفكير الحوسبي يقتصِر على التفكير في آليات إنشاء الخوارزميات أم يشمل التفكير في الآلات وعلوم الحوسبة وهندسة البرمجيات والتصميم؟

  • (٢)

    هل التفكير الحوسبي يدور في الغالِب حول البرمجة، أم يشمل أيضًا النظم والشبكات والهياكل، أم لا يتعلَّق حقًّا بأيٍّ منها؟

  • (٣)

    هل تعريف التفكير الحوسبي بأنه صياغة خوارزميات لحلِّ المشكلات يُعتبر رؤية ضيقةً ومحدودة لنطاق التفكير الحوسبي؟

  • (٤)

    هل الخوارزميات هي فقط تلك التي ينطبق عليها التعريف الصارم من نظرية الحوسبة، أم يمكن تعريفها أيضًا تعريفًا أكثر مرونة؟

  • (٥)

    هل الخوارزميات تتضمَّن بالضرورة آلة مجردة في الخلفية؟

  • (٦)

    هل الخوارزميات هي في الأساس توجيهات للتحكُّم في الآلات، أم وسيلة للتعبير عن الإجراءات؟

  • (٧)

    هل استخدام أدوات الحوسبة يُعلِّم التفكير الحوسبي؟

  • (٨)

    هل تنفيذ الإجراءات اليومية خطوة بخطوة يُعَدُّ مظهرًا من مظاهر التفكير الحوسبي؟

  • (٩)

    هل التفكير الحوسبي يتعلَّمه المرءُ من ممارسة البرمجة، أم من أنشطة التعلُّم المُصمَّمة جيدًا التي تعتمد على نظام الخطوات والقواعد؟

  • (١٠)

    هل تعلُّم التفكير الحوسبي في سياق الحوسبة ينتقل إلى مهارات حلِّ المشكلات في مجالاتٍ أخرى؟

  • (١١)

    هل التفكير الحوسبي يعتمِد على المجال، أم أنه مهارة عُليا تصلح في جميع المجالات؟

  • (١٢)

    هل عمليات الحوسبة موجودة في الطبيعة، أم تقتصر على الخوارزميات والآلات؟

  • (١٣)

    هل معالجة المعلومات بواسطة أجهزة الكمبيوتر تختلف عن معالجة المعلومات التي يقوم بها البشر، وهل «أدوات معالجة المعلومات» يمكن أن تشمل أشياء مثل الجزيئات أو الحمض النووي أو الكواركات؟

  • (١٤)

    هل ينبغي تقييم تعلُّم الطلاب من خلال البرهنة على مهاراتهم في تصميم عمليات الحوسبة، أم من معرفتهم بمفاهيم رئيسية مُعينة؟

  • (١٥)

    هل ينبغي أن يكون رضا العملاء عن أداء البرنامج جزءًا من تقييم نجاح البرنامج؟

  • (١٦)

    هل تعليم التفكير الحوسبي في المدارس مُلزَم بالالتزام بتعريفاتٍ صارمة للحوسبة، أم أنه يمكن لأسباب عملية وتربوية أن يكون أكثر مرونة وتحررًا؟

لقد عبَّرنا عن موقفنا بشأن هذه الأسئلة على مدار الكتاب. نحن نرى التفكير الحوسبي بوصفه ممارسةً بشرية قديمة وغنيَّة جرى تحسينُها في العصر الحديث للكمبيوتر الإلكتروني. ونرى التفكير الحوسبي بوصفه مهارةً عقلية للتفكير في تصميم جميع أنواع عمليات الحوسبة، وهي مهارة يمكن صقلها وتحسينها من خلال الممارسة والخبرة الواسعة في المستويات المُتقدمة. ونرى العديد من المستويات والأساليب المختلفة للتفكير الحوسبي بدءًا من مهارات الحوسبة وخبراتها الأساسية وصولًا إلى المهارات المُتقدِّمة والمتخصِّصة للغاية. ونرى أن هناك العديد من الطرق الجيدة لتعليم التفكير الحوسبي على مستوى المُبتدئين. ونرى أن الهدف النهائي من التفكير الحوسبي هو إنشاء حلولٍ يمكن تنفيذها بواسطة الآلات. ونرى أن التفكير الحوسبي يعتمِد في الغالب على المجال؛ على سبيل المثال: يختلف تفكيرك في عمليات الحوسبة في علم الأحياء عنه في الفيزياء أو الكيمياء أو العلوم الإنسانية. ونرى أن فكرة أن التفكير الحوسبي هو قدرة بشرية فطرية تُمارَس يوميًّا عن طريق استخدام أدوات الحوسبة وتنفيذ الإجراءات اليومية الروتينية، هي فكرة غير واقعية. كذلك نرى أن محاولة تعريف الخوارزميات على أنها مجموعة من الخطوات التي يُحتمَل أن تكون غامضةً والتي تُحَلُّ بواسطة الحواسب البشرية هي سوء فهم للحوسبة.

نودُّ أن نشير إلى حركة أخرى لإدخال الحوسبة إلى المدارس بدايةً من مرحلة رياض الأطفال إلى مرحلة التعليم الثانوي. تُعرف الحركة باسم «العلوم الحاسوبية من دون كمبيوتر»،9 وهي تسعى إلى تعليم مفاهيم الحوسبة وممارساتها من خلال الألعاب والخدع والأنشطة المُختلفة. وقد تأسَّست في أواخر التسعينيات من القرن العشرين على يد تيم بيل ومايكل فيلوز وإيان ويتن. واكتسبت شعبية عالمية وأثَّرت في تصميم توصيات المناهج الدراسية لتعليم الحوسبة في المدارس من مرحلة رياض الأطفال إلى مرحلة التعليم الثانوي من قِبَل جمعية آلات الحوسبة ومنظمة code.org.

باختصار، نحن نرى المجال رحبًا لاستخدام نهجٍ واسع وتعدُّدي لتعليم التفكير الحوسبي مع الحفاظ على الالتزام بطُرق التفكير والممارسة الحوسبيَّة المحددة. ونأمل في المقام الأول أن يُعطي جميع معلمي الحوسبة لطلابهم إحساسًا بثراء الأبعاد العديدة للحوسبة وجمالها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥