العصور التاريخية
(١) عصر المملكة العتيقة (حوالي ٣١٠٠–٢٦٨٦ق.م.)
يشمل هذا العصر حكم الأسرتين الأولى والثانية فقط. ويبدأ مباشرة بعد توحيد إقليمي مصر الشمالي والجنوبي في مملكة قوية واحدة، وكانت السلالتان من أصول جنوبية من مدينة طينة (فينس) قرب أبيدوس، ولكن العاصمة الإدارية كانت تعرف عند المصريين القدماء ﺑ (ميزان الأرضين) لأنها نقطة توازن بين الشمال والجنوب.
(١-١) ثنائية حورس وست
قام الملك مينا (نارمر) بتأسيس أول أسرة حكمت مصر كلها موحدة، وكان مينا من الجنوب الذي كان يتعبَّد بالديانة التي تتخذ الإله (حورس) معبودًا لها ومعه الإله (ست) الذي كان ينافسه ويحاربه، ولذلك انتشرت ديانة (حورس–ست) التي أسست لجوهر الديانة المصرية خلال عصورها القادمة.

وتأخذنا هذه الثنائية نحو مجال الصراع بين قوتين متعارضتين يمثل فيها حورس جانب الخير والنور، ويمثل ست جانب الشر والظلام. لكن الصراع بينهما لا يكون حاسمًا، ولا تتضح فيه غلبة مطلقة لأحدهما. وهذا يعبِّر عن تلازم الأضداد في الطبيعة، فقد كانت أسطورة (حورس–ست) معبرة عن مظهر كوني طبيعي أكثر من كونها معبرة عن انتصار الخير على الشر.
ونرى أن عدم نقاء الخير أو الشر في المعتقدات والأساطير المصرية متأتٍّ من سببين؛ الأول هو بقاء الآلهة التي تمثل الأضداد بحكم بقاء معتنقيها، وهذا متأتٍّ من التكوين الطبيعي للبلاد وتمثل عناصره الرحيمة والقاسية معًا، والثاني هو أن هناك في الخير شرًّا ضئيلًا وهناك في الشرِّ خيرًا ضئيلًا، ولذلك يتحتم بقاء الاثنين وتقابلهما.
لكن الديانة المصرية لم تصل إلى الحلِّ الصيني الذي اخترع الين واليانغ ومثل العناصر المتقابلة مع نقطة داخل كلٍّ منها يمثل الآخر. ولا هي مثل الديانة الزرادشتية التي عبرت عن صراع ذي هدف واضح في نهايته، ولذلك هي أبقت الأمر كما هو.
ويجسِّد هذا الأسطورة التي وضعت حدًّا للعراك بين حورس وست بتقاسمهما أرض مصر السوداء (كِمت) لحورس وأرض مصر الحمراء (ديشيرت) ﻟ (ست). وهو يعبر عن تلازم الأحمر والأحمر كلونين طاغيين في مصر.
(١-٢) ثنائية أوزيريس وست
كانت هذه الثنائية القديمة هي الأسبق، فقد وضعت أسطورة أوزيريس الخطوط العريضة لها حين عرضت لغدر ست وقتله لأوزيريس وقيام إيزيس بجمع قطع جسد زوجها ومحاولة إحيائه.
كان الغرض من هذه الأسطورة مشابهًا للغرض من أسطورة ديموزي وإنانا وهو تفسير تغيرات فصول السنة وتأثيراته على حياة وخصب وفاعلية الإنسان والكائنات الحية والطبيعة ككل.
كانت أبيدوس مركز هذه العبادة ومدينة الإله أوزيريس وتسمى بالهيروغليفية (أب–ب–دجو) وهي في مصر العليا (الجنوبية) بين أسيوط والأقصر وقرب قنا، وقد كانت عاصمة مصر الأولى في نهاية عصر ما قبل الأُسَر والأسر الأربع الأولى، وتسمى ﺑ (العرابة المدفونة) وكانت مكان الحج للمصريين القدماء في تلك العصور ليكون فيها على أوزيريس فهي عاصمة مقدسة.
«والمعروف حتى الآن أن موطن أوزيريس كان في مدينة «ددو» التي سماها اليونان «بوزيريس» أي بيت أوزيريس، ومن هذه المدينة انتشرت عبادة هذا الإله إلى جميع أطراف البلاد، وزيادة على ذلك فإن هذه العبادة طردت معبودات كثيرة من مواطنها؛ ففي ممفيس مثلًا اندمج سوكاريس في أوزيريس، كما تغلب على الإله الأصلي في أبيدوس إله الموتى المسمى «أول أهل الغرب»، والذي كان يرمز إليه ويعبد على شكل ابن آوى. ويبدو أن هذا حدث إبان عصر الدولة القديمة، (أي حوالي ٣٠٠٠ق.م.) ومنذ ذلك العصر أصبحت أبيدوس أهم المدن التي تعتبر المركز الرئيسي لعبادة أوزيريس. وبديهي أن أوزيريس منذ اعتُبر ملكًا للموتى أصبح يصوَّر على هيئتهم؛ بمعنى أنه ما دام ميتًا فيجب أن يكون مومياء في أربطتها، ولكنه ربما عاد ودبت فيه الحياة مرَّة أخرى؛ لذلك صبغوا وجهه باللون الأخضر، ووضعوا فوق رأسه التاج وفي يديه عصا الحكم والصولجان» (إرمان، ٢٠٠٤م، ٧٤).
انتقلت عبادة أوزيريس إلى مدينة بوتو (عاصمة المملكة الشمالية) في الدلتا، بينما تكرست عبادة حورس في مدينة نخين (عاصمة المملكة الجنوبية) في الصعيد.

كانت هذه الثنائية فاعلة في حدودها لزمنٍ أو لفترةٍ، لكنها استمرت على هيئة الصراع عديم الجدوى، والذي لم يرفعها إلى مستوًى كونيٍّ لتصبح مساهمة في توضيح الجانب الإسكاتولوجي لنهاية العالم والكون بطريقة مقنعة وعميقة، «ومن أهم نتائج تقصير ثنوية ست–أوزوريس أو (ست حورس بشكلها الجديد) عن بلوغ الثنوية الأخلاقية التامة، هي بقاء التصور المصري للتأريخ أسيرًا لمفهوم التأريخ المفتوح، حيث الزمن الدنيوي عبارة عن سيالة متدفقة أبدًا نحو اللانهاية، والتأريخ الإنساني بمحتواه التكراري يتحرك بشكل خطي دون هدف أو غاية. من هنا فقد غاب عن معتقد الثنوية الأوزيرية أهم عناصر الثنوية الأخلاقية الكاملة، وهو معتقد نهاية العالم، والبعث الأخير الشامل، وتحويل الوجود بأسره إلى مستوًى ماجد وجليل في نهاية الزمن. وبقيت التصورات الأخروية في حدود القيامة الفردية والمصير الخاص لكل روح على حدة، الأمر الذي يترافق مع غياب مفهوم شامل عن الإنسانية والمجتمع الإنساني، ودور الإنسان كنوع متميز وخاص في دراما الخلاص العام» (السواح، ٢٠١٧م، ٣٣).
(٢) عصر المملكة القديمة (٢٥٨٦–٢١٨١ق.م.)
كان لا بد من تعايش وتصالح أسطورتي (حورس–ست) و(أوزيريس–ست)، وهكذا ظهرت مدينة (أون) (هليوبوليس) التي كانت مركزًا لعبادة الشمس في الدلتا، ودمجت الأسطورتين في أسطورة واحدة يشرحها التاسوع الشمسي لهذه المدينة، وفيها يصبح الإله (رع) هو الإله الكوني الأكبر باعتباره ممثلًا للشمس وتنشأ منه عناصر الكون الأربعة التي يمثلها الإخوة (إيزيس، أوزيريس، نفتيس، ست)، ومن زواج إيزيس وأوزيريس يظهر الابن (حورس) الذي يرث كلَّ هذا المخاض ويصبح ملك الآلهة.
كان عصر المملكة القديمة أعظم عصور مصر، وفيه نشأت أسس حضارتها وديانتها، وظهرت فيها ثلاثة مراكز لاهوتية كبرى هي (أون، هليوبوليس مركز التاسوع ورع) و(منف، ممفيس مركز بتاح) و(الأشمونين، هرموبوليس مركز الثامون وبتاح) (آبو، مركز الإله خنوم) وسايس (مركز الإلهة نيت).
مع نهاية المملكة القديمة تحوَّل أوزيريس من إله للخصب إلى إله للموت والموتى وأصبح راعيًّا للعالم الآخر (دوات). وبذلك يكون قد انتهى صراع أوزيريس مع ست واستمر صراع حورس مع ست.
وكان التطور اللافت هو زحف العقيدة الحورسية الشمسية ليكون فيها كلُّ ملكٍ/فرعون عبارة عن حورس على الأرض فهو بمثابة ابن رع وتمثيل حورس الحقيقي. ولذلك فلقبه يكون (حورس)، وحين ينتهي حكمه ينتقل هذا اللقب إلى الذي بعده.
أما الملك المتوفى فيطلق عليه لقب (أوزيريس) لأنه يتماهى مع الإله فيقهر الموت ويُبعث إلى عالم الآلهة. وهكذا أصبحت عبادة أوزيريس غايتها الأولى هي مساعدة الفرعون الميت على تحقيق خلوده في العالم الآخر. كان الملوك في عز مجدهم في الأسر الأربع الأولى يتماهون مع شخصية (رع) الشمسية في مماتهم وفي غايتهم، حتى انهار هذا وظهر التماهي مع أوزيريس في نهاية هذه المملكة.
بالإضافة إلى ذلك استمرت الآلهة المحلية الخاصة بكل مدينة بالحضور القوى، فإله المدينة كان واهب النعم والخيرات ورمزها لواء المدينة، وكان أحيانًا يسمى باسمها أو يلقب بأنه سيدها وكانت المدينة تسمى بيته.
واستمرت عبادة الحيوانات كآلهة باعتبارها مقرًّا للقوة الإلهية «ولم يكن جميع أفراد كلِّ نوع يعبد من الحيوان أهلًا للتقديس، وإنما كان يختار فردًا واحدًا منه، يمتاز بصفات خاصة، يتميز بها عن غيره من أفراد نوعه. فإذا نفق الحيوان المعبود كُفِّن بالكتان والحصير على نحو ما كان يكفن الموتى من المصريين، ثم يدفن في أماكن مختارة بين مقابر الموتى، ولكن لم يلبث أن أصبح لبعض هذه الحيوانات المعبودة تمثيل من الصلصال أو الخشب أو الحجر أو المعدن تقوم مكان الحيوان المقدس» (رزقانة وجماعته، ب ت، ٨٣).
«منذ قيام الدولة القديمة، كان يمكن تمثيل الآلهة في أشكالٍ متغايرة، مثل: الهيئة الإنسانية، أو الشكل الحيواني، وأشكال مركبة متعددة العناصر، يجمع ما بين السمات البشرية والصفات الحيوانية، ولا شك أن التباين المميز للأشكال الدينية المصرية، قد استمر حتى نهاية هذه الحضارة. وكان العديد من الآلهة يمثلون في شكلٍ حيوانيٍّ أو مركب. وضمن الكثير من الأرباب الذين يبدون في هيئة إنسانية بحتةٍ، يُرى البعض مدمجين بحيوانٍ ما. الإله الإنسانيِّ الشكل تمامًا، بدون أي صلةٍ واضحةٍ مع أي حيوان، هو: أوزيريس. فهو، بالبفعل، يبدو دائمًا في صورة إنسان محنَّطٍ متدثرٍ في لفائف كتَّانية. وكذلك الحال بالنسبة ﻟ (خونسو) الإله القمر، هو الآخر بكفنٍ. ولا يبدو أن هناك حيوانًا ما شريكًا له.» (ديناند، ٢٠١٢، ١٤٢–١٤٣).
«ثم ما لبثت الآلهة ذات الشكل الحيواني حتى أفسحت المجال أمام آلهة ذات شكل بشري، ولم يبقَ في نهاية عملية التحول هذه من الشكل الحيواني القديم سوى رأس يعلو جسد امرأة أو رجل وقد يتحول الرأس الحيواني أيضًا إلى رأس بشري ولا يبقى منه إلا أثر لأذنين أو قرنين. منذ عصر الأسرة الثانية في مطلع الألف الثالث قبل الميلاد أخذت الآلهة أشكالها الثابتة التي لم تتغير حتى نهاية عصور الوثنية، وكما هو حال الآلهة التي رسمها فنان العصور ما قبل التأريخية وهي ترتدي مئزرًا قصيرًا يزينه ذيل حيوان. أما الإلهات فيبدون في ثوب ضيق طويل يصل إلى الكاحلين وتمسكه من الأعلى حمالات عند الكتف. لقد احتفظ أغلب الآلهة والإلهات برأس الحيوان الذي صدروا عنه. ولكنهم بارتدائهم للشعر المستعار، ومن خلال الطريقة الفنية التي استخدمها الفنان لوصل الفك الحيواني أو المنقار بالعنق، فإن هذه الأشكال الهجينة نادرًا ما تصدم الحس الجمالي لناظرها الحديث. وهي تبدو لنا حقيقية فعلًا. وعندما يكون الرأس إنسانيًّا بشكل كامل، فإن الذقن الحليقة تزينها لحية اصطناعية تذكرنا بالوجوه الملتحية للمصريين الأولين.» (فياود، ٢٠١٧م، ٣٦–٣٧).
واختلف هذا التقديس المنتقى للحيوانات في هذا العصر عن العصور المتأخرة التي عُبدت فيها أفراد النوع الحيواني لذاتها دون عناية روحية خاصة. وظهرت في هذا العصر معبودات الإقليم التي كانت تضم أكثر من مدينة، وبذلك ظهرت على المستوى الديني فكرة الأسرة أو الأسر الآلهية التي كانت غالبًا ما تتألف من ثالوث يتكون من الأب والأم والابن مثل ثالوث منف (بتاح، سخمت، نفرتم)، أو من زوج وزوجتين مثل ثالوث إلفنتين (خنوم، عنقت، ساتت)، أو من أم وابنين مثل ثالوث المقاطعة السابعة في الصعيد (حتحور، سماتاوي، آحي) واحتل الإله (حور) مرتبة رفيعة بظهور المملكة الموحدة وأصبح التناغم والانسجام بين السلطات الدينية والسياسية عاليًا.
وظهرت الأساطير مترافقة مع الأحداث السياسية التي كانت ترتفع فيها الآلهة وتتصارع، وبذلك صارت الأحداث والوقائع مادة مهمة في نسيج الأساطير.
ومثَّل المصريون القدماء آلهتهم على شكل الإنسان الكامل أو الإنسان برأس حيوان. وهناك على رأسه أو في يده ما يشير إلى أصله أو يرمز له. وأصبحت الرموز الإلهية صفة من صفات التجريد الروحي والفني الذي كان يرتفع بالعقيدة الدينية. ومع ذلك فقد بقيت عادة تصوير بعض الآلهة كحيوانات موجودة مثل العجل المقدس في منف (أبيس).
وأصبح الإله (رع) هو الإله القومي المصري دالًّا على الشمس في صيغة رسمية وكهنوتية عالية. أما الإله (حور) فقد ارتبط بالعبادة الشعبية التي كان (رع) يعبر عنها شمسيًّا كإله حاكم.
وكانت عبادة الشمس طاغية في المملكة القديمة «ولم يشأ كهنة العبادات الأخرى أن تتخلف معبوداتهم عن إله الشمس فشبهوها، وادعوا أنما هي صورة له ليكون لها نصيب من جاهه وسلطانه. وهكذا اتخذ كثير من الآلهة شخصية إله الشمس واتحد به، ومن أمثلة ذلك مين رع، سبك رع، خنوم رع، منتو رع، آمون. وقد تبع ذلك أن وجدت طقوس عبادة الشمس سبيلها إلى طقوس غيرها من الآلهة حتى أصبحت الطقوس الدينية في جميع المعابد واحدة في نهاية الدولة القديمة» (رزقانة وجماعته، د. ت، ٩٢).

ولعل أعظم المظاهر الدينية التي ظلت متماسكة طيلة التاريخ المصرى القديم والتي تبلورت أسسها في المملكة القديمة هي الطقوس والعقائد والأساطير الجنائزية، والتي تعبر عن الإسكاتولوجيا المصرية القديمة خير تعبير. فقد تحول إله الخصب والزراعة والأرض (أوزريس) إلى عالم الموتى، وأصبح يرعى الحياة بعد الموت بكل تفاصيلها. وأظهرت كتابات الأهرامات كمًّا هائلًا من العبارات والأشعار السحرية التي تعطى للموتى «وتظهر هذه الكتابات لأول مرة على جدران هرم أوناس، وظلت تستخدم على جدران جميع أهرامات السلالة السادسة بعد ذلك. وترقى العبارات السحرية هذه إلى عصور مختلفة، فبعضها يرقى دون شك إلى عصر ما قبل السلالات، حيث إنها تذكر أحيانًا بعض الأحداث السياسية الخاصة بذلك العصر. ويمكن ملاحظة تقليدين جنائزيين في كتابات الأهرامات، أحدهما، لا بد أنه يرجع بأصول إلى أصل كهانة معبد هليوبوليس، حيث يلعب فيه الإله رع الدور الرئيس في حين يعطى الآخر المركز الأول لإله العالم السفلي أوزريس. وقد أخذ العديد من العبارات السحرية الواردة في كتابات الأهرامات لتظهر في نصوص توابيت المملكة الوسطى ثم انتقلت في عهد المملكة الحديثة إلى ما يعرف عادة بكتاب الأموات.» (بوتيرو/فيركوتر، ١٩٨٦م، ٣٢٤).
(٣) عصر المملكة الوسطى (٢٢٥٠–١٥٦٧ق.م.)
- (١)
مرحلة الأسرات (٧–١٠): سادت الفوضى وظهور سلالات غير شرعية، وفقد الملوك هيبتهم وضاعت هالة الألوهية التي كانت تحيط بهم وتجعلهم كالبشر المؤلهين، وأصبح الناس ينظرون لهم كحكام عاديين، ولم يعد الدم الأزرق يجري في عروقهم حين تزوجوا من خارج الأسر المالكة.
وطرأ جديد على العبادة المصرية عندما تبنت في مدينة إهناسيا (عاصمة الأسرتين ٩، ١٠) والتي حكمت لمدة قرنين حين ظهرت عبادة الإله (حرشف) أو (حريشاف) الذي يعني اسمه (الذي على ضفاف بحريته) وهو إله المدينة فقد تم توحيده مع الإلهين (رع وأوزيريس)، وبدا أنه ولد من المياه البدئية (فون) في محاولة لجعله إلهًا قديمًا وكونيًّا. وكان وجهه يظهر بوجه كبش يشبه الإله خنوم. وكان يقرن أيضًا ﺑ (رع–حور الفتى) وهو الجامع بين رع الممثل بقرص الشمس وحورس على الأفقين.
وبسبب اهتزاز مكانة الفرعون صار بإمكان أي فرد من الناس اتخاذ الإله أوزيريس إلهًا مخلِّصًا له في العالم الآخر، وبذلك ظهرت الديانة الشعبية لأوزيريس إلى أقصى أشكالها. وترسَّخ موضوع الشفاعة والخلاص والأخلاق التي يجازى الفرد عليها ليدخل جنة أوزيريس في الآخرة. وهكذا ارتفع شأن العبادة الأزورية كعبادة أخروية، فيما ظلت عبادة رع كعبادة رسمية شائعة تفسر الخليقة وحركة الشمس اليومية وتفسر الخلق والانبعاث اليوميين، وهو ما يشير إلى التجدد والصراع والولادة والهجوع المؤقت وهكذا.
الإله أوزيريس إله العالم الآخر (ما بعد الموت). - (٢)
مرحلة الأسرات (١١–١٢): عادت قوة الملك والدولة مع الأسرتين ١١ و١٢ وظهرت مدينة طيبة بقوة ومعها عبادة الإله (آمون) كإله بدأ يرتفع لمصاف الآلهة الكبار. وجرت محاولات لدمجه بالإله رع.
- (٣)
مرحلة الأسرات (١٣–١٤) ساد الضعف من جديد وهو ما أضاع مسيرة الإله آمون ومكانته الشمسية.
- (٤)
مرحلة الهكسوس (١٥–١٦): وهي مرحلة ارتفع فيها مركز الإله (ست) الذي دمج مع إله الغزاة الذي هو بعل فنتج عن ذلك الإله (سوتخ) الذي أصبح يمثل العبادة الشمسية بدلًا عن (رع) وعُبد في عاصمتهم (أفاريس) وهي (تانين).
كان سوتخ إله الصحراء والفوضى والشر، وبدا كما لو أنه نهض من كبوته بعد شيوع عبادة غريميه (حورس، أوزيريس)، وهكذا دخل في دور بطولي وظهر في مقدمة مركب الشمس يحارب الثعبان أبوفيس ومنتصرًا للشمس التي كان هو مسئولًا عنها باعتباره أحد أعضاء التاسوع الشمسي. وأسبغت عليه قوًى إيجابية مثل قوة الظلام في السماء وقوة الخصوبة التي جسَّدته في الثور وفي مساعدته للمتوفى في القضاء على أرواح الشر التي تعترضه، واعتبر إلهًا للمعادن بسبب صولجانه الثقيل جدًّا، وعُرف الحديد باسم (عظام ست)، وكان مركز عبادته الرئيسي مدينة (أمبوس، نقادة) ورمزه الصولجان واس، وزوجاته نفتيس وتواريت وعناة وعشتروت ومن أبنائه أنوبيس.
- (٥)
مرحلة مملكة طيبة وطرد الهكسوس (الأسرة ١٧): وقد حكم فيها (١٦) ملكًا لم يستقل منهم استقلالًا حقيقيًّا سوى الملوك الثلاثة المتأخرين، فقد كان معظمهم تابعين للهكسوس ولكن بعضهم استطاع أن ينظم إقليم مصر العليا وحفزوهم لتحرير مصر كلِّها.
إن عصر المملكة الوسطى شديد الاضطراب ويفتقد إلى الاستقرار والهدوء والبناء الرصين الذي ساد في المملكة القديمة. وقد انعكست التغيرات السياسية والاجتماعية لهذا العصر على العقائد الروحية والدينية.
لقد تأثرت عقائد الإسكاتولوجيا (الجنائزية) بشكل واضح، فبعد أن كانت في المملكة القديمة (نصوص الأهرام) مقتصرة على الملوك في مراحل ما بعد الموت ورفقة وعناية الإله (رع) لهم، أصبح الفرد المصري ينال مثل هذه العناية وهذه الامتيازات الملكية. وهكذا أصبحت نصوص الأهرام تنقش على الجدران الداخلية للتوابيت الخبيثة، ونشأت بذلك ما يسمى ﺑ «نصوص التوابيت».
وقد تبع ذلك أن أخذ الإله الشعبي «أوزريس» دورًا أكبر في حياة ما بعد الموت لأنه كان شفيع الناس العاديين، وكانت عبادته منتشرة بين العامة أكثر من الملوك. وقد مهد هذا تدريجيًّا، فقد تحول الاهتمام بحياة ما بعد الموت من عهدة «رع» إلى «أوزريس» حتى أصبح الإله الأعظم لمملكة الأموات في عهد المملكة الوسطى. وإذا كنا نعتبر الإله «رع» هو الإله القومي لمصر في المملكة القديمة فإن «أوزريس» صار هو الإله القومي لها في عصر المملكة الوسطى. وبذلك تحول طريق الحج الديني من مدينة «أون» (هليوبوليس) حيث يعبد «رع» إلى مدينة «أبيدوس» حيث كان يعتقد أن قبره الرئيس كان هناك، «وأصبح كلُّ مصري يتوق إلى أن يدفن قرب معبد الإله أوزيريس، إن لم يضمن تحقيق تلك الأمنية، أن يترك وراءه في الأقل بعض ما يشير إلى حضوره في أبيدوس. لذلك فقد وجدت أعداد لا حصر لها من المسروقات ضمن الحرم المقدس. وأصبحت أبيدوس أعظم مركز ديني في مصر مما يفسر الضراوة التي احترب بها الهيروكلوبوليسيون والطيبيون للسيطرة عليها» (بوتيرو/فيركوتر، ١٩٨٦م، ٣٤٩).
وفي هذا العصر ظهرت فكرة العقاب والثواب بعد الموت، وكانت ممزوجة بالسحر ثم تبلورت تدريجيًّا في اللاهوت المصري فكرة «محكمة الأموات». وظهر ذلك السيناريو الطويل لمعاملة الميت بعد الموت مباشرة. وكان من النتائج المباشرة لزعزعة مكانة الإله «رع» وتصدير النزعة الشعبية في العبادة شيوع آلهة قليلة الأهمية في عهد المملكة القديمة مثل وبواويت في أسيوط أو خنوم في إلفنتين أو مونتا في طيبة الذي صار الإله الصقر الممزوج بالإله رع وحاز على اللقب العظيم «الإله المقاتل».
إن هذه التطورات المهمة في الديانة المصرية التي حصلت في العهد الوسيط كان لها الأثر العظيم في إعادة صياغة هذه الديانة وحقنها بمنشطات جديدة إضافة إلى التلاقح المخصب الذي حصل قبل وبعد غزو الهكسوس، والذى أدخل عناصر آسيوية جديدة للديانة المصرية.
(٤) عصر المملكة الحديثة (١٥٦٧–١٠٢٥ق.م.)
الأسرات (١٨–٢٠): خلال هذه الفترة عادت عبادة آمون التي قُطعت مسيرتها وارتفعت بقوة وأصبح دمجه نهائيًّا مع الإله رع وسمي ﺑ «آمون رع» واحتفظ الإله «بتاح»، الذي أصبح الإله القديم، بخصائص الخلق والتكوين.
عاشت مصر خلال عصر الإمبراطورية (المملكة الحديثة) حياة مرفهة يمكن وصفها بالعصر الذهبي لمصر القديمة، وظهر ذلك على عمرانها وفنونها وتفاصيل حياة شعبها المترف آنذاك.

وبعد نحو قرنين من تأسيس الإمبراطورية تولى الملك أمنحتب الرابع عرش البلاد، وقد تنامى في مصر شعور بأن العالم يمكن أن يكون موحدًا (بسبب سعة الإمبراطورية المصرية) وأن إلهًا واحدًا لهذا العالم يختفي خلف مظاهر هذه الآلهة المحلية والإقليمية والقومية. ولذلك وجد أمنحتب الرابع الظرف مؤاتيًّا لإعلان ثورته الدينية الموحدة وسمى نفسه أخناتون، «وأصدر أمره إلى جميع شعوب الإمبراطورية بما فيها آسيا وأفريقيا ليعبدوا إلهًا واحدًا سماه «آتون، آتين»، وأغلق المعابد وطرد الكهنة ليحمل الناس على نسيان دينهم القديم، وأمر بمحو أسماء هؤلاء الآلهة أينما وجدوا، وبخاصة في نقوش المعابد، وكره الشرك فأمر أيضًا بتكسير علامة الجمع أينما وردت في أي نص يذكر جمع كلمة «إله» وكانت كراهيته شديدة بنوع خاص للإله «آمون» إله طيبة في عصر الإمبراطورية» (برستد، ١٩٦٢م، ١٣٧).
وكانت هذه الثورة الدينية التوحيدية سببًا مباشرًا في سقوط هذا الإمبراطور وبداية في ضعف الإمبراطورية وتدهورها. فقد عادت عبادة آمون بقوة بعد وفاة أخناتون، وحكمت الأسرتان (١٩، ٢٠) بعد وفاة صهره توت عنخ آمون لقرنين من الزمان، بدأ خلالها ملوك مصر وبدأت مرحلة أفول الحضارة المصرية بكاملها.

وصلت عبادة الإله «آمون» إلى ذروتها في هذا العصر (باستثناء فترة أخناتون)، وكان هو الإله الرئيس في الإمبراطورية، وقد دُمج بالإله رع، فأصبح يسمى «آمون رع»، واحتفظ الإله «بتاح»، الذي أصبح يسمى الإله القديم، بخصائص الخلق والتكوين.
«وكان التغير الواضح في العقائد الجنائزية، فاستبدلت ألواح التوابيت لنقش تعاويذ ودعوات الموتى وظهرت مكانها البرديات الطويلة التي صارت فيما بعد أساس «كتاب الموتى»، وساد الاعتقاد الأعمى في شدة مفعول السحر وتوهم القوم وجود السحر في التعاويذ السالفة حتى اعتقدوا أنها تكفي لأن تجلب للميت كلَّ ما يحتاج إليه ويشتهيه. ولما ترهف القوم ولم يرقَ في نظرهم ما تخيلوه من أعمال الموتى، من حرث وضم وحصد حقول «ياور» الأخروية وضعوا تماثيل صغيرة حاملة أدوات الشغل اللازمة المنقوش عليها تعاويذ سحرية، معتقدين أنها ستحيا في الآخرة وتؤدي جميع أعمال الميت هناك، كلما طلب منه ذلك. أما هذه التماثيل فكانت تعرف باسم «أوشبتي»، وهي كلمة مشتقة من فعل أوشب — أي أجاب — فهي لذلك مجيبات عن الميت في آخرته» (برستد، ١٩٢٩، ١٦٣).
أما الظاهرة الأكثر إشراقًا في هذه المرحلة فهي تطور فن بناء المعابد وتنوعها، فلم تشهد مصر مثل هذا العدد الباذخ من المعابد؛ بسبب إيرادات الغنائم الهائلة التي كانت تأتي مصر من أطراف الإمبراطورية.
وظهرت المقابر العظيمة للأمراء والملوك منحوتة في صخور الجبال ومزينة بالنقوش والكتابات، وصارت هذه المقابر موازية للأهرام في نقوشها ونفائسها وكنوزها؛ لاحتوائها على سراديب وقاعات واسعة منحوتة في الصخور. وكانت عمارة هذه المقابر تماثل عمارة الكهوف التي تخيلها قدماء المصريين، تخترقها الشمس في رحلتها الليلية في العالم الأسفل.
«وقام الكهنة بدور أساسيٍّ في انحطاط العقائد الجنائزية، فقد شجعوا على اقتناء مثل هذه التماثيل وأخذوا يبيعون التعاويذ المكتوبة على البرديات نقلًا عن كتاب الموتى على أنها ضمان للميت لبراءته أمام محكمة الموتى، وبذلك سهل الكهنة لأي إنسان، مهما كبرت جرائمه، الحصول على البراءة. ثم تفننوا في وضع كتاب آخر سموه «كتاب الدار السفلى»، ذكروا فيه أوصاف الكهوف الاثني عشر الخاصة بساعات الليل، والتي تمر عليها الشمس في سياحتها الليلية، ثم وضعوا كتابًا آخر لقبوه ﺑ «كتاب الأبواب» شرحوا فيه الأبواب والحصون الموصلة لتلك الكهوف بعضها ببعض، وصادفت هذه البدع السحرية هوًى في نفوس العامة، فكانت بداية لانحطاط العقيدة الدينية المصرية بأكملها» (برستد، ١٩٢٩م، ١٦٣).
وبقيت عادة تقديس الحيوانات موجودة في هذا العصر كما في الشكل المرفق، حيث تم تمثيل الإلهتين إيزيس ونفتيس بشكل حدأتين.

منظر من مقبرتها في وادي الملكات غرب الأقصر، الأسرة ١٩.
(٥) عصر الأفول (١٠٥٨–٣٣٢ق.م.)
(٥-١) الأسرات (٢١–٣٠)
كان عصر الرعامسة الثلاثة الأوائل آخر عصور القوة المصرية، وابتدأ عصر الأفول بعد رمسيس (رعمسيس) الثالث، ويبدو أن ملوك مصر هجروا طيبة بعد رمسيس التاسع واتخذوا الوجه البحري مركزًا لإقامتهم لقرنين من الزمان برغم أنهم ظلوا يدفنون موتاهم في طيبة.

قامت الأسرة «٢١» بعد استقلال الوجه البحرى تحت سلطة أحد أبنائها، ثم انفصلت الدلتا عن الإمبراطورية ودبت الاضطرابات. وبعد حكم ملوك هذه الأسرة حكم مصر ملوك أجانب وأدرجوا أنفسهم ضمن السلالات المصرية الحاكمة، فقد كان ملوك السلالة الثانية والعشرين من ليبيا.

شهدت بعدها مصر اضطرابات داخلية انقسمت المملكة خلالها إلى عدة إمارات صغيرة مستقلة، ثم حكم الإثيوبيون (التوبيون) مصر. بعدها احتل الآشوريون مصر وضموها إلى إمبراطوريتهم أثناء حكم النوبيين لها. ويتضح من هذا أن مصر القديمة بدأت بالانهيار بعد أن حُكمت من قبل الأقوام الأجنبية عليها كالليبيين والإثيوبيين والآشوريين.
ولم تنفع محاولة الإصلاح التي قام بها الملك بسمايتك الذي حكم لأكثر من نصف قرن ثم جاء بعده أمازيس، لم تكن هذه المحاولة إلا الصحوة التي تسبق الموت، فقد ضغط البابليون على مصر ثم قام الفرس باحتلالها وكانت الأسر الثلاثة الأخيرة شاهدًا على نهاية هذه الحضارة العظيمة.
كانت الديانة المصرية في وضع حرج في هذا العصر، فأمام الانتكاسات السياسية والأفول الحضاري المتدرج، لجأ كهنة مصر إلى العودة الأصولية للدين المصري في عهد المملكة القديمة، ويبدو أن مراحل النكوص الحضاري تفرض أحيانًا مثل هذا النكوص الديني ويسود اعتقاد قوي بأن أهل العصر القديم بلغوا من العلم ذروة لا يمكن تعديها.
«سميت هذه المرحلة بالمرحلة الصاوية والتي شهدت ولع الصاويين بالبحث عن النصوص والقراطيس البردية القديمة التي علاها تراب الأجيال العديدة وفي جمعها وفحصها ثم تنظيمها، وبذلك يتضح سبب انتصار الماضي على الحاضر وسبب جهل الكهنة المعاضدين لهذه الحركة الرجعية بما هو سائر من حولهم في العالم» (انظر برستد، ١٩٢٩م، ٣٨٨).
ورافق جمع الأصول هذا العودة إلى نصوص السحر القديم وشيوع تطبيقاته وانتعشت الأشكال الحيوانية السحرية للآلهة، فظهرت مجاميع الآلهة وكأنها فسيفساء حيوانية خليطة، وكأن عودة إلى عالم الحيوان قد استقرت بعد أن سما المصريون بآلهتهم إلى التوحيد في عصر المملكة الحديثة، وهذا مظهر آخر من مظاهر النكوص.
وفي هذا العصر أُبطلت عبادة ست كونه رمزًا للخراب والدمار وتعالى في الوقت نفسه دور الإلهة إيزة (إيزيس) حتى صارت وكأنها الإلهة الأم للأمة المصرية القديمة، ويظهر هذا النكوص الحضاري، فقد استُحضرت الإلهة الأم في صورة إيزة التي عُبدت وكأنها حماية مصر.
«وفجأة تعاظم دور العجل أبيس (وهو أحد أشكال الإله بتاح) فعبدوه بعناية وصاروا يدفنون جثته في احتفال مهيب في جبانة السرابيوم الخاصة بذلك بجوار منف، أما تقديس هذا العجل فكانت بدايته في عهد المملكة القديمة، وقد أصبح له الآن شأن عظيم لدرجة بلغت حد التعصب الديني بين أهالى الإسكندرية في العهد الروماني. والظاهر أن كهنة العهد الصاوي فسروا هذه المظاهر الخارجية بالفلسفة التي فسروا بها خرافاتهم الدينية، فأوجدوا بذلك شيئًا لم يكن موجودًا ولا منسوبًا لها سابقًا» (انظر برستد، ١٩٢٩م، ٣٣٨).
(٦) العصر الكلاسيكي (٣٣٢ق.م.–٦٤٢م)
-
غزو الإسكندر المقدوني: عام ٣٣٢ق.م.
-
العصر البطلمي (٣٣٢–٣٠ق.م.)
-
العصر الروماني (٣٠ق.م.–٢٩٥م).
-
العصر البيزنطي والقبطي (٣٣٧–٦٤١م).
-
العصر العربي الإسلامي بدأ من ٦٤٢ م.
وقد بنى الإسكندر العديد من المدن التي سماها ﺑ (الإسكندرية) ذكرت المآثر أن عددها جاوز السبعين مدينة، وعُرف منها نحو العشرين، ولعل أشهر الإسكندريات في العالم إسكندرية مصر. وبعد وفاة الإسكندر وقعت مصر بأكملها تحت حكم بطليموس قائد الإسكندر.
«وما لبث بطليموس أن دخل شيئًا فشيئًا تحت تأثير ما تبقى من أصداء الحضارة المصرية ونشأ مزيج جذاب من الحضارة الهيلنستية في مصر، فصار بطليموس فرعون مصر الجديد، وأصبحت مدينة الإسكندرية مركزًا عظيمًا للثقافة الهيلنستية، وكان يدعمها الملوك البطالمة بلا حدود، فتأسس فيها متحف الإسكندرية الذي خُصِّص أولًا لربات الفنون، وانقضى جيلان أو ثلاثة كانت الأبحاث العلمية التي تجرى في أثنائها بالإسكندرية ممتازة الجودة، وظهرت هناك مجموعة خارقة من رواد العلم وعلماء الطبيعة مثل إقليدس في الهندسة وأبولونيوس في الرياضيات وهيبارفوس في الفلك وهيرون المخترع وأرخميدس في الفيزياء وهيرفيلوس في التشريح، وغيرهم.» (انظر ويلز، ١٩٦٧م، ١١٧).
وأصبحت مكتبة الإسكندرية أعظم دار كتب موسوعية في العالم القديم، وتحولت مصر إلى مختبر فكريٍّ وروحيٍّ خرجت منه المدونات الهيلنستية الكبرى وعلى ذلك «فإننا نجد في هذه المؤسسة لأول مرة البداية الأولى المحددة للحركة الفكرية التي نعيش فيها اليوم، وفيها نجد المعرفة تتجمع وتتوزع بطريقة منتظمة، فإنشاء هذا المتحف وهذه المكتبة يعد إيذانًا ببدء إحدى الحقب العظيمة في تاريخ العالم، فهي البداية الحقة للتاريخ الحديث» (ويلز، ١٩٦٧م، ١١٧–١١٨).
وكان من أغرب الظواهر في هذه المرحلة احتفاظ الدين المصري بتماسكه وقوته دون أن يتعرض، في الفترة اليونانية بشكل خاص، إلى شروخ أو اهتزازات في بناه العميقة، ويرى أدولف إرمان السبب في ذلك «هو التواطؤ المسبق بين الملوك والكهنة، ولهذا جعل الملوك الإغريق والأباطرة الرومان السلطة الدينية تحت حمايتهم على أن تؤيد من ناحيتها السلطة الزمنية. وهذه العلاقة التي استمرت زهاء الخمسمائة عام، قد هيأت للعبادة المصرية خاتمة سعيدة، فقد ظلت باقية من معابدها حتى النهاية يحفها الجلال والعظمة، وظلت الحكومة تحميها حتى في الوقت الذي بدأ فيه أهلها أنفسهم يهجرونها» (إرمان، ١٩٩٥م، ٤٧٤–٤٧٥).
واستمرت مظاهر تقديس وتأليه الملوك، فأصبح ملوك الإغريق وأباطرة الرومان آلهة على المستوى الرسمي، أي «آلهة الحكومة»، أما الشعب فلم يكن يتعبدهم بل كان الكهنة المتملقون قد حصلوا على لقب جديد يقربهم من الملوك كآلهة، وهو لقب كهنة «الآلهة المحبة لأخواتها»، أو كهنة «الآلهة الخيِّرة».
وبرغم الاختلاط الشكلي بين الآلهة اليونانية والمصرية إلا أن سحر الآلهة المصرية ظل قويًّا في نفوس المصريين والإغريق والرومان، بل إن عبادة الآلهة المصرية غزت أوروبا. والظاهرة الوحيدة للتمازج الحي والخلَّاق بين الآلهة المصرية واليونانية هي في ظهور الإله سرابيس الذي هو الإله (أوزيريس–أبيس) الثور المقدس أبيس في صورة أوزيريس الميت، والذي رفعه الإغريق بمرتبة عالية، وأصبح الإله الرئيس في مملكة البطالمة ودُمج مع زيوس.
وارتفعت عبادة الإلهة إيزيس وصارت خلاصة الألوهة المؤنثة، ومع الزمن تجمعت فيها صفات الإلهات الإناث المصريات والإغريقيات. وكان الإله حورس الطفل (حرباخرد)، أو كما يسمى بالإغريقية (حربوقراط)، الإله الابن لسرابيس وإيزيس.

وواصلت الحضارة المصرية بالتفاعل والتأثير في الحضارة الرومانية وكان إغواؤها كبيرًا على الرومان، كبيرًا في شتى الحقول وفي الديانة بشكل خاص، «وعند مجيء الرومان إلى مصر وتحول مصر إلى ولاية عام ٣٠ق.م. كان هذا الثالوث الإلهي يتربع على عرش الدين المصري، وانتقل إلى الروماني. وانتعش السحر من جديد وسادت علوم التنجيم والكيمياء، وكان الجانب السحري منها هو الأقوى، وظلت لفنون السحر القديمة الأهمية الأساسية وهي شفاء الأمراض والجروح، وتعاويذ الحب، ورقى جلب السلطة والهيبة، وكل التعاويذ الغريبة التي تثير الجنون والمرض. وكان يعتقد أن الساحر في ذلك العصر يستطيع أن يفهم منطق الطير والزواحف، وأن يفتح السماء والأرض والعالم السلفي، وأن يستدعي الموتى من عالمهم» (إرمان، ١٩٩٥م، ٥٣٣).
ومع نهاية الديانة المصرية كان هناك أمران؛ أولهما أن الدمج البطيء بين الآلهة المصرية والإغريقية والرومانية جُعل للآلهة الإغريقية الغلبة من حيث الشكل والمصرية من حيث المضمون.
ولم تتعب الحضارة المصرية في تفاعلها مع الحضارات المسيطرة عليها، لكنها ذوت مع مجيء البيزنطيين ونشوء المسيحية قبلها في مصر ورغم ذلك فقد كانت الديانة المصرية منهلًا للكثير من بدايات الديانة المسيحية وثقافة البيزنطيين حتى ظهرت الثقافة القبطية التي كانت نتيجة هذا التفاعل المبدع فقد «ظلت العادات الوثنية حتى عند المسيحيين الأوائل في مصر رغم أن الطبقات العليا من المجتمع كانت خلصة لما تبقى من الديانة المصرية في القرنين الثالث والرابع الميلاديين، فقد كان معبد سرابيس في الإسكندرية هو المعبد الأول، وفي منف كان يعبد إسكلابيوس قبل كل شيء وهو الحكيم القديم إمحوتب الذي صار إلهًا وهو الذي حل محل بتاح أيضًا، وزحزح بس الصغير أوزيريس من مكانه في أبيدوس وطفق يعلن نبوءاته، وكان لها تقدير عظيم. وفي منطقة أخميم بمصر الوسطى كان يُعبد إله يقال له بتبي» (إرمان، ١٩٩٥م، ٥٤٤).

المصريون والرومان عبدوا إله الصمت، حربوقراط، وهو شكل من أشكال الألوهية الشمسية. وكثيرًا ما كان يتم تصوير حربوقراط جالسًا في حضن والدته وهو يرضع من ثديها. في وقت لاحق، اعتمدت الكنيسة الكاثوليكية صورًا مماثلة في تبجيل مريم مع الطفل. في بعض الأحيان تم تصوير حربوقراط عاريًا أو بقرون على رأسه، وهي رموز السلطة. غالبًا ما كان يجلس على زهرة اللوتس. اللوتس هو رمز جنسي للفرج الأنثوي.

ورغم أن الديانة المسيحية وقفت بالضد من تعدد الآلهة المصرية لكنها امتصت الكثير من صفاتها وخصوصًا الثالوث المصري الذي أصبح مرادفًا لبدايات نشوء الثالوث المسيحي وحافزًا على ترعرعه ونموه في منظومات اللاهوت المسيحي، ونعتقد أن نشوء الثالوث المسيحي كان بمؤثرات مصرية وبمقترحات من كهنة ورجال دين مسيحيين وآشوريين نزحوا من الديانة القديمة إلى الديانة المسيحية.
«إن سيادة الثالوث الإلهي المصري (أوزيريس، إيزيس، حورس) مهَّد الأرضية للثالوث المسيحي المبكر (الأب، العذراء، الابن) ومع انتشار المسيحية في مصر أصبحت آلهة الديانة القديمة أشباحًا في الديانة الجديدة، بل لقد أصبح لفظ (نتر)، الذي كان يدل على الآلهة من قبل، يعني في لغة المسيحيين الأرواح الشريرة. ومع أن هذه الآلهة غدت أهلًا لمقت شعبها الأصلي، فقد ظلت تحتفظ في وطنها مصر بمكان تلجأ إليه دائمًا، وهو السحر» (إرمان، ١٩٩٥م، ٥٤٧–٥٤٨).
نرى أن خلاصة الحضارة المصرية لم تصبَّ جذوتها فيمن ورثها من العرب والمسلمين داخل وخارج مصر بل صبَّتها في نهرين جاريين متوازيين هما حضارتا الإغريق والرومان، ثم الحضارة الهيلنستية والديانة المسيحية اللتين تسلقتا إلى الغرب عبر نسغين صاعدين من جنوب المتوسط إلى شماله، وكانت هذه الجذوة مبعث نشاط حضاري للعصر الأوروبي الوسيط (من خلال المسيحية)، ومبعث نشاط علمي حديث للعصر الأوروبي الحديث (من خلال الحضارة الهيلنستية التي انبعثت وحفزت ظهور عصر النهضة في التاريخ الأوروبي الحديث).
لقد أظهرت الديانة المصرية القديمة خلال أكثر من الألف وخمسمائة سنة الأخيرة من عمرها، برغم الانتكاسات السياسية التي مرت بها مصر، ثباتًا قل نظيره وكانت في كل عصور الأفول والاحتلال تنهض من جديد مستفيدة حتى من أعدائها، بل لقد هزمت الديانة المصرية أعداءها في دولهم، فقد اكتسحت عبادة إيزيس وأوزيريس أنحاء الإمبراطورية الرومانية ووجدت لها جماعات علنية وسرية تحمست لها وبشَّرت بها، رغم وجود، منافسة قوية جدًّا من الأديان الأخرى في ذلك العصر إلا أنه «لم يقدر للأم العظيمة في آسيا الصغرى، ولا لمتراس إله الشمس عند الفرس، ولا لإله اليهود أن ينتزع أي منهما الأسبقية من الآلهة المصرية وذلك لأسباب كثيرة. وكان من أوائل هذه الأسباب ذلك الإجلال الغامض، الذي كان يحس به المرء نحو هذه البلاد ذات الحضارة القديمة والآثار العجيبة» (إرمان، ١٩٩٥م، ٥٥٢).