المبحث الأول

المعتقدات الألوهية

(١) عقائد الربوبية

(١-١) الألوهية (نتر)

كانت كلمة «نتر neter» في اللغة المصرية القديمة تعني القوي أو القدير، وتعبر عن الله أو الإله الذي هو روح أي من الكائنات. وكانت هذه الكلمة تعني القوة أو الطاقة التي تفوق قوة البشر أو الخارقة للطبيعة، أما رمزها الهيروغليفي فكان عبارة عن صورة فأس برأس مثلث أو مستطيل متجه إلى اليسار .

حير العلماء تفسير معنى هذا الرمز ومصدره، فقد رأى البعض أن هذا الرمز يعود إلى العصور الحجرية دالًّا على القوة، فقد كانت الفأس أداة للصيد والحفر والبناء. وهناك من رأى أن قداسة هذا الرمز أتت من استخدامه في مراسيم التضحية والقرابين في تلك العصور، ولكننا نرى أن العلاقة بين إله الهواء في تراث الشرق الأدنى القديم مع الفأس يمكن أن تكون مفتاحًا لحل هذا اللغز، حيث ظهر مبكرًا في حضارة حلف كرمز لإله الهواء، ثم للإله إنليل وهو الإله الأكبر للسومريين.

ورأى بعض العلماء أن «المعنى الحقيقي لكلمة «نتر» هو «التجدد» وأن فكرة بقاء الله حيًّا وخالدًا عن طريق التوالد والاستمرار الذاتي كانت ملهمة في اتخاذ هذه الكلمة الدالة على الإله … وقد ذكرت هذه الكلمة مرتبطة بوجود خالد وشخص يخلق نفسه وينتج نفسه، حيث هذا الكائن يخلق نفسه بالفطرة وهي توحي بذاتية الخلق والقدرات الخاصة بتحديد الحياة للأبد وذاتية الإنتاج، وكانت تشير إلى كائن له القدرة على إنتاج الحياة وصيانتها عندما تتوالد» (انظر بدج، ١٩٩٤م، ١٠٢).

figure
قصة زيب تيبي Zep Tepi تتحدث عن الكائنات التي وصلت إلى مصر، على جدران معبد إدفو.

واعتقد باحثون آخرون أن المعنى الحقيقي للكلمة مستحيل التحديد وأن كلمة «نتر»، وإن عنت التجديد والقوة والقدرة والصيرورة، لكنها كلمة غير دارجة لهذه المعاني. العلاقة بين الإنسان والآلهة تتضمن، أولًا، معاني الاحترام والحب والمديح والأمل، ثم معنى التعبد والإجلال المرتبط بالخوف والرهبة، فهي تغلب الصفة الإيجابية على الصفة السلبية في هذا المجال.

«تعبِّر كلمة «نتر» عن الطاقة أو المبدأ، أو الجوهر الخاص بإله ما، أو بأي كائنٍ آخر (بالعوالم الثلاثة)؛ ولذلك يمكننا أن نقرَّ بأن صفتها الأساسية هي: التوالد، والتجدد، والموت ثم الانبعاث ثانيًا من نفسه ذاتها. وانبثاقًا من هذا المنطلق، فإن كلَّ دورةٍ من الدورات هي بمثابة «نتر» (أي طاقة)، ويمكنها أن تُلقَّب باسم خاص بها، فكذلك الأمر بالنسبة ﻟ «خونسو» فهو إله «نتر» القمر، والأقمار، ومراحل تطوره ثم أفوله، ومولده وموته الظاهري. وهكذا الحال، أيضًا، فيما يتعلق بأوزيريس، وإيزيس، ونفتيس، وست، وحورس، فهم جميعًا «نتر» أيام النسيء (خمسة أيام إضافية مكملة للعام غير المحدد)، فهم يكونون ويجسدون الشيء الذي لم يتجلَّ بعد، وليس له وجود إلا بشكلٍ مستتر» (تيبو، ٢٠٠٤م، ٣٢٢).

كان تمثيل أو ترميز كلمة «نتر» يتم عن طريق أحد الأشكال الآتية:
  • (١)

    صارية سفينة أو عمود ينتهي براية صغيرة على شكل مثلث (وأحيانًا مستطيل)، بعضهم يراها وكأنها على شكل فأس برأس مثلث/مستطيل يتجه رأسه إلى جهة اليسار، وهذا التمثيل هو الشائع بكثرة.

  • (٢)

    شخص ضئيل الحجم يجلس بركبتين مرفوعتين ويمسك بعلامة عنخ (صليب الحياة)، أحيانًا «يكون ملتحيًا في حالة الإله المذكر، وبدون لحية في حالة الإلهة المؤنثة».

  • (٣)

    صقر جاثم فوق سارية علم.

  • (٤)

    نجمة خماسية الأذرع.

وشرعت في إعطاء شعب النيل فوائد الحضارة والزراعة وقد أطلق على هذه الحضارة العالية اسم «أورشو» التي ظهرت في شكل إنساني، وغالبًا ما أخذت جزءًا من أشكال الحيوانات، وقد أسماها المصريون «نتر» أو «نتيرو».

ومن الناحية الجغرافية، فإن موقع نصوص إدفو الذي يلمِّح إلى النقطة التي جعلت فيها «نتيرو» معروفة بوجودها هو «عين شمس»، والمعروفة باسم «عين الشمس» أو «نافورة الشمس».

وكان الرمز المصري ﻟ «عين الشمس» هو اللوتس المقدس العائم في مجموعة من الماء الشفاف، في الصباح يزهر الزنبق الأبيض ثم يغرق تحت الماء عند الغسق، أما زنبق الماء الأزرق فيتفتح في الليل ويغلق في الصباح. وهذا يرمز إلى الانفصال المصري للآلهة، وهو ما عزَّر المعتقدات المصرية المتعلقة بالوفاة والآخرة. الاكتشاف الأخير للخصائص هو كون اللوتس يحمل مخدرًا وهو ما يفسر دوره الاحتفالي.

تم استبدال لوتس في حمام السباحة المركزي بواسطة «دجد» وهو عمود، أُنشئ من القصب.

كان رمز دجد هو واحد من الرموز القديمة وأكثر شيوعًا في الأساطير المصرية. بل هو رمز الاستقرار. ويرتبط مع أوزيريس، إله الآخرة، والعالم السفلي، والموتى. ومن المفهوم عمومًا لتمثيل العمود الفقري له.

وكانت الهيروغليفية دجد رمزًا تشبه العمود الذي يمثل الاستقرار.

وكان العمود بمثابة تجسيد للإله المجهول المعروف باسم «الواحد»، والتي اتُّخذت بعد ذلك على شكل صقر … ثم جاء صقران قويان جديدان، أحدهما نيفر–هور، «الحاكم الموقر»، وهيتر–هور، «الواحد المجنح»، وكلاهما يشرق وجهه بالضوء الإلهي والتألق. كلا الزوجين هما «كا» و«با»، أي «النفس» و«الروح».

وكانت كلمة «نترو» تعني «الآلهة» التي كانت تكتب في الغالب بثلاث فئوس. وكان من صفاتها التضاد مع الموت. ولكنها تبدو كصفة تطلق على القوي أو الخالد كما في هذا النص:
«صبي نتر وارث الخلود أنجب نفسه ووهب الحياة لنفسه.
أنا مكرس في قلبي بدون تظاهر. يا أنت يا نتر أصبحت أكثر من الآلهة.
هل ممكن القول هذا الفصل انتهى تاج خاص بنتر.
أصبحت «نيتر».
ارتفعت للأعلى على هيئة الصقر «نيتر».
لقد أصبحت نقيًّا … أصبحت نتر … أصبحت روحًا.
أصبحت قويًّا … أصبحت نفس «با».
وجوده نيتر مع الإلهة في النيتر خريتت.
هو سيكون نيتر جسده كله.
نيتر صنعوا نفوسهم في المنزل الخاص بسيوت.
نيتر صنعوا نفوسهم مثل الآلهة.
إله نيتري أنتج نفسه حسب الفطرة.»
(بدج، ١٩٩٤م، ١٠٠–١١٠)
figure

ويبدو أن صفات الإله كانت عامة ولم تكن مطلقة بالضرورة، حيث كان الإله يحمل صفة الخلود باعتباره قوة أسمى، ولكنه لم يكن بالضرورة خالدًا، حيث يقول بدج متفقًا مع ماسبيرو: «إن الإله المصري القديم كان كائنًا يولد ويعاني ويموت وهو هالك وغير متكامل وله عواطف وفضائل وغرائز وبدائل» (بدج، ١٩٩٤م، ٩٩).

figure
نص بناء هرم الملك أوناس: أوناس يرتفع وهو حي كروحٍ إلى آبائه ويعيش في ظل أمهاته.

إن صفة الخلود لم تكن مطلقة وكان من الطبيعي أن يموت الإله ولكن هذا الموت كان دوريًّا ولم يكن أبديًّا … رغم أن بعض الآلهة تموت للأبد. إن «رع» يتجدد كل يوم، أما «أوزر»، فيتجدد مع الفصول الربيعية ولكننا نلمح أوزر إلهًا دائمًا لعالم الموتى.

إن التعبير الدقيق عن عدم اختلاف الإله عن الإنسان يكمن في الفكرة اللاهوتية المصرية الكبرى التي ترى أن هناك جوهرًا واحدًا لكلٍّ من الآلهة والكون والإنسان وأن الاختلاف يكمن في التفاصيل أو في الأعراض. إن الفرق بين هذه الممالك الثلاث وبين مكونات كلِّ مملكة على حدة لا يعدو سوى اختلاف بالدرجة لا بالنوع. ولذلك فإن أنسب قانون خفيٍّ يمكن وصفه مسيرًا لجوهر هذه الحقول الثلاثة هو القانون السحري المعروف ﺑ «قانون التشابه» الذي يقضي أن الشبيه ينتج الشبيه وأن المعلول يشبه علَّته.

ولذلك نجد أشياء هذه الحقول الثلاثة تتبادل فيما بينها الأدوار دون حاجز فالإله يحل بالإنسان ولا فرق بين الإله والإنسان. فقد ظهر الإنسان من دموع الإله الخالق بينما ظهرت بقية الآلهة من عرق جسده أو إفرازاته ولنلاحظ أن لا فرق بين الدموع وعرق الجسد أو إفرازاته. وأن الإله يمكن أن يحل في التمثال المقرر له وأن هذا التجسد ينتج للآخرين مشاهدة احتمال من احتمالات ظهور الإله، وأن تقديم الخبز للإنسان الحي يقابله تقديم قرص حجري أو خشبي للإله الميت بل وحتى يمكن أن تنوب كلمة «خبز» أو صورة الرغيف لتقوم بمثل هذه المهمة، وهكذا تسري قوة الكون واحدة في كل شيء، ولكن هناك تراتبًا وتصنيفًا معقولًا لا يشكل حاجزًا بل لأغراضٍ ترتيبية فحسب. «فبين الإله وبين الإنسان ينعدم ذلك الحد الفاصل الذي نستطيع أن نقول عنده: هنا يتغير الجوهر من الإلهي المافوق الإنساني الخالد، إلى الدنيوي الإنساني الفاني» (فرانكفورت، ١٩٨٠م، ٨٣).

كانت أهم الكلمات الإلهية هي: نيتر، مد، د، و= علم أو فأس، عصا، يد، طائر السمان، شخص يضع يده قرب فمه. نيتر–مد تعني جميعها … علم أو فأس مع ثلاث عصي.

figure

لقد كانت الألوهية متجسدة بشكل كامل في الملك (الفرعون) كما أوضحنا ذلك. وكان الملك هو الابن الجسدي الذي جاء من صلب إله الشمس رع. ولذلك فإن الملك يولد من جسم إله الشمس وعندما يموت يعود إلى جسم والده. ويجسد هذه الفكرة النص الآتي:

«دخل الإله أفقه وصعد ملك مصر العليا ومصر السفلى سهيتيبري إلى السماء واتحد بقرص الشمس. فاندمج في ذلك الذي صنعه» (فرانكفورت، ١٩٨٠م، ٩٠–٩١).

(سهيتيبري: هو الملك أمنمحت الأول مؤسس السلالة الثانية عشرة، وذلك ١٩٦١ق.م. ويصف النص اتحاده بقرص الشمس، والنص من تأليف الكاتب المصري القديم سنوحي).

ويبدو أن التقاليد المصرية الجنائزية ألحقت فيما بعد الفرعون بالإله أوزر وجعلته يتجسد به بعد الموت، وهكذا كان الناس، فقد أدركوا، بعد وقت، أن أفراد الشعب وليس الفرعون فقط يمكن أن يصبحوا خالدين متجسدين بالإله أوزيريس؛ ولذلك شمل التحنيط جثث الفراعنة والناس ليكونوا جسدًا باقيًا بعد الموت.

لقد كانت أرض مصر نفسها بمثابة ابن الإله رع، وكانت بالتالي تعتبر أختًا للفرعون فمنذ المملكة القديمة كان للملك لقب مهم هو «ابن رع»، ولكن الأساطير تذكر أن ابن رع الأوحد هو إله الهواء «شو»؛ «أما مصر فالناس يقولون منذ عهد الإلهة إنها ابنة رع الوحيدة. وابنه هو الجالس على عرش شو. وفي هذه العبارة ازدواج ضمني لإله وإلهة، فمصر ابنة رع الوحيدة. وفرعون ابن رع الوحيد. وهذا يتفق وعلاقة الأم والأخت التي رأيناها لأزواج الآلهة المصرية. وكما كان الزوج تحثه كتب الحكمة على العناية بزوجته لأنها حقل مفيد لسيدها، هكذا كان الملك صاحب مصر وسلطانها والمسئول عنها» (فرانكفورت، ١٩٨٠م، ٨٩).

ولا نستثني الكائنات الإلهية الأخرى من هذا الشمول. رغم قربها الشديد من عالم الآلهة. فقد رأى والس بدج أن هناك كائنات إلهية أخرى أقرب ما تكون إلى الملائكة، في الدين المصري، وأنها ذات جوهر إلهي، وهذه الكائنات هي:
  • (١)
    أوتينو utennu.
  • (٢)
    عفو afu.
  • (٣)
    أورشا urshu (أورشابي، أورشانخن).
  • (٤)
    حينميمت henmemt.
  • (٥)

    كائنات ست العليا والسفلى.

  • (٦)
    شمسو حيرو shemsu heru (زهور حور).
نتر Neter: تعني «الإله» وكان من صفاتها التضاد مع الموت. ولكنها تبدو كصفة تطلق على القوي أو الخالد، الطاقة المستترة، المتجددة.
رمز «الفأس» هي الكلمة المصرية الأصلية، أو بصيغة الجمع «neteru»، ممثلة في نترو مجموعة الرموز الهيروغليفية المدمجة بمعنى «الآلهة».
Phi-Neter، تعني «قوة الآلهة». في الهيروغليفية يتم تمثيل هذا من قبل الأطراف الخلفية للنمر، وهو مخلوق «تفاعلي»، مفترس يمثل القوة الدافعة للماجيك. في هذا الكتاب، يمكن العمل بها من مادة العمل الأساسية للسحر المصري والتقنيات الخاصة بها واضحة في عبادة الرب سيث — المعروفة باسم التيفون من قبل الإغريق — وبكل الآلهة المصرية الأخرى. يمتلك الساحر المصري قوة تم إنشاؤها في نهاية المطاف من قبل الآلهة لاستخدام أي شخص يرغب في القيام بعمله. إنها القوة نفسها الكامنة، سواء تم التلاعب بها من قبل الآلهة أو الكهنة أو الأرستقراطيين أو عامة الناس أو حتى المجرم. القوة هي ذاتها، أما النهايات فمختلفة.

(١-٢) درجات التوحيد والتعدد

يستنتج فرانكفورت أن المصريين كانوا موحدين في الطبيعة لا موحدين في الله. فقد رأو أن هناك كائنات متعددة غير أنهم أحسوا أن لهذه الكائنات جوهرًا أساسيًّا واحدًا، فهم يقتربون، بشكل أو بآخر من مبدأ وحدة الوجود.

«كان هناك فيما يبدو إله كوني للسماء أُطلق عليه «ور Wer» «أي الواحد العظيم»، مع تأكيد خاص على طبيعته كإله للضياء توحد في وقت لاحق مع «حورس»، وكانت الشمس والقمر هما عيناه. وقد حمل لقب «مخنتي إرتي Mekhenti-irty» وتعني «الذي في جبهته توجد عينان He on whose forehead are two eyes» وفي الليالي غير المقمرة أو عند حدوث محاق فإنه يصبح «مخنتي أن إرتي Mekhenti-en-irty» «الذي لا توجد عينان في جبهته He on whose forehead there are no eyes.» وفي هذا الوضع الأخير صوره خيال المصريين كإله حامٍ للأعمى للطبيب ولأولئك الذين يعانون من أمراض العيون، كما كان إله الموسيقيين الذين كانوا على الأغلب من العميان، بل هو الإله العازف على القيثارة. وهذا النموذج الشعبي من المعبودات يوضح كيف أنه جوهر إلهي مطلق كما أخرجه العقل اللاهوتي أصلًا، يمكن أن تنزل به المعتقدات الشعبية إلى مستوًى بشري في مجمل طبائعه» (تشرني، ١٩٩٦م، ٦٦).

ويبدو أن هذه المسافة بين التعدد والتوحيد ظلت قائمة بكل موجاتها ودرجاتها في الدين المصري. فنحن لا نستطيع أن نجزم تمامًا أن هذا الدين كان مشركًا بالكامل أو أنه كان دينًا موحدًا بالكامل. إذ إن علينا كشف الفلسفة الروحية العميقة التي توضح طبيعة معتقداته في هذا المجال وكيفية تحولها وتطورها رغم كل ضجيج النصوص والقوائم الإلهية.

كان التثليث هو المبدأ الأكثر شيوعًا بعد التعدد، وهو «اتحاد ثلاثة معًا ليكوِّنوا معًا وحدة واحدة قوامها ثلاثة أجزاء، وهؤلاء الثلاثة إما أن يكونوا من نفس النوع: ثلاثة آلهة، ثلاث إلهات، ثلاث صفات، ثلاثة أشكال، ثلاث كلمات، أو أن يكون انضمام ثلاثة من أنواع مختلفة: آلهة وإلهات في رابطة أسرية كالثالوث المقدس. وكان توظيف التثليث لهدفين مختلفين، الأول هو إدماج ووحدة لثلاثة في واحد، بمعنى أنه تثليث في وحدة، ووحدة في تثليث، والثاني هو أن الثلاثة يرمز بهم للكثير، وبذلك يكون التثليث رمزًا للوحدة وللكثرة في آنٍ واحد ويمكن وصفه بأنه تعدد في وحدة، ووحدة في تعدد» (ناصف، ٢٠٠٠م، ٢).

كانت جذور التثليث ضاربة في القدم وربما امتدت إلى عصر ما قبل الأسرات، ولكن من «الناحية التاريخية ظهور ثواليث في عصر الدولة القديمة، مثل الثالوث الأوزيري وثالوث الجيزة وثالوث عين شمس المكون من أتوم وشو وتفنوت، كما ظهرت ثواليث في عصر الدولة الوسطى مثل ثالوث ألفنتين وثالوث إدفو وثالوث دندرة وثالوث أرمنت الأول وثالوث إسنا الأول على أغلب الظن وثالوثا قفط الثاني، كما يتبين من هذه الدراسة زيادة أعداد الثواليث التي عُبدت في المدن والقرى والأقاليم المختلفة في عصر الدولة الحديثة عن نظيراتها في عصر الدولة القديمة والوسطى، وربما كان السبب وراء ذلك يكمن في حالة الرواج والازدهار السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي شهدته الإمبراطورية المصرية في هذا العصر واستمرت عبادة الثالوث في العصور التالية» (ناصف، ٢٠٠٠م، ١٩١).

كان التثليث صيغة مهمة في عبادات المدن والأقاليم المصرية بشكل خاص، فقد كان للكثير منها ثالوث من الآلهة يتعبدونه وكأنه إله واحد. وكانت بدايات التثليث تعود لعصور ما قبل التاريخ المصرية، لكن نصًّا واضحًا من نصوص الأهرام يكشف لنا بوضوح أن إله الشمس في الدولة القديمة الذي كان يعبر عنه في صيغ الإله رع فهو خبري صباحًا ورع في الظهيرة وأتوم في الغروب، وللنظر ما يقوله المتوفى في نصوص الأهرام:

وترجمتها هي: «هم خلقوا هذا الملك مثل رع في اسمه هذا (الذي هو) خبر، أنت ظهرت لهم مثل رع في اسمه هذا (الذي هو) رع، ورجعت من أمامهم مثل رع في اسمه هذا (الذي هو) أتوم» (ناصف، ٢٠٠٠م، ٣).

أما التوحيد فلا شك أنه آخر ثمرات العبادة المصرية، والذي لم يكتب له النجاح إلا في فترة أخناتون الذي أسسه ودعا له، وتقول الينور بل دي موت: «إنه للمرة الأولى في التاريخ، نرى فرعونًا يدعو الأجانب في صراحة تامة إلى عبادة إله يتعبد إليه شعبه ذاته، كما أنه للمرة الأولى كذلك تفهم الديانة كرباط يوحد بين البشر، على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم، فإله أخناتون لا يفرق أبدًا بين المصريين وغيرهم، ممن كان القوم يطلقون عليهم اسم برابرة، لأن البشر أمامه سواسية، ومن ثَم فيجب عليهم أن ينظروا إلى أنفسهم، وكأنهم جميعًا إخوة، ومن ثَم فإن هذه العقلية الغريبة — فيما يرى برستد — هي التي جعلت الأثريين يعتبرون أخناتون النبي الأول في التاريخ» (مهران، ١٩٨٩م، ١٦٤).

ولا شك أن عقيدة التوحيد monotheism المصرية لأخناتون ماتت في مهدها، لكنها أثرت في العالم المحيط بها تدريجيًّا، وربما وجدنا لها صدًى أكبر في عقائد المنطقة التي كانت تمشي بخطًى حثيثة نحو التوحيد لكنها لم تصله تمامًا إلَّا في العصر الهيلنستي «هذا، وقد دلت الحفائر الحديثة في «السامرة» على أن هذه التصورات المصرية لإله الشمس العادل كانت شائعة الانتشار في الحياة الفلسطينية، فقد كشف الحفارون في خرائب قصر ملوك بني إسرائيل في «السامرة» بعض ألواح من العاج منقوشة نقشًا بارزًا كانت تستعمل يومًا ما في التطعيم الزخرفي الذي كان يحلى به أثاث الملوك العبرانيين، ومن بين تلك القطع قطعة نقشت عليها صورة إلهة العدالة «ماعت» يحملها إلى أعلى ملاك شمس هليوبوليس في وضع نفهم منه أنه كان على ما يظهر يقدم تلك الصورة لإله الشمس، وتصميم الرسم مصري في كل نواحيه، إلا أن صناعته تدل بوضوح على أن نقشه من صنع أيادٍ فلسطينية. ومن ذلك يتضح أن الصناع العبرانيين كانوا على علم ومعرفة بمثل تلك الرسوم المصرية القديمة، وأن وجهاء العبرانيين الذين يجلسون عليها، ينظرون كل يوم إلى هذه الرموز التصويرية الدالة على إله الشمس المصري وهي تزين نفس الكراسي التي يجلسون عليها، ولم يكن إله الشمس ذو الأجنحة المتأصلة في وادي النيل معروفًا عند العبرانيين بأنه إله عدالة فقط، بل كان كذلك معروفًا بأنه الإله الحامي لعباده الرءوف بهم، وقد أشارت المزامير العبرانية أربع مرات إلى الحماية الموجودة «تحت ظل أجنحتك».» (مهران، ١٩٨٩م، ٢٨٣).

لم يكن الإله آتون جديدًا كليًّا عندما أعلنه أخناتون واحدًا خالقًا للكون، بل هو إله قديم نسبيًّا كان مرتبطًا بالإله رع ونعتقد أن له صلة بالإله السومري القديم للشمس وهو (أوتو)، ولكنه اندمج في اللاهوت المصري وذاب فيه و«كان آتون (أو رع حورآختي) هو الإله الخاص بأخناتون، في حين أن الإله الشخصي لأي فرد في المجتمع كان هو الملك ذاته، وكما حدد عالم المصريات أسمان طبيعته «فهو الإله الذي يظهر في المواكب، والذي يقوم بإظهار العلامات والمعجزات، والذي كان يتدخل أيضًا في مصير الأفراد، ويقبض بمقايد الحياة والموت في يديه». أما الموظفون في قصر أخناتون المنوط بهم رعاية المواقع الحساسة فكانوا موضع ثقة تامة، بنفس الأفكار الموجودة في «التعليمات الموالية للملك» التي ترجع إلى الدولة الوسطى وظلت بعد ذلك مستمرة ومنتشرة. فلقد كان الملك يُناشد على أنه موزع لكل الأرزاق، وأُغدقت عليه أيضًا الألقاب الخاصة بالإله الخالق، ولقد استحضر محافظ العاصمة أخيتاتون هذه الفكرة في عبارة «نفر خبرو رع هو الذي يُحضر إلى الوجود (أي يخلق)» كاسم جديد لنفسه» (هورنونج، ٢٠١٠م، ٧٧).

اشتد الجدل في الديانة المصرية حول دور الإله الأب والإله الابن وعلاقتهما بالفرعون أو الملك أو النبي، فقد ظهرت بوادر عقد الصلة بين الأب والابن والنبي، ونلاحظ ذلك بوضوح في مرحلة أخناتون وطريقة ارتباطه بالإله آتون.

«لم يكن هذا الوضع النظير المقابل للجنس البشري مجرد دور تقليدي للفرعون، فلا شك أنه كانت له أصول في حالة أخناتون الخاصة بصفته الابن المحبوب لآتون. فمن قبل، كان الفرعون يعتبر نفسه «ابن رع»، ومن ثَم فهو يؤكد أصله الإلهي. ولكن كان أخناتون ابنًا لإلهه بطريقة أكثر من شخصية، وبهذا وضع بذرة الفشل لتعاليمه، لأنها تقوم دائمًا وتسقط دائمًا بشخصه ذاته. وعند علماء اللاهوت المصري القديم، ظهر الجدل حول أن الأب والابن من جوهر واحد. في المنظر الثامن بكتاب البوابات، ظهر وصف جديد للعالم الآخر الذي يرجع إلى فترة العمارنة (قبل أخناتون أو بعده)، حيث نجد أتوم يعبر عن وحدته الكاملة مع رع بالصيغة الآتية: «أنا الابن الذي انبثق من أبيه، وأنا الوالد الذي انبثق من ابنه»، مُلمحًا في ذات الوقت في سياق الكلام إلى علاقة الأب–الابن بأوزيريس وحورس» (هورنونج، ٢٠١٠م، ٧٧–٧٨).

ومع دعوة آتون التوحيدية تحرر الإله آتون من محليته وإقليميته وأصبح إلهًا عالميًّا كونيًّا «وليس من شك في أن آتون لم يكن مجرد معبود قومي، وإنما بالأحرى منير للعالم بأكمله بوصفه إله الشمس الكوني، فلقد ظل أخناتون دائمًا فرعون مصر ولم يكن نبيًّا لكافة البشر. وعلى المستوى الظاهري بكل معنى الكلمة، نعرف من ألقابه: أن أخناتون كان «رب الأرضين» أي مصر، بينما كان آتون رب العالم، وكان يُعبَّر عن ذلك بشكل ملموس «بالسماء والأرض». وكانت التقوى الشخصية في ذلك الوقت تكمن على وجه الحصر في الولاء للملك، المقصود به أخناتون كشخص، ولم تكن هناك وساطة يمكن تخيلها. ولقد قمنا من قبل بالإشارة إلى المناشدات الزائدة المفرطة التي كتبها موظفوه على هيئة ابتهالات حقيقية نظموها ووجهوها إليه» (هورنونج، ٢٠١٠م، ٧٨).

ولنبدأ بمناقشة الدرجة العميقة الصافية في الدين المصري القديم والتي تكمن خلف مظاهر التعدد ونعني بها التوحيد monotheism ثم نصعد منها إلى الثنوية فالتثليث … إلخ.

لو عدنا قليلًا إلى شجرة الآلهة المصرية لوجدنا أن التوحيد ينبض فيها بقوة، وأنه يستبطن آلهتها بطريقة أو بأخرى. والتوحيد المصري هو توحيد شمسي، لا جدال في ذلك، فقد ظلت الشمس مصدر التوحيد الرئيسي في الدين المصري.

إن الإله الذي ظهر بعد الثامون الأشموني في عقيدة الأشمونين كان إله الشمس (شبشي) والذي كان خلاصة التكوين الهيولي وجوهره. ونلمح الإله الشمس عبر كل المدارس اللاهوتية في أون أو منف أو طيبة وهو ينبثق عبر عدة أسماء (رع. بتاح. آمون) ولكنه، في حقيقة الأمر، يعبر عن إله الشمس وعن الشمس ذاتها في تجلياتها المختلفة. بل وأن هناك نصًّا يدمج هؤلاء الآلهة الثلاثة في شخص الإله آمون فيدمج به الإلهين رع وبتاح وسيوصف الكائن الواحد الجديد الذي اسمه «آمون» بأن رأسه هو رع وجسمه بتاح (انظر: Wilson 1969: 365).

وهناك نص آخر يذكره فرانكفورت يخاطب فيه الشخص إلهه «الذي يتألف من «آمون. رع. أتوم. هراختي» أي إنه يتألف من الإله الشمس والإله الأعلى والإله المحلي كلهم مجتمعون في إله واحد. ثم يستمر النص فيحلل هذا الكائن إلى أوجه عديدة آمون ورع وأتوم ومورس وهراختي ويعادله أيضًا ﺑ «خبري» و«شو» والقمر والنيل، ويتساءل فرانكفورت هل هذا توحيد أم لا؟» (فرانكفورت، ١٩٨٠م، ٨٤).

وهناك صفة أخرى غير الشمس يتميز بها الإله الموحد وهي أنه خالق فهو يخلق الآلهة والناس، ولنلاخظ أن الإله الواحد يخلق الآلهة، أي إنه يتميز عنهم بالدرجة والنوع. وحتى الإله المائي (خنوم) الفخاري الذي يصنع الآلهة والناس على دولابه الخزفيِّ كان إلهًا خالقًا ولكي تكتمل صورته التوحيدية المصرية أُعطي مسحة شمسية.

(١-٣) الثنوية والثالوث

وإذا انتقلنا من التوحيد بدرجة واحدة فإننا سنصل إلى الثنوية ditheism التي تتجلى في اللاهوت المصري في الآلهة الأزواج (الذكور والإناث) فمنذ الثامون الإلهي العتيق للأشمونيين والأزواج الإلهية تترادف وتشكل نمطًا ثنائيًّا متصالحًا. أما النمط المتعارض فلم يكن عبر الأزواج الذكور والإناث، بل كان عبر الآلهة الأضداد، فقد كان إله الشمس (النور) الإله رع عدو الإله «أبيب» ثعبان الظلام الذي كان يقف في طريق الشمس كل يوم. وكان الإله أوزيريس (إله الخضرة والنهار) عدوًّا للإله ست (إله الصحراء والليل) الذي كان يخوض معه صراعًا طويلًا.

حفلت المثولوجيا المصرية بصراعات ثنائية كثيرة. والغريب في الأمر أنها كانت ذكورية في أغلبها.

أما النظام الثالوث المصري (tritheism) فقد كان باهرًا، حيث ظهرت الثالوثات الإلهية المصرية بشكل واضح خصوصًا في المجتمعات الإلهية في المدن والأقاليم فقد كان في كل مدينة وإقليم ثالوث مكون من الإله الأب ومن إلهة أو إلهتين اثنتين أو من إلهة وإله ابن وهو النمط السائد.
ويرى بدج أن فكرة الثالوث هي في الغالب كانت قديمة في مصر قدم الإيمان بالآلهة، ويبدو أنها كانت سائدة في العصور المبكرة مع سيادة الأفكار الخاصة بتشبيه الإله بالإنسان وبالتالي تصبح فكرة تزويد المصري لإلهة بزوجة بنفس درجة حرصه على أن تكون له واحدة فكرة مفهومة لأنه كان يفترض أن الإله لديه الرغبة في أن ينجب ولدًا يخلفه كما يرغب هو نفسه ويتوقع أن يكون له. وكأمثلة على الثالوث الإلهي نذكر ما يلي:
  • (١)

    في منديس (بانب تاتو، حات ميهيت، حيرو باخرت).

  • (٢)

    في تشكا (سوبيك، إيزيس، آمون).

  • (٣)

    في ممفيس (بتاح، سيخيت، أمنحتب).

  • (٤)

    في طيبة (آمون، رع، موت، خنسو).

  • (٥)

    في مصر كلها (أوزيريس، إيزيس، حورس).

وتأتي الأنظمة المتعددة الأخرى منتظمة في الثامون الأشموني وفي التاسوع الأوني والتاسوع المنفي على أن هناك أنظمة إلهية تشمل (١١) و(١٢) و(١٥) إلهًا.

والمهم أن هذه الأنظمة تمهد للتعدد بكل أنواعه وبمصراعيه المفتوحين وبذلك تظهر لنا أفواج من الآلهة في مستواها وشأنها وتدب الآلهة الصغيرة في التفاصيل.

(١-٤) التفريد Henothesim

fig34

أما نظام التفريد وهو إبراز شأن إله على حساب آلهة آخرين فيظهر واضحًا من خلال إلهة الشمس أيضًا فوجود الإله «رع» على قمة تاسوع شمسي هو نوع من أنواع التفريد وكذلك فيما يخص الإلهين بتاح وآمون. صحيح أن هذه الإلهة كانت تشكل التوحيد الباطني لأنها إلهة شمسية ولكنها في الظاهر تصلح أن تكون مثالًا نادرًا للتفريد. ومن صفات التفريد أنه إله التفريد وهو إله قومي يرعى أناسًا معينين دون آخرين ويعترف الناس بأن لأقوام غيرهم آلهة خاصة أخرى، وهذا ينطبق إلى حد كبير على الإله «رع» الذي كان بمثابة الإله القومي للمصريين وعلى الإله «حور» الذي عبر عن ذلك في وقت مبكر حين أصبح إله الأرضين العليا والسفلى في مصر.

figure
حورس إله التفريد المصري، حيث تجتمع فيه صفات كلِّ الآلهة.

إن ما ذكرناه سابقًا يوضح لنا كيف أن اللاهوت المصري تذبذب بين أشكال عديدة من التوحيد والتثنية والتثليث والثامون والتاسوع والتفريد والتعدد (انظر الشكل الأعلى) وأن التوحيد كان يكمن عميقًا في العقائد المصرية وبعده تأتي الأنماط الأخرى … ولكن أي فرصة للتوحيد أو التفريد كانت تقوم بقلب المثلث المرسوم في الشكل المرسوم وتجعل قمته للأعلى وبذلك يبدو الأمر إجرائيًّا ومحكومًا بزاوية النظر أكثر من كونه خوضًا في الشرك والتعدد بلا حدود.

وبذلك يظهر لنا نسيج اللاهوت المصري القديم منوعًا ونقترب في حكمنا هذا مع ما يراه بدج من أن الديانة المصرية كانت في البدء تعددية ولكنها تطورت في اتجاهين متناقضين. فمن ناحية تضاعفت الآلهة بإضافة الآلهة المحليين. ومن ناحية أخرى اقترب المصريون كثيرًا من التوحيد.

كذلك نقترب من رأي فيدمان Wiedemann الذي كان يرى أنه يمكن تمييز ثلاثة عناصر أساسية في الديانة المصرية وهي (انظر: بدج، ١٩٨٥م، ٥٧).
  • (١)

    وحدانية شمسية: أي إله واحد وهو خالق الكون. وهو يخرج قدراته بوجه خاص في الشمس وعملياتها.

  • (٢)

    عبادة القدرة التوليدية للطبيعة؛ وهي العبادة التي تعبر عن نفسها في تمجيد الآلهة القضيبيين.

  • (٣)

    إدراك بشري للإله الذي كانت حياته في هذا العالم والعالم الآخر صورة نموذجية لحياة الإنسان المثالية، وهذا الإله الأخير هو بالطبع أوزيريس.

إن معتقدات التوحيد والتعدد وعلاقتها بالإنسان تتلخص في هذه النقاط، لكن سياق حركتها وتشكلها يكمن في الفكرة التي أوضحناها من قبل. ولذلك نحذر من الحكم المطلق على هذه الديانة (كونها توحيدية أو متعددة) وندعو إلى دراسات أعمق لأنسجتها الغنية والمثيرة لما تحتويه من كنوز.

وقد عبَّر المصريون أنفسهم عن شكل الإله الواحد الذي تجتمع فيه الآلهة فقد جمعوا في صورة لحورس رموز بقية الآلهة وبذلك أصبح حورس إلهًا مطلقًا يحتوي على جميع الآلهة.

(١-٥) جذور الآلهة (الطبيعية والفتيشية والطوطمية)

لم تكن الآلهة المصرية تصورات مجردة أو شكلًا من أشكال التعبير الذهني عن القوة السارية في الطبيعة. بل كانت مغمسة الجذور وفي كل مظاهر الطبيعة وذات أصول تغرق في المعتقدات السحرية الفتيشية والطوطمية.

لقد كانت الطبيعة بمعناها الواسع المنهل الأول الذي نهلت منه الديانة المصرية آلهتها ولاهوتها وطقوسها. فقد شكلت مظاهر الطبيعة من سماء وأرض وشمس وكواكب ومياه وأنهار ونباتات وحيوانات وأشياء مصنوعة إيحاءات بأشكال وصور الآلهة بل وحتى عقائدها.

عبدت الكثير من الآلهة بشكلها الحيواني وعبد الإله سوبك على شكل التمساح في الجلين ودندرة وسايس ولاحقًا في الفيوم.

figure

وهناك حيوانات خرافية مركبة ليست بشكل «حيواني بشري»، بل تجمع في تركيبها أكثر من حيوان مثل كائن «سيجات» الأسطوري الذي يجمع بين رأس الطير وجسد البقرة بأثداء متعددة وأرجل أمامية للكلب وخلفية للبقرة أو الحصان وذيل للأسد ينتهي بزهرة لوتس، ويذكرنا هذا الكائن بالكائن الخرافي البابلي «موش خوش» المرافق للإله مردوخ، وتستعمل هذه الكائنات للإيحاء بتعدد الأرواح فيها وقوتها.

figure
«سيجات» كائن أسطوري وجد على جدار قبر مقبرة بني حسن (من الأسرة ١٢) (Bunson 2002: 152).

وهناك رموز فتيشية طبيعية دخلت في تكوين ووظيفة الآلهة، مثل قلم الكتابة عند الإلهة سشات إلهة الكتابة وقرينة تحوت، والرمح عند الإله «حا» الإله الحارس للموتى كما في الشكل:

(١-٦) قوى الطبيعة

أسمى المصريون السماء «الرب الأكبر»، وتصوروها على شكل صقر ينشر جناحيه العظيمين على الأرض أو على مصر بأكملها. وتصوروا الشمس والقمر كأنهما عيناه المقدستان. أما النجوم فتصوروها مزروعة على جسده ربما على شكل ريش يلمع. والريح كأنها أنفاسه والماء عرقه، وهكذا تجسدت قوى الطبيعة ومظاهرها في هيئة صقر كوني.

ونشأ تصور آخر للطبيعة فقد ظهرت السماء على شكل بقرة كونية تستند إلى الأرض بقوائمها الأربع التي تمثل دعائم السماء وتصوروا إله الهواء (شو) كرجل عملاق يرفعها من بطنها وسفينة الشمس تمشي على بطنها والنجوم تلتصق على جلد بطنها.

وهناك صورة الأنثى الكونية (توت) للسماء التي حلت محل البقرة ويمكن أن تكون الطبيعة هي المعبد الأول الذي كان يرى المصريون آلهتهم مجسدة في أشكالها، ثم بدأ يضفي على هذه الأشكال صورًا حيوانية وإنسانية ثم حصرها في معابد رسم رموزها وأشكالها المتخيلة.

لقد كانت الشمس أهم مظاهر الطبيعة عند المصريين، ولذلك كانت مركز عباداتهم وجوهرها. وكان الإله الواحد المستتر والظاهر هو إله الشمس الذي ظهر في صورته الطبيعية (قرص الشمس)، وفي صورته الحيوانية (الصقر، العجل، الجعران) وفي صورته الفتيشية (السفينة) وفي صورته البشرية (الملك).

وكان نهر النيل المظهر الطبيعي الآخر المميز لأرض مصر وعبد النيل كإله اسمه «جعبي»، وهو الروح التي تكمن وراء هذا النهر العظيم والتي ترفع بمياه فيضه حاملة الخصب والنماء، وكانت صورته على شكل بشري يجمع صفات الذكورة والأنوثة (خنثى)، وفي هيئة بحار أو صياد سمك ذي هيئة إلهية وأثداء مترهلة وبطن مترهلة وبصفة خادم الإلهة الذي كان يحمل منتجاته ويقدمها للإلهة الأخرى. وكان أوزيريس يصير كإله النيل في كهف وروحه تستقر على شجرة الغيضة المقدسة وتسكب له اللبن والقمر اتخذ صفة الصقر في بعض الأحيان وصفة الإنسان الجميل في أحيان كثيرة … وهكذا اعتبر الجبل (باخو bakhau) جبل شروق الشمس والجبل (مانو manu) جبل غروب الشمس.

(١-٧) الفتيشية

الفتيشية هي الاعتقاد بقداسة الأشياء والتصور بأن قوى الكون والقوى السارية تجتمع فيها. ولذلك اتخذت بعض صور وأشكال الآلهة صفة هذه الأشياء المقدسة.

فقد كانت الفأس رمزًا للآلهة كلها وتحولت صورتها في الكتابة الهيروغليفية إلى دال على الإله «نتر»، وكان حجر الشمس المدبب الذي سمي «بن بن» دالًّا على إله الشمس «رع» و«أتوم». وحتى الهرم الحجري الذي بني كمقبرة ملكية عظيمة فإنه كان مشتقًّا من شكل التل الأول الذي ظهر من المياه الأولى «نون».

وكان رمز الإلهة نيث neith في سايس هو الدرع الذي يقاطع عليه زوج السهام. وكان إله مدينة بورويريس في الدلتا يصور كعمود له رأس وأيدي ملك مصري.

ويمكننا تلمس الفتيشية في كثير من العلامات والإشارات المصرية الدالة، فقد كانت التيجان رموزًا مقدسة للملك الإله.

والمظهر الآخر للفتيشية يتمثل في رموز الأقاليم اتي ذكرناها، والتي تشير دون أدنى شك إلى مقدسات قديمة كانت محور عبادة ذلك الإقليم منذ القدم.

وكذلك تتجسد الفتيشية في أعلام فرق الجيش في الدولة الحديثة وفي أعلام السفن البحرية وعلامات الأقاليم المصرية (البحرية والقبلية). وكانت الأشجار مظهرًا فتيشيًّا فقد كانت تستقر عليها أرواح الآلهة وتسقيها اللبن.

(١-٨) الطوطمية

كانت الجذور النباتية والحيوانية مصدرًا أساسيًّا للعبادات والرموز الدينية القديمة. فقد كانت شجرة «البيبروس» شجرة مقدسة لأنها موطن الآلهة وكانت زهرة اللوتس كذلك دالة على الإله الشمس لأنه خرج منها وعلى الإله نفرتوم ابن بتاح.

وكان ينظر لشجرة الجميز على أنها رمز لآلهة السماء نوت، وكان جذع الشجرة مرتبطًا بعبادة الإله أوزر، وربما كانت من بقايا عبادة الشجرة. أما المظهر الكبير في الديانة المصرية فكان في جذورها الحيوانية، فقد عبدت الحيوانات لذاتها في شكل عقيدة طوطمية تعكس اعتقاد الناس في انحدارهم من حيوان معين. ثم في مرحلة لاحقة، وتحت وطأة الصعود الروحي للآلهة، أصبح التعبير عن الجذور الحيوانية رمزًا يرتبط برسم الإله أو التمثال الحيواني … أما في مراحل الانحطاط الأخيرة فقد طغت عبادة الحيوان (وليس الطوطمية)، وأصبح تقديس الحيوانات لذاتها أو باعتبارها هو الأساس.

وفي هذا المجال نرى أن هناك أسبابًا عميقة لعبادة الحيوانات وطوطمها، فقد كانت الأسباب الكامنة وراء ذلك تحمل رغبتين وهما: «رغبة الرمز إلى صفات إله خفي ببعض المخلوقات الظاهرة التي تحمل صفة من صفاته أو آية من آياته. ثم رغبة التقرب إليه عن طريق الرعاية التي يقدمونها ضمانًا لما رمزوا به إليه من مخلوقات» (مهران، ١٩٨٤م، ٢٦٨).

figure
رموز وعلامات الأقاليم المصرية.

وكان المصريون لا يقدسون جميع أفراد ذلك النوع الحيواني، بل كان الكهان يختارون حيوانًا واحدًا تتوفر فيه علامات محددة يكون ممثلًا للإله الدال عليه؛ حتى ينفق فيدفن في طقسية وقدسية ثم يختار غيره وهكذا.

ولكي يؤكدوا على عبادة روحية للحيوان لا عبادة بدائية له كان لا بد من فصل الاسم التقليدي للحيوان في الحياة اليومية وبين اسمه كرمز ديني له قداسة وعمق روحي. فعلى سبيل المثال كان الاسم الحيواني للبقرة هو «أحت» أما اسمها الديني ﻓ «حتحور»، والاسم الحيواني للصقر «ببك» والديني «حور»، والتمساح «مسح» والديني «سوبك»، وكانت الأسماء الدينية الإلهية هذه صفات في جوهرها.

ولا شك أن الدافع الرئيسي لاتخاذ الحيوانات جذورًا للآلهة كان في انتباههم لصفات تلك الحيوانات ومحاولة مطابقتها مع ما يعنيه المفهوم الذهني لذلك الإله، فقد كانت البقرة توحي بوداعة السماء وحنوها وأمومتها. وكان الكبش يوحي بالإخصاب، والأسد بالقوة والحرب، والقرد بالفراسة والحكمة، وكذلك طائر أبي منجل، وكان الصقر يبدو في الصباح كما لو أنه هو الذي جلب الشمس إلى السماء … وهكذا.

وكانت الحيوانات التي تعبد بشكلها المادي لا كرموز عديدة مثل القطة باست في بوباستة. والإلهة الصل في أدجو في بوتو. والقرد عند الأشمونيين. والإله «وب واوات» ابن آوى في أسيوط. والعجل في ممفيس في عين شمس. والعجل بوخيس في هرمونتيس. والعجل مالك الحزين في عين شمس … إلخ.

وإذا كنا قد حددنا في حديثنا عن الآلهة الثانوية والأجنبية الجذور والرموز الحيوانية للآلهة الثانوية الذكرية والأنثوية. فلا بد لكي نكمل الصورة من ذكر هذه الجذور والرموز التي تخص الآلهة الكونية الكبرى التي هي عماد شجرة الآلهة المصرية.

جدول الآلهة الأساسية وجذورها الطوطمية.
الإله دلالته رمزه أو جذره الحيواني
نون، حح، كوك، كيره آلهة الهيولى الذكور ضفادع
نونة، ححة، كوكة، كيرهة آلهة الهيولى الإناث حيات
خبيرا إله الشمس المشرقة جعران
رع إله الشمس اللقلق (بنو)
أتوم إله الشمس الغائبة ثعبان (والنباتي زهرة اللوتس)
بتاح إله منف عجل مينديس (بوصبر)
سخمت إله الحرب زوجة بتاح اللبوة
نفرتوم ابن بتاح وسخمت زهرة اللوتس
بتاح سكر إله الموتى صقر
بتاح سكر أوزر إله الجبانة جعران
آمون، آمون رع إله طيبة الثعبان، الكبش، الوزة
موت زوجة آمون الرحمة (أنثي النسر)
خنسو القمر الصقر
خنوم الإله الفخاري الخالق الخروف
عنقت سيدة ماء النيل الغزالة
شو الهواء الأسد
تفنوت الرطوبة لبوة
جب الأرض الإوز
نوت السماء البقرة
أوزيريس الخضرة، النهار الثعبان
إيزيس الفجرة، الأمومة
نفتيس (نبتحوت) الشقق، الكتابة
ست الصحراء، الليل الحمار، الكلب، الخنزير البري
تاتنن التل البدائي الثعبان
تحوت الحكمة الطائر أبيس (أبو منجل)، القرد
حورس الشمس الصقر
حتحور الحب والمرح البقرة

(١-٩) التشبيه بالإنسان Anthropomorphism

وكما تأملنا في الجذور الطبيعية والفتيشية والطوطمية للآلهة. لا بد لنا من تأمل أرقى مرحلة تصور فيها المصري آلهته وشبهها بها. وهي التشبيه بالإنسان قبل أن يصل إلى المرحلة التجريدية الأخيرة التي حاولت الظهور بها توحيدية أخناتون.

وفي ظننا أن أول تشبيه للآلهة بالإنسان انطلق من فكرة أن الملك أو الفرعون (الذي هو الإنسان) كان إلهًا … وقد كسرت هذه الفكرة الحواجز بين الإله والإنسان كما أن أساطير الخليقة المصرية الخاصة بالإنسان لا تفرق كثيرًا بينه وبين الآلهة.

ثم قام المصري بالخطوة اللاحقة حين صور حين صور الآلهة بجسد بشري ووجه حيواني يشير إلى جذوره أو رمزه القديم. وجاءت المرحلة الأخيرة حين أصبح شكل الكثير من الآلهة جسدًا ووجهًا ولباسًا كما الإنسان.

وقد تنوعت صور الآلهة على ضوء طبيعتها بين أن تكون طفلًا كما الإله «آحي» أب حتحور والإله «خنسو» إله القمر أو شيخًا مثل حوري المسن. أو ذا لحية مثل أوزيريس وكذلك صورت الآلهة كإناث بأشكال ورموز مختلفة ومن مختلف الأعمار وأضيفت على بعضهن ميول تطابق المعنى الذي وضعن فيه كالحب أو الكره أو الماء أو القوة … إلخ.

وكانت صورة إله النيل «جعبي» كخنثى يجمع صفتي الذكورة والأنوثة. ويرى بعض الباحثين أنه «ربما كان تمثيل الآلهة في هيئة آدمية سببًا في أن يظن أن لها مشاعر ما يحاكي مشاعر البشر من حب وبغض، وأنها تأخذ وتعطي وتعاقب وتثيب مما لا يستطيعه الحيوان والجماد وأنهم أرادو أن يضفوا عليها صفات إنسانية وعواطف. ومن ثَم فقد جمعوا بين الإنسان والحيوان الذي يعبدونه عند تصورهم الإله بصورة تتفق مع واقعيته» (مهران، ١٩٨٤م، ٢٧١).

وكان لتشكيل الآلهة في أزواج (ذكرية وأنثوية) وعائلات ثالوثية (أب وأم وابن) ما يعطي أيضًا صورة عن تشبههم بالإنسان. كما أن الأساطير حافلة بالصور الإنسانية للآلهة، حيث تجعلهم يتصرفون ويعيشون كأنهم بشر في سلوكهم.

ولم يكن حاجز الموت الذي يفصل الآلهة عن البشر (كما كان في الأديان القديمة الأخرى) بل كان الإنسان عندما يموت ينتقل إلى حياة الخلود مع الآلهة. لكن الآلهة لا تموت عند المصريين فقد تتبرك أو تنسى أو تختفي ولكنها لا تموت، أي إنها خالدة. بمعنى أن الإنسان في الدين المصري هو الذي تشبَّه بالآلهة في مسألة الخلود التي كانت بديهية عند الآلهة. ولذلك نشأت آلهة الخلود بل والشعائر الجنائزية التي كان همها منح البشر الخلود وحشرهم مع الآلهة الخالدة في العالم الآخر.

«العقلية المصرية القديمة كانت متسقة في النظر إلى الأحياء والآلهة والموتى باعتبارهم جميعًا كما يقرر عالم المصريات «جاردنر»: «ثلاثة أنواع من نفس الجنس البشري تخضع لعين المتطلبات المادية، ولنفس العادات والرغبات». وهذه الظاهرة تشاهد كأعظم ما تكون وضوحًا في الأحياء من البشر الذين تتمثل متطلباتهم في الطعام والشراب والماء والاغتسال والعطور والملابس، وكذلك المنزل والراحة والترويح. ولقد خلص المصريون منطقيًّا إلى أن كلَّ هذه الضرورات أو الاحتياجات يشارك الآلهة والموتى فيها إذا كان لهم أن يستمروا في تواجدهم، وكان الغرض من العقيدة الإلهية والجنائزية هو ضمان إشباع هذه المتطلبات. ومنذ وقت مبكر جدًّا كان هناك مقرٌّ لكل من الأنواع الثلاثة، فالمنزل للإنسان الحي، والمعبد للإله، والمقبرة للميت، يشيدون على طرز متشابهة كثيرًا، ولكن المكانة الكبيرة المدخرة كانت دائمًا للآلهة والموتى، ففي حين كان الإنسان العادي يسكن منزلًا والملك فقط له قصر، إلا أن المعبد كان يطلق عليه «قلعة الإله» والمقبرة «قلعة القرين» (تشرني، ١٩٩٦م، ١٣٣).

ورغم ذلك فإن هناك آلهة محددة دون غيرها في عالم الموت وعالمي الجحيم والفردوس سنتعرف عليهما في لاهوت السكاتولوجيا المصرية.

(١-١٠) تجانس الحياة والكائنات الحية

تميز الفكر المصري عمومًا، والدين المصري خصوصًا، بما يمكن أن نسميه ﺑ «وحدة الحياة» الذي هو مرحلة تسبق «وحدة الوجود»، فالكائنات المصرية من آلهة وبشر وحيوانات ونباتات كلها من أصل مشترك واحد ظهر في بدايته من التل البدائي للطبيعة في بداية الخلق، ولذلك لا توجد أسطورة لخلق الإنسان وبقية الكائنات من قبل الآلهة، وحين ترد تعابير تؤيد هذه الفكرة فهي تعابير رمزية أكثر من كونها تعابير إيتمولوجية (سببية).

«في مصر يتجلى التوازن والتناغم بين الأضداد بشكل يدعو للدهشة والإعجاب، في مصر تتعايش الحياة والموت، الوفرة والندرة، النور والظلام، الليل والنهار، الصحبة والعزلة، وكل قطب من هذه الأقطاب يبرز بشكل واضح، وهو ما يفسر لنا لماذا كان المصري القديم يرى أن مبدأ الازدواجية من أهم المبادئ التي بني عليها الكون، إن الطبيعة التي تحيط بالمصري القديم هي التي علمته القانون الميتافيزيقي الذي يقضي بالتوازن بين الأقطاب المتناقضة، لذلك كان مبدأ التوازن بين الأرضين، بين حورس وست (بين الأعلى والأسفل) من أهم المبادئ الروحانية في الفكر الديني المصري، وهو مبدأ انعكس بشكل خاص في شخص الملك، لذلك كان ملوك مصر يحملون لقب «سيد الأرضين»، كان «حورس» و«ست» دائمًا رمزًا للتوازن والتصالح بين الأضداد، سواء في منصب الملكية أو في الحياة اليومية للأمة المصرية» (نيدلر، د.ت، ١٥).

كان ذلك يمضي باتجاه التوازن الكوني الذي يراه البعض في صميم وحدة الوجود، ونحن نراه خطوة نحو وحدة الوجود؛ لأن العدد الهائل من الآلهة المصرية كبَّل نضوج فكرة وحدة الوجود بشكلها النهائي.

«لم يكن المصريون يأملون في شيء أكثر من التعايش في تناغم كامل مع الآلهة؛ وأن يمضوا حياتهم وفقًا لإيقاع دورات الكون. وبذا، فقد حتمت الضرورة أن تتطابق جميع أفعالهم، وكل منشآتهم ونصبهم مع هذا التوازن الكوني المتضمن في أقل ذرة من تراب مصر، وكل نقطة ماء؛ وبطبيعة الحال، بكيان كل كائن بشري. ولذا، لزم الأمر، أن يكون هذا البلد برمته، وكل إنجازات وأعمال أبنائه بمثابة المرآة والانعكاس لعظمة الآلهة، وروعتها وتألقها. وكان على كل فرد، وكل عمل أن يكون جديرًا بعظمتها وجلالها. فهذا هو المبدأ الروحاني والرمزي، الذي تجلى دائمًا فوق جدران النصب والمنشآت المصرية، حيث كان الزائرون المعاصرون الجدد يرونه، من خلال تفكير سطحي ظاهري، وكأنه مجرد تعبير جمالي» (تيبو، ٢٠٠٤م، ٨٨).

الآلهة كان لها أفضلية وأسبقية على غيرها من الكائنات في أساطير الخليقة، فكانت بمثابة المثال والنموذج الذي سعى له الإنسان في تصوراته ورواياته الأسطورية والسردية عمومًا.

«ومن خلال كتابه عن «الخروج إلى ضوء النهار» يعدد الكاتب الكاهن «آني» مختلف عناصر الجسد هذه التي يحظى كلٌّ منها بإلهه. وهكذا يؤكد «آني» أن وجهه هو وجه رع، وشعره يماثل شعر نون، وعيناه هما عينا حتحور، وأذناه تتطابقان بأذني وبو وا وات، وله أنف «خنت خاس» وشفتا أنوييس، وأسنان سخمت، وضروس إيزيس، وذراعاه هما ذراعا بانب جد، أما عنقه فيطابق عنق نيت، وردفاه وظهره كمثل ظهر ست، ولحمه هو لحم عاشف إيت، وبطنه هي بطن سخمت، وردفاه هما ردفا حورس، وفخذاه وربلتا ساقيه تتطابق بفخذي وربلتي ساقي «نوت»، وساقاه هما ساقا بتاح. وهناك نصوص أخرى قد أضافت أو غيَّرت الأجزاء الآتية؛ فقالت: ساعداه هما ساعدا نيت، وله ذراعا أوزيريس، وأصابع «أوريون»، وقدما بتاح، ورقبة مرت، وكتفا وادجي. أما يداه، فهما بدون شك يدا أتوم. وهكذا، نجد المتوفى يصرخ قائلًا: «لم يفتقر أبدًا أي عضو من أعضائي إلى إلهه.» ويبدو واضحًا أن هذا الوصف لا يتعلق إلا بالأجزاء الظاهرة من جسد الإنسان ولكنه لم يلتفت إلى وظائفها، التي تتصل جميعها بالآلهة العظمى (كمثل: الرئتين والقصبة الهوائية المشابهة لمثيلتها لدى بتاح، ونفثاته المتطابقة بنفثات «شو» وعضوي التناسل والإرضاع ﺑ «حتحور»، والخصوبة بأوزيريس). وهكذا، يعني مجرد تأمل إنسان ما، أو الإعجاب بأرض وادي النيل، أو التفكر أمام روعة وجمال معبد من المعابد ببنائه الطقسي وفقًا للمقاييس المقدمة، يعني الوجود أمام جميع الآلهة» (تيبو، ٢٠٠٤م، ١١١).

(٢) الثيولوجيا (الآلهة والشياطين)

(٢-١) أبيب (أبوفيس): Apep (Apohis)

ويسمى أيضًا (أبيبي، آبيب) ويلفظ بالقبطية (أبابي، أفوف) وأبوفيس تسمية يونانية له وأصلها هكسوسي. وهو الثعبان الملتوي الجبار الذي يمثل الشرَّ والظلام، وكان يقف بالضد من الإلهين «رع وماعت» أي «الحقيقة والعدل». فهو عدو رع لأنه عدو الشمس والضياء. وهو عدو الآلهة ماعت لأنها رمز النظام الكوني والعدالة.

figure
المعركة مع أبيب.

ورغم أنه ابن الإلهة «نيت» إلهة السماء لكنه يشكل الجانب المظلم منها، ويرسم، عادة، في شكل ثعبانٍ ضخم طويل يلتف على نفسه عدة مرات، ويظهر الرسم على جدران المعابد وهو يواجه أحد الرموز الخيِّرة القادرة على ردعه أو قتله. وقد رسم أيضًا بأشكال أخرى مثل السحلية والتمساح والتنين، وحتى اسمه في الهيروغليفية يتضمن رسمًا لشكله الملتوي.

الأسطورة الرئيسية للشيطان أبيب هي أسطورة الدورة النهارية للإله رع (الشمس) في قارب الشمس وهي أسطورة الهزيمة اليومية للثعبان أبيب وصراع الشمس وانتصارها عليه نهارًا، وقد كتب كهنة هليوبوليس (أون) هذه الأسطورة في بردية هي أقرب لكتاب يمكن أن نسميه «كتاب الموت» شرحناه مفصلًا في فصل الأساطير.

figure
figure
رع في شكل قط كبير وهو يذبح الثعبان أبيب (من كتاب الموتى).

وترد، في أسطورة الدورة الليلية لرع وهو يخوض في العالم الأسفل (دوات) منذ غياب الشمس حتى شروقها، ممالك كثيرة يظهر «أبيب» في المملكة السابعة التي هي «مملكة الكهف السري» حين يهجم على قارب الشمس لكنه يفشل في تحطيمه.

figure

يصعب قتل أو هزيمة «أبيب» لأنه خالدٌ مثل الآلهة فهو رمز الظلام والشيطان وهو القادر، في كثير من الأحيان، على ترجيح كفة القتال لصالحه وهو ما يسبب الزلازل والعواصف والرعود، أما إذا انتصر في مرحلة من مراحل صراعه ضد الشمس فإنه يسبب «كسوف الشمس» وهو ما يفسِّر كسوف الشمس أسطوريًّا في اللاهوت المصري.

تتفاوت الطقوس الخاصة بأبيب بين الاسترضاء والزجر، ففي طقوس الاسترضاء المبنية على أساس تجنب شروره تكون الصلاة الموجهة للإله رع بمثابة عامل تقوية لرع وتجنب خطر أبيب واسترضائه في الكثير من الأحيان ببعض العبارات.

أما طقوس الزجر فشاسعة وتتراوح بين إحراق تماثيله أو البصق عليه، أو سحقه بالقدم أو طعنه بالحربة أو تقييده أو إشعال النار فيه أو ذبحه بالسكين. وكان رع يظهر، أحيانًا، في شكل قطٍّ يمسك سكينًا وهو يقوم بذبح أبيب.

كان أبيب يسمى ملك أو لورد الشواش أو الفوضى (كاءُوس) وكان مجسدًا للشر والظلام، بلغ طوله في بعض الحكايات ما يقرب من «١٦» ياردة وكان رأسه مصنوعًا من الصوان، وظهرت رسوماته مبكرة في ثقافة نقادة الأولى (حوالي ٤٠٠٠ق.م.) وربما كان إلهًا للصحراء أو الشمس.

وهناك من يرى أنه أقرب إلى نوع من أنواع السحالي أو العظاءات الحرشفية وهي زواحف قريبة الصلة بالأفاعي، وبعضها يشبه الأفاعي لا يملك أقدامًا ويميل شكلها نحو التماسيح. وربما كان أصل اسمه ساميًا يعني «انزلق».

وتصفه الأساطير بأنه ولد بعد «رع» من حبله السريِّ وكان يجسد الصراع مع رع وكأنه يحلُّ في مكان عدم وجود رع أو يشغل الظلام.

كان «أبيب» يعبد كمضاد ﻟ «رع»، ففي طقوس سنوية تسمى «إبعاد الفوضى» يبني الكهنة كيانًا يحتوي على كل ما يرتبط بالشر والظلام في مصر ويحرق في طقس احتفالي بمناسبة أبيب تخلصًا من الشر في كل السنة الماضية. وكان يبدو في بعض الأحيان وكأنه أحد حراس العالم الأسفل، حيث يقوم بحماية أرواح الموتى.

(٢-٢) عاميت، أمُّوت، أهميت (عمعم) Amit, Ammut, Ahemait

figure
figure
صورة الشيطان «إيكنتلي» في بردية مصرية.

شيطانة من شياطين العالم الأسفل (دوات) التي تسمى «الملتهمة، آكلة الروح» وتظهر على هيئة مركبة من ثلاثة حيوانات؛ هي «الأسد، فرس النهر، التمساح»، ومكانها في منزل إله الموت أوزيريس في العالم الأسفل ووظيفتها هي أكل القلوب المثقلة بالأخطاء بعد أن توزن في الميزان وتكون أثقل من ريشة ماعت، وأكل قلب الميت يعني إلغاءه من الوجود.

تتماهى مع آلهة مصرية هي إيبه أو «إبت» التي تصور على شكل فرس النهر وهي إلهة للحماية والوفرة والتي تدمج أيضًا مع الآلهة تاورت (العظيمة). وتصور «إيبه» بصورة تمساح وأسد وإنسان وهي ربة ولادة تزوجت من الإله «آمون».

لم تعبد أمت (عمت) ورغم أنها عرفت كشيطانة أو عفريتة لكنها كانت، في النهاية، تحارب من أجل تطبيق الخير والعدالة رغم التهامها لأرواح المخطئين.

(٢-٣) الكائنات السلحفاتية الرأس

الكائنات السلحفاتية الرأس نادرة جدًّا في أيقونات مصر القديمة ويظهرون، في الغالب، في الرسومات الجنائزية، حيث إنهم بمثابة الأوصياء. في حالة التوابيت في الفترة المتوسطة الثالثة المتأخرة، يمكن رؤية المخلوقات برأس سلحفاة على ثلاثة توابيت مختلفة تعود إلى عصر السلالات ٢٥ و٢٦.

figure

المخلوقات التي ترأسها السلحفاة وهي تشارك في موكب مخلوقات وحيوانات طاردة للشر. هذه التركيبات معروفة من كائنات مختلفة، ومعظمها من توابيت القبور والمعابد.

figure
كائن برأس سلحفاة من نعش يعود لإيزيريدس.

وهناك كائنات تبدو مشابهة جدًّا ترتدي أغطية بيضاء مع قلائد صفراء، وباروكات زرقاء وتتزين مع المخاريط أو الريش وعقد السكاكين على ركبهم. تختلف الرموز الخاصة بهم فقط في شكل الرأس الذي يمكن أن يكون شكلًا حيوانيًّا وبشريًّا. هذه المخلوقات من «آلهة العالم السفلي» تمثل ٤ أبناء حورس، ثوث وحورس–يونموتيف، وثلاث شخصيات؛ شخصية غير مؤكدة تحمل أسماء سيدة الغرب، رب الغرب، وسيد البحيرة–نبت ست.

figure
Turtle-headed figure sitting on the ground and holding knives is named Hw33.t, which refers to the guardian demon from the Book of the Dead. From the qrsw coffin of Ankhefenkhons (CGC 41001bis). Drawing by D. Haładaj.

(٢-٤) هنيت

البوابات التي كان لا بد من المرور بها للدخول في حديقة أوزيريس، حيث الكمال والنعيم الأبدي كانت محمية بحراس البوابات، في البوابة الخامسة، بوابة النار، التقى الكاتب آني حارس البوابة ﺑ «هنيت»، واحدة من الذين يعرقلون الدخول، وتظهر في هذه البوابة الشيطانية على شكل فهد برأس فرس النهر. وهي نارية وعشيقة النيران. كانت كلَّ شيء يمثله حراس البوابة. هذه الشياطين لا تصدر أحكامًا على أولئك الذين يرغبون في الدخول. إلا أنها حملت ساطورًا ضخمًا، وهي واحدة من الأسلحة الجديدة التي ستستخدم في العديد من الحروب في فترة رمسيس. وهي تعرقل مرور الشخص إذا فشل في اختبارها، فإذا كانت الروح لا تستريح في حديقة أوزيريس، كانت اللعنة ستطاردها كنوع من الموت، وتجول القتلى. وبسبب هذا، اعتبرت هينيت ريك على حد سواء خيرة وشريرة. إنها حامية حديقة أوزيريس، وأرواح الأجداد، من أي دخيل لا يستحق.

(٢-٥) شيزمو (شسمو) Shezmu, Shesmu

يتراوح «شسمو» بين أن يكون معبودًا أو شيطانًا، فقد عُبد منذ أوائل عهد الدولة القديمة لكن أوصافه تدل على شيطنته، فهو يظهر بشكل نادر في النقوش على شكل أسد يمسك سكينًا أو على شكل أسد. الحقيقة أن شسمو كان يجمع وجهي الإله والشيطان معًا:
  • (١)

    الإله: إله العطور وصانعها ورب معاصر زيت العطر والمراهم والدهون والنبيذ فهو «إله الاحتفالات» الذي كان يغني له الشباب الذين يعصرون الكروم بأقدامهم ليصنعوا النبيذ.

  • (٢)

    القاسي: طاهي وسالق عظام الآلهة وقطعًا منهم، حيث يذكر والس بدج في كتابه آلهة المصريين النص الآتي: «شسمو قطعهم (الآلهة) من أجل ونيس، هو سلق قطعًا منهم في أوعية اللهب، ونيس هذا أكل كلمات القدرة التي تخصهم» (بدج، ١٩٩٨م، ٧٤).

  • (٣)

    حامي مركب الشمس الذي يستقله رع، فهو يحميه من الشياطين والكائنات الشريرة التي تهاجمه أثناء رحلته الليلية.

وقد عُبد «شسمو» في الفيوم وإدمفو ودندرة.

الكائنات المركبة: وهي الكائنات المركبة من أجزاء مختلفة من الحيوانات والأشكال الآدمية، وهي على أنواع مثل:
اسم الكائن المركَّب الجسد الرأس الأطراف الذيل أخرى
سيتشا فهد ثعبان
سيفر أسد نسر جناحان
ساك أسد وحصان صقر ينتهي بزهرة لوتس
شا ابن آوى أو غزال ابن آوى آذان طويلة مثلثة ابن آوى سهم
أم–ميت (ملتهم أمنتيتي) أسد الأمامية: تمساح الخلفية: ليمور آكل قلوب الموتى
الفهد الأسطوري فهد يخرج من ظهره رأس بشري مجنح
أبو الهول أسد إنسان أجنحة
(بدج، ١٩٩٨م، ٨٦–٨٧).
figure
(بدج، ١٩٩٨م، ٨٦–٨٧).

(٢-٦) الكائنات الأفعوانية

ظهرت عبادة الأفاعي ورموزها في الديانة المصرية بشكل مبكر، وهي أقدم بكثير من مثيلتها في الهند، فقد كانت أرض مصر الصحراوية وقبورها مكانًا دائمًا لأجناس غريبة من الأفاعي التي كان الإنسان المصري يخافها من جانب ويتعامل معها كمصدر للعلاج والحماية من جهة أخرى. وفيما يلي هذه الأشكال والرموز التي تعبر عن بعض مظاهر التعامل المقدَّس مع الأفاعي والثعابين والتي أوردها كوبر في كتابه عن أساطير الأفاعي في مصر القديمة.

(انظر Cooper 1873).

(٣) الروح

(٣-١) التشريح اللاهوتي للإنسان

إذا كان الإنسان علميًّا يتكوَّن من أجهزة عدة تعمل على ديمومة حياته ونشاطه البيولوجي فإنه لاهوتيًّا عند المصريين القدماء. يتكون من عدة أجهزة تعمل سوية منذ ولادة الإنسان وقبل وبعد الموت لكي تضمن بقاء التكوين الإلهي والروحي للإنسان سليمًا.

وكان المصري يعتقد أن الإنسان مكون من أربعة ثالوثات لاهوتية تختلف باختلاف مراحل حياته، ويشير كلُّ ثالوث بصفة عامة إلى ثلاثة أطراف أساسية هي الروح والجسد والنفس. وتختلف أشكال كلِّ مفردة من هذه المفردات حسب مراحل الحياة. فهناك ثالوث يأتي بعد ولادة الإنسان مباشرة مكون من «آب، حتي، ران» وهو يعيش مع حياة الإنسان، وهناك ضرورة كبرى للحفاظ عليه وهو ملازم للإنسان.

أما الثالوث الذي يغذي حياة الإنسان ويعتبر مثل القوى الحارسة له، فمكون من «سخم، أماخو، شاي» التي تشير إلى «الشرارة، الجسد، القدر» والثالوث كان موجودًا في الإنسان قبل الموت، ولكنه يبقى بعد الموت مباشرة ويتكون من «با، سعحو، خاييت» وهي «الروح التي تلتحق بالشمس، المومية، الظل». أما الثالوث الرابع فهو أبدي يتكوَّن من «خو، خت، كا» والتي هي «الروح التي تلحق بأوزريس، الجسم المادي، الرين»، «ويلاحظ أن اختلاف المفاهيم المتعلقة بالروح عند المصريين يرجع إلى امتزاج العقائد الذي كان من أهم عوامله اختلاط الشعوب، ويرجع أيضًا إلى ميل المصريين إلى التمسك بأي عقيدة، أو بأي صورة من عقيدة تنبعث بمرور الوقت في المجتمع، والشعب الذي يعتقد في وجود القرناء وفي تناسخ الأرواح يُتوقَّع أن تكون لديه بالضرورة مفاهيم غامضة ومعقدة، كما هو واضح كان سمة من سمات معتقدات المصريين القدماء الدينية» (عويس، ١٩٦٦م، ٢٨).

(أ) ثالوث التكوين بعد الحياة

  • (١)
    أب (القلب المدرك): كان القلب اللاهوتي مصدر الأفكار الخيرة والشريرة، وكان أحيانًا يعكس الضمير والروح. ولذلك جرى الاهتمام الخاص بالقلب، تحنيطه بشكل منفصل عن الجسد، وكان يحفظ مع الرئة في جرة. وكان يعتقد أن الميت بعد تلاوة دعاء القلب يُمنَح قلبًا جديدًا، وأنه سيحصل على القوة التي يبغيها في العالم الآخر، وأنه سيطر على قلبه. وكان هناك خوف من أن يسرق وحش نصفه إنسان ونصفه حيوان قلب الإنسان، ولذلك كُتبت سبعة فصول في كتاب الموتى لمنع سرقة القلب. وهناك تعويذة خاصة (انظر Budge 1981: 20).

    والأب لا يعبر عن القلب الحقيقي بل عن القلب المعنوي الذي يشير إلى ضمير أو روح القلب أو الروح الفردية.

  • (٢)

    حاتي: وهو القلب الحقيقي الذي يقع مكانه في الصدر.

  • (٣)

    ران: وهو الاسم الشخصي للإنسان. وقد يكون على نوعين: الاسم العلني والاسم السري. ويحمل الاسم السري صفة مقدسة؛ إذ إن حذفه أو إتلافه من القبر يسبب أذًى كبيرًا للميت في العالم الآخر.

ويشير هذا المثلث إلى القوة الروحية المتمثلة ﺑ «أب» والتكوين الجوهري للجسد المتمثل ﺑ «حاتي» وهو القلب والقوة النفسية المتمثلة بالاسم، وهذا الثالوث المكون من «روح، وجسد، ونفس» سيستمر بصيغ متشابهة في الثالوثات اللاهوتية الأخرى.

figure

(ب) ثالوث القوى الحارسة للفرد أثناء حياته

  • (١)

    سخم: وهو الشرارة الحية داخل جسد الإنسان، والتي تقوم خلال حياة الإنسان بإطلاق قوة الحياة وشهواتها داخل جسده. ولها مؤنث هو «سخمت».

  • (٢)

    أماخو: وهو الجسد البشري الذي يتهيأ للموت. وتعمل الماعت على تهيئة هذا الجسد المكتمل الأعضاء، والذي هيأته العدالة الاجتماعية والفردية وأعطته شكله النهائي.

  • (٣)

    شاي أو شايت: وهو القدر الأنثى والذكر، وكانا على شكل إلهين، ويولد الشاي في اللحظة نفسها التي يولد فيها الفرد وينمو معه حتى الموت. وإن قرارات الشاي لا مفر منها ويشاهد الشاي على شكل إله دون مميزات خاصة بعد الموت، وعندما توزن الروح بحضور أوزيريس، كما يحضر المحاكمة ليقدم حسابًا دقيقًا أمام المحلفين الجهنميين عن حسنات المتوفى وسيئاته أو لغرض أن يهيئه لظروف الحياة الجديدة (انظر الخوري، ١٩٩٠م، ج٢، ١١٠).

وهناك أيضًا نلمح ثالوثًا مكونًا من قوة روحية حية عبارة عن شرارة داخل جسد الإنسان هي «سخم». ومن جسد كامل مهيأ للموت هو «أماخو» ومن قدر نفسي مهيمن هو «شاي»، وهو الثالوث اللاحق ﻟ «الروح والجسد والنفس»، والذي يعمل بقوة أثناء الحياة.

(ﺟ) ثالوث ما بعد الموت

  • (١)

    الروح الأبدية: وهي الروح الخالدة التي تسري في الظاهر والباطن، وهي التي تغادر الجسد وتلحق بموكب الشمس في رحلتي الليل والنهار وتزور الجسد في رحلة النهار. فهي الروح الشمسية للمتوفى.

    وفي الغالب صُوِّرت البا على أنها طائر صغير له وجه يشبه وجه المتوفى، وربما كان يعتقد أن الطيور التي تظهر على الأشجار التي غرسها المتوفى كان من بينها طائر البا. أما الأشكال الأخرى للبا فهي (زهرة اللوتس. الثعبان المندفع من الحفرة. التمساح الزاحف من الماء إلى الأرض).

    figure
  • (٢)

    سا (الشخصية الوقورة للميت، الجثة المحنطة): إن جثة الميت المحنطة أو غير المحنطة كانت تسمى «سا»، وقد يدل هذا الاسم على الكبد. وهو يشير أيضًا إلى أحد شكلي أو ولدي «رع»، وهما هو «حو» و«سا». واسمها الفرعوني الدقيق «سعحو».

  • (٣)

    خابيت (الظل): وهو الظل الملازم للإنسان حتى بعد بعثه داخل السماء ويسمى أيضًا «شرت».

وهذا ثالوث آخر مكون من روح وجسد ونفس على شكل روح أبدية (با) وجسد محنط (سا) وظل ملازم للإنسان.

(د) الثالوث الأبدي (الذي لا يزول أبدًا)

figure
وهو التكوين الأبدي منذ الولادة وإلى الأبد.
  • (١)

    خت (الجسم المادي): وهو الجسد الإنساني الملموس، وأن هذا الجسد تكوين دنيوي سرعان ما يذوب بعد الموت في القبر؛ ولذلك حاولوا الحفاظ عليه من الفناء عن طريق التحنيط لكي يبقى وعاء للمكونات الأخرى الخالدة للإنسان. واﻟ «خت» يبقى على الأرض، بينما الروح (أخ) تصعد إلى السماء. وحين يرمز الجسم المادي فلا أمل بالخلود مطلقًا.

  • (٢)

    أخ (الجسم الروحي): قبس من النور الإلهي وهي الروح النورانية الشفافة التي تأخذ هيئة الجسد وهذه الروح تذهب إلى السماء بعد الموت وتبقى فيها لتساعده كي يصبح ﮐ «أوزيريس» جديد، أي ككائن نوراني يلتقي بالضياء الأبدي، ثم تتلاقى «أخ» المجسدة في هيئة أبيس بالكا والبا لكي يستطيع الكائن المكتمل من العودة إلى العالم السماوي …

  • (٣)

    كا (النفس): وهي الروح التي تبقى بجوار الجسد في القبر وحول القبر وتقدم لها القرابين بعد الموت. وهي بمثابة الملاك الحارس للإنسان والتي كان الإنسان يستقبلها عند مولده بأمر من الإله «رع»، ويعتقد المصريون أن هذه اﻟ «كا» لا أحد يستطيع رؤيتها، لكنها تشبه شكل صاحبها تمامًا، ويبدو أن اﻟ «كا» هي سبب حياة الشخص، فعندما تغادر جسده وتستقر في القبر أو حوله، فإن الشخص يغدو جثة ميتة. وتسمى أيضًا «القرين الروحي».

وكان المصريون القدماء يصورون اﻟ «كا» على هيئة الشخص نفسه وهي ترفع ذراعيها إلى الأعلى، ويبدو أن هذه الصورة الخاصة بها أتت من أصل مثولوجي يخص الإله رع الذي خلق أول إلهين ورفع ذراعين خلفهما ففاضت عليهما اﻟ «كا» ودبت فيهما الحياة.

وكانت اﻟ «كا» تقوم بزيارة الميت وتستقبل قرينه وتسكن تمثاله الموجود في القبر؛ ولذلك أطلق على القبر «منزل كا».

figure
الثالوثات اللاهوتية في مثلث واحد مكون من (الروح، الجسد، النفس) تشير لها إجمالًا في المثلث (قمة المثلث، الزاوية اليمنى، الزاوية اليسرى).

استنتاجات

  • (١)

    الجسد: أصل الجسد هو القلب (حابي) الذي يصير أثناء الحياة «إماخو»، أي الجسد الذي يرافق الإنسان أثناء الحياة، وتقوم ماعت بتنظيمه وضبط إيقاعه مع العدالة الاجتماعية. وبعد الموت مباشرة يتحول إلى «سعحو»، أي المومياء، أو «سا» وهو الجثة المحنطة (الشخصية الوقورة)، والذي قد يدل على الكبد، وبعد ذلك يصير الجسد (خت) الذي يذهب للعالم الآخر، أما روحه فتسمى «أخ».

  • (٢)

    النفس: يمثل النفس في بداية الحياة اسم الشخص (ران) يرافقه مدى الحياة باسم «شاي»، أي الظل أو القدر، ويعتقد أن الظل يحتوي على جزء من الشخص الذي يمثله، وعند الموت تتحول النفس إلى «خابيت»، أي الظل، حيث كان الظل (شاي) أيضًا يمثل للمصريين تجسيمًا للموت، أو خادمًا لأنوبيس، وكان يصوِّر كإنسان صغير الحجم وأسود بالكامل. وأحيانًا كان الناس (الفراعنة عادة) لهم صندوق صغير للظل يتم فيه تخزين جزء صغير من شيوت (شوت) الخاص بهم، وحين تذهب للعالم الآخر تصبح «كا»، أي القرين وهي النفس المعروفة عند المصريين.

    figure
  • (٣)

    الروح: وهي الحياة التي تربط وترفع الجسد إلى العالم الماورائي، تبدأ عند الولادة مما يعرف بالقلب المعنوي (أب)، الذي كان يعتقد أنه سيتم تشكيله من قطرة واحدة من الدم من قلب أم الطفل قبل ميلاده (في رحمها)، وهو الضمير أو روح القلب والروح الأبدية، وأثناء الحياة تتحول إلى «سخم» أي الشرارة وهي فاعلية الروح خلال الحياة، وعند الموت تتحول إلى «با» الروح الشمسية، وتصعد للعالم الماورائي باسم «خو، أخ»، وهي الروح الأوزيرية، وكان الأخ مرتبطًا مع التفكير، ولكن ليس التفكير كفعل من العقل؛ بدلًا من ذلك، كان يعني التفكير ككائن موجود حي، لعبت أخ أيضًا دورًا في الحياة الآخرة، فبعد وفاة الخات (أي الجسد المادي)، يتم لم شمل با وكا لإعادة إحياء الأخ.

كان الموت يحدث عندما تغادر كا الشخص جسمه، ولذا كانت تجري طقوس الكهنة بعد الموت للميت، بما في ذلك فتح الفم (وب - إر)، كانت لا تهدف فقط إلى استعادة القدرات البدنية للشخص بعد الموت، ولكن أيضًا لإزالة تعلق با بالجسم، مما يسمح لبا أن تتحد مع كا في الآخرة وخلق الكيان المعروف بأخ أو الفعال.

لقد ربط اللاهوت المصري التكوين الروحي واللاهوتي للإنسان بالجسد الكوني كله. وذلك عن طريق أبناء حورس الذين يمثلون جهات الكون الأربع، حيث توضع في آنية تحمل أشكالهم الأحشاء الداخلية للميت وتساعدهم في ذلك آلهة كما في المخطط التالي:

مخطط الروح والكون في اللاهوت المصري.

الدوائر من الداخل

  • (١)

    أبناء حور (حورس) في جهات الكون الأربع.

  • (٢)

    الرمز الحيواني للأبناء (رءوس الجرار الكانوبية).

  • (٣)

    الإلهات الحارسات للأعضاء.

  • (٤)

    الأعضاء التي تحفظ في الجرار الكانوبية.

  • (٥)

    أقسام الروح الإنساني.

(٤) العالم الآخر

(٤-١) جغرافيا العالم الآخر عند المصريين القدماء

العالم الآخر كان أكبر مكانًا وزمانًا، من عالم الأرض. الساعة الواحدة كانت تعادل ما يقرب عمر الإنسان.

كان هذا العالم معكوسًا بالنسبة لعالمنا وكأنه أشبه بالمرآة العملاقة، فالشمس تدور معكوسة فتذهب من الغرب للشرق حتى تظهر، والثعبان يعيد ولادة الأشياء من الذيل إلى الفم، والمشي يكون على الرأس، والأكل من الفضلات والمياه مقلوبة، والكتابة مقلوبة، ولا بد من قراءتها بطريقة معكوسة، والناس هناك يتحولون من «كبار» إلى «صغار».

«العالم الآخر هو أيضًا صورة مشوهة لما تألفه على الأرض، كلُّ شيء فيه أكبر من مثيله في الحياة الدنيا، وأبعاده تقاس ﺑ «المقاييس المقدسة» التي هي أكبر بكثير من المقاييس الملكية الأرضية، وأعواد القمح التي تنبت هناك ويحصدها المباركون أكبر بكثير من مثيلاتها على الأرض، إذ يبلغ ارتفاعها سبعة أو حتى تسعة أذرع (أكثر من ١٢ أو ١٥ قدمًا على التوالي). فأبعاد العالم الآخر كما يصفها كتاب «الأموات» تتجاوز كلَّ الأبعاد الأرضية. فمجرد طول المنطقة العازلة المؤدية إلى العالم الآخر الحقيقي أكبر من طول كلِّ وادي النيل إلى ما تحت الشلال الثاني، وطول المنطقة التي تستغرقها الساعة الثانية تبلغ ثلاثة أضعاف تلك المساحة، أي ٣٠٩ أميال مصريَّة، ولا تتفوق عليها سوى أبعاد «حقول القرابين» في نصوص التوابيت التي تبلغ مقاييسها ١٠٠٠ ميل مصري عرضًا، ومثلها طولًا، كما تلاحظ نصوص التوابيت أن «مياه البرنيق (فرس النهر) الأبيض»، تبلغ أيضًا ألف ميل طولًا مثل طول السماوات «التي لا يمكن معرفة مدى اتساعها» (هورنونج، ١٩٩٠م، ١٠٩).

«وربما تكون هذه الاتجاهات الرئيسية غير المحددة هي المرموز لها ﺑ «المرهقين الأربعة» الذين يقبعون أمام الإله أتوم في الساعة الثانية من كتاب البوابات يحدقون في مختلف الاتجاهات. وهكذا فإن العالم الآخر مناقض تمامًا، تنقلب فيه اتجاهات الأعلى والأسفل، والأيمن والأيسر، والقبل والبعد، هو عالم بلا خطوط مستقيمة، خارج حدود الزمن، وحتى النصوص الجنائزية القديمة تبدي مخاوفها من أن يضطر الشخص في ذلك العالم إلى أن يمشي «فوق رأسه» أو يأكل فضلاته؛ إذ إن عملية الهضم مقلوبة أيضًا، حتى ربة السماء تصبح ربة «ضد السماء»، فتقف ننت Nenet على رأسها، وينقلب الميت إلى نقيض حقيقي» (هورنونج، ١٩٩٠م، ١١٠).

تسمى حالة تعاقب التجسدات في الفكر الروحاني المصري ﺑ «خارما» وأصلها «خر إم عا»، «لا يوجد الكثير من الإيماءات عن تعاقب وتوالي التجسدات بالفكر الروحاني المصري القديم؛ لأن المصير الواحد المرتقب بالنسبة للمتوفى هو أن يصبح أوزيريس منيرًا، أو مرافقًا لرع في مركبه الشمسي. ولا شك أن الميت الذي يشغل عقله بالتأسي والأسف على أعمال لم ينجزها؛ أو في لعنة بعض من استغلوه في حياته الدنيوية؛ وفي تعداد عمليات انتقام لاحقة، لن يستطيع، في الحين نفسه أن يعيش بكل حذافيره مصير ما بعد الموت الذي يتطلب منه شحذ كلِّ إمكانياته وكفاءاته. كما أن أي تصرف أو موقف مغاير يتنافى مع الأعمال الطقسية والروحانية سوف يقوده فورًا إلى نمطي الحياة الأولين «بالدوات»: ضياعه، وتجواله الأبدي في مجاهل العالم السفلي. وفي هذا المكان «يسير» الإنسان بشكل معكوس: ساقاه فوق في الهواء ورأسه في أسفل. وهكذا يتحتم عليه أن يبدأ، فيما بعد، كلُّ شيء من جديد» (تيبو، ٢٠٠٤م، ١٣٥).

وتنحصر معالم العالم الآخر في النقاط الآتية:
  • (١)

    البوابات المتتالية التي تحرسها ثعابين وكائنات ضخمة للحماية مثل (النابح، الغاضب، فرس النهر … إلخ)، وعلى الميت حمل تعاويذ المرور من خلالها …

    «في بداية ما يحدث في العالم الآخر أو «الأمدوات» نجد أن مركب الشمس يتبع الربة ماعت، التي تتضاعف إلى «ماعت المزدوجة (العدالتين)» إشارة إلى أن النظام القويم ينزل إلى الموتى مع الشمس، وثمة نسيم مع أنفاس الخلق يسير مع مركب الشمس، وينفذ الضوء وكلمات الخلق السحرية إلى الأعماق فيصحو الموتى من رقدتهم، وتظهر كلُّ الأشياء المخفية، وتفتح الأبواب، وتتحرك رءوس الأفاعي الجامدة، وهي تلفظ النار من شفاهها، ويتحرك كلُّ شيء من انقشاع لعنة الظلام … (هورنونج، ١٩٩٠م، ١١٢).

  • (٢)

    الطرق المتعددة مثل الطريق البري الأسود والطريق الأزرق المائي.

  • (٣)

    قاعة عرش أوزيريس، حيث محاكمة الموتى، حيث يقوم أنوبيس باستقبال القادمين الجدد، وأمام أوزيريس الجالس على عرشه يوجد ميزان ماعت الذي توضع على كفته ريشة ماعت التي تمثل العدالة والنظام المقدس، أما الكفة الأخرى فيوضع عليها قلب المتوفى.

    ويعم الابتهاج بعودة إله الشمس، الخطأة فقط ينتحبون لأن عذابهم سوف يستأنف، والقرود في الأمدوات يحيون إله الشمس باسم كل الكائنات في العالم الآخر فيؤدون موسيقاهم ورقصاتهم أمامه. وهذه القرود المبتهجة تمثل كل الخليقة في مناظر مسيرة الشمس وتغني قائلة: «إن أبواب المدينة العظيمة تفتح من أجلك»، وهي تفتح بوابة العالم الآخر حتى يمكن لسفينة الشمس أن تدخل المدينة العظيمة أو الخالدة أي عالم الموتى بما فيه من الملايين. وفي لحظة من الزمن يجتاز الإله عتبة العالم الآخر ويلتفت إلى الحراس من أجل أن يغلقوا الباب مرة أخرى، وخلال مروره بأعماق الظلام يشعر بوجود عدوه اللدود «أبوفيس» ذي رأس الحية الذي لعله يعترض طريقه حتى في هذا المكان. ويدل المنظر الافتتاحي من «الابتهالات لرع» أعلى مدخل المقابر الملكية في عصر الرعامسة، على الهرب المحقق لأعداء إله الشمس السود عندما تطرد أشعته الظافرة الظلام، هؤلاء الأعداء يرمز لهم بالثعبان والتمساح والظبي الصحراوي وهم يفرون بينما قرص الشمس يهبط منتصرًا إلى الأعماق، ولكن الابتهاج الشامل لا يلبث أن يتحول إلى عويل شديد بينما المركب المشع يمضي قدمًا، فيجتاز بوابة أخرى عليها حراسة مشددة، وينسدل الظلام على المنطقة وترن الأبواب في عويل أخير قبل أن تعود الكائنات إلى رقدة الموت. ويتلو الصمت حالة البهجة والحوار مع الإله كرمز آخر لمملكة الموتى وتاسوعها المقدس «صمت ثقيل في الغرب» صمت مميت، يحاكي الصمت الأزلي الذي مزقته ذات يوم صيحة الطائر الأول «الصيحة العظيمة» (هورنونج، ١٩٩٠م، ١١٣).

  • (٤)

    حقول الحتب والأيارو، وهي حقول الجنة الأوزيرية، حيث لباسهم الأرجواني من الحرير وشراب الخمر وطعام التين.

  • (٥)

    حقول الجحيم وهي حقول النار والأفاعي.

«وتجد أعماق العالم في كلِّ الاتجاهات: على شواطئ المياه الأولية، وفي وسط السماوات، أو في أعماق الأرض نفسها، لماذا يقتحم إله الشمس هذا «الفضاء الداخلي» في نهاية رحلته اليومية فينزل إلى الأرض والمحيط ويختفي في جسد الربة؟ يجيب «الأمدوات» على هذا التساؤل بأن الغرض هو «أن يتأمل جسده، وأن يختبر صورته في العالم الآخر»، وفي كتاب الكهوف ينادي الإله قاطني العالم الآخر قائلًا:

أرشدوني إلى طرق الغرب؛
كي أوقظ الموتى هناك،
كي تستقر أرواحهم وتتنفس،
كي أنير لهم الظلمات.

ويخبرنا «كتاب البوابات» أن رع خلق العالم الآخر من أجل جسده والهدف من هذا «النزول إلى الجحيم» أن يتوحد رع مع جسده، وأن تفعل أرواح الموتى المباركين نفس الشيء، فإن على رع أن يختفي في الأعماق، مثل كلِّ المخلوقات، لكي يولد من جديد» (هورنونج، ١٩٩٠م، ١١٨).

«كما أن ست، قاتل أوزيريس، كان يجري تدميره في طقوس مشابهة لطقوس تدمير أبوفيس؛ إذ يقوم حورس، وهو ابن أوزيريس ووريثه، بدور المنتصر وقاتل التنين، ونراه في معبد إدفو يطعن بالحربة عدوه الذي يأخذ شكل فرس النهر، وهو مخلوق سين له بعض خصائص ست. وطبقًا للنص الأصلي لهذه الأسطورة يتغلب ست نفسه على الوحش الثعبان أبوفيس، وهكذا يستخدم قوته المهولة في خدمة الخليقة، ولكنه أيضًا يزعجها ويهددها باغتيال أخيه الشقيق أوزيريس» (هورنونج، ١٩٩٠م، ١٤٥).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥