الفصل التاسع

مستقبل الحوسبة

التكنولوجيا جزءٌ من حضارتنا. يتحدث الناس أحيانًا عن الصراع بين البشر والآلات، ويُمكنك رؤية ذلك في الكثير من روايات الخيال العلمي. لكن الآلات التي نبتكِرها ليست غزوًا من المريخ. نحن نبتكر هذه الأدوات لتوسيع نطاق إمكاناتنا وقدراتنا.

راي كريسوايل (٢٠١٣)

التفكير الحوسبي هو سعيٌ مُستمر نحو إدراك عمليات وأساليب التفكير المستخدَمة في الحوسبة ومحاكاة هذه العمليات والأساليب. وهو في حالة تدفق وتجدُّد مستمرَّين. وعلى الرغم من أن العديد من المبادئ الأساسية للتفكير الحوسبي قديمة للغاية، فإن تطوُّر ممارسات الحوسبة وحالة التقدُّم التكنولوجي قد أثرت في كيفية رؤيتنا للتفكير الحوسبي وما هو أساسي فيه. على سبيل المثال: تجعل مجموعات تطوير البرامج المتجدِّدة باستمرار واللُّغات الجديدة والخدمات السحابية مهام التصميم الحوسبي تتحوَّل بعيدًا عن عمليات البرمجة البُدائية نحو مستوياتٍ أعلى وأعلى من التجريد؛ مما يجعل وظائف الحوسبة أكثر تركيزًا على التصميم. إن البرمجة التقليدية في سبيلها إلى فقد دورِها كواجهة أساسية لعمليات الحوسبة، وحلَّت بدلًا منها الأدوات الذكية والأدوات المُحددة لكل مجالٍ والتي تُتيح لمزيد من المستخدمين الاستفادة من إمكانات الكمبيوتر دون برمجته. إن التفكير الحوسبي يتجاوز البرمجة وتطوير البرمجيات.

سنناقش بعض القوى التي تُشكل عالمنا وتأثيراتها المُحتملة في كيفية رؤيتنا للحوسبة وتفكيرنا فيها. وسنُناقش أيضًا بعض الأسئلة المُهمة التي لا يمكن للتفكير الحوسبي مساعدتنا في إيجاد إجابات لها. فالتفكير الحوسبي له حدوده.

(١) نماذج حوسبيَّة جديدة

من أكثر الأسباب الواضحة لتغيُّر التفكير الحوسبي أن تقنيات الحوسبة تتغير. فطوال الفترة التي آمنَّا فيها بقانون مور للشرائح المصنوعة من مادة السيليكون، ظلَّت البِنية الأساسية للشرائح في أجهزة الكمبيوتر والأجهزة المحمولة وفيَّةً لتصميم فون نيومان الذي يرجع إلى عام ١٩٤٥، والمكوَّن من وحدات ذاكرة ومعالجة مُنفصلة، مع معالجٍ ينفِّذ التعليمات المُخزنة في الذاكرة خطوةً بخطوة. ويأتي مفهوم «الخطوات الحوسبيَّة» في التعريفات الحديثة للتفكير الحوسبي من هذا التصميم، وكذلك من تعريفات آلان تورينج للحوسبة.

ولكن لا يمكن أن يظلَّ الاستناد إلى قانون مور قائمًا بسبب طبيعة مادة السيليكون وطبيعة عملية صُنع الشرائح.1 لهذا السبب، كان الباحثون يبحثون عن تقنياتٍ جديدة يُمكنها أن تحلَّ محل التقنيات المُعتمدة على بنية فون نيومان والقائمة على السيليكون، وتواصُل النمو الأُسِّي لمعدل سرعة معالجة المعلومات. ومن التقنيات الأساسية المرشحة، أجهزة الكمبيوتر الكَمية، والشبكات العصبية، وأجهزة الكمبيوتر القائمة على الحوسبة الانعكاسية، وأجهزة الكمبيوتر القائمة على حوسبة الحمض النووي، وأجهزة الكمبيوتر المُشتملة على مقاومات الذاكرة، وغيرها. وتُحدِّد كل تقنية من هذه التقنيات نموذجًا حوسبيًّا جديدًا هو الهدف للمُصمِّمين.
فلنأخُذ مثالًا على ذلك كمبيوتر الموجة «دي»؛ وهو كمبيوتر كَمي تجاري.2 هذا الكمبيوتر مُصمَّم لحل مجموعة من المعادلات، معروفة في الفيزياء باسم نموذج إيزينج، والذي يصِف كيف تستقرُّ بعض النُّظم في حالات طاقةٍ دُنيا. وتعني «برمجة» جهاز الموجة «دي» تشفير المسألة في صورة مجموعة من معادلات إيزينج وإدخال المعامِلات في الآلة؛ ويعني «التنفيذُ» السماحَ للآلة بالاستقرار في حالة طاقةٍ دُنيا تتوافق مع حلِّ المعادلات (عدد قليل من الميكروثانية)؛ وتتمثل عملية القراءة من الذاكرة في قراءة وحدات البت الكَمية للآلة وتفسيرها على أنها الإجابة. لا يوجَد هنا مفهوم «مجموعة التعليمات» أو البرمجة بمعنى «تصميم سلسلةٍ من الخطوات». ويشعر مُعظم علماء الكمبيوتر بالارتباك عند تعليمِهم كيفية إعداد كمبيوتر الموجة «دي» لأول مرة؛ إذ تختلف عملية البرمجة هذه عن عملية البرمجة التي عرفوها طوال حياتهم المهنية.3 أما علماء الفيزياء المُدرَّبون، فيواجهون صعوبة أقل بكثيرٍ في فهم الآلة. ولا يستطيع التعريف الحالي للتفكير الحوسبي — وهو صياغة مسألة بحيث يمكن حلُّها كسلسلةٍ من الخطوات الحوسبيَّة — وصف التفكير الحوسبي الذي تقوم به هذه الآلة.
حوسبة الحمض النووي (الدي إن إيه) هي تقنية أخرى تجري دراستها في الوقت الحالي. في عام ١٩٩٤، أجرى الباحثون تجرِبة شفَّروا فيها المسارات المُحتمَلة في إحدى الخرائط على هيئة سلاسل الحمض النووي، ثم استخدموا الطرُق الكيميائية في ذلك الوقت لتطوير الخليط الأوَّلي إلى خليطٍ تُمثل فيه الغالبية العُظمى من السلاسل أقصر مسار في الخريطة.4 أُحرِزَ تقدُّم كبير في هذه التقنية. وفي عام ٢٠١٦، استخدم فريق بحث آخر تقنية تعديل الجينات «كريسبر» الحديثة لإدخال صورةٍ في الحمض النووي لبكتيريا. ويواجه علماء الكمبيوتر المُدرَّبون على التفكير من حيث الخطوات الحوسبيَّة صعوبة أكبر من المُختصِّين في علم الأحياء الجزيئي في فهم آلية عمل حوسبة الحمض النووي.

توضح هذه الأمثلة أن التفكير الحوسبي قد توسَّع إلى ما هو أبعدُ من فكرة حلِّ المشكلات بالخطوات الحوسبيَّة. ولذا، أصبح تعريفنا الأوسع للتفكير الحوسبي — تصميم عمليات الحوسبة التي تجعل أجهزة الكمبيوتر تؤدي المهام بالنيابة عنا، بالإضافة إلى شرح العالَم وتفسيره كمجموعةٍ مُعقدة من العمليات المعلوماتية — هو الأقرب إلى الصواب.

(٢) التصميم

تُعَدُّ الزيادة المُستمرة في أهمية التصميم سببًا آخرَ لتغير التفكير الحوسبي. لم يعُد التفكير الحوسبي محصورًا في تطوير البرامج والخوارزميات لحل المشكلات الحوسبيَّة. على سبيل المثال: لا يختصُّ بالخوارزميات إلا جزء صغير من تطوير التطبيقات، ويركز الجزء الأكبر منها على تصميم نُظم للتعامُل مع اهتمامات المجتمع. التصميم بهذا المعنى هو تفاعل مُستمر بين المُصمِّمين والمستخدِمين، حيث يشاهدون ردود أفعالهم على نماذج البرامج، ويُقيِّمون البرامج الناجحة وغير الناجحة، ويعدِّلون البرامج وَفقًا لذلك. وتُعَد هذه رؤية أوسع للتصميم مقارنة برؤى مُجتمعات البرمجة وهندسة البرمجيات القديمة مثل «النموذج» أو «الخطة» أو «إعداد التجرِبة». إنها مجموعة مهارات تجمع بين إدراك التوجُّهات السائدة في المجتمعات وتاريخ هذه المجتمعات، بالإضافة إلى المعرفة العميقة بالتقنيات الحالية وغيرها من العناصر المُفيدة. فالتصميم يتطلَّب فهم البشر في مجتمعاتهم بقدْر ما يتطلَّب فهم التكنولوجيا.

كان من بين الآثار المُترتبة على التصميمات الجديدة في الحوسبة أتمتة العديد من المهام المعرفية التي كانت تُعَد خارج نطاق آلات الحوسبة حتى وقتٍ قريب. هذا النوع من الأتمتة ربما يؤدي إلى الاستغناء عن الأيدي العاملة، وهو ما يُثير بدوره تخوُّفات كبيرة بشأن إمكانية أتمتة العديد من الوظائف الحاليَّة، مما يؤدي إلى فقدان العديد من الأشخاص لوظائفهم. ومع ذلك، توجَد على الجانب الآخر حقيقة مُهمة مفادها أن التقنيات الجديدة تُولِّد مشكلاتٍ جديدة تتطلَّب تصميماتٍ جديدة، مما يخلق وظائف جديدة للمُصمِّمين.

التصميم الحوسبي هو الآن مهارة يُمكنك الحصول عليها في أي مجال، بالإضافة إلى مهاراتك الأساسية في المجال الذي تختصُّ به. فليس عليك أن تكون عالِم كمبيوتر لتكون مُصمِّمًا حوسبيًّا. يمتلك التصميم الحوسبي روح ثورة الحوسبة المُضطرمة في الوقت الحالي أكثر من التفكير الحوسبي. وقد أظهرت لنا الثورات التكنولوجية السابقة أن التقنيات الجديدة تؤدي في النهاية إلى خلق وظائف أكثر مما تؤدي إلى الاستغناء عن وظائف. وثورات الحوسبة الحالية في تعلُّم الآلة وتطوير التطبيقات تخلُق وظائف جديدة للمُصمِّمين، بينما تحوِّل بعضَ الوظائف الحالية إلى وظائف قديمة مهمَلة من خلال أتمتتها. وينبغي للحكومات بذل المزيد من الجهد في برامج التدريب والتعليم حتى يتمكَّن العمال الذين فقدوا وظائفهم من تعلُّم مهارات التصميم الخاصة بالوظائف الجديدة، من أجل المساعدة في تسهيل عملية الانتقال.

يؤدي التركيز الجديد على التصميم إلى إعادة إحياء الجانب الهندسي للحوسبة، وهو جانب أكثر حساسية للتصميم من الجانب العلمي. ويؤكد المهندسون على بعض القضايا المُهمة مثل الموثوقية وتحمُّل الأخطاء وبِنية النظام وتصميم النظم ككل؛ إذ غالبًا ما كانت هذه الموضوعات تُهمَّش في تعريفات التفكير الحوسبي الموجهة نحو النظريات والخوارزميات. علاوة على ذلك، يجلب المهندسون بعض الاهتمامات البشرية إلى التفكير الحوسبي؛ مثل فهم كيفية استخدام المجتمع لأجهزة الكمبيوتر، وتطبيق التقنيات الجديدة في المجتمع، والتوعية بالقضايا الأخلاقية التي تُثيرها التكنولوجيا وبآثارها الجانبية، وتوفير الوسائل التي يمكن من خلالها التأثير في تصرُّفات الآلات عن طريق قرارات البشر والتزامهم.

(٣) تعلُّم الآلة

أصبحت الشبكات العصبية، التي تبلورت لأول مرةٍ في أربعينيات القرن العشرين كنماذج مُحتمَلة لأجهزة الكمبيوتر الإلكترونية، هي التكنولوجيا الرئيسية وراء الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات اليوم. وكانت الشبكة العصبية نموذجًا رياضيًّا يقوم على «إطلاق» خليةٍ عصبية عندما يتجاوز مزيجُ الإشارات من خلايا عصبية أخرى العتبةَ المُحدَّدةَ له، وتدخل الخلية العصبية «المطلقة» حالة إثارة تُنقَل بعد ذلك إلى الخلايا العصبية الأخرى. كان الدافع وراء محاكاة الدماغ هو أن أجهزة الكمبيوتر الذاتية التشغيل قد تؤدي المهامَّ البشرية على نحوٍ أفضل عندما تكون مَبنيةً من مكوناتٍ مُماثلة. بالطبع، دائرة هذه النماذج العصبية ليست مثل الدماغ الحقيقي. فالدوائر المنطقية لأجهزة الكمبيوتر الأولى كانت تعمل بشكلٍ أسرع بكثيرٍ من الدوائر العصبية. أما الآن، فالوضع مختلف؛ فقد أصبحنا نعرف كيفية استخدام بطاقات الرسومات الرخيصة لتسريع عمليات حوسبة الشبكة العصبية. وتقوم شركتا «آي بي إم» و«إنتل» حاليًّا بتسويق شرائح أسرع؛ فهما تُدركان أن هناك حاجة إلى طريقة تفكيرٍ جديدة لاستخدام شرائحهما على أفضل وجه، وتوفِّران دوراتٍ تدريبية في تشغيل شرائحهما واستخدامها.

كانت الشبكات العصبية المُبكرة صغيرةً ومن السهل إرباكها عند تقديم مُدخلاتٍ جديدة إليها لم تكن موجودة في مجموعات التدريب الخاصة بها. أما الشبكات العصبية الحديثة، فتتكوَّن من العديد من الطبقات، ولدَيها سعة أعلى بكثيرٍ من الشبكات القديمة، وكذلك فهي لا ترتبك بسهولة. وبفضل شرائح معالجة الرسومات، تستجيب الشبكات العصبية المُدرَّبة والمكوَّنة من العديد من الطبقات للمُدخلات على الفور تقريبًا. ونظرًا إلى أن الطبقات والعُقد والقِيَم المُرجحة للاتصالات لا تتغير بعد تدريب الشبكة، فإن الأداء لا يعتمد على البيانات المُدخَلة. ولأن تطبيقات الشبكات العصبية عادةً لا تحتوي على حلَقاتٍ تَكرارية، فإنها أيضًا تعمل في وقتٍ ثابت باستخدام مساحاتٍ ثابتة في الذاكرة. وهذا يعني أنه يمكن استخدام الشبكات العصبية في تطبيقاتٍ آنيَّة بتواريخ نهائية أكثر موثوقيةً مقارنةً بالبرامج التقليدية.

من المميزات الأساسية للشبكات العصبية أنها «تُدرَّب» بدلًا من أن «تُبرمَج». على سبيل المثال: ليس لدَينا خوارزميات شديدة الموثوقية للتعرُّف على الوجوه، ولكن يمكن تدريب الشبكات العصبية على التعرُّف إلى وجوهٍ مُعينة بشكلٍ موثوق به للغاية. وغالبًا ما يُقال إن هذه الشبكات «مُبرمجة ذاتيًّا» نظرًا إلى عدم وجود مبرمِج يُحدِّد القِيَم المرجَّحة الداخلية، مع أن خوارزمية تعديل القيمة المُرجَّحة المستخدَمة في التدريب يمكن اعتبارها مبرمِجًا آليًّا. بالنسبة إلى العديد من المشكلات، من الأسهل بكثيرٍ إيجاد بيانات تدريب مناسبة أو إنشاؤها بدلًا من كتابة برنامج قائم على مجموعةٍ معروفة مسبقًا من القواعد. وكما ذكرنا في الفصول السابقة، فإن إحدى المشكلات الكبيرة المتعلقة بالشبكات العصبية هي أنه لا توجَد طريقة ﻟ «تفسير» كيفية توليد الشبكة للمُخرَجات، كما هو مُمكن مع البرامج التقليدية. وتُعَدُّ معرفة الأسباب الكامنة وراء استنتاجٍ مُعين أمرًا مهمًّا في العديد من مجالات التطبيق مثل التشخيص الطبي؛ ولكن الشبكات العصبية لا توفِّر هذه الميزة. ومن ثَمَّ، كان لا بدَّ من تعديل التفكير الحوسبي بحيث يتضمَّن الأدوات المستخدَمة لبناء الشبكات العصبية وتدريبها. وما زالت تنتظِره تحدياتٍ أكبر في تقييم موثوقية الشبكات العصبية وأمانها.

ثمَّة ميزة أخرى كبيرة للشبكات العصبية، وهي أنها يمكن تدريبها من خلال تفاعُلها مع الشبكات العصبية الأخرى بدلًا من إعطائها مجموعات بيانات للتدريب عليها. تم تدريب الشبكة العصبية الخاصة ببرنامج «ألفا جو»، الذي هزم بطل العالَم في لعبة «جو» في عام ٢٠١٧، من خلال جعلِها تلعب ضد شبكة «ألفا جو» أخرى؛ فتعلَّمت اللعبة بحُكم الممارسة بدلًا من تدريبها على مجموعةٍ كبيرة من مباريات «جو» المسجلة. هذه الطريقة في تدريب الشبكات من خلال السماح لها بالتعلُّم من بعضها جعلها قادرة على إجراء تغييراتٍ ملحوظة على اللعبة.

(٤) التعاون بين الإنسان والكمبيوتر

في عام ١٩٩٧، خسِر لاعب الشِّطْرَنج جاري كاسباروف الحاصل على لقب «جراند ماستر» (الأستاذ الكبير) أمام كمبيوتر «ديب بلو» الذي أنتجَتْه شركة «آي بي إم». تُمثل هذه المباراة علامة فارقة في تاريخ الشطرنج؛ لأنها كانت المرة الأولى التي يَهزم فيها برنامجُ كمبيوتر أحدَ أبطال العالم. كان كاسباروف قد لعب العديد من المباريات السابقة ضد أجهزة كمبيوتر أقلَّ مستوًى، وفاز بها جميعًا.

لم يعلِن كاسباروف عن نهاية لعبة الشطرنج. بدلًا من ذلك، اخترع نوعًا جديدًا من الشطرنج؛ ألا وهو «الشطرنج المُتقدِّم». في «الشطرنج المُتقدِّم»، يتلقَّى كلا اللاعبَين في المباراة المساعدة من جهاز كمبيوتر. وقبل تنفيذ الحركة التالية، يستشير اللاعب البشري برنامج الكمبيوتر للحصول على رؤًى حول الآثار المُحتمَلة للحركات. وكان أداء لاعبي الشطرنج بمساعدة الكمبيوتر أفضل من أدائهم دون مساعدة الكمبيوتر، ولكنه كان أفضل أيضًا من أداء أجهزة الكمبيوتر عندما لعبت وحدَها.

إن فكرة أن فريقًا مكونًا من البشر والكمبيوتر يُمكنه دائمًا تقديم أداءٍ أفضل من أداء الآلة الجيدة جدًّا وحدَها، هي فكرة مثيرة للجدل. فهناك تقارير عن بطولاتٍ حديثة في «الشطرنج المتقدِّم» أدَّت فيها الفرق المكوَّنة من البشر والكمبيوتر أداءً سيئًا مقارنة بالمباريات بين أجهزة الكمبيوتر دون بشر. وفي الطب، لا يؤدي دائمًا الأطباء المشاركون في التشخيص مع أجهزة الكمبيوتر أداءً جيدًا يُضاهي أداء أفضل أجهزة الكمبيوتر التشخيصية.

ومع ذلك، فإن التعاون بين الإنسان والكمبيوتر جذبَ الكثير من الاهتمام في مجال البحث في الذكاء الاصطناعي؛ لأنه قادر على إجراء عمليات الحوسبة التي لا يستطيع إنسان أو كمبيوتر القيام بها بمُفرده. ومن الأمثلة القديمة على ذلك وضع أسماء على الصور الرقمية باستخدام كلماتٍ رئيسية قابلة للبحث. كان القيام بذلك باليد بطيئًا للغاية لدرجة تحُول دون أن يكون مفيدًا لتسمية الصور عبر الإنترنت. وفي عام ٢٠٠٦، اخترع «لويس فون أن» من جامعة كارنيجي ميلون لعبة عبر الإنترنت حيث وضعَ آلاف الأزواج من البشر أسماءً على الصور المُقدمة لهم؛ فإذا تطابقت كلماتهم الرئيسية، فإن صورتهم المُسمَّاة تدخل قاعدة البيانات القابلة للبحث. كان يُعتقد أن «دالة التسمية» التي تُنفذها الفرق المكوَّنة من الإنسان والكمبيوتر هذه غير قابلة للحوسبة. وكانت الفِرق المكوَّنة من الإنسان والكمبيوتر أكثر قوة من أجهزة الكمبيوتر وحدَها.

يتطلَّب التعاون بين الإنسان والكمبيوتر نوعًا مختلفًا من التفكير الحوسبي عن البرمجة التقليدية للكمبيوتر. ونحن نُراقِب باهتمام كبير كيف يتطور الجدل حول ما إذا كانت الفرق المكوَّنة من البشر والكمبيوتر يُمكنها التفوُّق على الآلات في المستقبل.

(٥) القفزات التكنولوجية

في عام ٢٠٠٦، تنبأ راي كريسوايل، مخترع تقنيات الحوسبة والمُهتم أيضًا بالمُستقبليات، بأنه بحلول عام ٢٠٣٠، سنكون قادرين على إنشاء كمبيوتر بحجم الدماغ، بنفس عدد الخلايا العصبية والوصلات الموجودة في الدماغ.5 وقال إن هذا الكمبيوتر، في تصوُّره، سوف يطوِّر وعيَه الخاص وذكاءه الفائق. أما كيف ستتعامل هذه الآلات مع البشر فهو سؤال لا يمكن الإجابة عنه. وأفضل ما يمكن قوله في هذا الصدد هو أن هذه الآلات الجديدة ستكون لها اهتمامات مختلفة للغاية عن اهتماماتنا بحيث لا يُمكننا تصوُّر كيف ستُعامِلنا. وتُسمَّى لحظةُ إنشائها «التفرد» بسبب عدم القدرة على التنبؤ بما يمكن أن يحدُث بعد تطوير الذكاء الاصطناعي للوعي.

وصل كريسوايل إلى استنتاجه من خلال استقراء قانون مور، وهو توقع جوردون مور في عام ١٩٦٥ بأن شريحة السيليكون ستتضاعف قدرتها تقريبًا كل عامَين بنفس السعر. وقد اتبعت صناعة شرائح الكمبيوتر هذا القانون عن طريق مضاعفة قدرة الشرائح كل عامَين لأكثر من نصف قرن. ويعتبر قانون مور، من نواحٍ عديدة، انتصارًا للتفكير الحوسبي؛ لأن المهندسين كان عليهم أن يبذلوا قصارى جهدهم في التفكير لإيجاد طرُق أفضل لإنشاء دوائر الحوسبة. استغل كريسوايل في تحليله ظاهرة القفزات التكنولوجية. فمنذ بداية العصر المعلوماتي في أوائل القرن العشرين، كما يقول، لوحظ نفس تأثير التضاعف في تقنيات ذلك الوقت، مثل آلات البطاقات المُثقبة أو آلات الأنابيب المفرغة. وعندما كانت إحدى التقنيات تعجز عن تحقيق هذا التضاعف كل عامَين، كانت تقنية أخرى تحلُّ محلها. ويعتبر قانون مور بشأن شرائح السيليكون هو في الواقع الموجة الخامسة من التقنيات التي تُظهر هذا التضاعف كل عامَين. وتوقع كريسوايل بثقةٍ حدوثَ المزيد من القفزات التكنولوجية واستمرار هذا الاتجاه، مما سمح له بالتنبؤ بقُدرة المعالجة المتاحة بحلول عام ٢٠٣٠ وما بعده، والوصول إلى ما يُسمَّى بالتفرُّد.

تحدث القفزات التكنولوجية على نحوٍ معتاد في صناعة الحوسبة. فالاعتماد على تقنيةٍ معينة على مرِّ الزمن يتبع دائمًا منحنًى على شكل حرف S، مع نموٍّ أُسي حتى نقطة الانعطاف، وبعدها يتباطأ النمو مع تشبُّع السوق. ويُولي كبار رجال الأعمال اهتمامًا كبيرًا بنقاط الانعطاف هذه لأن منافسًا يتمتع بتقنيةٍ أفضل تنمو بشكلٍ أُسِّي يمكن أن يقلب أعمالهم رأسًا على عقب عندما يتباطأ نموُّها. وهم يُحاولون توقُّع نقاط الانعطاف هذه من خلال تطوير تقنياتٍ جديدة في مختبراتهم البحثية والقفز إليها عندما تصِل تقنيتُهم الحالية إلى نقطة الانعطاف. وبذلك يُمكنهم ركوب موجة التقنية الجديدة خلال مرحلة نموِّها الأُسي.

على الرغم من أن التفرُّد هو نتاج للحوسبة والتفكير الحوسبي، فإنه لا يمكن التعامُل معه بالتفكير الحوسبي، ولا يُمكننا أيضًا تحسين فهمنا له من خلال التفكير الحوسبي.

(٦) فرضية أن العالم كله عبارة عن كمبيوتر

رأى بعض العلماء أن المعلومات هي أساس كل الفيزياء. فكل جُسيم وكل تفاعُل هو نتاج لتدفُّق معلومات وتبادلها على مستوًى أكثر عمقًا من أصغر الجسيمات المعروفة. وفي عام ٢٠٠٢، نشر ستيفن وولفرام، وهو عالِم فيزياء ومُخترع برنامج «ماثماتيكا»، الذي يُعتبر في حدِّ ذاته انتصارًا للتفكير الحوسبي، كتابًا كبيرًا يؤيد هذا الرأي.6 وفي عام ٢٠٠٣، جادل الفيلسوف نيك بوستروم بإمكانية أن نكون شخصياتٍ في محاكاةٍ يقوم بها نوع أكثر ذكاءً بكثيرٍ يدرُس أسلافَه. وبينما يرى بعض علماء الفيزياء بعض الجدارة في الادِّعاء بأن جميع الجُسيمات والتفاعلات يمكن تفسيرها بالموجات الاحتمالية لميكانيكا الكم، وهي أشكال من المعلومات، إلا أنهم يعتبرون فكرة أن عالَمنا عبارة عن محاكاة رقمية فكرة خيالية للغاية.7

تستأثر فرضية أن العالَم كلَّه عبارة عن كمبيوتر بإعجاب أولئك الذين يعتقدون أن التفكير الحوسبي والحوسبة هما قوَّتان هائلتان لا حدود لهما.

(٧) صراعات أيديولوجية حول ما يجب تدريسه

هناك نقاش لا ينتهي حول ما يجِب تدريسه في منهج الحوسبة. وهناك نقطتان جوهريتان في هذا النقاش. الأولى: تتعلق باختيار لغة البرمجة وإطار العمل البرمجي اللذَين يجب تعريف الطلاب بهما. فهل يجب أن تكون لغةً سهلة التعلُّم ولها بنية وتركيبات غير مُعقدة بالمرة مثل لغة بايثون؟ أم يجب أن تكون لغةً يستخدمها أرباب عملِهم المُستقبليون في الصناعة، مثل لُغة جافا أو جافاسكريبت؟ وما هي فوائد البدء بإطار عمل يعامل البرامج كمصدر تعليمات لآلة (يُعرف باسم إطار عمل «أمري») مقارنة بإطار عمل يُعامِل البرامج كأنها تتألف من وظائف (يُعرف باسم إطار عمل «وظيفي»)؟ هذه النقاشات كانت ركيزةً أساسية لاجتماعات هيئة التدريس في علوم الكمبيوتر منذ الستينيات، ومن غير المُرجَّح أن تتوقَّف في السنوات المقبلة.

النقطة الجوهرية الأخرى هي الصراع ما بين المنظور العلمي-الرياضي والمنظور الهندسي-التصميمي. فالمنظور الأول يعلم تجريدات الأشياء في العالم ويترك للطالِب تطبيق التجريد على الحالة التي أمامه. أما المنظور الهندسي-التصميمي، فيركز على جميع التفاصيل التي يجب على المُبرمج الاهتمام بها لكي يكون البرنامج الناتج آمنًا وموثوقًا به. وقد كان للمنظور العلمي-الرياضي اليد العُليا لسنواتٍ عديدة، ولكن مع بروز أهمية التصميم، اكتسب المنظور الهندسي زخمًا جديدًا. والحقيقة أن كِلا المنظورَين مُهمَّان للنجاح في الحوسبة؛ فالجانب العلمي والجانب الهندسي يحتاج كلٌّ منهما إلى الآخر.

(٨) تأمُّلات في العالم الناشئ

نحن نكتب هذا الكتاب في الذكرى الخمسين لأول توصياتٍ لتطوير منهج دراسي في الحوسبة قدَّمَتها جمعية آلات الحوسبة، وهي جمعية تضمُّ خبراء الحوسبة، ونحن المُؤلِّفَين كلانا ينتمي إليها. لقد شكَّلَت ذلك المنهجَ والمواصفاتِ اللاحقةَ له العديدُ من العوامل التي تناولناها في الفصول السابقة:

  • التركيز القوي على التطوُّر التكنولوجي منذ البداية.

  • المقاومة الواسعة لتشكيل أقسام للحوسبة من قبل الأقسام الأكاديمية الأخرى التي لم تقبل الحوسبة كحقلٍ دراسي مُستقل.

  • تطوير شبكة مجتمعية للحوسبة مع بدايات عصر الإنترنت.

  • الخلافات الحادة حول أدوار العلوم والرياضيات والهندسة في الحوسبة، والتي تجلَّت في صراعات حول كيفية تدريس هندسة البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات، ومدى الاعتماد على الأساليب الشكلية في تطوير البرمجيات.

  • التعامُل مع ظهور العلوم الحوسبيَّة وتوغُّل الحوسبة في جميع مجالات الحياة تقريبًا.

  • صعود وهبوط الذكاء الاصطناعي وادِّعاءاته حول الأتمتة ومُستقبل البشرية.

إن مفاهيمنا وأفكارنا المُتجذرة بشأن الحوسبة لا تساعدنا في مواجهة العديد من القضايا الملحَّة التي تطرأ على العالَم من حولنا. لقد أدَّى التواصُل العالمي الذي ساعَدْنا في تحقيقِه من خلال الإنترنت إلى العديد من الفوائد، مثل جعل العالَم قرية صغيرة وعولمة التجارة. ولكنه أدى أيضًا إلى نشوء صراعاتٍ بين المُنظمات غير الحكومية والدول التقليدية، وحروب تجارية، ودفاعية، وإرهاب، وانعزال واسع النطاق، وأخبار كاذبة، وتضليل، ومعلومات خاطئة، واستقطاب سياسي، وقلق واضح وعدم يقين بشأن كيفية المُضيِّ قدمًا في العالم. لقد أظهر لنا الوصول إلى كمٍّ هائل من المعلومات عبر الإنترنت أن المعرفة لا تُغدق علينا ثمار الحكمة بالضرورة، ونحن نتُوق إلى قادةٍ حكماء لم نجدهم بعد. وبدلًا من أن نعيش في مجتمعٍ معلوماتي مُحترم مدعوم بالإنترنت، أضحَينا نعيش في مجتمعٍ مُستقطَب تسوقه وسائل التواصل الاجتماعي. إن العالم الذي نواجهه في حياتنا اليومية مليء بالمفاجآت والأحداث غير المتوقَّعة والحالات الطارئة التي لا تستطيع حتى أفضل آلات التعلُّم لدَينا وأفضل وسائل تحليل البيانات التنبؤ بها بشكلٍ كامل. ونحن نشهد الآن تنافُس العديد من الدول على العديد من الموارد، بما في ذلك استخدام البحار والمجالات الجوية، ونفتقر إلى وسائل فعَّالة لحلِّ هذه النزاعات، ونخشى أن تؤدي الصراعات الناتجة إلى حروبٍ أو انهيارات اقتصادية. ونرى أن النشاط البشري الجماعي يؤثر على البيئة العالمية ولكننا لم نجِد بعدُ طرقًا مُستدامة لحماية بيئتنا للأجيال القادمة.

يضعنا كل هذا أمام سؤالٍ مُهم: كيف يُمكننا تشكيل التعليم في مجال الحوسبة بحيث يتمكن خريجونا من تطوير الحسِّ التصميمي والحكمة والعناية التي يحتاجونها للإبحار في هذا العالَم الذي سيكونون مواطِنين فيه؟ إن منهجنا الدراسي الحالي، والذي يركز على الدليل المعرفي لعام ٢٠١٣، غير مُجهز لهذه المهمة.

إن مفاهيمنا وأفكارنا المتجذرة بشأن الحوسبة لا تساعدنا في مواجهة العديد من القضايا الملحَّة التي تطرأ على العالم من حولنا. وقد أظهر لنا الوصول إلى كمٍّ هائل من المعلومات عبر الإنترنت أن المعرفة لا تُغدق علينا ثمار الحكمة بالضرورة.

يمكن أن تكون نقطة البداية هي تخصيص مساحةٍ في منهجنا الدراسي المزدحِم لإجراء محادثاتٍ حول الأسئلة الكبرى بشأن عواقب الحوسبة في جميع أنحاء العالم. ويجب أن يشارك في هذه المحادثات تخصُّصات وأجيال متعددة. وتهدف ليس إلى حلِّ المشكلات بل إلى الانخراط في التفكير المُشترك، وتعزيز التفاهم المتبادل والتقدير والاحترام حول هذه القضايا. بعض الأمثلة على الأسئلة الكبرى التي تصلُح لمِثل هذه المحادثات المرتبطة بالتفكير الحوسبي هي:

  • ما الذي لا يمكن أتمتتُه؟ وما الذي يجب أتمتتُه؟ وإلى أي مدًى يمكن أن تأخذنا الأتمتة؟ ولمن الحقُّ في تحديد ما يُؤتمَت وما لا يُؤتمَت؟

  • كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخلق وظائف أكثر من خلال الأتمتة أكثر من تلك التي يحلُّ محلَّها؟

  • كيف يُمكننا مساعدة الأشخاص الذين يُستغنى عن وظائفهم بسبب البرامج والأجهزة التي صمَّمناها؟

  • كيف نساعد في توليد مُصمِّمين جيِّدين؟

  • كيف يُمكننا زيادة الثقة في قرارات الشبكات العصبية عند إعطائها مدخلاتٍ خارج مجموعات تدريبها؟

  • كيف يُمكننا مقاومة تشكيل مجتمع مُراقَب آليًّا؟

  • ما الحلول التكنولوجية التي يمكن إيجادها لمشكلة الأمن السيبراني؟

  • كيف نجعل عالَمنا يمضي قدمًا في الوقت الذي أصبحت فيه أجهزة الكمبيوتر مضمَّنة تقريبًا في جميع الأجهزة المُتصلة بالشبكة العالمية؟

  • كيف تؤثر التكنولوجيا الرقمية في السياسة العالمية والقومية والميزان التجاري وتغيُّر المناخ وغيرها من قضايا العولمة؟

  • كيف ستؤثر سلاسل الكتل والعملات المُشفرة على مشاكلنا المتعلقة بالثقة في الهيئات المركزية؟ وهل هي باهظة الثمن جدًّا بحيث لا يمكن الحفاظ عليها؟

  • كيف نحمي المجتمعات التي تعتمِد بشكلٍ كبير على الحوسبة من أي هجوم على عنصر أساسي من البنية التحتية، مثل شبكة الكهرباء أو الإنترنت؟

  • كيف نُحضِّر الناس لتقدير الفرق بين الحكمة ووفرة المعلومات؟

  • ما التداعِيات الاجتماعية لواجهات الدماغ والكمبيوتر، والغرسات العصبية في أدمغتنا وأجسادنا؟

  • ما الانهيارات الاقتصادية المُحتمَلة بسبب انخفاض تكلفة العديد من التقنيات المترابِطة بشكلٍ كبير؟

نحن لا نعتقد أن أيًّا منَّا لدَيه إجابات عن أيٍّ من هذه الأسئلة. ولكننا نحتاج إلى إجراء مُحادثات حولها. وفي أثناء القيام بذلك، نحتاج إلى أن نحتضِن علماءَ الرياضيات وعلماء الاجتماع والفلاسفة وعلماء الأنثروبولوجيا والمُحامِين والمهندسين وكل من له عَلاقة بهذا المجال. لقد حان الوقت لنُفكر معًا في تصميم التكنولوجيا وتأثيراتها، ومن ثَم نشكل مستقبلنا بالحكمة والتفاهم. لقد حان الوقت للتخلِّي عن الصراعات القديمة التي ورثناها من أزمنةٍ قد مضت، والعمل معًا إخوة وأخوات، آباء وأمهات، صغارًا وكبارًا للإجابة عن هذه الأسئلة المهمة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥