المبحث الثالث

المؤسسة الدينية

(١) المؤسسة الإلهية

وهي بانثيون الآلهة المصرية الذي يتكوَّن من عدد هائل مكون من آلاف الآلهة التي تتفاوت في أهميتها، ويمكننا عمومًا تمييز سبع مدارس لاهوتية مختلفة في مصر تعمل على وضع الآلهة في مستويات متتابعة، ويمكننا إجمالًا القول إن هناك خمس مجموعات كبرى من الآلهة؛ وهي:
  • (١)

    آلهة العماء والهيولى الأولى: وتمثلها الآلهة الثمانية في خنمو (الأشمونين).

  • (٢)

    الآلهة الخالقة الكبرى السبع.

  • (٣)

    آلهة الكون والعناصر الأربعة والكواكب والنجوم.

  • (٤)

    الآلهة الصغيرة (الخاصة بالتفاصيل).

  • (٥)

    آلهة العالم الأسفل (دوات).

«الموطن الأصلي للآلهة المصرية يقع في ربوع أرض مصر ذاتها، رغم أنه قد اقترح أحيانًا أن البعض منها قد قدم من الخارج دون إثبات ذلك الأصل الأجنبي المفترض، فأسماؤها مصرية بحتة ويمكن تفسيرها في ضوء اللغة المصرية القديمة. فهي آلهة وطنية خالصة، وظلت كذلك حتى زمن امتداد النفوذ السياسي المصري إلى الخارج، حيث انتشرت عقائد هذه الآلهة إلى البلاد المجاورة في النوبة، والسودان، وفلسطين وسوريا، أما قبل ذلك وفي إطار العزلة الأصلية للبلاد، فإنها اختصت فقط بمصر والمصريين، فالأرض التي انطوت عليها سلطاتهم الإلهية كانت هي أرض مصر، والبشر الذين ارتبطت معهم بعلاقة مقدسة كانوا هم المصريين وحدهم، فكما أننا لا نعرف شيئًا عن أية عقيدة إلهية انتشرت في داخل مصر من الخارج، كذلك لم نسمع إطلاقًا عن مصريين بشروا شعوبًا أخرى بديانتهم باعتبارها العقيدة الحقيقية الوحيدة. والحق أن مثل هذا المفهوم الأخير كان غريبًا تمامًا عن العقل المصري، فعلى الرغم من أن المصريين اعتقدوا أن آلهتهم الوطنية تساعد الفرعون في إحراز النصر في غزوه للأراضي الأجنبية وتأكيد سطوته وسلطة مصر السياسية، إلا أن ذلك لم يكن هدفه نشر أو تأكيد العقائد الدينية المصرية في هذه البلاد» (تشرني، ١٩٩٦م، ٤٧).

(٢) المؤسسة الملكية (الفرعونية)

لم تكن المؤسسة الفرعونية إدارة ملكية دنيوية تقليدية كالتي نعرفها عن المؤسسات الرئاسية والماكية في كل أنحاء العالم القديم، ففي مصر اختلفت صورة الملك تمامًا عن صورته في دول ذلك العالم. لقد كان الفرعون إلهًا بالمعنى الدقيق للكلمة، لم يكن ممثلًا للإله أو صورة من صوره على الأرض، بل هو الإله تمامًا. ولكن أي إله؟ وما هو اسمه في المجمعات الإلهية؟

لقد كان الفرعون ابن الإله «رع» من جهة، وهو الإله الملك حور أو حورس الذي هو الإله الشمس الذي يهب الحياة الطاقة والنور من جهة أخرى، وكان الفرعون إلهًا في الحياة أي ابن رع وإلهًا في الموت، حيث يتحول إلى الإله أوزيريس عندما يموت ويبقى في جنة العالم الآخر بصفة الإله الحاكم للموتى «أوزيريس». وكلمة فرعون تصحيف عبري للكلمة المصرية القديمة فير–أ، أو بير–أ per-a التي تعني «البيت العظيم»، وهو المكان الذي يعيش فيه الرعية ويلجئُون إليه. وكان المعنى العميق لهذه الكلمة هو «الذى يعيش فيه الناس»، أي «العالم» أو «الكون»، ويأتي هذا التفسير معززًا لفكرة الألوهية التي ارتبطت بالفرعون.

ويرى والس بدج أن الملك كان منحدرًا من إله حكم على الأرض، فهو إله بالرغم من أن له جسمًا من لحم ودم. وكانت أعمال ومشيئة وأفكار الفرعون هي أعمال ومشيئة وأفكار الإله. وكان يحضر مراسم تقديم القرابين له كإله، بل وإن بعض الفراعنة مثل أمنحتب الثالث بنوا لنفسهم ولزوجاتهم معابد كانوا يتعبدون أنفسهم فيها (انظر: بدج، ١٩٨٩م، ١٠٠).

وإنه لما يؤكد فكرة الألوهية الفرعونية اتخاذ الفرعون مجموعة مهمة من الألقاب على مر التاريخ المصري القديم تكرس فكرة الألوهية وتربطه ربطًا محكمًا بعالم الآلهة، وهذه الألقاب هي (انظر: بدج، ١٩٨٩م، ١٠٠):

  • (١)
    الإله العظيم (The great god).
  • (٢)
    الإله المحسن (Neter-Nefet).
  • (٣)
    صالح الأشياء (Neb-ari-akht).
  • (٤)
    حور أو حورس (Her,Horus)، الذي كان رمزه الصقر (هاوك hawk)، والذى اعتُبر متقمصًا الروح السماوية العليا، حيث كانت الشمس عينه اليمنى، وكان القمر عينه اليسرى. وكان القرص الشمسي الموضوع على رأسه يدل على صفته، المتحدر من الإله (حور).
  • (٥)
    نبتي (Nebti)، الذي كان يرسم على شكل مستطيل يتضمن الرخمة والأفعى دلالة على الإلهتين القديمتين نخبت وأوتجت الدالتين على الشمال والجنوب (الدلتا والصعيد). وحاز الفراعنة بهذا الاسم على لقب أكثر شهرة هو «ذو الإلهين» إشارة لهما.
  • (٦)

    إله المملكتين أو الأرضين، وهو لقب مرتبط بالفكرة السابقة، أي بمصر العليا والسفلى. ويتمثل رمز هذا اللقب في عرائس نيل الدلتا التي ترمز للشمال والبردي الملفوف حول رمز الاتحاد الذي يرمز للجنوب، حيث يتشقق البردي على جوانب العرش الملكي.

  • (٧)

    ناسوبات: وهو رمز متأخر يرمز ﻟ «القصبة والنحلة»، حيث ترمز القصبة إلى الجنوب والنحلة إلى الشمال.

  • (٨)

    التاج المزدوج: وهما التاج الأبيض للجنوب والتاج الأحمر للشمال.

  • (٩)
    سارع (Sa-Ra) أو ابن رع، حيث قام كهنة رع في السلالة الملكية الرابعة بتنصيب أبناء كاهنة تدعى روتيت كانت تسمى بزوجة رع (وهي زوجة رع من سخابوا)، وبذلك صارت قصة إنجاب الفراعنة كأبناء للإله رع مقبولة منذ ذلك الوقت.

أما القوة الإلهية التي كان الفرعون يحكم بها فكانت تسمى «ماعت»، والتي سنفصل الحديث عنها في الفصل الخامس.

وإذا كان الفرعون إلهًا فإن زوجة الفرعون وأبناء الفرعون وحاشيته لم يكونوا كذلك مطلقًا. إن الجانب اللاهوتي في المؤسسة الملكية كان مرتبطًا بالفرعون نفسه؛ ولذلك لا نود مناقشة تفاصيل مكونات المؤسسة الملكية ومكوناتها وامتيازاتها لخروجها على موضوع اللاهوت المصري.

(٣) المؤسسة الكهنوتية

كان الملك من الناحية العملية، برغم أنه الإله، يدمج في شخصيته وظائف وصفات الإله والملك والكاهن. فبالإضافة إلى دوره السياسي والإداري والتشريعي كان الملك في أقدم العصور المصرية، يقوم بكافة الواجبات الدينية الكبرى، مثل بناء المعابد ومنح القرابين والقيام بالصلاة … إلخ. لكن الملك لم يستطع القيام بكل هذه الأعمال مع تعدد الآلهة المصرية وتفرق أماكن عبادتها. ولذلك اضطر الملك إلى تعيين من ينوب عنه في خدمة الآلهة.

كان الكهنة يشكلون صمام الأمان الديني بالنسبة للملك، فهم، وإن كانوا تحت إمرته، يمنحون القوة الروحية له ويبررون رفعته وألوهيته ويحافظون على مكانته رسميًّا وشعبيًّا، فضلًا عن كونهم من يمسك بشئون العبادة والحفاظ على طقوسها داخل وخارج المعبد. وقد «بقي للملك سلطانه المزدوج الديني والتشريعي ثانيهما وحسب، وانتدب للمهمة الأولى كهَّانًا يقومون بأعبائها. وبذلك تميز نشاطهم المباشر بتخصصهم في رعاية العبادة، عبادة الآلهة وكل ما يتصل بهذه العبادة من مظاهر خارج المعبد، فأما دورهم في الناحية الاجتماعية والروحية فقد كان محصورًا في أضيق الحدود. ولا ينبغي أن ننسى الدقة في مفهوم مصطلح الكاهن. فالكهَّان لم يكونوا طائفة منعزلة تعيش على هامش المجتمع ولا تخشاه إلا لاستمالة الجماهير ودفعها نحو حياة خلقية أرفع مستوًى وأقوى نشاطًا من حياتها العادية. كلا! بل كان أولئك الكهنة المصريون يقومون بدور دقيق جدًّا. فهم نواب الملك صاحب الحق الوحيد في القيام بالخدمة الدينية، وكان قوامها العمل على رعاية الوجود الإلهي على الأرض ممثلًا في صورة متكاملة داخل قدسه في المعبد» (سونيرون، ١٩٧٥م، ٣٩).

ويعرف سيرج سونيرون الكاهن المصري بأنه كل رجل يمتلك طهارة جسدية أو يضع نفسه في مكان الطهارة والنقاء الفيزيائي المطلوب، بغية الدخول إلى المكان المقدس أو الاقتراب منه، أو لمس أي جسم أو طعام مخصص للإله (انظر: سونيرون، ١٩٩٤م، ٧٧).

يرى سيرج سونيرون أن «هؤلاء الكهنة لم يكونوا يمارسون وظائفهم إلا لمدة زمنية محدودة قد تبلغ ثلاثة أشهر في العام، نتيجة لتعاقب الطوائف العاملة. وخلال الثلاثة أشهر التي كانت تفصل بين كل شهر وشهر من أشهر العمل كانت حياة الكهنة المدنية البحتة تسير بعيدًا عن مذابح القربان، فبماذا إذن كان يتميز هؤلاء الكهنة عن غيرهم من سكان قريتهم؟ إن النبذات القليلة التي سنذكرها عن الحوادث الآن لم تجمع لهدم الفكرة الرائعة التي قد نميل للاحتفاظ بها عن (الكاهن المصري)، بل إن هذه النبذات قد تجنبنا التعميم العاجل، فالكهنوت المصري كانت وظيفته مدنية مباحة إلى أبعد الحدود، إلى الحد الذي جعل منه مرآة تعكس كل مظاهر المجتمع الطيب والسيئ، ومن ناحية أخرى فإن الكهنة لم يكونوا أصحاب رسالات إلهية لمن يتبعونهم من الأتقياء، بل كانوا مجرد منفذين لطقوس دينية يومية كانت تتم بعيدًا عن عيون الجماهير، وسوف نرى أنه كان للمرء أن يكون على حظ ضئيل من التأهيل يتيح له الانخراط في سلك «المطهرين». وقد يفسر عدم الاختيار لتلك الوظائف بعض الفصول العجيبة في تاريخ الكهنوت» (سونيرون، ١٩٧٥م، ١٨).

استطعنا إحصاء سبع طبقات كهنوتية متميزة، ثلاث طبقات أساسية وأربع طبقات متغيرة وغير ثابتة، وهي كما يلي:
  • (١)

    الكاهن الأكبر «حم نتر»: وكان الأعلى رتبة بين الكهنة، والذي يقوم الملك بتعيينه وكانت شخصيته مؤثرة في المجتمع.

  • (٢)
    الكهنة المختصون: وهم مجموعة من الكهنة الذين يصنفون من المرتبة العليا ويعملون في وظائف محددة تخص الخدمة والطقوس وأعمال النظافة اليومية، وإكساء وتزيين التماثيل الإلهية والمحافظة على قاعات المعبد وعلى المواد المخصصة للاستعمال اليومي كالحلي والثياب ومتطلبات العبادة. ويشتملون بصورة عامة على:
    • (أ)

      المطهرين (وعب).

    • (ب)

      المرتلين من الموسيقيين والراقصين (خري حب).

    • (جـ)
      الكهنة المرتلون (pterphore): نسبة للريشتين اللتين تزينان غطاء رأسهم. وهم الكهنة القراء والكتاب الذين كانو يمارسون عملهم فيما يسمى بحقول العلم المقدس (العلم الإلهي) الذي كان يشمل مختلف الحقول الخاصة بالأدب والحكمة والفلك والكيمياء والطب في بيت ملحق بالمعبد يسمى «بيت الحياة». ولم يكن كتبة المعبد هؤلاء من الكهان فقط، بل كانوا يشكلون الطبقة المثقفة والمتعلمة.
  • (٣)
    صغار الكهنة: وهم صغار رجال الدين، لهم دور بسيط في العبادات والنشاطات الدينية وينقسمون إلى:
    • (أ)

      الأتقياء: وهم الذين يقومون بأعمال بسيطة، مثل حملة القارب المقدس، السقاية في المعبد ورش الماء، مراقبة الدهانين والرسامين، ورؤساء الكتاب والعمال اليدويين للملك المقدس، أو أن يكونوا عمالًا يدويين بسطاء مكلفين بأحذية الإله … يتوزعون إلى طبقات في المعابد الكبيرة التي تمتاز بكثرة رجال دين، منهم رؤساء الأتقياء أو المتقدمين في التقوى، أو من المرءوسين المصنفين داخل فئة كبار الكهان الصالحين للقيام بجميع الأعمال التي يتطلبها المعبد والعبادة (سونيرون، ١٩٩٤م، ٩٥).

    • (ب)
      الرعاة (pastophor): وهم حملة الأشياء المقدسة.
    • (جـ)

      الأحبار: وهم مكلفون بتقديم القرابين ونحرها قبل ذلك.

    • (د)

      مفسرو الأحلام (العالمون بالغيب): وهم الضالعون في عالم الظواهر الليلية وتعليم هذا العرافين.

    • (هـ)

      الكهنة المؤقتون (أونوت): وهم كهنة الخدمة المؤقتة الذين ظهروا بشكل خاص في عصر الدولة الوسطى، حيث يتناوبون العمل الكهنوتي لفترة مؤقتة ثم يعودون إلى حياتهم اليومية المدنية المعتادة.

      figure
      الأعلى: كهنة مصريون، الأسفل: كاهنات مصريات.
    • (و)

      الكاهنات: كانت المرأة قبل الدولة الحديثة تدخل في خدمة المعبد وفي سلك الكهنوت، وهناك كاهنات للإلهة نيت وحتحور «ولكن الأسرة السابعة عشرة أظهرت لقبًا كهنوتيًّا جديدًا للملكات أو الأميرات اللائي سيصبحن ملكات وهو «زوجة الإله»، وهي الزوجة الملكية للإله آمون والتي يحرم عليها الاتصال بأي رجل اتصالًا جنسيًّا، وكانت زوجة الإله هذه صاحبة سلطان عظيم ينافس سلطان الفرعون، فقد كانت «تمتلك الضياع الضخمة وتشرف على موظفين يخصونها، وتتخذ مجموعة من الألقاب، وتحيط اسمها بخرطوش، وتخلع على نفسها صفات ملكية، وتحتفظ بأعياد اليوبيل، وتقيم نصبًا وآثارًا باسمها، وتقدم القرابين للآلهة» (مهران، ١٩٨٤م، ٤٧٧).

      «كانت رئيسة الكاهنات غالبًا هي زوجة الكاهن الأكبر. وكانت ترتبط بالإله بنوع من الرباط، فتعد زوجة له مثلًا، وقد أعطيت في العصور المتأخرة أهمية كبرى لمن تولت منصب الزوجة الإلهية لآمون، ذلك المنصب الذي كان يعادل منصب الكاهن الأكبر، والذي اختفى نفوذه منذ تولت الأميرة شبنوب Shepenwepe هذا المنصب في عهد والدها الملك أوسركون الثالث من الأسرة الثالثة والعشرين، والذي كان لصاحبته السلطة الدينية والروحية في طيبة لمدة تزيد عن القرنين. وكانت سياسة الفراعنة إسناد هذا المنصب لإحدى بناتهم لكي لا تخرج ممتلكات وأوقاف الإله من دائرة الأسرة المالكة وتئول إليها سلطات ذلك المنصب الكبيرة» (عبد الحليم، ١٩٨٨م، ١٥٠).
    • (ز)

      الإداريون والمستخدمون: وكان هؤلاء خارج سلك الكهنوت ولكنهم يقومون بالمهام الإدارية والخدمية للمعابد، خصوصًا إذا كانت المعابد واسعة كبيرة، مثل مدراء الأملاك ورئيس القطعان والمخازن … إلخ. وكانت هناك مجموعة كبيرة من المستخدمين كالبوابين والعمال والحراس والجنازين والجزارين والعبيد … إلخ.

كان الكهان يقومون بالوظائف الدينية التي عرفناها وما يرافقها من مظاهر ضرورية لتحقيق ذلك. ولم يكونوا يقومون بالوعي الروحي الكبير للمجتمع أو تثبيت قواعد الدين في قلوب الناس، بل كانوا تحديدًا موظفين يقومون بأعمال محددة يختلطون بالناس باعتبارهم أناسًا عاديين ولا يعيشون على هامش المجتمع أو في عزلة خاصة. وكانت الكهانة أحيانًا وراثية أما التدخلات الملكية في التعيين فنادرة فيما يخص الكهنة الكبار من المرتبة الأولى، وكان الملك يحتفظ بحق تعيين وتسمية كبار رجال الدين. أما صغار رجال الدين فكان الوزير يتولى تعيينهم.

وكان الكهان، بالإضافة إلى قيامهم بالطقوس والشعائر الدينية وأعمال الكهنوت المعروفة رعاة لحقول العلم الإلهي المقدس، وكانت بيوت الحياة بمثابة مكتبات للمعابد ترى فيها عمليات تدوين وحفظ مختلف العلوم. فقد كان الكهنة الكتبة المختصون يطورون علومهم في هذه الحقول، فعلوم الكهانة والطقوس كانت لها الحصة الكبرى وكانت دوريات التاريخ والأحداث الكبرى التي مرت بها مصر والمنطقة المحيطة بها، وكان للكهان ولع خاص بتدوين كل ما يحصل سنويًّا وكل ما يساعد في شئون العرافة والفأل. ودونوا الكثير من المعلومات التي تخص جغرافيا الكون والأرض ومصر. وشملت علومهم الفلك والهندسة ونصوص التنجيم وكذلك علوم الهندسة وفن العمارة. وكانت العلوم الطبية من أهم العلوم المقدسة، وقد شملت التحنيط واختلطت بالسحر القديم وفنون الجراحة، وتطورت علوم الحيوانات وظهرت مدونات كثيرة لتفسير الأحلام والسحر والعقاقير والصيدلة والآداب.

ويدل هذا على أن المعابد كانت بمثابة الجامعات العلمية والروحية، وأن الكهنة كانوا بمثابة الأساتذة العلمانيين والروحانيين لمختلف حقول هذه الجامعات ولجيرانها وخصوصًا اليونان.

(٤) المعابد والمباني الدينية

المعابد المصرية

لم تكن المعابد المصرية، كما هو شأن المعابد القديمة، أماكن للزيارة أو التعبد، فالمعبد ليس مكانًا يقصده المتعبد ليصلي للإله، ولا هو بالدار الذي تحتشد الجماهير لممارسة الطقوس فيه أو لكي تتقرب إطلالة الإله عليها خلال الاحتفالات الدينية. وهو ليس مكانًا تقام فيه الشعائر المقدسة التي يقوم بها الكهنة المتخصصون أمام الناس. إن المعبد المصري لا يستقبل الناس. بل هو تحديدًا المكان الذي تبالغ فيه حماية وإخفاء الإله فيه (انظر: مهران، ١٩٨٤م، ٤٦٢).

إن قلب المعبد هو مكان سريٌّ يتم الذهاب إليه عبر أبواب متعاقبة عديدة، وكلما وصلنا إلى الداخل ازداد المكان إظلامًا حتى نصل إلى مكان مليء بالرهبة لا يصل إليه إلا الكهنة المخولون بذلك، حيث يوجد التمثال المقدس للإله الذي يختلف عن التماثيل المعروفة للإله، إنه ببساطة تمثال سري يجسد حقيقة الإله، وحين يصل إليه الكاهن المختص وبمجرد أن يراه ينبطح على بطنه ويقبل الأرض ويكرر ذلك، ثم يقوم ويشعل البخور ثم ينشد للإله مقطوعة قصيرة، ويقوم بعدها بالأعمال اللازمة لهذا التمثال كتزويده بالطعام والشراب وحمايته من الأرواح الشريرة (مهران، ١٩٨٤م، ٤٦٣).

ويحظر تمامًا تصوير صورة الإله المجسدة في التمثال المقدس ويستعاض عن ذلك بتصوير الزورق الذي يوجد عادة في غرفة قدس الأقداس، ويظهر الزورق مزينًا من الأمام والخلف، وسط الزورق مقصورة كأنها معبد صغير، كان تمثال الإله داخلها ولكنها مغطاة تمامًا بالأستار ولا يظهر منها مطلقًا أي شيء يدل على الإله.

لم تكن المعابد المصرية لعبادة الآلهة فقط «وإنما منها ما كان أيضًا لعبادة من أُلِّه من الملوك السابقين، أو لعبادة من شيدوها. ومن أقدم من عُبد من الملوك في بلاد النوبة سنوسرت الثالث، وعُبد تحوتمس الثالث في معبد سارا جنوب أبي سنبل، وأمنحتب الثالث في صولب، وسيتي الأول في أبيدوس. ومن الملكات من أُنشئ لها معبدٌ خاصٌّ لعبادتها، فقد أقام أمنحتب الثالث في سدنجا شمال صولب معبدًا تُعبد فيه زوجته الملكة تي، وحفر رمسيس الثاني معبدًا في أبي سنبل تُعبد فيه الملكة نفرتاري مع الإلهة حتحور» (شكري، ١٩٨٦م، ١٦٣).

المعابد قبل عصر الأسرات: هياكل مثل الأكواخ

كان المعبد في اللغة المصرية القديمة يعني بيت الإله (إيربر Er-p)، وفي الأوقات المتأخرة (إربي Erpi) أي باب البيت المقدس أو باب بيت الإله. ويرى بعض الباحثين أن المعبد المصري في أول نشأته كان مسكنًا للزعيم أو جزءًا منه، ويدل على ذلك أنه كان يطلق على المعبد وبيت الزعيم لفظ واحد.
وكان أول المعابد، مما قبل عصر الأسرات، قد اندثرت بسبب موادها سريعة التلف، ولكن نقوشًا على البطاقات من الخشب والعاج أشارت إلى شكلها، ويمكننا أن نميز نوعين منها:
  • هيكل الصعيد: الذي كان مبنيًّا من القصب ومن أغصان الأشجار المثبتة بأوتاد خشبية على الأرض والمغطاة بحصير وهو على شكل مستطيل على أحد جانبيه القصيرين باب فخم مقوس في أعلاه، وفي أحد جانبيه الطويلين باب آخر، ويتميز هذا الهيكل أو المعبد بظهور أربعة بروزات أو قرون في أعلى واجهته ويتقوس سطحه على شكل ظهر حيوان، ويتدلى ما يشبه الذيل الطويل في مؤخرته.

    وقد أوحى هذا الشكل لبعض الباحثين، ومنهم «رايك»، أن شكل الهيكل مستوحًى من الخرتيت الأفريقي أو فرس النهر، وأنه يمثل حيوان أنوبيس المقدس ليبعث الرهبة والرعب فيمن ينظر له. وقد يكون لشكل هذه الحيوانات وخصوصًا بيت الزعيم الذي كان يغطى بجلد ثور يشير له.

    figure
    معابد ما قبل عصر الأسرات.

    المعابد في بداية عصر الأسرات: القصورات والردهات.

  • هيكل الشمال: وكان يتميز بارتفاع جداريه في طرفيه وله سطح ذو قبة، ومن أشهر أمثلته معبد الإلهة نيت (حامية الشمال)، وكان ذا فناء يقوم على مدخله صاريان يعلوهما علمان، ويوضع على قمة هذا الكوخ من الداخل رمز الإله أحيانًا، وكانت القرابين تُقدَّم له في الفناء الخارجي، وكانت مؤخرة المعبد على شكل مقصورة بسطح مقبًّى، وفي جوانبها أربعة قوائم تعلو السطح، وقد أثر هذا الشكل في صورة التوابيت وصناديق الأمعاء الخشبية والحجرية فنُحتت على طراز هذا الهيكل.

يمثل هذه المعابد معبد «خنتي إمنتي»؛ إله الموتى وقبلة أهل الغرب. وظهر على حافة الصحراء في أبيدوس.

ويتكون من ردهتين متتاليتين، باب كلٍّ منهما منحرف عن محور المعبد وتطل عليها مقصورة التمثال تكتنفها قاعتان، وكان بجانب الردهتين سلَّمٌ يؤدي إلى السطح ويُعتقَد أنه كان إلى جانب تمثال الإله تمثال الملك الذي أنشأ المعبد؛ إذ يبدو أنه كانت تجمع المعبد صلة بالمقابر الملكية في أبيدوس. ويعتبر طراز هذا المعبد أصلًا للمعبد ذي المقصورات الثلاث في الدولتين الوسطى والحديثة (انظر شكري، ١٩٨٦م، ١٧٠).

وسنتناول أهم أنواع العمارة وتسلسلها التاريخي، وكما يلي:

(٤-١) المملكة العتيقة

ليست هناك آثار عمرانية كبيرة ومهمة.

(أ) المسطبات

القبور الملكية ومقابر الأفراد فقط، والقبر هو المسطبة. كانت القبور عبارة عن حجرات داخل الأرض يُدفَن فيها الأموات، وتكون مغطاة من الخارج بالمسطبات، ظهرت في أبيدوس (العرابة) وانتشر استعمال اللَّبِن في الجدران، أما الأبواب والعُمُد والسُّقُف فكانت تصنع من الخشب.

المصطبة نوع من المقابر المصرية القديمة، وهي بناء مرتفع عن سطح الأرض مستطيل الشكل ذو سطح مستوٍ وجوانب منحدرة نحو الخارج، وشيدت المصاطب إما من الطوب اللَّبِن أو الحجر.

figure
التصميم العام للمصطبة.

ومن الأسرة الأولى (أسرة مينا) هناك ضريح حورس الذي عُثر عليه في سقارة، ويتكوَّن من عدة حجرات متوازية إضافة إلى قاعة مستطيلة يمكن أن تكون مدفنًا. وعُثر في أبيدوس على مقبرة الملك «خع سخموي» من نهاية الأسرة الثانية جدرانها غطيت بالحجر الجيري، وعثر عليها في «أها–سقارة»، واستمر بعضها في الدولة القديمة.

(ب) مقابر المسطبة في الدولة العتيقة والقديمة

  • (١)

    مسطبة أها–سقارة من الأسرة الأولى المكونة من أخاديد البضائع وغرف المقبرة التي يدفن فيها الميت.

  • (٢)

    مسطبة بيت خلَّاف من الأسرة الثالثة.

  • (٣)

    مسطبة في الجيزة من الأسرة الخامسة.

  • (٤)

    مسطبة في سقارة من الأسرة الخامسة.

figure
المسطبات قبل الأهرامات: أول الأضرحة المعمارية المصرية.

(٤-٢) المملكة القديمة

تطور فن العمارة الدينية في الدولة القديمة تطورًا كبيرًا، وكان ذا مظهرين؛ أحدهما يخصُّ المدافن الكبرى (الأهرامات)، والآخر المعابد الكبرى (معابد الشمس).

(أ) الأهرامات

figure

يسمى هذا العصر إجمالًا بعصر الأهرام (أو الأهرامات)؛ لأن الأهرام تعتبر أهم سمة معمارية وحضارية فيه، فما هي الأهرام؟ إنها مدافن (قبور) الإله الملك (الفرعون)، ويبلغ عدد الأهرام المكتشفة لغاية سنة ٢٠٠٨ حوالي ١٣٨ هرمًا في مصر، أما عدد الأهرام التي بنيت في النوبة (في السودان) فيصل إلى ٢٢٠ هرمًا تقريبًا، وهي أصغر حجمًا من الأهرامات المصرية عمومًا، وبنيت بعدها بحوالي ٨٠٠ سنة.

figure
ويمكننا وضع خلاصة تاريخية وهندسية وجمالية للأنواع العشرة الأولى من الأهرامات بدءًا بالهرم المدرج، وانتهاءً بهرم منكاورع، التي تعتبر الأساس الأول الذي بنيت عليه هندسة الأهرام في مصر القديمة، وهي:
  • (١)

    الهرم المدرج: وهو هرم الملك زوسر في سقارة، وقد بناه المهندس والفلكي والكاهن والكاتب والحكيم المصري القديم «إمحوتب» الذي أصبح وزيرًا للملك زوسر، والذي ظلَّ اسمه خالدًا عبر العصور، بل وعُبد في بعض العصور المتأخرة واعتبره الإغريق إله الطب والعلوم والهندسة. ويبدو أن إمحوتب قد استوحى بناء الزقورة في وادي الرافدين أولًا، ثم ابتكر عمله المعماري الخلَّاق هذا، بدليل أنه في البداية شيَّد مقبرة في منف مكونة من ست مصاطب بعضها فوق بعض، ويصغر حجمها ما يعلو منها عمَّا يسبقها، فيأخذ شكلها الخارجي شكل الهرم، ولكنها تشبه الزقورة. ويُعتقد أن طريقة بناء المصطبات فوق بعضها لإنشاء الأهرام ظلت هي الأساس حتى في الأهرامات الكبرى. وكان إبداع «إمحوتب» هو استبدال اللَّبِن بالحجارة في تشييد المصاطب، وقد كانت هذه الطريقة كفيلة بحفظ الأهرام على مرِّ الزمن، بينما تهدمت أغلب الزقورات المبينة من اللَّبِن والطين.

    ويعتبر الهرم المدرج أول عمارة حجرية ضخمة في تاريخ العمارة المصرية، وقد أُلحق بهذا الهرم بهو المدخل ومعبد اليوبيل الملكي، والمعبد الجنائزي.

    ويظهر التجديد والابتكار أيضًا في مجموعة المباني الجنائزية والمعابد الملحقة بالهرم، فيلاحظ أن إمحوتب استنبط من نبات البردي أنصاف أعمدة حجرية متصلة بالجدار، واستوحى من حزم البوص أعمدة متصلة بجدار بعض المباني الأخرى وحافظ على محاكاة الأعمدة الخشبية في أحجار سقف بهو المدخل.

    ويحيط بالهرم المدرج ومرافقه سور يصل محيطه إلى أكثر من ميل واحد وارتفاعه إلى أكثر من ١٠ أمتار.

  • (٢)

    الهرم المدفون أو (المدرج غير المكتمل) (سخمخيت) في سقَّارة الأسرة ٣: وهو هرم بُني في عصر الفرعون سخمخيت، ويعتقد أن ارتفاعه هو ٣٠ مترًا، وفي غرفه الداخلية ظهرت في باب غرفه الأقواس وهي أقدم أقواس عمرانية في التاريخ.

    figure
  • (٣)

    هرم الطبقة (خابا، هودجيفا) في زاوية العريان: بُني في عصر الملك خابا، ويبدو أنه بُني منذ بدايته كهرم مدرج، لكنه لم يكتمل، غرفته الداخلية الوحيدة فارغة، ويمكن الوصول لها عبر قناة.

  • (٤)
    الهرم المقطوع (Truncated Pyramid) في ميدوم: وهو هرم مدرج غير مكتمل، ظهر في ميدوم وفي السلالة الثالثة.
    figure
  • (٥)

    الهرم الأحمر في دهشور: وهو هرم بناه الملك سنفرو، وهو بلون أحمر بسبب الرمل الأحمر الذي يغطيه، وهو بحالة جيدة وفيه غرف داخلية فارغة.

  • (٦)
    الهرم المنحني (المكسور، شبه المعين Rhomboid) في دهشور: وهو الهرم الذي بناه الملك «سنفرو» من الأسرة الرابعة في منطقة دهشور، وهناك هرمان منحنيان فيها، أحدهما شمالي والآخر جنوبي. كذلك بنى هذا الملك في منطقة ميدوم جنوب الهرم المنحني بدهشور.
    figure
    ويعتبر الهرم الشمالي للملك سنفرو الذي يقع بمنطقة دهشور أول الأهرام التي اتخذت الشكل الهرمي الكامل، حيث تنحدر جوانبه المائلة بزاوية قدرها ٤٣º، ٣٦ وهي زاوية تختلف عن زاوية الأهرام التي بنيت بعد عصر سنفرو.

    أما الهرم الجنوبي المنحني فهو فريد في شكله كما هو فريد في تصميمه، فهو يتضمن مدخلين منفصلين، يقع الأول منهما في منتصف الواجهة الشمالية للهرم وعلى ارتفاع نحو ٤٠ قدمًا فوق سطح الأرض، ويقع المدخل الثاني على بُعد نحو ٤٥ قدمًا، ويؤدي كلُّ مدخل من هذين المدخلين إلى غرفة منفصلة.

  • (٧)

    هرم خوفو (الكامل) في الجيزة، الأسرة ٤: إن القمة التي وصل إليها تطور فن العمارة في الدولة القديمة تتمثل في الهرم الأكبر الذي بناه خوفو في الجيزة، الذي بناه الوزير «حم إيونو» ابن عم الملك، وكان بحكم وظيفته مشرفًا على أعمال الملك، وقد تطلب بناء هذا الهرم استخدام أكثر من مليوني كتلة من الحجر الجيري يصل وزن بعضها إلى «١٥» طنًّا استخرجت من المحاجر القريبة من المنطقة، أما الأحجار التي استخدمت في الكسوة الخارجية فهي أحجار أكثر نعومة ونقاءً. وقد شُيِّد هرم خوفو فوق مساحة ١٢ فدانًا وبلغ ارتفاعه ١٤٦ مترًا، (بينما كان ارتفاع هرم زوسر ٦٠م).

    وقد تغير التصميم الهندسي للمقبرة الهرمية في عهد الملك خوفو؛ إذ انتقل مكان غرفة الدفن التي كانت تحت الأرض في هرم زوسر إلى غرفة مشيدة في جسم الهرم، غُطيت جدرانها وسقفها بأحجار ضخمة من الجرانيت، وبما أن مقبرة الملك كانت عادة تتوسط الجبانة الملكية لذلك نجد في شرقه وجنوبه أهرامات صغيرة خاصة بأعضاء الأسرة المالكة، بينما تقع مصاطب رجال الدولة في الجنوب. «وفي الجهة الشرقية من الهرم شيد «خوفو» معبده الجنائزي، ولكن لم يبقَ منه إلا مكان بعض أساسات الجدران واضحة فوق الصخر، وجزء من أرضية بهو المعبد وهي من حجر البازلت، وهذه البقايا القليلة رغم ضآلتها أمدت علماء الآثار بأدلة كافية لمحاولة عمل رسم تخطيطي للجزء الشرقي من المعبد، وهو يختلف اختلافًا تامًّا عن المعابد الجنائزية التي كانت قبله أو بُنيت بعده. ويؤدي مدخل هذا المعبد إلى بهو كبير ذي أعمدة، وهو مستطيل ومحوره الطويل من الشرق إلى الغرب، كما أن سقف البورتيكو (السقيفة) كان محمولًا على أعمدة من الجرانيت عُثر على قطع صغيرة منها. أما الجزء الغربي من هذا المعبد فقد تخرب تخريبًا يكاد يكون تامًّا» (أديب، ١٩٩٧م، ١٥).

  • (٨)

    هرم جدفر: وهو هرم في «أبو روَّاش» غير مكتمل وله غرفة داخلية تحتية فارغة.

  • (٩)
    هرم خفرع في الجيزة، الأسرة ٤: «خفرع» أحد خلفاء خوفو الذي بنى هرمه الكبير، وهو أقل حجمًا بقليل من هرم خوفو. وتميز بهو معبد الوادي الخاص بهرم خفرع والمصمم على شكل الحرف T، من أروع الأعمال المعمارية في عصر الدولة القديمة.
  • (١٠)

    هرم منكاورع في الجيزة، الأسرة ٤: آخر الأهرامات الكبيرة في الجيزة، وهو أقل من هرم خوفو حجمًا، ويبدو أن مرفقاته الجنائزية لم تكتمل، وهناك من يرى أن التكاليف الباهظة لبناء الأهرامات قد أنهكت الأسرة الثالثة فتوقف البناء فيه.

أما الملوك الذين حكموا مصر خلفاء لملوك الأسرة الرابعة فقد شيدوا أهرامهم في منطقتي أبو صير وسقارة، وتخلوا تمامًا عن استخدام نسب الضخامة التي استُخدِمت في بناء تلك المنشآت الحجرية الهائلة في منطقة الجيزة، ثم عادت عادات الدفن تحت المصطبة وفي القبور الصخرية.

ويمكننا مقارنة الأهرام التي بنيت بعد هرم منكاورع في شكلها ووظيفتها لنجد أن بعضها ظل محافظًا على تقاليد الهرم المدرج ضمنيًّا وبعضها تجاوزه، كما يوضح الشكل الآتي ذلك.

الأهرام التي بنيت بعد هرم منكاورع، المرجع (عزب، ٢٠٠٠م، ١٩).

أما الأساليب التي يعتقد أن المصري القديم قد استخدمها لترتيب وتنظيم الطرق الصاعدة في بناء الهرم فقد وضعت لها نظريات كثيرة، ورسمت لأجلها رسوم افتراضية كثيرة منها استعمال التدرج الزقوري لتسهيل العمل ونقل الصخور، ثم إخفاؤه وتسوية المدرجات لتظهر كجدار مائل يمثل وجه الهرم وهو الأسلوب الأكثر قبولًا، وهناك الجدار القائم الذي يصعد عليه إلى أعالي الهرم وغيرها، وفيما يلي هذه الأشكال الافتراضية لطريقة البناء:

بعض الأساليب التي يعتقد أن المصري القديم قد استخدمها لترتيب وتنظيم الطرق الصاعدة في بناء الهرم (عزب، ٢٠٠٠م، ٣١).
«ومن النظريات الهامة التي توضح كيفية بناء الأهرامات، تلك النظرية التي ذكرها المؤرخ القديم ديودور الصقلي، وهي طريقة الجسور أو الطرق الصاعدة، ويرى كثير من علماء الآثار المحدثين أن هذه الطريقة هي أقرب الطرق للعقل، ومنهم إدواردز I. E. S Edwards د. أحمد فخري، سومرز كلارك Somers Clarke، ر. إنجلباخ R. Engelbach، د. زاهي حواس. وتشرح هذه النظرية طريقة البناء موضحة أن المصريين القدماء كانوا يبنون طريقًا متدرج الارتفاع مستخدمين الحصى المخلوط بالطين، وكان لهذا الجسر الصاعد جدران من اللَّبِن حتى يثبت هذا الحصى المخلوط في مكانه، ويتصاعد هذا الطريق مع ارتفاع الهرم حتى يصل ارتفاعه في النهاية إلى مستوى قمة الهرم نفسها، ويلزم في الوقت نفسه أن يمتد هذا الطريق من حيث الطول حتى تظل زاوية انحداره واحدة، وكان يُعزَّز هذا الممر الصاعد بعروق من الخشب تقلل من احتكاك وضجيج قوائم النقالة الخشبية، التي تستخدم في نقل كتل الأحجار، وبعد انتهاء بناء الهرم يزيلون هذا الطريق» (عزب، ٢٠٠٠م، ٣١).

ومن اللافت للانتباه وجود السفن أو نماذج منها قرب الأهرام، وهو على الأغلب إجراء ديني يخص العقائد الأخروية «وتسمى السفن التي عُثر عليها بجوار الأهرام عادة باسم «مراكب الشمس»، ولكن هذه التسمية ليست دقيقة على أي حال، لقد كانت لدى المصريين القدماء عدة أنواع من السفن كان القصد منها إمداد الملك المتوفى ببديل مادي عن السفن التي عساه يحتاج إليها في الحياة الأخرى. ومن دراسة نصوص الأهرام نجد أنه كان يوجد على الأقل ثمانية أنواع من السفن كان الملك يستخدمها في أسفاره السماوية، وكانت اثنتان منها لأجل عبور السماء، يركب إله الشمس إحداهما لرحلة النهار والأخرى لرحلة الليل. ولهذا فإن اثنتين فقط من هذه السفن يمكننا أن نطلق عليهما سفن الشمس، وليستا لغرض آخر. ولهذا فمن الأفضل أن نسمي هاتين السفينتين سفنًا جنائزية أو طقسية، فقد كانت دون شك ذات صلة وثيقة بالمعتقدات الدينية الخاصة بالبعث بعد الموت» (أديب، ١٩٩٧م، ١٩).

انتشر بناء الأهرام غرب وجنوب مصر، فقد عثر على بعض الأهرام في ليبيا وهي بأحجام صغيرة وكذلك أهرام النوبة الجنوبية، ويعتقد أيضًا أن أهرام المكسيك كانت بحافز وتأثير مصريين فقد انتشر بناء الأهرام في بلاد النوبة أيضًا، وجاءت أهرام الكسيك متراوحة في شكلها بين الزقورة والأهرام، أي إنها أقرب إلى هرم زوسر المدرج، «ومن أشهر آثار الهنود الحمر القدماء في المكسيك معبد على شكل هرم يسمى «هرم الساحر»، وهو مبني على شكل مصاطب متدرجة في الارتفاع ودرجة الميل، وهو شكل يختلف عن شكل هرم زوسر المدرج بسقارة، فضلًا عن الاختلاف في الغرض من البناء والاختلاف في الضخامة … فالهرم المكسيكي الذي وجدت آثاره في بقايا مدينة «أوكسمال» القديمة قد بُني في الأصل ليكون معبدًا، وكذا الحال بالنسبة لأهرام الهنود الحمر القدماء الأخرى التي بُنيت لغرض ديني هو عبادة الشمس … أما من ناحية الاختلاف في مدى الضخامة، فلا يزيد ارتفاع الهرم المكسيكي على ٢٥ مترًا، كما أن قاعدته مختلفة عن شكل قواعد الأهرام المصرية، فهي قاعدة مستطيلة وليست متساوية الأضلاع، حيث يبلغ طولها ٧٣ مترًا وعرضها ٥٥ مترًا» (السويفي، ٢٠٠٣م، ٧١–٧٣).

(ب) المعابد

معابد الشمس

ظهرت معابد الشمس مع أسر المملكة القديمة في أبو غراب وأبو صير، فقد ابتكر ملوك الأسرة الخامسة الأوائل نمطًا جديدًا أيضًا من المعابد سمي ﺑ «معابد الشمس» التي ربما يكون تصميمها مأخوذًا من نموذج المعابد التي كانت تقام في هليوبوليس لعبادة إله الشمس.

يعتبر نموذج معبد الشمس الذي أقامه الملك «ني وسر رع» في منطقة أبو غراب خير نموذج وصل إلينا من معابد الشمس التي أقامها ملوك الأسرة الخامسة.

وقد استغل المهندس الذي وضع تصميم هذا المعبد طبيعة الأرض بطريقة بارعة. فقد صُمم بناء المعبد وبناء ملحقاته من المنشآت الأخرى على مستويين يرتفع أحدهما عن المستوى الآخر، وربط هذين المستويين بطريق صاعد.

حرم المعبد في المستوى السفلي محاط بسور يبلغ طوله ٣٣٠ قدمًا وعرضه ٢٥٠ قدمًا، ويضم هذا الحرم السفلي مجموعة من المخازن وغرف الإدارة تصل بينها مجموعة من الممرات نُحتت على جدرانها نقوش ومناظر بديعة. وفي الساحة العليا من المعبد كانت تقام الطقوس والمراسم الخاصة بعبادة الشمس أمام مسلة غليظة ضخمة أقيمت فوق قاعدة مرتفعة وعلى مسافة قريبة جنوب السور المحيط بالمستوى العلوي للمعبد، استُخدمت قوالب الطين في بناء أحد مراكب الشمس التي كان من المعتقد أن الإله رع يستقلها في رحلته اليومية عبر السماء.

استخدم في البناء حجر الجرانيت الوردي بكثرة، خصوصًا في بناء الأعمدة الضخمة التي كانت تأخذ شكل النخيل أو شكل حزم سيقان البردي مما أضفى الكثير من ملامح الرقة والحيوية على عمارة هذه المنشآت.

figure
معبد الشمس للملك «ني وسر رع» (إعادة بناء متصور) الأسرة الخامسة في منطقة «أبو غراب».

(٤-٣) المملكة الوسيطة

الأهرامات الصغيرة في (اللشت، هوَّارة، اللاهون)

  • (١)
    أصبحت الأهرامات أقلَّ حجمًا، ولم تُستخدم فيها الحجارة بل الطوب المكسو بالحجارة، وكانت هناك مصاطب للأمراء محيطة بالأهرامات.
    • (أ)

      المقابر الصخرية للنبلاء المنحوتة في الجبل في مناطق بني حسن، البرشة، فاو الكبير.

    • (ب)

      المسلات: أول ظهور المسلات كان في مدينة عين شمس (أون) من حجر الخليقة الأول (بن بن) الذي ظهر طائر بنو على قمته رافعًا الشمس ثم تطور هذا الحجر المدبب والمثلث النهاية حتى تكونت الميلات، أصبحت المسلات جزءًا من المعابد، منذ الأسرة الخامسة، وبدأت تظهر مسلتان على جانبي مدخل المعبد، وهذه المسلات تحت قاعدة من قطعة واحدة من الحجر، ينقش عليها اسم الملك وألقابه، وقاعدة المسلة على شكل مربع، وتضيق جوانبها تدريجيًّا إلى أن تنتهي بقمة هرمية الشكل تُكسى، عادة، بالذهب فتلتمع بضوء الشمس وتخلق هيبة قدسية في النفوس. في الأسرة ١٢ ظهرت مسلة الملك سنوسرت الأول التي شيدها أمام معبد أبيه في هليوبوليس شمال شرق القاهرة مسجلًا احتفاله بعيد السد (ذكرى التتويج بعد٣٠ عامًا). ومنذ الأسرة ١٨ ظهر اهتمام كبير بالمسلات لتسجيل انتصارات الملوك وذكراهم مثل مسلات تحوتمس الأول وحاتشبسوت وتحوتمس الثالث والرابع ورمسيس الثاني.

      figure
      أنواع من المسلات المصرية.
    • (جـ)
      المعابد: وهي على نوعين:
      • (١)

        المعابد الجنائزية: ظهرت المعابد في مختلف الأقاليم، وكانت مخصصة لعبادة الآلهة، وشاع استعمال المعبد المحاط بأعمدة، وكثرت الأعمدة المقتبسة من شكل النخلة، ومن أشهر المعابد الجنائزية التي عُثر عليها في ذلك العصر هو معبد «منتوحتب» بالدير البحري، ويتميز بمسطحين فوق بعضهما يعلوهما بناء هرمي. وهناك معبد «أمنحتب الثالث» الجنائزي في هوَّارة الذي يتميَّز بعدد كبير جدًّا من الغرف متداخلة فيما بينها وسمَّاها الإغريق ﺑ «اللابيرنت» أو «التيه»، وقال عنها هيرودوت (المؤرخ الإغريقي العظيم) إنها تفوق عظمة الأهرام.

        المعابد الجنائزية كانت خاصة بالطقوس الجنائزية وبالكهنة، ولم يكن الغرض منها هو العبادة، وكانت تجري فيها طقوس جنازة الملوك والأمراء وتكتب فيها سيرتهم ونشأتهم وسلالتهم الملكية دون ذكر إنجازاتهم، وأشهرها في المملكة الوسطى مقابر المعابد الجنائزية في منطقة بني حسن منتوحب في الدير البحري، وقد بُنيت في الدولة الوسطى حول الأهرامات.

        figure
        معبد «منتوحتب» بالدير البحري.
      • (٢)

        المعابد الطقسية: وهي معابد الطقوس والعبادة التقليدية والمخصصة لإله معين أو أكثر، وفيها تقام الطقوس اليومية المعتادة لذلك الإله، وتكتب فيه تواريخ الملك منذ توليه العرش ومنجزاته.

(٤-٤) المملكة الحديثة

(أ) المعابد الجنائزية

في عصر الدولة الحديثة بدأ الفراعنة بناء مقابرهم في وادي الملوك، لذا بنوا معابدهم الجنائزية بشكل منفصل، لقد باعد ملوك الدولة الحديثة بين هذه المعابد وبين مقابرهم لعدة أسباب واقعية ودينية، بسبب تحنيط الجسد.

يعتبر هذا العصر أعظم عصور المعابد الدينية، وكان أهم هذه المعابد ما يُشيَّد للإله آمون إله طيبة، وأغلبها من نمط المعابد الجنائزية، وهي كما يلي:
  • (١)

    معبد الملكة حتشبسوت: في التلال الصخرية للدير البحري، وقد خصصت جزءًا منه لعبادة الإله آمون، ويعتبر تصميمه من أروع ما قام به الفنان المصري في فن المعمار، وقد بناه وزير الملكة «سنمت» وربما استوحاه من مقبرة منتوحتب (في العهد الوسيط). وتتكون من ثلاثة مسطحات في مستوى مختلفة، وتتصل هذه المسطحات ببعضها بواسطة طريق صاعد ينتهي عند السطح التالي، وعلى جانبي الطريق مصاعد رواقين بها أعمدة. وينتهي السطح الأخير بجسم الجبل الذي نحتت فيه غرفة الإله (قدس الأقداس).

    figure
    معبد الدير البحري «الملكة حتشبسوت».
  • (٢)
    معبد أمنحتب الثالث المقام للثالوث الإلهي «آمون، موت، خنسو»، وهم «الإله الأعظم، زوجته، ابنهما إله القمر». ويعتبر هذا المعبد فخر العمارة المصرية في عهد الأسرة الثامنة عشرة ويسمى إجمالًا «معبد الأقصر»، والمعبد في جوهره مستطيل تقع أجزاؤه على محور واحد ومحاط بأعمدة ذات تاج البردي المتفتح أو المكمم، ويتكون من الأجزاء التالية:
    • (أ)

      المدخل بجدارين عاليين بهما ميل خفيف.

    • (ب)

      الفناء الواسع المكشوف المحاط برواق مسقف محمول على أعمدة، وهو مخصص للعامة.

    • (جـ)

      الطريق المؤدي للبهو.

    • (د)

      البهو الكبير المسقف والمحاط بأعمدة شامخة، وهو مخصص للكهنة وقليل الإضاءة.

    • (هـ)

      قدس الأقداس (غرفة الإله آمون) في مؤخرة المعبد، حيث تمثال الإله.

    • (و)

      حجرات الآلهة (الزوجة والابن، وربما غيرهما).

    • (ز)

      السور الضخم من اللَّبِن.

    • (ﺣ)

      الصرح أمام الجدار الخارجي، حيث يقف تمثالان جالسان + تمثالان واقفان + مسلتان.

    • (ط)

      الطريق المؤدي إلى المعبد والمصفوف من الجانبين بتماثيل رءوس الأسود والأكباش.

  • (٣)

    معبد الرامسيوم الذي بناه رمسيس الثاني: من المعابد الجنائزية التي كانت تُبنى للأموات في مصر القديمة. بناه الملك رمسيس الثاني، وهو أكثر الملوك الذين بُنيت لهم معابد.

(ب) المعابد الطقسية

ومن أهم معابد الآلهة:
  • (١)

    معابد الكرنك أطلق المصريون على معبد الكرنك «أبت–سوت» أي «مقر العروش» باعتبار أنه معبد الإله آمون «سيد عروش الأرضين»، أما اسم الكرنك فلعله جاء من (كار–نجح) بمعنى «مقصورة الأوزة المسماة نجج»، ومن المعروف أنها ترمز للإله آمون الذي قيل إنه ظهر في إحدى روايات أساطير الخلق على هيئة ذكر الأوز الذي صاح أول صيحة في الوجود. وهو أعظم معبد في التاريخ القديم. ويضم معبد الإله «آمون» وزوجته «موت» وابنهما «الإله خنسو» إله القمر، وعرف الكرنك منذ الفتح العربي باسم الحصن، ويبدأ بطريق الكباش ممثلًا للإله «آمون» وهو يرمز لقوة الخصب والنماء، وقد نحت تحت رءوسها تماثيل الملك رمسيس الثاني.

    يبدأ المعبد من صرح الملك «نختبو» من الأسرة ٣٠، ومنه إلى الفناء الكبير ثم ثلاث مقاصير لثالوث طيبة العاصمة القديمة وهي الأقصر من عهد «سيتي الثاني»، ومنه إلى صالة الأعمدة الكبرى التي تحوي ١٣٤ عمودًا تتميز بارتفاعها عن باقي الأعمدة، ثم بعدها مسلة تحوتمس الأول ثم مسلة حتسبشوت ثم قدس الأقداس ثم نصل إلى الفناء الذي يرجع إلى عهد الدولة الوسطى وبعده صالة الاحتفالات الضخمة ذات الأعمدة التي ترجع إلى عهد «تحوتمس الثالث».

    figure

    ولتخليد ذكرى الفرعون «أمنحتب الثالث» نُحت تمثالا ممنون، ويصل ارتفاع التمثال منهما إلى ١٩مترًا وثلث المتر، وقد أطلق الإغريق اسم «ممنون» عليهما عندما تصدع التمثال الشرقي منهما وأخرج صوتًا شبهوه بالبطل الأسطوري «ممنون» الذي قتل في حروب طراودة وكان ينادي أمه «أيوس» إلهة الفجر كلَّ صباح، فكانت تبكي عليه وكانت دموعها الندى.

  • (٢)

    معبد الأقصر؛ بدأ الملك أمنحتب الثالث في تشييد ذلك المعبد على الضفة الشرقية للنيل بمدينة طيبة (الأقصر حاليًّا)، ثم أكمله الملك رمسيس الثاني، وكان مخصصًا لعبادة الإله آمون.

    الهدف من بناء المعبد؛ هناك من يرى أن الملك أمنحتب الثالث قد أقام هذا المعبد لإرضاء كهنة آمون، وليسبغ على نفسه الشرعية بتسجيل قصة ولادته من الإله آمون، كان يحتفل بعيد زفاف الإله «رع» إلى زوجته مرة كلَّ عام، فينتقل موكب الإله من معبد الكرنك بطريق النيل إلى معبد الأقصر، ويبدأ مدخل المعبد بالصرح الذي شيده رمسيس الثاني وبه تمثالان ضخمان يمثلانه جالسًا. ويتقدم المعبد مسلتان إحداهما ما زالت قائمة والأخرى تزين ميدان «الكونكورد» في باريس، ويلي هذا الصرح فناء رمسيس الثاني المحوط من ثلاثة جوانب بصفين من الأعمدة على هيئة حزمة البردي المدعم.

    figure
  • (٣)

    معبد إدفو لعبادة الإله حورس (معبد بطلمي).

  • (٤)

    معبد أبو سنبل (رمسيس الثاني) جنوب أسوان في جهة قرية أبو سنبل وهو معبد فخم زُينت واجهته بأربعة تماثيل جالسة متصلة بالصخر تمثل الملك ويبلغ ارتفاع التمثال الواحد «٢١» مترًا. كما تتميز الأعمدة الداخلية بشكلها الآدمي (الأعمدة الآدمية).

    figure
    معبد أبو سمبل لرمسيس الثاني.
  • (٥)

    معبد هيبس والذي له أصول قديمة ترجع إلى عصر الدولة الوسطى في (٢١٠٠ق.م.)

(ﺟ) الأعمدة المصرية

الأعمدة هي الدعائم الطويلة المرتفعة التي تربط وتسند الجزء العلوي من أية عمارة مع الجزء السفلي أو الأرضي. وقد تطورت وتنوعت الأعمدة المصرية على الشكل الآتي:
  • (١)

    الأعمدة (الدعامات) المربعة: وهي الأعمدة التي لا يزيد ارتفاعها عن ستة أمثال قطرها، وتُزين بزخارف محفورة بها استدارة.

  • (٢)

    العمود النخيلي: وهو عمود أسطواني ذو تاج مكون من صفائح تشبه سعف النخيل وشكل رأس النخلة.

  • (٣)

    العمود البردي: وهو عمود أسطواني ذو تاج يشبه زهرة البردي التي تشبه الناقوس أو الجرس، ويسمى العمود الناقوسي.

  • (٤)

    عمود اللوتس المغلقة: وهو عمود أسطواني ذو تاج يشبه زهرة اللوتس المغلقة.

  • (٥)

    عمود اللوتس المفتوحة: وهو عمود أسطواني ذو تاج يشبه زهرة اللوتس المفتوحة الوريقات.

  • (٦)

    العمود الحتحوري: وهو عمود أسطواني ذو تاج قرصي يحمل مكعبًا ذا أوجه تشبه شكل الإلهة المصرية الأم حتحور.

  • (٧)

    العمود الآدمي: وهو عمود على شكل بدن آدمي أو تمثال لأحد الآلهة سواء كان ذكرًا أو أنثى يعمل وظيفيًّا كعمود ساند لسقف أو دعامة على الأرض (واستعماله نادر جدًّا) مثل أعمدة أوزيريس في معبد أبي سمبل.

figure
أشهر أنواع الأعمدة المصرية.
figure
جمالية الأعمدة المصرية.

(٤-٥) العصر المتأخر

بعد ضعف الملوك الرعامسة، انهارت الإمبراطورية المصرية وبدأت فترة ضعف منذ الأسرة (٢١-٣٠) حيث حكم مصر حكام أجانب عليها كالليبيين والأحباش ثم الآشوريين.

وقد حاول أحد أمراء سايس إنقاذ مصر فطرد الغزاة وحكم مصر سنة ٦٦٣ق.م. وسمي عصره (العصر الصاوي، حيث الأسرة ٢٦) واسترجع سوريا وأعادها لمجدها القديم. ولكنها انهارت بعد حكم ابنه وظهور الإمبراطورية البابلية. وعاد الأجانب إلى مصر، فحكمها الفرس بقية زمنها حتى جاء الإسكندر المقدوني وبدأ حكم البطالمة والعصر الهيلنستي. وضعف الفن خلال هذا العصر وعاد إلى نمط أسلوب الدولة القديمة لكنه عاد وارتفع في «العصر الصاوي» ثم هبط نهائيًّا.

العمارة

لم يبقَ آثار للمعابد التي قال هيرودوت إنه رآها في عهد الأسرة السادسة والعشرين، ولكن يمكن أن نكوِّن فكرة عن هذه المعابد فيما تبقى من الأسرة الثلاثين ومعابد البطالمة التي لا تزال قائمة.

figure
معبد آمون في سيوة، الفترة المتأخرة.

(٥) علاقة المؤسسة الدينية بالمؤسسة السياسية

كان منشأ العقيدة الملكية الإلهية في مصر منشأ ديني الجذور؛ لأن دراستنا لديانة دويلات المدن في عصر ما قبل الأسرات في الأسرتين «٠٠» و«٠» تعلمنا أن مدينتي ثينس ونخن هما من قادتا وحدة مصر، وكلتاهما كان تتخذ من الإله «حورس» إلهًا أساسيًّا لهما، وهو ما جعل هذا الإله رمزًا للملوك الذين قادوا وحدة البلاد ثم تماهى هؤلاء الملوك مع الإله حتى بدت الملوكية بطابع إلهي، فالملك في حياته هو الإله «حورس» عندما يولد ويشب وهو «رع» عندما ينضج ويحكم وهما «حورس ورع» إلها الشمس، وهو «أوزيريس» عندما يموت فيحكم شعبه، في العالم الآخر، كإله وهكذا تظل دائرة الإله الملك شمسية. وكان الملك يسمى في النصوص الأولى باسم «نتر Netjer» أو «الإله الخيِّر الطيِّب» وهو حورس ورمزه الصقر الذي هو رمز حورس، و«منذ الأسرة الخامسة» دعي أيضًا باسم «ابن رع» لأن حورس هو ابن رع وتسمى بلاد مصر «ابنة رع»، أي إنه يعادل أو يساوي أرض مصر كلها، وكان الملك ابن الإله رع من امرأة بشرية تتزوج من الملك الذي هو «رع» أي الشمس، ثم صار لقب الملك (منذ السلالة الثامنة عشرة) يلقب ﺑ «فرعون» وتعني «البيت الكبير» أي العالم لأنه أصبح إمبراطورًا:
نتر الإله الخيِّر الطيب لقبه في الأسرات (١–٤)
ابن رع لأنه يمثل حورس (وحورس ابن رع) لقبه في الأسرات (٥–١٧)
فرعون البيت الكبير لقبه في جميع الأسرات وخصوصًا (١٨–٣٠)

ولذلك نحبذ أن نسميه الملك وليس الفرعون؛ لأن لقب الفرعون تكرَّس متأخرًا، ولا نحبذ استخدام مصطلح الحضارة الفرعونية؛ لأنه من الناحية العلمية، يدل على النصف الثاني فقط من ملوك مصر، فضلًا عن عدم ميلنا، أساسًا، لتسمية الحضارة بلقب ملوكها، ولذلك نحبذ تسمية الحضارة المصرية القديمة لأنه الأدق والأشمل.

«ولقد كانت لعقيدة الملكية الإلهية أن وحدت ما بين شخص الملك الإله والمجتمع وكان لذلك أثره في ربط الفكر الديني بالمجتمع، ونمت نتيجة لها مجموعة من القيم سادت بين أفراد الشعب، فقد كان الملك هو المثل الأعلى الذي يقتدي به الإنسان المصري القديم ويطيعه طاعة كاملة من أجل تحقيق الخير له ولمجتمعه، كما أنه أمل الفرد في النهاية أن يكسب رضاء هذا الملك «الإله» باعتباره مصدر كلَّ الهبات «فليتفضل الملك ويعطي» ولم تكن النتائج المترتبة على إيمان الإنسان المصري القديم بالملكية الإلهية كلها نتائج معنوية وإنما كانت هناك من النتائج ما أخذ طابعًا ماديًّا بحتًا في بعض مظاهره، ففيما يتعلق بالطقوس الجنائزية كان غاية ما يطمح إليه الفرد هو تعطف الملك عليه ببعض لوازم المقبرة أو السماح له بسرد ألقابه أو وظائفه أو بعض الأعمال التي كلفه بها» (سعد الله، ١٩٨٩م، ٢٣٣).

كان الكهنة يشكلون صمام الأمان الديني بالنسبة للملك، فهم، وإن كانوا تحت إمرته، يمنحون القوة الروحية له ويبررون رفعته وألوهيته ويحافظون على مكانته رسميًّا وشعبيًّا، فضلًا عن كونهم من يمسك بشئون العبادة والحفاظ على طقوسها داخل وخارج المعبد. وقد «بقي للملك سلطانه المزدوج الديني والتشريعي ثانيهما وحسب، وانتدب للمهمة الأولى كهَّانًا يقومون بأعبائها. وبذلك تميز نشاطهم المباشر بتخصصهم في رعاية العبادة، عبادة الآلهة وكل ما يتصل بهذه العبادة من مظاهر خارج المعبد، فأما دورهم في الناحية الاجتماعية والروحية فقد كان محصورًا في أضيق الحدود. ولا ينبغي أن ننسى الدقة في مفهوم مصطلح الكاهن. فالكهَّان لم يكونوا طائفة منعزلة تعيش على هامش المجتمع ولاتخشاه إلا لاستمالة الجماهير ودفعها نحو حياة خلقية أرفع مستوًى وأقوى نشاطًا من حياتها العادية. كلا! بل كان أولئك الكهنة المصريون يقومون بدور دقيق جدًّا. فهم نواب الملك صاحب الحق الوحيد في القيام بالخدمة الدينية، وكان قوامها العمل على رعاية الوجود الإلهي على الأرض ممثلًا في صورة متكاملة داخل قدسه في المعبد» (سونيرون، ١٩٧٥م، ٣٩).

«ارتبط التطور السياسي وتغير مكانة الملك منذ النصف الثاني من عصر الدولة القديمة بتطور ديني اقترن به، حيث لجأ الكهنة إلى مزج المعتقد الأوزيري مع المعتقد الشمسي بما يحقق لهم ولملوكهم أغراضهم السياسية، ويمكن القول بأن هذا دلالة على ازدياد أهمية المعتقد الأوزيري وتغلغله في نفوس الجميع وهو في الوقت نفسه دليل على تدهور مكانة الملكية وللدلالة على ذلك نصوص الأهرام التي حوت أدعية وتعاويذ تساعد الملك في العالم الآخر بعد أن كان من قبل متمتعًا بكل القوى والقداسة التي تجعله ومقبرته — في الأسرة الرابعة — في غنًى عن مثل تلك الطقوس. اعتقد الإنسان المصري القديم بفكرة البعث والحساب والمسئولية عن أفعاله التي قام بها في حياته الدنيا وارتبط هذا الاعتقاد بالإله «أوزير» وما تعبر عنه قصصه وأسطورته من عمل للخير واجتناب للشر ولم يقتصر هذا المعنى الخلقي على الملوك فقط وإنما شمل كل فرد في المجتمع وانعكس هذا التفكير في العادات الجنائزية للإنسان المصري القديم وبعد أن كان يغلب عليها الجانب المادي في الدولة القديمة نتيجة لتجارب الإنسان المصري القديم في النصف الثاني من الدولة القديمة وعصر الانتقال الأول فإن الجانب المعنوي المرتبط بالقيم والمثل العليا كانت ضرورية لتكمل الناحية المادية لتلك العادات الجنائزية» (سعد الله، ١٩٨٩م، ٢٣٥).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥