نهايات وأخرويات الإنسان

نشأت عقائد البعث والخلود مبكرة في مصر وربما امتدت إلى الباليويت ونضجت في النيوليوت من خلال عادات الدفن في العصر الحجري الحديث. وكانت بيئة مصر ومناخها الوسط المناسب لنمو هذه الأفكار.

ولعل أهم ما يجب الاتفاق عليه هو ما اصطلحنا عليه ﺑ «عالم ما بعد الموت» الذي يسمى بالمصرية «توات أو دوات» أن تسمية «العالم الفلسفي» تسمية خاطئة كما يرى بدج؛ لأن هذا العالم لا يقع أسفل الأرض فربما كان في السماء. وكذلك تسمية «الجحيم» لأن مفهوم الجحيم لدى المعاصرين يمثل أفكارًا غربية على أغلب المدارس الدينية المصرية ولأنه ليس جحيمًا فقط فهو عالم حساب وجنة أيضًا ولذلك فهو ليس ﺑ «فردوس» أو «جنة». ولا تدل كلمة «عالم الموتى» على خلود أو بقاء الناس أحياء بعد الموت. ولذلك نرى أن أنسب كلمة مقابلة لذلك العالم هو «العالم الآخر» أو «الآخرة»، فهو مصطلح دقيق يمكن أن يدل على تنوع ذلك العالم وما يحتويه من عوالم الحساب والجنة والجحيم وما بينهما. فهو أربعة عوالم في آن واحد لا تقع في الأعلى أو في الأسفل فقط؛ هي: «القبر، الحساب، الجنة، النار».

ناقشنا عقائد الموت (الإسكاتولوجيا)، وسنذكر هنا طقوس الموت أي الفعاليات الدينية المرافقة لموت الإنسان حتى دفنه. وقبل كل شيء لا بد من معرفة أن الموت كان حاجزًا رقيقًا يفصل عالمًا واحدًا عند المصريين، لأن الموت لم يكن نهاية الحياة (كما عند العراقيين القدماء)، بل استمرار لها في عالم آخر لا يختلف في جوهره عن عالم الحياة.

كان الإنسان عندما يموت يحمله أهله أو أقرباؤه إلى المحنطين الذين يعرضون نماذج ثلاثة مصنوعة من الخشب تمثل الأنواع الثلاثة من التحنيط، وأغلى هذه الطرق التي تتبع طريقة تحنيط جثة أوزيريس والطريقة الثانية أقل تكلفة، أما الطريقة الثالثة فهي أقل ما يمكن عمله ولا تكلف إلا القليل من المال. فإذا ما اتفق الطرفان تسلم المحنطون الجثة، وبدءُوا عملهم بإخراج المخ من الجمجمة بآلة معدنية لها طرف ملتوٍ، ثم يقومون بغسلها من الداخل بنبيذ البلح وسوائل ذات رائحة عطرة، ثم يملئونها بمسحوق المر وبمواد أخرى ذات عطر طيب، وإذا ما انتهوا من أحشاء وعناصر رخوة يقومون بوضع الجثة بأكملها في ملح النطرون لمدة سبعين يومًا، وإذا ما انتهت هذه المدة غسلوا الجثة غسلًا جيدًا ثم لفوها في قماش كتاني بعد أن يغمسوه في سائل لاصق. (انظر الموسوعة المصرية، أبو بكر، ١٧٣).

إن ما يهمنا من عملية التحنيط هنا طقوسها الدينية التي تبدأ في أيامها الأولى بطقس الغسيل بماء النيل لإزالة الملح الزائد، وكان هذا الغسل عملًا طقسيًّا إلى أبعد مدى؛ لأن المصري رأى فيه رمزًا لأسطورة خلق الشمس من ماء النيل وانحسار مياه الفيضان. ومن الصور الشائعة لذلك العمل الطقسي منظر نراه في مقابر الدولة الحديثة أو توابيته، ويمثل المتوفى جالسًا على جرة كبيرة، وهو يستحم في تيار من الماء يصب فوقه (انظر سبنسر، ١٩٨٧م، ١٤٤).

وتستمر الطقوس الدينية من خلال التعاويذ التي تُقرَأ في كل مرحلة من مراحل التحنيط، حيث ذكرت برديتان بعض التعاويذ مرفقة بالتعليمات التي توصي بإزالة أظافر اليدين والأصابع قبل لفها، حيث يصاحب ذلك تعويذة خاصة لكي تستعيدهما المومياء بعد ذلك، ومسح الرأس بالزيت مسحًا ختاميًّا بعدد من اللفائف المشعبة بالزيت أو الراتنج وتتكفل التعاويذ التي تقال برد الحواس لها وهكذا بقية الأعضاء. (انظر سبنسر، ١٩٨٧م، ١٤٥).

يتطلع الفرد إلى الهدف النهائي بعد الموت. والروح كما نفهمها هي التي تستمر في العيش، ولكن الروح بأعضاء ووظائف جسدية معينة تتلاءم مع ظروف الحياة الجديدة تبدو غير مفهومة تمامًا، لأن التحنيط لم يكن شاملًا لكل الناس.

يغطي الفحص الأخروي مجموعة كبيرة ومتنوعة من الواجبات والاحتفالات الشخصية والاجتماعية والدينية. ويجب أن يكون المتوفى قادرًا على إنكار ذنبه فيما يتعلق بأربعين فصيلة كبيرة من الخطايا، ويجب أن يقف قلبه (رمز الضمير والأخلاق) في اختبار التوازن في مواجهة صورة ماعت، إلهة الحقيقة أو العدالة. لكن الحياة الجديدة التي تبدأ بعد الحكم ليست أفضل أو أكثر روحية من الحياة على الأرض. ما زال المبرر وسيلة عابرة في رحلة طويلة وصعبة لإنجازها قبل وصوله إلى النعيم والأمن في حقول أوزيريس الخصبة. يتعرَّض في هذه الرحلة لمجموعة متنوعة من الكوارث، لتفاديها الذي يعتمد على استخدام صلاحياته المُجددة، وعلى المعرفة التي اكتسبها في الحياة من الاتجاهات والسحر المسجل في كتاب الموتى، وأيضًا، وربما أكثر من ذلك، على المساعدات المقدمة من الأصدقاء الموجودين على قيد الحياة على الأرض. إنهم هم الذين يؤمنون الحفاظ على جثته حتى يتمكن من العودة واستخدامها، الذين يوفرون قبرًا غير قابل للتدمير كمنزل أو مأوًى ﻟ «كا»، الذين يزودون الطعام والشراب من أجل قوتهم، ويقدمون صلوات وتضحيات لصالحه، ويساعد ذاكرته عن طريق الكتابة على جدران المقبرة، أو الكتابة على لفائف من ورق البردي المغلفة بأغلفة المومياء.

figure
المتوفى على سرير تحته الأواني الكانوبية تمثل أولاد حورس، وعند رأسه الإلهة نفتيس، بينما إيزيس عند قدميه.

(١) الكتب والنصوص الجنائزية

جاءت معلوماتنا عن عالم الآخرة من النصوص والكتب الجنائزية، وهي ليست كتبًا بالمعنى الذي نعرفه، فبعضها مكتوب على الجدران وبعضها الآخر على التوابيت (النواويس) وأغلبها مكتوب على صحائف من البردي يصعب تسميتها بالمخطوطات، وفيما يلي أسماء أهمها:

  • (١)
    نصوص الأهرام (pyramid texts): وهي النصوص المخصصة للملوك، والتي زينت بطون وجدران الأهرامات الداخلية. وقد احتوت على تصورات قديمة يمكن أن نسميها «النصوص النجمية»، حيث شرحت كيف يتحول الملك بعد الموت إلى نجم من النجوم القطبية. أما النصوص الشمسية فهي نصوص الأهرامات المتأخرة التي تشرح رحلة الملك بصحبة إله الشمس «رع» اليومية عبر السماء ويمكن الإشارة إلى ترجمة ميرسير لهذه النصوص في أربعة مجلدات (انظر mercer 1952).

    «أما متون الأهرام فهي مجرد أجزاء من الشعائر الجنائزية، تم نقشها في الحجرات السفلية لهرم «أوناس»، ثم لأهرام ملوك الأسرة السادسة. إن الجانب الأكبر منها، طقسي على وجه التحديد، ولا يمت إلى الأدب بصلة إلا من بعيد. ولكن بعض الفقرات والترانيم أو الكلمات الموجهة إلى الموتى، لها قدر من الجمال والسلطان، حتى إن تأثيرهما ما زال يأخذ بالعقول. إن نزعة غنائية فيها شيء من الجموح كانت أحيانًا مصدر إلهام لقصائد منظومة نظمًا سليمًا، وكشفت منذ ذلك الوقت، عن المماثلة والموازنة اللتين تعتبران من القوانين التي شاعت في الشعر، في أنحاء الشرق الأدنى القديم» (دوما، ١٩٩٨م، ٥٣٠).

    figure
  • (٢)
    نصوص التوابيت أو النواويس (coffin texts): وهي النصوص التي جاء أغلبها من الدولة الوسطى ودوَّنت على التوابيت وكانت ضمانًا للمتوفى للاستمتاع بحياة خالدة بعد موته مثل حياة الملوك في نصوص الأهرامات ثم أصبحت بعض التعاويذ الجديدة التي أعدت لنصوص التوابيت الأساس الذي قامت عليه فصول كتاب الموتى الذي يعد أفضل إنجازات الدولة الحديثة في هذا المجال. ولأن نصوص التوابيت كسرت احتكار الملوك للآخرة فقد كانت أكثر شعبية من نصوص الأهرام وارتبطت بالعقيدة الأوزيرية، حيث يتخذ الميت لنفسه اسم «أوزيريس»، وأضاف لها بعض النكهة السحرية من خلال التعاويذ والرقى. وتتكون نصوص التوابيت من عناوين تعاويذ ورقى مثل:
    • (أ)

      تعويذة ضد الفناء في عالم الموتى (أو لتجنب الموت الثاني).

    • (ب)

      تعويذة لتناول الخبز في عالم الموتى.

    • (جـ)

      تعويذة لكفِّ أذى الثعبان والتماسيح.

    • (د)

      تعويذة لاتقاء التعفن والعمل في عالم الموتى.

    وقد قام العالم «دي بك» بنشر هذه النصوص. ونشير إلى الترجمة التي قام بها «ر. أو. فوكنر» (fualkner 1973-7) بثلاثة أجزاء.
  • (٣)
    كتاب الموتى (the book of dead): وهو اصطلاح حديث لمجموعة من البرديات كانوا يشيرون إليها باسم (تعويذ الخروج نهارًا)، وهذا العنوان يوحي بقدرة تلك النصوص على تمكين المتوفى من مغادرة قبره.

    لقد اعتاد المصريون منذ عصر الدولة الحديثة (ابتداءً من القرن السادس عشر ق. م.) أن يزودوا موتاهم بنصوص دينية جنائزية تُكتَب تارة على البردي وتارة أخرى على الرق، ويستعمل في كتابتها إما الخط الهيروغليفي أو الهيراطيقي أو الديموطيقي. وكانت هذه البرديات توضع في صندوق مخصص لها، وأحيانًا توضع بين اللفائف التي تغطي الجثة المحنطة وتتكون إجمالًا من «١٤٠» فصلًا لا تجمعها وحدة فكرية، ولعل أهم هذه الفصول هو الفصل ١٢٥ الذي يؤكد فيه الميت عدم قيامه بأي معصية، وهو يسرد جميع المعاصي بطريقة النفي.

    ويُعتبَر كتاب الموتى إجمالًا مجموعة من الفصول التي تحدد الأخطار التي سيلاقيها الميت في رحلته في العالم الأسفل وطريقة النجاة منها وبعض الصلوات والأناشيد والتعاويذ والرقى. وهو مزود بالصور التوضيحية الباهرة من تلك العصور (انظر أبو بكر، الموسوعة المصرية، ٣٤٤).

    ولعل بردية آني المترجمة للعربية (انظر بدج، ١٩٨٨م) تشكل حوالي ربع نصوص الكتاب الذي نقله والس بدج (انظر Budge 1977) بثلاثة أجزاء.
    figure
  • (٤)
    كتاب البوابات Book of Gates: وهو كتاب جُمع من جدران مقابر ملوك الدولة الحديثة، وينقسم إلى «١٢» قسمًا بقدر ساعات الليل، ويصف رحلة قارب الشمس التي ارتبط بها الملك بعد غروب الشمس في الليل عبر العالم الأسفل المكون من «١٢» بوابة. ويتطابق الملك هنا بأوزيريس أيضًا.
  • (٥)
    كتاب الدار السفلى (ما في العالم الآخر) Books of the Underworld: وهو كتاب مكون من «١٢» قسمًا، وهو رواية أخرى لكتاب البوابات ومقاتلة «رع» لثعبان الظلام أبي فيس.
    figure
  • (٦)
    كتاب الكهوف Book of Caverns: وهو كتاب مكون من «٦» أقسام، والذي يحتوي مع كتاب البوابات على صورة لمحكمة أوزيريس التي يصلها إله الشمس في منتصف الليل وغير ذلك، ويحتوي على كيفية شروق الشمس ودفع الجعران لقرص الشمس كما يدفع كرة الروث التي يضع فيها البيضة.
  • (٧)
    كتاب الليل والنهار Book of the Day and Night: وهو كتاب مجموع من مقابر وتوابيت الدولة الحديثة، ويتعلق بميلاد الشمس من الإله تحوت.
    figure
  • (٨)
    كتاب أكر (Aker) Book of the Earth: وهو كتاب إله الأرض جب.
  • (٩)
    كتاب البقرة المقدسة Book of Holy Cow.
    figure
  • (١٠)

    كتاب الطريقين الذي يشرح ذهاب الميت بعد المحاكمة إلى طريقي الماء والأرض. وهذه الكتب تمثل صفحة واحدة من الروح المصري القديم المتعلق بالعالم الآخر.

    أما الكتب الأخرى التي تمثل الأدب والشعر والطقوس فعديدة ولا مجال في هذا المكان التوسع في الحديث عنها.

  • (١١)

    كتاب أم دوات: «كتاب عما يتضمنه الدوات». إنه بمثابة دليل للطقوس والممارسات التي يتحتم على المتوفى معرفتها عند انتقاله «إلى العالم الآخر». ومن خلاله، يُطالَع وصف لمختلف الأماكن التي تعبرها روح المتوفى، بالإضافة إلى المواقف التي يجب اتخاذها حيال حراس الأبواب، والمعدِّين، «وبه أيضًا الصيغ والوصفات التي تسمح بإبطال فعالية أعداء الضياء والنور. وهو، بطبيعة الحال، مصنف من الممارسات والعبارات الطقسية التي تسمح لكل عضو جديد بعبور الطريق المساري الذي يصفه الكهنة» (تيبو، ٢٠٠٤م، ٤٥).

(٢) الجبَّانات (المقابر والمدافن المصرية)

(٢-١) المدخل الأول لعالم الآخرة (التوات) هو القبر

تطورت المقابر المصرية وتنوعت لدرجة يصعب معها تصنيفها بدقة، ورغم ذلك فإن كلَّ قبر كان يتكون بشكل عام من جزأين، أحدهما تحت الأرض عادة، وتوضع فيه الجثة سواء أكان حفرة صغيرة أو عدة حجرات محفورة في الصخر أو مشيدة من الحجر، والجزء الثاني فوق الأرض ليدل على مكان دفن الجثة، سواء أكان بسيطًا جدًّا مثل جزء من جريدة نخل أو كومة تراب أو قطعة حجر أو كان بناءً بسيطًا أو مكونًا من عدة حجرات أو من هرم ألحقوا به بعض المعابد (انظر فخري، الموسوعة المصرية، ٣٧٢).

تنقسم المقابر بصورة عامة إلى (انظر سبنسر، ١٩٨٧م، ٢٦٠-٢٩٥):
  • (١)

    الحفرة البسيطة: وهي أقدم طراز عرفته مصر، وهو النمط المميز لعصر ما قبل الأسرات. وقد استمر لما بعد هذا العصر عند الناس الفقراء لبساطته، وفي نهاية تلك الفترات ظهرت المقابر ذات الأبنية السفلية المتعددة الغرف، وتؤلف معابد أبيدوس الملكية مجموعة خاصة يمكن وضعها باعتبارها صورًا مكبرة من الحفرة البسيطة وأكثر تعقيدًا منها، حيث قُسمت إلى حجرات داخلية مبنية من الخشب والطوب، ثم بدأ عصر «دن» فأضاف لها المصريون سلمًّا ينزل إلى داخل الحفرة.

    figure
    مقبرة من عصر ما قبل الأسرات المتأخرة ذات مخازن في القسم السفلي منها.

    تخطيط مقبرة أوداجي في أبيدوس.

  • (٢)

    المصطبة: تطور نظام المقابر منذ أيام الأسرة الأولى تطورًا كبيرًا، وأصبح الجزء العلوي لمقابر الملوك مصطبة ضخمة تعلو حجرات كثيرة، وفي وسطها حجرة يدفن فيها الميت وتحيط بها حجرات أخرى يضعون فيها الأواني والأدوات، وأهم الجبانات الملكية لملوك الأسرتين الأولى والثانية نجده في أبيدوس وسقارة (انظر فخري، الموسوعة المصرية، ٣٧٣)، وأثناء الأسرة الثالثة تطورت المقابر في الإقليم المحيط بالعالصمة ممفيس تطورًا سريعًا سمح لها بتطبيق فكرة البئر الراسية النازلة إلى غرفة الدفن بدلًا من السلم. وقد تم هذا التحول على عدة مراحل، استخدم فيه السلم مع البئر الجديدة، أو تنزل فيها البئر في درجتين كبيرتين أو ثلاث.

    ومع ما لحق القسم السفلي من المقبرة من تطور أخذ المصريون في تعديل الجزء العلوي، حيث تعقد تصميم كوة تقديم القرابين لتتحول إلى مقصورة حقيقية مسقفة عادة ما تبنى على شكل الصليب.

    ولعل أشهر مقصورة ملكية هي مقبرة شبسكاف آخر ملوك الأسرة الرابعة، وهو الملك الوحيد من ملوك الدولة القديمة الذي لم يشيد مقبرته الملكية على شكل هرم.

    وهي مصطبة كبيرة، كانت مكسوة بغطاء من الحجر الجيري الأملس وللمصطبة معبد جنائزي في الجانب الشرقي منها، وعلي مقربة من مصطبة فرعون توجد بعض المقابر لكهنة هذا الملك وبعض كبار الموظفين في عهده وفيما تلا تلك العصور (انظر مختار، الموسوعة المصرية، ٣٧٠).

    figure
    تخطيط مقصورة مصلبة من الأسرة الثانية.

    رسم تخيلي لمصطبة فرعون والقبر الملكي لشبسكاف على هيئة تابوت كبير.

  • (٣)

    المقاصير المنحوتة في الصخر: وتحتوي على لوحة الباب الوهمي التي يمكن للكاهن أن يرتل تعويذة القرابين أمامها، وربما غُطيت جدرانها بالصور الملونة أو النقوش التي تمثل المواضيع الشائعة في مقابر الدولة القديمة.

    وهناك أمثلة متميزة من الدولة الوسطى على المقاصير الجنزية المنحوتة في الصخر والمزينة بالنقوش، وكان التخطيط العام لها يتميز بوجود واجهة فخمة غالبًا ما تتقدمها صفة معمدة، وبها صالة واسعة ذات أعمدة منقورة في الصخر في نهايتها مقصورة تحتوي على تمثال.

    وقد أبرز وضع المقصورة في نهاية المقبرة الطبيعية المحورية لتخطيط المقبرة وأدى إلى ظهور مقصورة تحاكي شكل المعبد الصغير وتحتوي مقابر حكام بني حسن في الأسرة الثانية عشرة على مقاصير ضخمة جدًّا بها أعمدة مضلعة مقناة رُتبت ترتيبًا متناسقًا ومتوازنًا حول المحور الأوسط.

    بينما لم تكن مقابر طيبة وأسوان الصخرية سوى دهاليز ضيقة منحوتة في صخور المنحدرات الجبلية وتخترقها لمسافات كبيرة.

    وكانت إضافة فناء في الخارج أمرًا مألوفًا ويؤدي إليه طريق مع بناء من الأعمدة يمتد إلى نهاية الفناء أو يتم تشييد نصبين من الطوابق إزاء المنحدر الصخري عند مدخل المقبرة. وقد بالغ أمراء «قاو» في بناء مثل هذه الطرق المعمدة والمسقوفة التي تؤدي إلى مقاصير الدفن.

    figure
    المقاصير المنحوتة في الصخر.
  • (٤)

    المقبرة الهرمية (الأهرام): لا شك أن دراسة الأهرام تحتاج إلى مجلدات كثيرة لكي تُوفَّى، حقها فهي واحدة من أعظم الآثار الإنسانية على الإطلاق.

    إن الأهرامات هي مقابر عظمى للفراعنة الذين كانو يعدون أنفسهم آلهة، ولذلك فهي في تعبير مجازي يمكن أن تكون مقابر آلهة.

    ويمثل هرم زوسر المدرج في سقارة (الذي ابتكره الوزير المعماري «أمحتب» عن طريق بناء مصطبة زاد عليها مصاطب أقل حجمًا حتى تكوَّن هرم مدرج مكون من ست طبقات. وهناك من الباحثين من يرى أن هذا الطراز من البناء متأثر بالزقورات السومرية التي كانت معبدًا للآلهة، ولكن رأيًا ثالثًا بأن أصل الشكل الهرمي المدرج هو الكوم المدرج الذي كان المصريون يقيمونه من الطوابق، والذي اكتشف داخل المصطبة رقم ٣٠٣٨ من الأسرة الأولى في سقارة.

    figure
    قطاع في هرم زوسر المدرج، من الشمال إلى الجنوب.

    ويمثل هرم ميدوم الذي بُني في نهاية الأسرة الثالثة أو بداية الرابعة مرحلة الانتقال من الهرم المدرج إلى الهرم الصحيح، ويتكون هرم ميدوم من سبع درجات زيدت إلى ثمانٍ، ثم مُلئت المسافات بينها بأحجار ليصبح أول هرم ذي جوانب مستقيمة، ويمثل ذلك الهرم أقدم نموذج للمجموعة الهرمية النمطية في الدولة القديمة بما فيها معبد جنزي في الجانب الشرقي من الهرم، وطريق صاعد مؤدٍّ إليه، ومعبد في الوادي ويهبط ممر المدخل في هرم ميدوم من فتحة في الناحية الشمالية حتى ينتهي إلى بئر رأسية تؤدي إلى غرف الدفن.

    figure
    قطاع في هرم ميدوم.

    وتنتظم سطوح الأهرامات الخارجية مع هرم «سنفرو» في دهشور، ولكن بقايا التدرج يظل في السقوف المدرجة الظاهرة على هيئة القبو المدرج مثل هرم ميدوم، وأهرام دهشور الحجرية ضخمة الحجم، ويكاد الهرم الشمالي منها يماثل في حجمه هرم خوفو في الجيزة.

    وتصل الأهرام إلى ذروة بنائها المعماري في الجيزة، وخصوصًا مع هرم خوفو (ارتفاعه ١٤٦م) وهرم خفرع (١٤٠م) وهرم منكاورع (٦٦م).

    وإذا كانت الأهرام اختراعًا خاصًّا بالدولة القديمة، فإنها لم تنقطع بل ظلت تقليدًا جنزيًّا في الدولة الوسطى، وكان لمقابر ملوك الأسرة الحادية عشرة في طيبة أهرامات صغيرة من الطوب تعلو غرف الدفن المنقورة في الحجر، ولكن لم يصل منها إلينا إلا القليل.

    وتطورت أهرامات الدولة الوسطى باتجاه تغير وإخفاء المدخل الشمالي ولكنها انحطت في مادة البناء التي صارت من اللبن وليس من الحجر، وصاحب هذين القبرين مجموعة معقدة من الدهاليز الداخلية واستحداث وسائل جديدة لإغلاقها وتخفيف ثقل مادة الهرم عن سقف غرفة الدفن عن طريق بناء سقف جملوني ضخم من الجاديل وإقامة عقود طوبية، كما استحدث نظام إنزال كتل الأحجار الثقيلة عن طريق إزاحة الرمال التي ترتكز عليها كما في هرم هوارة.

    figure
    قطاع في غرفة دفن هرم هوَّارة.

    وفي الدولة الحديثة تقلص شكل الأهرام وأصبحت عبارة عن بنايات من الطوب المكسو بالملاط الأبيض، تعلوها أحجار مدببة في القمة تحمل بعض النقوش، وقد عثر على أهرامات طوبية صغيرة في مقابر الأفراد في أبيدوس من عصر الأسرة الثلاثين وهي مقابر هرمية أكثر من مثيلاتها من الدولة الحديثة في طيبة، حيث إن غرفة الدفن موجودة داخل أهرامات أبيدوس وليست مجرد مبانٍ تعلو المقبرة والمقصورة المحفورتين في الصخر.

    وللكثير من تلك الأهرام الخاصة زوايا أكثر حدة من زوايا الأهرامات الملكية القديمة (حوالي ٥٢)، حيث نرى للأهرام الملكية السودانية في نبات ومردي في النوبة زوايا أكثر حدة، حيث تنفرد هذه الأهرام بأسلوب خاص في تطويرها وتتألف أساسًا من غرفة دفن منقورة في الصخر تحت الهرم، ويؤدي إليها سلم ودهليز وفوقها المقصورة الجنزية.

    figure
  • (٥)

    المقاصير الجنزية المبنية: وهو طراز متأخر في تاريخ تطور المقبرة المصرية، حيث ترجع أقدم أمثلته إلى الدولة الحديثة، وتحتوي المقبرة على مقصورة لتقديم القرابين، وهو امتداد لتطور المصطبة الجنائزية، حيث استبدلت بكتلتها الصماء غرف لتقديم القرابين، وقد رُتبت تلك الغرف ترتيبًا محوريًّا، وأهم المقاصير مقبرة «حور محب» في سقارة التي استخدمت فيها الأقبية وسقوفها الخشبية وحيطانها المكسوة بالأحجار المزخرفة وأعمدتها المبنية بالحجر الجيري الأبيض حول أفنيتها. وتقع المقبرة في جزء من جبانة سقارة يضم الكثير من المقابر من النوع نفسه. ضمن مقبرة ضخمة من الدولة الحديثة. ويمكن النزول إلى الجزء الأسفل من المقصورة الجنزية عبر آبار محفورة في أفنيتها تؤدي إلى غرف الدفن المنقورة في الصخر. وليس الجزء السفلي بالكبير؛ إذ لا يتألف من سوى غرفة أو غرفتين حول قاعدة البئر. ولكننا نجد في مقابر الأثرياء، مثل «حور محب»، غرفًا للدفن أوسع وأرحب وممتدة لمسافات كبيرة أسفل المقبرة.

(٢-٢) التحنيط

كان التحنيط طقسًا جنائزيًّا خاصًّا بالمصريين لم يشاركهم فيه أي شعب من الشعوب القديمة، وسنتناوله ضمن طقوس ما بعد الموت، ولكن الأمر المكمل لموضوعنا هنا هو الأثاث الجنائزي الذي كان يوضع في المقابر، وهو يختلف باختلاف طبقة المتوفى وزمنه، فالإنسان العادي كانت ترافقه أوعية الماء والطعام لاعتقادهم بأنه يحتاج إليها في العالم الآخر لكي يكمل مسيرته الحياتية. وكان الأساس الجنائزي مكونًا من الأرائك والصناديق والمقاعد والتماثيل والأوشباتي (وهي آلهة الموت التي لها علاقة بالكا)، ونماذج من تماثيل النساء والخدم ونماذج القوارب. أما الملوك فكان أثاثهم باذخًا، ففي عصر الدولة القديمة تكوَّن أثاث الملكة «حتب حرس» أم الملك خوفو من تابوت مرمري وصندوق أحشاء مرمري وسرير وعريش ومحفة وأوانٍ من الذهب والنحاس والمرمر وحلي من الفضة. وفي الدولة الحديثة ازداد الأثاث الجنائزي بذاخة وأبهة، ولعل مقبرة توت عنخ آمون أفضل مثال لذلك، ورغم أوعية الماء والشراب لم تكن هذه المؤن كافية، «فمنذ زمن الدولة القديمة كانت جدران المقبرة أو على الأقل التابوت تغطى برسوم لكل أنواع الأشياء التي يمكن أن تتحول بالسحر إلى أشياء حقيقية تخدم الاحتياجات الأساسية للمتوفى. وكان من المعتقد أن نفس هذه القوة السحرية تكمن في النقوش الكثيرة التي تنقش في مقابر الأثرياء، حيث يُرى المتوفى جالسًا إلى مائدة محملة بالعطايا أو يشاهد ذبح وتقطيع ماشية القرابين أو الفتيات الفلاحات وهن يحملن القرابين من مقاطعته الجنائزية» (ستيندروف، ١٩٩٠م، ١٦٨). ومن المعتقدات لما بعد الموت أن المتوفى يحتاج بالإضافة إلى الطعام، إلى المجوهرات والملابس والأسلحة اللازمة لحماية المتوفى من أعدائه.

أما فيما يخص أجزاء الجسد اللاهوتية فقد كانوا يعتقدون أن الجسد (الخات) يتحول إلى مومياء بعد التحنيط ثم يتحول اﻟ «سعحو sahu» وهو الجسد الروحاني الصاعد إلى السماء والذي لا يقبل الفساد، حيث يخرج رأسًا من الضريح ويشق دربه إلى السماء ويقيم مع الآلهة، وحين يقول للميت في كتاب الموتى: «إني أوجد، إني أوجد، إني أحيا، إني أحيا، إني أنشأ إني أنشأ»، أو حين يقول ثانية: «إني أنشأ كالنباتات. فإنه لا يعني أن جسده الفيزيائي أخذ بتأسيس البدايات لجسد آخر يضارع الجسد القديم، بل هو يقصد جسدًا روحانيًّا» لا عيب فيه. ومثل رع لن يكابد النقصان إلى الأبد. وإلى داخل السعحو تلج النفس التي كانت قد عاشت في جسد المرء على الأرض» (بدج، ١٩٨٥م، ٢٠٠).

أما البا فتلتحق أيضًا بالسماء مباشرة وتتحد بالشمس ولا تزور القبر إلا أحيانًا في النهار، ولكن اﻟ «كا» هي التي تلازم قبر المتوفى، وتأكل وتشرب وتستمتع برائحة البخور وتحتاج إلى تماثيل «الأوشباتي» التي هي مومياوات مزودة بآلات الحقل أو الرموز المقدسة لتقوم بالعمل نيابة عن المتوفى. ويكتبون اسمه مع صيغ سحرية تعطيها الحياة وتمكنها من القيام بواجباتها المحددة.

(٣) مصير الروح وعالم السماء

(٣-١) عالم السماء (اللاهوت الجنائزي النجومي والشمسي والأوزيري)

يبدو أن أقدم لاهوت جنائزي متكامل ظهر في مصر كان لاهوتًا نجوميًّا، وقد بقيت منه شذرات متفرقة في نصوص الأهرام، وهي أقدم نصوص جنائزية مصرية، فقد سبقت النجوم صورة الشمس في تشكيل هذه العقائد التي ارتبطت بالملوك، حيث يتحول الملك الميت إلى نجم من النجوم القطبية التي كانت تعتبر رمزًا للديمومة لأنها لا تأمل أبدًا كما أنها تتمتع بثبات نسبي كبير في موقعها في السماء، ويفسر هذا الأمر السبب الذي جعل المصريين يبنون معابد أهراماتهم الأولى في الجانب الشمالي منها كما نرى في أهرامات الأسرة الثالثة المدرجة، وقد حددت تلك الفكرة موقع مداخل الأهرامات في الجانب الشمالي طوال فترة الدولة القديمة (انظر سبنسر، ١٩٨٧م، ١٦٠).

أما نصوص الأهرام المتأخرة فتتحدث عن صحبة الملك لإله الشمس رع أثناء رحلته اليومية عبر السماء، وهكذا اعتقاد جديد جاء مع عقيدة الشمس التي أصبحت رسمية مع الأسرة الخامسة، لكن المصريين استمروا في توجيه مداخل أهراماتهم نحو النجمة القطبية رغم اندثار الفكرة القائلة بحياة الملك هناك.

إن اللاهوت الشمسي ينقل الملك من قبره أو هرمه دون المرور بمرحلة الحساب إلى قارب الشمس مع إله الشمس «رع»، ويبدو أنه كان يقوم بتجديف القارب نحو الغرب. وتشير هذه الفقرة إلى اللاهوتين النجمي والشمسي معًا.

«لتتطهر، وتحتل مقعدك في زورق رع
حتى تجدف عبر السماء
وتصعد إلى النائين
لتجدف مع النجوم التي لا تفنى
ولتبحر مع النجوم التي لا تعرف الكلل
ولتتسلم حمولة قارب الليل».
(سبنسر، ١٩٨٧م، ١٦١)

وكان اللاهوت النجمي يعطي أهمية خاصة لنجوم أخرى كالشعرى اليمانية والجبار ونجمة الصباح، وكانوا يرون أنها إلهة تركت الأرض على نحو ما فعل إله الشمس «أما هذا العدد الذي لا يتناهى من النجوم التي لا اسم لها، والتي تحيط بتلك النجوم القليلة، فما عساه يكون؟ لا نزاع في أن هذه النجوم ما هي إلا موتى أو أرواح سعيدة وجدت طريقها إلى السماء، حيث ظلت في سناء دائم إلى جانب الآلهة، لقد مد إليهم يده الإله العظيم، سيد السماء، أي الإله رع، أو لقد أخذتهم إليها آلهة السماء ونظمتهم بين ما لا يفنى من نجوم جسدها، وقد يتمثل الميت في شكل ذلك النجم الوحيد الذي يشرق في الجانب الشرقي من السماء، والذي يجوب السماء في صحبة الجبار والشعرى اليمانية» (إرمان، ١٩٩٥م، ٢٩٢).

ويبدو أن المتوفى يطير إلى السماء على شكل طائر برأس صقر وجناحي إوزة، وهناك تضعه الإلهة نوت إلهة السماء نجمًا عليها بعد أن يعترضه ثور عظيم بقرنيه، لكنه يعبر، ثم يضيء جسده ويتحول إلى نجمة.

وفي العقيدة الشمسية يذهب إلى زورق الشمس ويجلس في مقدمتها ويبحر به المسيطرون على الدفة، ويقود أحد هؤلاء، ويعينه تحوت في الليل الذي هو صورة ليلية لرع. وهكذا لم تنشأ في ذلك الزمن بعد أفكار الهبوط بالشمس إلى تحت الأرض بعد الغروب. أي إن الميت كان نهارًا يرافق رع وليلًا يرافق تحوت (إله القمر والحكمة).

إن مجيء الملك إلى السماء لم يكن حدثًا عاديًّا عند الآلهة الذين في السماء، بل هو حدث عظيم ومفاجئ في الوقت نفسه:

«أي ست ونفتيس! أسرعا وأعلنا إلى آلهة الجنوب وممجديهم: قد أتى ممجد لا يفنى إنه إذا شاء لكم الموت فتموتون، وإذا شاء لكم الحياة فإنكم تعيشون» (إرمان، ١٩٩٥م، ٢٩٥).

ويتجه أوزيريس وإيزيس إلى الشمال وتحوت إلى الغرب وحورس إلى الشرق، وهكذا يعلن النفير بين هذه الآلهة الستة ثم يقال:
«أي رع أتوم
إن ابنك يغدو إليك
إنه يغدو إليك
إنك تسكنه عندك وتضمه بين ذراعيك
إنه ابنك من جسدك إلى الأبد.»
(إرمان، ١٩٩٥م، ٢٩٥)

وأحيانًا تغالي نصوص التوابيت في أهمية الملك المتوفى ولا تساويه بالآلهة أو تفضله عليها فحسب، بل تجعله كصائد يصطاد النجوم ويلتهم الآلهة الممجدين، فيعيش على آبائه ويتغذى بأمهاته، فيطبخهم في قدور ويأكل في الصباح كبارهم وفي المساء أوسطهم وفي العشاء صغارهم، أما الشيوخ والعجائز من الآلهة فيكونون الوقود لهذه القدور، وهكذا يبتلع الملك الميت أرواحهم ويأكل قلوبهم وتيجانهم وسحرهم وقوتهم وعقولهم وبذلك يتشبع جسمه بالآلهة فيصير أعظم منهم جميعًا، مثل الملك يونس (يؤانس).

ويبدو أن اللاهوت النجمي كان يشمل جميع الأبرار والصالحين، إضافة إلى الملوك. بالوصول إلى النجوم العظيمة وأن يكون مثلها. أما اللاهوت الشمسي فقد اعتنى بالملوك فقط وجعلهم رفقاء الإله رع.

واشترك اللاهوتان النجمي والشمسي في تشخيص حلقين سماويين محددين للأبرار والصالحين من البشر وهما:
  • (١)

    حقل الأطعمة: وهي جزيرة سماوية تحيط بها المياه السماوية (مياه المجرات) ويتوفر فيها الطعام بكثرة.

  • (٢)

    حقل يارو: وهو حقل الأسل وحقل القصب.

figure
حقول الإليزيه للمصريين وفقًا لبردي إني (سلالة الثامنة عشرة). The Elysian Fields of the Egyptians according to the Papyrus of Ani. (XVIIIth dynasty).

وفي هذه الجنة السماوية هناك نباتات الحياة التي كانت تنمو قرب البحيرة العظمى سيخت حتب، وهناك القمح الأبيض والشعير الأحمر ينموان بكثافة لارتفاعات كبيرة، وحيث تمتلئ عدة أنهار بالمياه، ويوجد ما يسر النفس. وهناك طعام وخمر الخلود اللذان لا يتلفان ولا ينالهما القدم، وهناك أيضًا شجرة التين المباركة وعنب الجنة والفاكهة والطعام الذي يأكله الأبرار هو الذي ينمو على فروع شجرة الزيتون التي تظللها عين حورس، ثم إن الأبرار يكتسون بثياب تشبه تلك الثياب التي للآلهة فهي ثياب كتان بيضاء وينتعلون صنادل بيضاء. (انظر بدج، ١٩٩٤م، ١٩٢).

وهكذا تحتوي الجنة السماوية المصرية كلَّ عناصر الجنة التي ذكرتها الأديان السماوية اللاحقة. بل ويضاف إلى ذلك ذكر الربات اللائي يشبهن الحور العين والتراتيل السماوية التي تشكل أغنى الآلهة وتسبيحاتها للإله العظيم أثناء أداء عملها.

كانت الجنة تسمى أرض إيالو (يارو) أي (أرض القصب) وهي «مكان تذوق السعادة في الحياة الأخروية»، «جنة»، في «نصوص الأهرامات» أرض إيالو هي مكان انبعاث الفرعون الميت، وتتماثل مع أوزيريس، والتصورات عن أرض إيالو في النصوص تختلط مع التصورات عن الدوات، الموجود وفقًا لمعتقدات عصر الدولة القديمة في الأجزاء الشرقية من السماء (في المكان الذي ينبعث فيه أوزيريس والفراعنة، ورع-الشمس)، وتشكلت مع بداية الدولة الوسطى نماذج الدوات السفلى، وتتناسب مع أرض إيالو السفلية، ومنذ عصر الدولة الوسطى تماثل مع أوزيريس أي إنسان ميت، أرض إيالو-«واحة» في الدوات، حيث يذهب إليها الميت بعد البراءة في محكمة الأموات» (راك، ٢٠١٠م، ١٥٤).

لقد كان المصري يتخيل الأبرار والملوك في هذه الجنة السماوية وهم في أرفع مقام بحيث يقوم الآلهة بخدمتهم والحرث ومراقبة المحاصيل والعمل بدلًا عنهم، أما هم فيتلذذون بالطعام والشراب ويلبسون الملابس النظيفة البيضاء والصنادل البيضاء ويعيشون برفاه واستسلام وسلام بدون حرب أو شغب أو كفاح.

وكان في الجنة من الإلهات اللائي يزودن الميت بطعام طاهر، فإذا أتى إلى نوت أو الحية التي تحمي الشمس، تحييه كلٌّ منها كأنه ابنها، وتعطف عليه وتدني له ثدييها لترضعه، وهكذا يعيش ويعود من جديد طفلًا وهو يذهب إلى والدتيه الرحيمتين ذواتي الشعر الطويل والأثداء الناهدة، واللتين تجلسان على جبل سحسح فتمدان ثدييهما إلى فمه ولا تفطمانه أبدًا (انظر، إرمان ١٩٩٥م، ٢٩٧).

أما الوصول إلى تلك الجنة فقد كان من خلال تحول الميت إلى طير أو صعوده إلى الجبال التي تلامس قممها أرضية الجنة الحديدية أو من خلال سلم يستخدمه المتوفى عندما يحتاجه، ولذلك ظهرت نماذج السلالم في المقابر، وكان المصريون يتصورون أن طرق السماء الجميلة مليئة بالمياه، ولذلك تأملوا في عطف الصقور المقدسة كصقر حور وأبي منجل (طائر تحوت المقدس) لتنقلهم إلى سفينة الشمس أو الجنان، وكان أغلبهم يعتمد على «نوتي حقل يارو» المسمى «الملتفت إلى ورائه» والمستدير بوجهه.

figure
(Budge 2004: 198).

أما اللاهوت الأوزيريسي السماوي فيظهر مبكرًا في نصوص الأهرام وهو لا يتضمن حسابًا للمتوفى (كما في اللاهوت الأوزيريسي السفلي) بل اندماجًا في شخصية الإله الميت أوزيريس وصعودًا إلى السماء أيضًا. إنه، بلغة أخرى، نوع من اللاهوت السماوي يختلف عن اللاهوت الأوزيريسي الذي سيظهر في كتاب الموتى (حيث العالم السفلي).

«ولا شك أن هذا اللاهوت يعتمد على الأسطورة المعروفة لأوزيريس الذي أصبح الملك الوحيد للمتوفين جميعًا وسيد مملكة الموتى، فقد كان المتوفى يلقى المصير نفسه الذي تلقاه الإله أوزيريس، وسيبعث كما هو من جديد، لا على شكل شبح خيالي، وإنما في بعث مجسد، ذلك لأن الآلهة جمعت معًا عظام أوزيريس ثم ضمت رأسه إلى عظامه، وعظامه إلى رأسه، وعلى هذا النحو سوف يجري الأمر مع الإنسان الميت إذا اعتبرك أوزيريس جديدًا. إن عظامه لا تزال مبعثرة لا حراك فيها، غير أن نوت، أم أوزيريس لا تلبث أن تقترب منه لتضم عظامه من جديد: إنها تعطيك رأسك وتجلس لك عظامك وتجمع لك أعضاءك وتضع قلبك في جسدك» (إرمان، ١٩٩٥م، ٣٠١).

ولنلاحظ أن لا علاقة لإيزة (إيزيس) بقيامة أوزيريس والميت، بل بأمه نوت، ثم يقوم جب أبوه بفتح فمه ليتكلم، ثم يقوم تحوت وحورس بإيقافه ووضعه فوق ظهره وتصيح الآلهة التسعة في سخرية: احمل من هو أعظم منك.

ثم يقوم رع وحورس وينصبان للمتوفى سلمًا يرقى عليه إلى السماء ويذهب إلى قصر السماء ويعتلي عرش أوزيريس ويمسك صولجانه وتقف أمامه الإلهتان إيزيس ونفتيس.

وهكذا يُبعَث المتوفى، في هذا اللاهوت، لا مع النجوم القطبية ولا في زورق رع بل في قصر أوزيريس ويحكم مثله. وهذا اللاهوت يعتمد على أسطورة قديمة لصعود الإله أوزيريس إلى السماء.

figure
(Budge 2004: 214).
figure
(Budge 2004: 197). Budge, E. A. Wallis: Egyptian Ideas of the Future Life, Character set encoding: ISO-8859-1, Produced by Ben Courtney and PG Distributed Proofreaders, February 25, 2004 [EBook #11277].

(٣-٢) العالم السفلي (اللاهوت الأوزيري: الحساب والجنة والنار)

مع متون التوابيت وبرديات كتاب الموتى تدخل إلى لاهوت جديد يحتفي بالعالم السفلي (تحت الأرض) ويترك السماء التي احتفت بها نصوص الأهرام. وقد كان السبب المباشر في شيوع هذه المفاهيم الديمقراطية الدينية وكسر احتكار الفراعنة للبعث والقيامة وشمول أفراد الشعب بامتيازات ما بعد الموت. ولكن ذلك لم يكن سهلًا ولم يكن يسيرًا ولا مبهجًا تمامًا، فقد أدخلت فكرة وعالم الحساب إلى موضوع البعث والقيامة. وترتب على ذلك ظهور جنة للمحسنين ونار للمخطئين. كلُّ هذا تحت الأرض في عالم سفلي يلي القبر مباشرة.

(أ) مرحلة الحساب (محاكمة الميت)

انعكست ظلال أسطورة أوزيريس وست وصراعهما على عقائد ما بعد الموت، وخصوصًا مشهد المحاكمة التي ضمت الآلهة في هليوبوليس، وحاول ست أن يقاضي أوزيريس المتوفى (بعد أن انتصرت المحكمة لحورس) وقامت الآلهة بقيادة تحوت في الانتصار لأوزيريس، مثلما انتصرت لحورس ودافع أوزيريس عن نفسه إزاء التهم التي وجهها ست له، وكانت مرافعته مؤثرة، ظلت في أذهان الناس ثم تسللت تدريجيًّا إلى الإسكاتولوجيا المصرية وأصبحت جزءًا من عقائد ما بعد الموت؛ لأن أوزيريس بعد أن انتصر على ست في المحاكمة ووضع رجله على ست ارتفع بعدها إلى السماء، حيث حكم هناك.

«ويذكر إرمان أن هذا التصور قد أدى إلى أن أصبح يرجى أن يبرر تحوت الميت كذلك بصفته أوزيريسيًّا جديدًا كما أن أوزيريس قد وجد محقًّا، فقد وجب أن يثبت أن الميت كذلك طاهر مبرأ من كلِّ إثم، وإلا فكيف يمكن استقباله في مملكة ذلك الإله الذي كان يدين بسلطته لبراءته من الخطايا؟ وفي هذا مظهر خلقي وجد سبيله من أسطورة أوزيريس إلى العقائد المصرية. ومنذ ذلك الوقت لم يعد الرجل القوي والشريف هو الذي ينتصر في الموت، وإنما هو الرجل المحق البريء من كلِّ ذنب» (إرمان، ١٩٩٥م، ٣٠٩).

ولذلك يتحوَّل أوزيريس هنا إلى قاضي قضاة محكمة الموتى، وكذلك يتحوَّل الميت إلى أوزيريس أيضًا، فالقاضي هو الإله الحاكم لمملكة الموتى، والميت هو أوزيريس الميت قبل بدء المحاكمة.

ويرى سبنسر أن الرحيل إلى العالم الآخر أشبه بدخول امتحانٍ عرفت أسئلته مقدمًا. وفي حوزة المرء ورقة بالإجابات الصحيحة، لأن الميت كان يزود ببردية مكتوب فيها جميع ما هو مطلوب منه وكيف عليه أن يجيب عندما يُسأل في المحاكمة.

وعند مراجعتنا لكتاب الموتى (الفصل ١٢٥) نجد شرحًا وافيًا للمحاكمة التي تجري، وهي مكونة من:
  • (١)

    أوزيريس الجالس على عرشه باعتباره قاضي المحكمة.

  • (٢)

    أبناء حورس ورموزهم المعروفة يقفون على زهرة لوتس.

  • (٣)

    آكل الموتى، وهو حيوان خرافي على شكل تمساح من الأمام وأسد من الوسط وفرس نهر من الخلف، ويسمى «عمعم» أو «باباي» وربما «بعبع» ويدل على ست.

  • (٤)

    اثنين وأربعين قاضيًا.

  • (٥)

    أنوبيس يمسك ميزان العدالة.

  • (٦)

    الإله تحوت وهو يسجل نتائج وزن القلب والحساب.

  • (٧)

    ماعت (إلهة العدالة) وهي تستقبل المتوفى.

وتتكون من بهو كبير زُيِّن سقفه بلهب نيران وعلامات الحق وتبدأ المحاكمة بوزن قلب الميت، حيث يوضع في الكفة اليسرى من ميزان العدالة وريشة ماعت في الكفة اليمنى، ويقوم أنوبيس الذي له رأس ابن آوى بعملية الوزن ويسجل تحوت النتيجة.

وفي حالة كون القلب أثقل من الريشة فهذا يعني وجود خطايا كثيرة، ويخبر الإله تحوت النتيجة للقضاة الاثنين والأربعين، ثم يقوم الميت بمخاطبتهم واحدًا واحدًا وعليه أن يعترف لهم. وكان هؤلاء القضاة على ما يبدو يشربون دم المخطئين أمام ننفري.

وهذا جزء من النص الذي يخاطب به الميت هؤلاء القضاة بأسمائهم ويسمى ﺑ «الاعتراف السلبي» الذي يتضمن بشكل ثابت ما يلي: «كلمة الإله القاضي (وهنا ترجمة معنى هذا الاسم)، المكان الذي أتى منه، نفي خطيئة معينة».

«هلا … يا من خطوتك واسعة، يا من أتيت من أنو، إني لم أرتكب إثمًا.
هلا … يا من يحيطك اللهيب يا من أتيت من خرعحا … إني لم أسرق بالإكراه
هلا … يا صاحب الأنف، يا من أتيت من خمن … إني لم أسطُ …
هلا … يا ملتهم الظلال، يا من أتيت من كرنيت … إني لم أقتل ولم أرتكب أذى …
هلا … «نيهو»، يا من أتيت من رستاو … إني لم أختلس القرابين.
هلا … الإله الأسد المزدوج، يا من أتيت من السماء. إني لم أقتطع التقدمات.
هلا … يا من لك عينان من نار، يا من أتيت من ست ساوت … إني لم أسلب إلهًا.»
(بدج، ١٩٨٨م، ١١٧)

ويجمل الدكتور فيليب عطية بردية آني، في هوامشه، وهذه الخطايا كما يلي: (بدج، ١٩٨٨م، ٢٢٢).

  • (١)

    إعلان البراءة من الكبائر وجرائم العنف التي تهدد المجتمع كالقتل والسرقة، السطو، الزنى … إلخ، وهي الجرائم التي يتدخل القانون الوضعي عادة ضد من يرتكبها في أي مجتمع منظم.

  • (٢)

    إعلان البراءة من الأعمال التي تمسُّ الضمير كالكذب والغش والخداع والوشاية … إلخ، وبعض هذه الأعمال يتطلب حسًّا أخلاقيًّا راقيًا ليتمكن صاحبها من تجنبها.

  • (٣)

    إعلان البراءة من الأعمال التي تمسُّ العرف الاجتماعي فيما يتصل بالأسرة والدين والمجتمع.

المرحلة اللاحقة بعد المحاكمة هي إعادة أعضاء المتوفى إليه كالفم والذاكرة والقلب … إلخ.

(ب) النار والجنة في الآخرة المصرية

تشير بقايا اللاهوت الشمسي في كتاب الموتى إلى أن الموتى الصالحين يلتحقون مباشرة بحقول «يارو» السماوية ويصعدون إلى السماء ويلتحقون بزورق رع.

«ويتحدثون في بعض الأحيان عن قصر خاص للشمس في السماء مكانه في حقول «إيارو» أو في المنطقة الباردة، ويطلقون على هذا القصر اسم «قاعة أتوم» أو «دار حورس»، ويعتبرونه بمثابة قصر حاكم العالم تتردد عليه الآلهة ليتلقوا الأوامر كما يبقون فيه، حيث تقدم لهم المآكل — تمامًا كما يحدث في بلاط ملك الأرض بالنسبة إلى رجالات الدولة — ويبقى علينا الآن أن نذكر صورة أخرى تخيَّلها المصري عن الشمس، وذلك بالنسبة إلى الاعتقاد القديم الذي يجعل من إله السماء معبودًا له عينان متقدتان. ومن الغريب أن حورس نفسه لم يذكر إلا نادرًا، على حين كثر الحديث عن «عينيه اللتين يحملهما ما في جبينه» وهما الشمس، وسميت عين الشمس، والقمر وسمي عين حورس» (إرمان، ١٩٩٥م، ٤١).

أما اكتمال اللاهوت الأوزيري فنراه في كتاب «الطريقين» «الذي يشير إلى أن هناك سبيلين بعد محاكمة الموتى يؤديان إلى مملكة الأبرار (الجنة الأوزرية) أحدهما عن طريق الماء، والآخر عن طريق الأرض وكلاهما يتعرَّجان، غير أنك لا تستطيع أن تعرج من أحدهما إلى الآخر لأن بينهما بحرًا من نار، وهناك كذلك طرق جانبية لا ينبغي سلوكها لأنها تؤدي إلى النار أو هي طرق ملتوية. وقبل السير في أحد هذين الطريقين يجب أن يمضي الميت من باب النار» (انظر إرمان، ١٩٩٥م، ٣١٨).

ويشير هذا الكتاب بوضوح إلى الجنة والنار والطرق المؤدية إليهما.

ويبدو أن فكرة اختراق النار تطورت مع الزمن وغذاها اللاهوت الشمسي الذي اقترح طريقًا معقدًا ومطولًا للشمس بعد الغروب وفي الليل وحتي الشروق في العالم الأسفل. ورأى أن الميت يندمج هنا بالإله رع من جهة والإله أوزيريس من جهة وبذلك يتصالح اللاهوتان الشمسي والأوزري تمامًا. ومن أجل ذلك ألَّف الكهنة كتابين لهذا الغرض هما «كتاب البوابات» و«كتاب ما في العالم الآخر» يصفان رحلة «الميت الشمسي الأوزري» عبر اثنتي عشرة ساعة. وقبل ذلك سنصف الجنة الأوزيرية السفلى التي يصل إليها عبر طريقي الماء والأرض وبينهما طريق النار.

تسمى هذه الجنة ﺑ «حقول القرابين» أو «حقول البوص» وهي مكان يحيا فيه الأرواح في هناء وخير عميم، ولقد صورت تلك الجنة على نسق أرض مصر فتظهرها رسوم أوراق البردي الجنزرية مقسمة إلى أحواض تفصلها قنوات الري، وهي إحدى ملامح الريف المصري المميزة.

ويقوم الموتى فيها بمهام الزراعة تمامًا كما في الحياة الدنيا مثل الحرث والبذر والحصاد وسط الحقول وبين قنوات الري (انظر سبنسر، ١٩٨٧م، ١٧١-١٧٢).

ويبدو أن الجنة الأوزرية لم تكن بفخامة الجنة الشمسية السماوية، فهي تعكس أحلام الفلاحين والمزارعين بحقل مثالي، فقد كانت تخلو من الحشرات، وينمو فيها القمح إلى ارتفاع خمس أذرع، أما السنابل فطولها ذراعان وأعواد الشعير سبع أذرع.

النار في الآخرة المصرية

تظهر النار كمكان الإبادة للملعونين في دوات العالم السفلي كما في الشكل التالي:
  • (١)

    الظلال وأرواح الكائنات الشريرة المحترقة في حفر النار.

  • (٢)

    رءوس الشريرين النازلة إلى الأسفل تحترق في حفرة من نار.

  • (٣)

    أعداء أوزيريس يحترقون في حفرة من نار.

  • (٤)

    أوزيريس الجالس على مقعده تحت مظلة مشكلة بأفعى تبصق نارًا على الأجسام المخادعة الملعونة وتفنيها.

figure

لم تكن فكرة النار مشابهة لفكرة هنوم اليهودية أو الجحيم المسيحية أو جهنم الإسلامية … ولكننا نرجح أنها مصدر هذه الأفكار.

وقد استندت فكرة النار المصرية على أساس أن أغلب أقسام الدوات تحتوي على حجرات النار التي تحرسها ربات معينات، وفيها كائنات مقدسة تخرج النيران من أفواهها وكانت هذه النار تدمر أجساد وأرواح وأشباح رءوس الكائنات المعادية ﻟ «رع» أثناء مروره في التوات ومحاولتها إعاقة تقدمه. وقد أوحى هذا المشهد الذي كان يجسد بالرسوم على البرديات للكثيرين بأنه مشهد حرق الأرواح الملعونة من الشر، ثم بسبب الجهل وعدم التمعن في النصوص الهيروغليفية ومعرفتها ظهرت فكرة أن الآخرة تتضمن النار التي كانت معدة للمخطئين والملعونين من الناس.

لقد كان المصريون يعتقدون أن الإنسان الخاطئ يتعرض للحساب ولإعاقة ولفقدان بعض أعضاء جسده … ولكن النار لم تكن عقابًا وحيدًا ونهائيًّا، لقد كانت ضمن أدوات الكائنات الموالية للإله «رع» لتدمير الكائنات المعادية له، وبذلك تكون النار عقيدة شمسية مرتبطة بأسطورة نزول «رع» في الحياة، وسواء كانوا كافرين به أو محاربين له فإنهم بلا شك في الآخرة سيكونون ضمن من يحارب رع … أي ممن يعوقون تقدمه اليومي، ربما كانت هذه الفكرة سببًا في تحول النار إلى نوع من العقاب في بعض الأديان اللاحقة. (من كفر بالإله من الحياة مصيره النار.)

لقد كان المصريون يخافون من فكرة «الموت الثاني» الذي يحصل في حالة تدمير وتشويه الجثة الميتة لأن اﻟ «كا» التي هي بمثابة الجسد الروحي ستخرج مشوهة أو مدمرة بعد الموت وربما تموت في الآخرة، وبذلك يفنى الإنسان تمامًا.

إن ذلك يعني أن الإنسان يتعرض للحساب والعقاب المؤقت، ولكنه بوجود اﻟ «كا» سليمة يذهب بعد ذلك إلى جنات أوزيريس أو رع في كلِّ الأحوال، خصوصًا أنه وبوجود البرديات الجنائزية، يعرف مسبقًا كلَّ ما سيحصل له بعد الموت وأنه سيجتاز هذا الامتحان.

ويرى والس بدج أن الأدبيات القبطية المسيحية ذكرت حرفيًّا وجود اثنتي عشرة قاعة أو حجرة من حجرات النار التي تسكنها كائنات غريبة، وذكر أن هذه الحجرات مستعارة من الأقسام الاثني عشر في التوات المصري القديم. ويتأكد ذلك بشكل خاص في الغنوصيات المسيحية القبطية (انظر بدج، ١٩٩٤م، ٣٠٤-٣٠٧).

وكذلك نرى أن الثعابين تسيطر على المخيلة المصرية وتدفع بها إلى تصورات مبالغ فيها في عالم الآخرة، فهناك عدد كبير من الثعابين الكبيرة والعادية، ولعل الثعبان «أبيب» هو أشهرها؛ لأنه العدو اليومي للإله «رع» والذي يعترضه في طريقه. ويشترك معظم القدماء من السومريين والبابليين والكنعانيين والحيثيين وغيرهم في تصور وجود ثعبان أو تنين عملاق يقبع في العالم الأسفل. وحين تلتقي الثعابين والنار معًا تصبح الثعابين هي مصدر هذه النار التي تخرج من فمها.

لكن المصريين فاقوا جميع القدماء في تصورهم للنار والثعابين والدوات وطريق رع السفلي بها. وكانت لهذه الثعابين أسماء مختلفة وغريبة ربما صارت فيها بعد أسماء الشياطين والعفاريت التي يعزم بها السحرة والتي كانت تبدو أسماءً من لغات أو عوالم غريبة، وهذا ما تحفل به نصوص السحر العربي.

الخلاصة فيما ذكرناه حول حياة ما بعد الموت هو أن المصريين القدماء كانوا يعتقدون «أن المتوفى يحظى بثلاثة مصائر محتملة: إما أن تدمره النيران وتمحوه تمامًا، وتُقطع رأسه، ويمشي رأسًا على عقب؛ وإما تلتهمه الوحوش الكاسرة؛ أو يهيم شاردًا على وجهه فيما يشبه الفضاء الخلوي ما بين مختلف العوالم، الشبيهة بحقول الزنبق في الأساطير الإغريقية؛ وإما، في نهاية الأمر، يصل إلى الهدف الذي ترنو إليه جميع المسارات الدينية وكل الطقوس الجنائزية: أن يتحول إلى«ضياء» وجزء من جسد أوزيريس. وفي هذه الحالة الأخيرة، يسمح له بمصاحبة الإله رع، في رحلته النهارية أو تجواله الليلي على حد سواء. فهذا هو عين ما يفعله المتطابقون بالآلهة» (تيبو، ٢٠٠٤م، ١٣٣).

(ﺟ) طريق الشمس في العالم السفلي

تأتي فكرة هذا الطريق منسجمة مع التحام اللاهوتين الشمسي والأوزري، فهو يوفق بين التحام الميت مع الإله رع الهابط بزورقه بعد الغروب إلى العالم الأسفل والذي يلتحم أيضًا مع إله العالم السفلي أوزيريس، كما أنه يخترع طريقًا للشمس في مملكة الظلام الأوزرية الذي توقفنا عنده في مناقشتنا لأساطير الإله رع (الفصل الثاني).

ولنتتبع خلاصة (كتاب البوابات) التي تشرح لنا الحقول، والبوابات التي تقسم مملكة الموتى الأوزرية إلى «١٢» قسمًا، حيث تظهر الدوات كوادٍ رمليٍّ ضيق ذي منحدرات يقسمه نيل العالم الأسفل إلى جزأين متساويين وعلى النهر يبحر زورق الشمس الذي ينقسم إلى اثني عشر «نوم» أو جزءًا تناظر ساعات الليل، وقد صورت كلُّ ساعة على البرديات بطريقة مفصلة ودقيقة تصل حد الإعجاز الفني والمثولوجي، وتعتبر هذه اللوحات والنصوص من الكنوز الروحية التي أنتجتها العبقرية الروحية المصرية. ويمكن العودة لشرحها الموجز الذي ذكرناه.

الجنة في الآخرة المصرية

figure
الجنة (حقول اليارو).

كانت الجنة، في كتاب الخروج للنهار (كتاب الموتى)، تنقسم إلى سبع طبقات:

طبقة الأبرار، طبقة المطهرين، طبقة القديسين، طبقة المجندين في جيش حورس، طبقة الأرباب، طبقة النور الأزلي، طبقة عرش الإله.

وكانت عبارة عن حقول زراعية يستوجب على من يسكنها العمل فيها، حيث يعطى سبع (بقرات حور) وثور، وفيها أنهار من الخمر المقدس واللبن المتساقط من صدر الإلهة نوت إلهة السماء، وفيها أشجار دائمة الخضرة وملابس بيضاء لا يعتريها القِدم وفيها سنابل قمح ذهبية، وهناك من يساعد فلاحها، وفيها حياة أبدية تخلو من الشياطين والأرواح الضارة والحيوانات المفترسة والحشرات والثعابين وغيرها.

«(يارو)، «أرض القصب»، مكان تذوق السعادة في الحياة الأخروية، «جنة»، في «نصوص الأهرامات» أرض إيالو هي مكان انبعاث الفرعون الميت، وتتماثل مع أوزيريس. والتصورات عن أرض إيالو في النصوص تختلط مع التصورات عن الدوات، الموجود وفقًا لمعتقدات عصر الدولة القديمة في الأجزاء الشرقية من السماء (في المكان الذي ينبعث فيه أوزيريس والفراعنة، ورع-الشمس)، وتشكلت مع بداية الدولة الوسطى نماذج الداوت السفلى وتتناسب مع أرض إيالو السفلية، ومنذ عصر الدولة الوسطى تماثل مع أوزيريس أي إنسان ميت، أرض إيالو «واحة» في الدوات، حيث يذهب إليها الميت بعد البراءة في محكمة الأموات» (راك، د.ت، ١٥٣).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥