المقدمة

يصعب وصف الديانة المصرية بمقدمةٍ كهذه، بل ويصعب الإلمام بها بكتاب كهذا، فهي من العمق والسعة بحيث يجب أن نفرد لكل مرحلةٍ من مراحلها أو لكل مكوِّن من مكوِّناتها كتابًا خاصًّا إن أردنا إنصافها … لماذا؟

  • أولًا: لأنها، مع الديانة السومرية، تعتبر أعرق ديانة منظمة، على وجه الأرض، وذات جهاز عضويِّ متكامل يشمل مكونات الدين الرئيسية والثانوية الثمانية بكل دقةٍ وتفصيلٍ.
  • ثانيًا: لأنها زاخرة بالسرديات الأسطورية العميقة والتي نجدها في النصوص المصرية أو النصوص الإغريقية التي دوَّنتها متأخرة نقلًا عن الكهنة المصريين، وهناك الكثير من حكايات وتوصيفات الآلهة المصرية التي تعطينا مادة خصبة للحديث عنها وعن أساطيرها، وهو ما يثري معارفنا ويفتح باب تحليلاتنا وتأويلاتنا إلى فضاءات واسعة وكثيرة.
  • ثالثًا: العمق الروحي لا مثيل له في الديانة المصرية وهو محاط برموزٍ وأسرار خصبةٍ تعطيه غموضًا لا نجد ما يشبهه إلا في التيارات الباطنية من الغنوصية والهرمسية والمسارية، والتي نزعم أن لها علاقة عميقة بالديانة المصرية وأسرارها من المحافل الأوزيرية إلى المتون الهرمسية وإلى الأوروبوروس (الثعبان الذي ذيله في فمه) والذي جسَّدته لوحات كثيرة في مصر … إلخ.
  • رابعًا: التحولات التي مرت بها الديانة المصرية نموذج نادر لتطورات زاخرة في جمع ديانتي الخصب الأرضية والشمس السماوية في سبيكة واحدة متماسكة، والذي جعل من العبادتين تجريان في نهر واحد دون ثورات أو اضطرابات واحتكاكات متنافرة بينهما.
  • خامسًا: تماسك الديانة الرسمية مع الديانة الشعبية وحلول عناصرهما ببعضهما.
  • سادسًا: تنفرد الديانة المصرية بجعل الكائنات الحيَّة، كلِّها، من نباتات وحيوانات وبشر تتساوى في خلقها مع الآلهة من حيث البدايات، فالخلق يبدأ سوية لكل هذه الكائنات وليس هناك إله خالق، بالمعنى الذي عرفناه في بقية الأديان؛ لأن الكائنات كلَّها مقدسة في نظر الديانة المصرية.
  • سابعًا: الحاجز الرقيق بين الحياة والموت يعطي للديانة المصرية خصوصية الإحساس بالخلود والتماهي مع عالم الموت دون خوف ووجل، بغض النظر عن عدم واقعية هذا الأمر، لكنه يجهِّز الإنسان بقوة هائلة لفهم الموت بلا خوف ويثري سايكولوجيته الدينية بشجاعة عظيمة. وهو الأمر الذي يكون من صلب الدين ومن أسباب نشوئه.
  • ثامنًا: نشأت الحكمة الإلهية في مصر داخل رحم الدين المصري، وكان اسم الحكمة في اللغة المصرية القديمة هو (سيبايت) المشتقة من جذر (سيبا التي تعني أيضًا: باب، نجم) وهذا يشير إلى كونها تتضمن الرشاد والهداية، ونرى أن جذر هذه الكلمة (سيبا) الذي أخذه الإغريق وحولوه إلى (صوفيا) في لفظهم والتي تعني الحكمة أيضًا، وحين قيل لأول فيلسوف إغريقي وهو طاليس الملطي بأنك تقول الحكمة في كلامك (صوفيا) فقال لهم بل أنا محب للحكمة (فيلوصوفيا)؛ لأن الحكمة كانت مقصورة على الآلهة، وهكذا نشأت (الفلسفة). ولذلك فنحن نعتبر أن الحكمة المصرية هي جنين الفلسفة الإغريقية، وهي واحدة من أهم متون الديانة المصرية. وتوصلنا إلى أن مصر هي بلد الحكماء أكثر مما هي بلد الأنبياء. مع ملاحظة أن الصين والهند تتفوقان عليها في ذلك، لكنها امتازت بذلك في الشرق الأدنى.
  • تاسعًا: التشويهات التي علقت بفراعنة مصر ومكانتهم العظيمة بسبب ما فعلته الديانات الموحدة، وخصوصًا اليهودية والإسلام، ربطت فكرة الظلم والجبروت بهم (بسبب قصة موسى والفرعون)، في حين أن الملوك المصريين كانوا بمثابة الآلهة في سلوكهم المتوازن والأخلاقي، وتشهد سيرهم التاريخية على ذلك، وهو ما لم يوجد في ديانات أخرى بهذا التواتر الذي استمر ما يقرب من ثلاثة آلاف سنة، ولذلك تتمتع الديانة المصرية بأعظم الضوابط الأخلاقية والروحية من خلال شخصية الفرعون الذي كانت سلطته فوق سلطة الكهنة القابلين للعبث بمقدرات الدين والناس، وقد قمنا في كتابنا بتوضيح مثل هذه الأمور وأرجعناها إلى حقيقتها.

لكل هذه الأسباب وغيرها انفرد الدين المصري بتميُّز، ولذلك جاء كتابنا هذا مختلفًا عن بقية كتبنا في معالجة أديان الشعوب، حيث كان لا بد من التحلِّي بالمرونة والمدخل الخاص له، أي التعامل بعمومية مع الخطة التي رسمناها لكل كتب تاريخ الأديان وجعل خصوصية الدين المصري ترسم ملامحها بلا قسر ولا تعميمات من باقي الأديان.

الفصل التمهيدي الذي بدأنا به هذا الكتاب كان ضروريًّا جدًّا لكي يتعرف القارئ على التحولات والمراحل والتطورات التي مرَّ بها تأريخ الديانة المصرية، فهو يشرح جذور الديانة المصرية منذ عصور ما قبل التاريخ، حيث تجتمع الشعيرات الصغيرة لتكوِّن، تدريجيًّا، متنًا واضحًا وكبيرًا تمضي به الديانة في العصور التاريخية، وخلال هذه العصور تتغيير الموجات والألوان الدينية بفعل التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فتكون الديانة في حقبتها العتيقة والقديمة المؤسسة غيرها في الحقبة الوسيطة المرتبكة والمخترَقة بالعبادة الهكسوسية السوتخية، وهذه غيرها في الحقبة الحديثة الساطعة بالوضوح والتميُّز الشمسي وظهور نزعة التوحيد الأخناتونية. أما في المرحلة الأخيرة فقد شاع السحر فيها، وهذه نتيجة طبيعية لضعف واستنفاد القوة الروحية للدين، فحين يحصل ذلك يشيع السحر وتتهالك طريقة استعماله لمستوًى شعبيٍّ فجٍّ فيلفظ الدين آخر أنفاسه، ولولا الهرمسية ثم التيارات الهيلنستية لما صحت الديانة المصرية صحوتها الأخيرة قبل الموت، وهو ما حصل قبل وخلال المرحلتين الرومانية والبيزنطية، حيث كانت نهايته.
في الباب الأول عالجنا في أربعة فصولٍ المكونات الأساسية الأربعة للديانة المصرية، ففي الفصل الأول عرضنا وحللنا المعتقدات الدينية (الألوهية، الدنيوية، المؤسسة الدينية، المعتقدات الأبدية) وفصَّلنا كلَّ مفردة من مفرداتها.
وفي الفصل الثاني عرضنا وحلَّلنا الأساطير المصرية القديمة بطرق مِثولوجية حديثة، فقد وضعنا شجرة جديدة للآلهة المصرية، وتناولنا الرموز الدينية، ثم تفصَّلنا في تحليل أساطير الخليقة والعمران والخراب والموت.
وفي الفصل الثالث عرضنا الطقوس والشعائر المصرية بأنواعها (اليومية، المناسبات، الدورية) وقمنا بشرح أدق تفاصيلها وكيفية أدائها وعلاقتها بالآلهة والأساطير.
وفي الفصل الرابع تفصَّلنا في معالجة الأخرويات (الإسكاتولوجيا) المصرية والخاصة بنهايات الآلهة والعالم والكون والإنسان.
أما في الباب الثاني فقد ناقشنا المكونات الثانوية الأربعة للديانة المصرية، فقد حفل الفصل الأول بمناقشة مستفيضة للأخلاق والشرائع المصرية القديمة التي كانت ملازمة للتعاليم الدينية، وفي الفصل الثاني عرضنا السير المقدسة الخاصة بالحكماء والأنبياء والفراعنة المقدسين وغيرهم، فهي السير الشعبية التي شاعت عن هؤلاء وكانت بمثابة أساطير اجتماعية موازية لأساطير الآلهة في المكونات الرئيسية للديانة.
في الفصل الثالث تحدثنا عن الجماعات والفرق الدينية والعبادات الخاصة، وركَّزنا على المدارس اللاهوتية السبع التي وجدت في تاريخ الديانة المصرية وبيَّنا الاختلافات بينها.
وفي الفصل الرابع تناولنا الباطنيات المصرية من سحر وعرافة وخيمياء وتيارات مسارية وهرمسية وغنوصية وغيرها، وأوضحنا أن الديانة المصرية كانت ديانة أسرار من الطراز الرفيع.

وبذلك نكون قد غطينا كلَّ ما يتعلق بالديانة المصرية من خلال عرض وتحليل مكوناتها الأساسية والثانوية، وهو الهدف الذي كان نصب أعيننا، فهي ديانة نموذجية وعريقة وفيها كلُّ ما يطلبه من يحتاج لإشباع عطشه الروحي.

يصف كتاب (متون هرمس) مصر بأنها (صورة للسماء) وأنها (معبد الكون)، وهو محقٌّ في هذا من الناحية الدينية؛ لأن مصر حفزت كلَّ أعماقها واشرأبت نحو السماء فتمثلت القوى الماورائية بكل أشواقها ورسمت طريقة روحية للبشرية يندر أن يجود بمثلها الزمان، وقد غابت اليوم هذه الصورة، لكنها ستبقى في ضمير الوجدان البشريِّ كأعظم ما استطاعه الإنسان لاحتضان السماء ومعانقتها، وستبقى نبعًا روحيًّا عميقًا لكل من أراد التزوُّد من موردها العذب هذا.

الدكتور خزعل الماجدي
[email protected]
١٢ / ٨ / ٢٠١٨م

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥