المبحث الأول

المعتقدات المصرية في عصور ما قبل التأريخ (٢ مليون–٣١٠٠ق.م.)

(١) العصر الحجري القديم (باليوليت) (٢ مليون–١٠٠٠٠ق.م.)

سادت في الباليوليت الأدنى في مصر ثقافات حجرية هي (الأبفيلية والآشولية واللفلوازية) وظهر فيها اكتشاف النار مميزًا، أما الباليوليت الأوسط فقد ظهرت فيه الثقافات اللفلوازية والموستيرية والعتيرية التي ربما تكون عبادة ودفن الموتى باتجاه الشمس وظهور أول الأفكار الأخروية قد ظهرت خلاله.

في الباليوليت الأعلى ظهرت ثقافات (الخارجي الأولى، شبه اللفلوازي، العتيري، السبيلية الأولى) والتي أظهرت نوعًا من التقديس لبعض الحيوانات.

figure
مظاهر وأدوات الباليوليت الأعلى في كهف مصري.

(٢) العصر الحجري الوسيط (ميزوليت) (١٠٠٠٠–٥٠٠٠ق.م.)

أما في الميزوليت (إبيباليوليت) فقد سادت ثقافات (حلوان والسبيلية الأولى والثانية والثالثة). وارتبطت فيه الثقافات والمعتقدات الدينية بالنطوفية في الشام والعتيرية في شمال أفريقيا.

وهناك مؤشرات على ظهور الزراعة البرية في حدود ١٠٥٠٠ق.م. حيث تظهر المناجل الحجرية، وقد ظهرت مؤشرات على فشل بدايات الزراعة الاصطناعية بسبب الجفاف المتزايد، وهناك ما يشير إلى حالات عنف بين ساكني المناطق من أجل الحصول على الطعام (مقابر جبل الصحابة وبوشكي).

وتأتي المعلومات المهمة من عصر الإبيباليوليت قبل ٥٥٠٠ق.م. من موقع (الكاب) والذي يقع بين الضفة الشرقية لنهر النيل وتلال البحر الأحمر. وقد تم اكتشاف ثلاثة معسكرات لشعوب سكنت هذا المكان واستخدمت الشفرات الدقيقة. وسميت هذه الصناعات ﺑ (شرم أرك) و(أركن) ويعود تأريخها لحوالي ٧٤٤٠ق.م. وهي مستوطنات صغيرة. وهناك آثار تدل على تدجين الحيوانات في حدود ٥١١٠ق.م.

(٣) العصر الحجري الحديث (نيوليت) (٥٠٠٠–٣٨٠٠ق.م.)

في النيوليت ظهرت ثقافات (الفيوم أ، مرمدة بني سلامة، العمري، حلوان الأولى، وثقافة تاسا في الجنوب) وقد ظهرت المجتمعات الزراعية والأدوات الفخارية وعقائد الخصب وعبادة الإلهة الأم.

figure

مرت مصر في عصور ما قبل التاريخ بالعصور الحجرية (القديمة والوسيطة والحديثة)، وقد استغرق العصر الحجري الوسيط (الميزوليث والذي يسمى أحيانًا الإبيباليوليت) حوالى ثلاثة آلاف سنة (٨٠٠٠–٥٠٠٠ق.م.) وبدا كما لو أنه كان متأخرًا عن بلادي وادي الرافدين والشام اللتين بدأ فيهما خلال هذه الفترة عصر النيوليت، «ولذا تبع ذلك تأخر ظهور العصر الحجري الحديث في مصر (٥٠٠٠–٣٨٠٠) في مصر، حيث حل النيوليت في الألف الخامس قبل الميلاد، ويبدو أن اكتشاف الزراعة قدم إلى مصر من الشام. ولكن هذا العصر الحجري الحديث فجر تطورًا هائلًا في مصر، حيث استمر ازدياد عدد السكان بازدياد وسائل العيش، وهي الزراعة وتدجين الحيوان، دون أن تترك نشاطات الأجداد، حيث استمر وجود آلات الصيد البري والبحري في المواقع وإلى جانب المناجل والمعازق. وأخيرًا ابتدع الإنسان صناعة الفخار وصناعة النسيج. وتعد هذه الصناعات بدايات التطور الذي قاد مصر خطوة فخطوة من مجتمع الجماعات الصغيرة على سواحل بحيرة الفيوم وشواطئ نهر النيل وفي الواحات، وهي نقلة من حياة مطاردة الحيوانات إلى ملكية مركزية عظمى قادرة على بناء الأهرامات (انظر بوتيرو/فيركوتر، ١٩٨٦م، ٢٥٤).

ظهرت بواكير الزراعة في هذا العصر وما زال النقاش محتدمًا فيما إذا كانت الزراعة قد ظهرت بجهود محلية أم أنها جاءت من خارج مصر. وبعضهم يرى أن هذه هي فترة بداية عهد ما قبل الأسرات، وقد ظهرت تغيرات واضحة في عادات الدفن وتحولت المستوطنات إلى دائمية وظهرت القرى وبدايات (معتقدات ما بعد الموت) واضحة في طرق الدفن، حيث ظهرت الفخاريات والحلي في القبور ودفن الموتى بوضعية الجنين باتجاه الغرب استعدادًا للرحيل إلى عالم الموت. وأهم ثقافات النيوليت هي (الفيوم أ، مرمدة بني سلامة، العمري، حلوان، وفي الجنوب (تاسا).)

«عندما لجأ المصريون القدماء لتنويع رزقهم وطوروا صناعة الأحجار وحددوا الصناعات المستحدثة الأخرى. وفي هذا الطريق تظهر مجالات عديدة: (١) استنئناس الحيوانات. (٢) معرفة زراعة الأرض والاستقرار حولها. (٣) ظهور الأدوات الحجرية المستخدمة في الصقل وتطويرها وتعديلها. (٤) معرفة الفخار وتنويع أشكالها وألوانها. (٥) بدء ممارسة كيفية صناعة الحصير من البوص وصناعة السلال والأحبال المجدولة وغزل ونسج الكتان. (٦) الاهتمام الواضح بأدوات الزينة والبحث عن وسائل التسلية. (٧) الاهتمام الواضح بالمنازل من خلال إمكانيات بسيطة متاحة. (٨) بداية الاهتمام بالمقابر وتطوير عادات الدفن مع اختلافها في كلِّ المواقع الحضارية في الفترتين العصر الحجري الحديث والنحاسي» (الشتلة، ٢٠٠٣م، ١٧).

وتنتظم مرحلة عصر النيوليت الذي يقدر الآن بألف سنة (٤٥٠٠–٣٥٠٠ق.م.) مجموعة من الثقافات النيوليتية شمال وجنوب مصر (انظر الجدول). فقد ظهرت في شمال مصر (الدلتا) ثلاث ثقافات نيوليتية هي الفيوم أ، مرمدة بني سلامة، العمري–حلوان، أما في جنوب مصر (الصحراء) فقد سادت ثقافة دير تاسا طيلة عصر النيوليت.

جنوب مصر (الصحراء) شمال مصر (الدلتا)
(١) الفيوم أ: حوالي ٤٥٠٠ق.م تاسا (٤٥٠٠–٣٥٠٠ق.م.)
(٢) مرمدة بني سلامة: حوالي ٤٠٠٠ق.م
(٣) العمري–حلوان: حوالي ٣٥٠٠ق.م

(٣-١) ثقافات العصر الحجري الحديث (النيوليت) في مصر

كانت الثقافات الشمالية أكثر انتظامًا وتواترًا في حياتها الاجتماعية والفنية والروحية، فقد ظهر فيها نمط من البيوت وطرق الدفن وصناعة الفخار لم يظهر ما يرقى إليه من حضارات الجنوب. وكانت ثقافة تاسا الدالة على ثقافة الجنوب جزاءً من ثقافة شاملة عمت حوض النيل حتى الدلتا، كان شاهدها الآخر قرب الخرطوم في موقع شاهيناب والتي تميزت بنمط خاص من الفخار الذي ظهر مع صناعة الجرار المتموجة الجميلة.

figure
عيِّنات آثارية من ثقافات العصر الحجري الحديث (النيوليت) في مصر.

(٤) العصر الحجري النحاسي (الكالكوليت) عصر ما قبل السلالات (٣٨٠٠–٣١٥٠ق.م.)

يسمى العصر الحجري النحاسي (الكالكوليت Chalcolithic) في مصر بعصر ما قبل السلالات Predynastic وهي تسمية دقيقة؛ لأن ظهور استعمال المعادن في مصر لم يحدث تغييرًا مفاجئًا فيها، بل استمر ظهور ثقافات جديدة تعد استمرارًا نوعيًّا لثقافات النيوليت.

في الكالكوليت ظهرت ثقافات (الفيوم ب، الجزري (حلوان الثانية)، المعادي في الشمال، والبداري والأماري (نقادة الأولى) في الجنوب، وظهر الأدوات المعدنية بالإضافة للأدوات الفخارية والمصقولة وعقائد الخصب الذكورية وعبادة الإله الأب والآلهة المتعددة.

ويقسم الآثاريون عصر ما قبل السلالات إلى أربع ثقافات متميزة هي (البدائية، المبكرة، الوسطى، المتأخرة). في المرحلة البدائية ظهرت في الشمال ثقافة الفيوم ب وفي الجنوب ثقافة البداري، حيث بدأ استخدام المعادن وتطورت طرق الدفن وظهر ما يشير إلى وجود طقوس الدفن المرتبطة بالحيوانات.

وفي المرحلة المبكرة ظهرت في الشمال ثقافة الجزري (وطلائعها كانت تسمى ثقافة حلوان الثانية)، أما في الجنوب فقد ظهرت ثقافة العماري.

وتميزت ثقافة العماري (نقادة ١) بشكل خاص بحسها الفني المرهف وجودة منتجاتها الآثارية والفخارية بشكل خاص، وظهرت صور الحيونات المقربة للمصريين آنذاك كالأسماك والتماسيح وأفراس النهر … وهي حيوانات مائية ربما شكلت منطلق عبادات محدودة ونوازع تقديس طوطمية، حيث رُسمت بعناية وظهرت معها رسومات الرقص والحركات الطقسية.

ثقافات الكالكوليت المصري (عصر ما قبل السلالات) حوالي (٣٥٠٠–٣٠٠٠) ق.م.
مراحل الثقافة ثقافات الشمال ثقافات الجنوب
البدائیة الفیوم ب البداري
المبكرة الجزري (حلوان الثانیة) العماري (نقادة ١)
الوسطى الجزري الجزري (نقادة ٢)
المتأخرة المعادي السمیني (نقادة ٣)
figure
تمثال من الطين المشوي (من معماية) ربما يمثل الإلهة الأم من ثقافة نقادة الثانية وهو مصبوغ (٣٥٠٠–٣٤٠٠ق.م.)

وعاء صخري على شكل طير وأمشاط عاجية من ثقافة نقادة الثانية.

استمرت نزعة تقديس الحيوانات وظهرت أشكال وتماثيل الحيوانات كمعبودات إلهية، وهذا جزء من استمرار العبادات الطوطمية المنحدرة منذ عصور سابقة.

(٥) العصر الشبيه بالتأريخي (الشبيه بالكتابي) (٣١٥٠–٣١٠٠ق.م.)

(٥-١) الأسرتان (٠٠، ٠)

في هذا العصر المفصلي القصير ظهرت الثقافة الجزرية (نقادة ٢) التي مثلتها الأسرة (٠٠)، ثم ظهرت الثقافة السمينية (نقادة ٣) التي مثلتها الأسرة (٠).

(٥-٢) السلالة صفران (٠٠)

يستعمل اصطلاح (الأسرة أو السلالة ٠٠) (Dynsty 00) للإشارة إلى مجموعة الملوك والزعماء الذين ظهروا في ثقافة نقادة الثانية المتأخرة ونقادة الثالثة المبكرة (NagadaIIc + III A2) والتي يتراوح زمنها في حدود (٣٥٠٠–٣٢٢٠ ق.م.) حيث عاشت مصر مرحلة دويلات المدن متعددة في شمال وجنوب مصر.
وقد تميزت مرحلة هذه السلالة التي يمكن أن تكون لما يعرف بالعصر الشبيه بالتاريخي Proto-history أو الشبيه بالكتابي Proto-litarale، تميزت بالكثير من المنجزات النوعية الحضارية مثل ظهور الكتابة والمعتقدات الدينية والجنائزية وصعود الملوك المحاربين الذين سيتهيئون لتوحيد دويلات المدن، ويمكن اعتبار هذه المرحلة بداية نشوء النماذج البدئية لعصر السلالات القادم كله.
لقد ظهر مجموعة من الملوك الذين كان يشار لأسمائهم بعلامات تدل على الحيوانات مثل السمكة والفيل والثور والأسد وغيرها. وللمزيد من المعلومات يمكن مراجعة البحث الذي أجراه فرانسيسكو رافائيلي والمنشور على الشبكة العنكبوتية (Raffaele 2002).

(٥-٣) السلالة صفر (٠)

يستعمل هذا الاصطلاح (الأسرة أو السلالة ٠) (Dynasty 0) للإشارة إلى مجموعة الزعماء والملوك الذين ظهروا في ثقافة نقادة الثالثة في نصفه الثاني (Nagada III B = III C1) والتي يتراوح زمنها بين (٣٢٠٠–٣٠٥٠ق.م.) حيث بدأ تكوين الدولة من خلال ثلاث دويلات مدن وهي (ثينيس، نخن، نقادة) حيث عبدت نقادة الإله ست، فيما عبدت ثينيس ونخن الإله حورس، ثم سقطت مدينة نقادة واستطاعت ثينيس أن تضم نخن لها وتوحد البلاد تدريجيًّا، دُفن ملوك ثينيس في أبيدوس في مقبرة أم الكاب، وقد بلغ مجموع ملوك السلالة صفر (٠) اثني عشر ملكًا. كان آخرهم هو الملك «نعرمر» (سعيد، ٢٠١٢م، ٨٠–٨١).
figure
توحيد الشمال والجنوب في بلد واحد.
من مدينة «طيبة» (مدينة الأقصر الحالية بمحافظة قنا)، خرج الملك «مينا» Mines الذي استطاع توحيد الوجهين البحري مع القبلي حوالي عام ٣٢٠٠ق.م. أصبح الملك «مينا» مؤسس أول أسرة حاكمة في تاريخ مصر الفرعونية، بل في تاريخ العالم كله، ولبس التاج المزدوج. http://www.coptichistory.org/untitled_1026.html.
figure
نعرمر (نارمر) دبوس الملك العقرب ٢ حوالي ٣١٥٠ق.م.
وفي المرحلة المتأخرة من عصر ما قبل السلالات الأرض الحضارية لنقلة نوعية قادمة ستجعل مصر ثاني أكبر بؤرة إشعاع حضاري في الأرض مع وادي الرافدين. وخلال هذه المرحلة حصلت تطورات سياسية ودينية كبيرة منها؛ أن مدينة أمبوس (نوبت) في الجنوب صارت أقوى المدن المصرية هناك وكان يُعبَد فيها الإله (سيث) وتحولت هذه المدينة إلى عاصمة إقليم الجنوب التي دخلت مع مدينة (بخيرت) عاصمة إقليم الشمال (التى يعبد فيها الإله (حور) الإله الصقر) في صراع طويل. وقد انتصر إقليم الشمال على الجنوب وتوحدت لأول مرة مصر في مملكة كبيرة سياسيًّا عاصمتها مدينة (أون) قرب القاهرة التي يسميها الإغريق هليوبوليس Heliopolis. لكن هذه المملكة لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما انفصل الإقليمان عن بعضهما ودار بينهما صراع جديد استغرق ما تبقى من عصر ما قبل السلالات.
figure
رأسان بقريان في لوحة نعرمر ٣١٠٠ق.م. تظهر فيها حتحور بوجه بشريٍّ وذات قرنين بقريين.
أصبحت عاصمة الشمال بوتو Buto في الدلتا الغربية وهي قراءة يونانية خاطئة، حيث كان اسمها المصري (أتو) قد صورت إلهة هذه العاصمة على شكل أفعى تظهر من زهرة نبات البردي. أما عاصمة الجنوب فصارت (الكاب El-Kab) وكان رمزها الإلهة (نخبت) التي صُوِّرت على شكل صقر يخرج من زهرة نبات الأسل. وقد ظل فراعنة مصر لاحقًا يحتفظون من بين ألقابهم بلقب (ذو الإلهين أي بوتو ونخبت) الإلهتين الحارستين للشمال والجنوب، «ومن هنا أتت العادة التي جعلت المصري يصور هاتين الإلهتين الحاميتين للملك تارة على شكل ثعابين، وتارة أخرى على شكل عقابين. وقد دمجتا في ذلك الخليط الكبير من الآلهة التي صُورت على شكل ثعابين أو عيون، كما أنهما اندمجتا في التيجان الملكية التي ألهت عن المصريين وسميت باسم سيدات السحر.» (إرمان، ١٩٩٥م، ٥٨).
figure
صلاية الملك نارمر.

الوجه: نارمر يمسك بالصولجان وهو يقتل أسيرًا.

الخلف: نارمر مع ضابطه يحملون شعارات مقدسة وأمامهم أعداء مقطوعو الرءوس.

الملك على صورة ثور يدمر حصانًا.

وقد عُبد الإله (حور) في الإقليمين الشمالي والجنوبي معبرًا عن وحدتهما. وتميز ملوك الشمال بتاج مخروطي أحمر، أما ملوك الجنوب فتميزوا بتاج مخروطي أبيض.

  • (١)

    الإلهة نخبت (الرخمة) ونبات الأسل إلهة المكان في الجنوب.

  • (٢)

    الإلهة بوتو (الأفعى) ونبات البردي إلهة بوتو في الشمال.

وقد ذكر حجر بالرمو Palermo Stone (نسبة إلى متحف بالرمو في صقلية، حيث توجد أكبر الكسر الخمسة) وغيره من حوليات المملكة القديمة أن عددًا كبيرًا من الملوك حكموا في مصر ما قبل الأسرات ولا نعرف من أسماء هؤلاء الملوك سوى سبعة من ملوك الشمال مثل (سكا، خايو، ثيش …) وخمسة أسماء من ملوك الجنوب أوضحهم قراءة هو الملك العقرب الذي كان له نفوذ عظيم وأطلق على جميع هؤلاء الملوك لقب (عبدة حور) وتحديدًا (شمس حور Shemsh Hor).
figure
رأس صولجان نعرمر (موحد مصر ومؤسس الأسرة الأولى) عُثر عليه في الوديعة الرئيسية في هيراكونبوليس (نخن المصرية القديمة)، هناك عدة تفسيرات له هي: (١) المشهد يمثل حلقة في احتفال «حب سد»، وهو احتفال أقيم في السنة الثلاثين للفرعون، تظهر فيه ملكة محتملة تجلس على كرسي في مواجهة الملك الذي يرتدي التاج الأحمر وعباءة «حب سيد». (٢) الزواج السياسي لنيتوحتب، أميرة الشمال، مع نعرمر. (٣) احتفال نعرمر بغزوه للشمال. (٤) المشاهد ليست تذكارية، بل هي نسخ مصورة لأسماء السنوات. أمام نعرمر ثلاثة رجال يركضون نحوه، بينما يقف فوقهم أربعة رجال يحملون الرايات. يواجه الملك شخصية ترتدي عباءة وبدون لحية، فوقها حظيرة بسيطة تقف فيها بقرة وعجل.

وفي نهاية هذا العصر صارت مدينة نخين (هيرا كونبولس) عاصمة للجنوب ومدينة (بي) أي بوتو عاصمة للشمال.

ووفقًا للدراسات الحديثة فإن الملكين (العقرب) و(نارمر) هما اللذان وحَّدا مملكتي الشمال والجنوب في مملكة واحدة. وهذا ما تظهره نقوش دبوس الملك العقرب ودبوس الملك نارمر (نعرمر) وصلاية الملك نارمر، وهي آثار دالة على الكفاح الذي بذله هذان الملكان في توحيد مصر. ليبدأ بعد ذلك عصر السلالات القديمة، وهو ما يمكن أن نسميه ببداية العصر التاريخي لمصر.

«وقد مرت البلاد، بعد ذلك، بمحاولتين لتوحيد القطرين الجنوبي والشمالي، إلا أنهما باءتا بالفشل حتى ظهر حاكم قوي من إقليم «ثني» (مركز البلينة) اسمه «نعرمر» أو (مينا) استطاع أن يلم شمل البلاد ويوحدها للمرة الثالثة تحت حكمه. واختار لنفسه عاصمة جديدة تقع في مركز متوسط بين الشمال والجنوب هي مدينة «منف» التي عُرفت قديمًا باسم mn-nfr وهي عاصمة الإقليم الجنوبي الأول، الذي عرف باسم inb-hd أي الجدار الأبيض لإحاطة المدينة بسور أبيض ضخم لتحصينها. mn-nfr هو الاسم الذي أطلق على هرم الملك بيبي الأول في عصر الأسرة السادسة، ومنه اشتق اسم «منف» الحالي، وكان الإله بتاح إله العاصمة الجديدة» (نور الدين، ١٩٩٦م، ١٤).

استمرت نزعة تقديس الحيوانات، وبدأت مزاوجة أشكال الآلهة البشرية بأجزاء وألقابٍ حيوانية، وظهرت أشكال وصور الآلهة بأجسام حيوانية، وحتى الملوك سموا أنفسهم بأسماء الحيوانات مثل الملك العقرب (نعرمر) الذي يعني اسمه (السمك الجري)، وظهرت الإلهة حتحور بوجه امرأة بقرنين.

وخلال هذا العصر بدأت ملامح مملكتين مصريتين تتشكلان بوضوح وهما:
  • (١)

    المملكة الشمالية عاصمتها (بوتو) في الدلتا والتي ظهرت فيها ديانة أوزيريس وإيزيس التي تعتني بالأرض وبالخصب والزراعة والتكاثر.

  • (٢)

    المملكة الجنوبية عاصمتها (نخين) في الصعيد الصحراوي والتي ظهرت فيها ديانة حورس التي تعتني بالسماء والشمس والسلطة والقوة.

«لقد وصلتنا أولى تمثيلات الآلهة المصرية من أواسط الألف الرابع قبل الميلاد، أي قبل وقت طويل من ظهور الكتابة الهيروغليفية. في تلك الأيام عاش سكان وادي النيل في تجمعات قبلية ولكل قبيلة إلهها الذي يتجسد في حيوان بري أو في طائر أو في فيتيش (الفيتيش هو أي موضوع مادي تسبغ عليه القداسة)» (فياود، ٢٠١٧م، ٣٦).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥