(١) العبادة الأوزيرية الشعبية
كانت عبادة أوزيريس في العصور القديمة مقتصرة على أهمية دوره كإله للخصب والتكاثر،
لكن دوره
تحوَّل وازداد غنًى منذ الدولة الوسيطة وأصبح عبادة شعبية لأنهم وجدوا فيه الأمل في أن
يكون
شفيعهم في الخلود. وسنعرض للنظريتين حول أصل أوزيريس اللتين تبينان جذور عبادته الخصبية.
(١-١) أوزيريس الملك المقتول
كانت تراجيديا أوزيريس، الملك في الدلتا، تنطلق من ميتته المأساوية على يد أخيه ست
الذي ثار
ضده من مدينة تقع في الصعيد الصحراوي، حيث كان «ملكًا من البشر حكم في عصر سحيق للغاية
جميع أرض
مصر من عاصمته في شرق الدلتا. ولقد فُسِّرت ميتته العنيفة غارقًا في النيل والتي تسبب
فيها أخوه
الإله «ست» طبقًا لهذه النظرية باعتبارها ميتة لملك في ثورة ضده كان مركزها مدينة «أمبوس
Ombos» في مصر العليا مقر عبادة الإله «ست». ولقد تسبب ذلك في
انقسام البلاد إلى مملكتين مستقلتين؛ إحداهما في الدلتا والأخرى في الصعيد، وقد وحدتا
مرة أخرى
بعد ذلك نتيجة لحملة ناجحة للشماليين. ولقد انعكس هذا الصراع وإعادة تأسيس المملكة الأصلية
في
البلاد في الأسطورة بانتصار ابن «أوزيريس» الإله «حورس» على «ست». ولقد أُلِّه «أوزيريس»
وأصبحت
له عقيدة خاصة ارتبطت بحياته ومصرعه، والتي كانت تشبه كثيرًا عقيدة المسيحية التي أسست
على
المعاناة التي لاقاها «يسوع» عند موته» (تشرني، ١٩٩٦م، ١١٣).
(١-٢) أوزيريس ومطابقته مع الملك أوناس (يونس)
«النظرية الثانية ترى في «أوزيريس» تشخيصًا للفيضان النيلي وللميلاد الجديد وللحياة
الخضراء
التي تعقب ذلك الفيضان، وإن مثل هذا المفهوم عن «أوزيريس» باعتباره إلهًا للخضرة كان
سائدًا في
مصر في كلِّ عصور تأريخها المتأخر وربما ساد أيضًا منذ العصور المبكرة عندما نقابل اسمه
للمرة
الأولى في الوثائق المكتوبة، ولكن في الفقرات القليلة من نصوص هرم الملك «أوناس»، والتي
اقتُبست
لكي تراهن على الأصل الطبيعي «لأوزيريس» كإله لفيضانات النيل، فإنه ليس «أوزيريس» هو
الذي يتطابق
أو يُقارن مع فيضان النيل، ولكنه الملك الميت «أوناس»، وكما تقول هذه الفقرات: «إنه أوناس
الذي
يغمر الأرض والذي أتى قدمًا من البحيرة، إنه أوناس الذي يغمر نبات البردي»، وتقول التعويذة
رقم
٣٨٨ من نصوص الأهرامات وكذلك التعويذتان ٥٠٧، ٥٠٨ ما يلي: «لقد أتى «أوناس» اليوم من
امتلاء
الفيضاء، إنه هو «سوبك Subek» بريشة خضراء ووجه يقظ، ومقدمة جسده
المرتفعة … إنه أتى إلى المستنقعات على الشاطئ الذي غمرته مياه الفيضان إلى مكان «أو
أرض» الرضى
ذات الجنان الخضراء في مملكة الضياء. لقد ظهر أوناس في صورة «سوبك» ابن «نيت
Neith».» وسبب ربط الملك الميت هنا مع الفيضان في التعويذة
الأخيرة هو لمجرد أنه يقارن مع التمساح أو الإله «سوبك» الذي يظهر من الماء ساعيًا وراء
فريسة أو
طعام. وبناءً على التوحيد التام المفترض بين الملك «أوناس» وبين «أوزيريس» في ثنايا أقدم
الفقرات
في نصوص الأهرامات، فإن الفقرتين الأخيرتين أمكن استخدامهما لإثبات أن «أوزيريس» كان
تجسيدًا
لظواهر طبيعية» (تشرني، ١٩٩٦م، ١١٤-١١٥).
وفي الحالين اكتسب أوزيريس حب الناس وشعبيتهم ورددوا حكايته، وكان يبتعدون عن الآلهة
الرسمية التي كانت لها المعابد الرسمية الفاخرة، والتي كانوا يخافون منها ولا يدخلونها
ويفضلون
عليها المعابد الصغيرة، ومنها معابد أوزيريس، «من الواضح أن هؤلاء لم يجرءُوا، أو ربما
لم يكن
مسموحًا لهم بالاقتراب من آلهة الدولة العظام في معابدهم الفارهة عبر النهر في مدينة
طيبة
بمتاعبهم واعترافاتهم، بل شعروا بثقة ويسر عندما يواجهون هذه الآلهة في هياكلهم الصغيرة
التي
كانت أيضًا المدن الصغيرة أو القرى تزخر بها. وتماثيل الآلهة العظام الموضوعة في هذه
الهياكل
الصغيرة كانت مقر هذه المعبودات بمثل ما كانت تماثيلهم في المعابد الكبرى، والتي نشأت
بها أصلًا
عقائدهم. فالهياكل الصغرى أصبحت بمثابة فروع للمعابد الرئيسية، كما تطورت معبوداتها مع
الوقت إلى
آلهة محلية جديدة تميز أو تختلف عن الآلهة الأصلية بصفة أو لقب محل يقرن بها، ويشير عادة
إلى صفة
معينة في الإله أو إلى مكان مستقره الجديد» (تشرني، ١٩٩٦م، ٩٣).
(٢) العبادة الرسمية (رع)
منذ ظهور الأسرة الأولى أصبحت عبادة الشمس مرتبطة بالملك، وقد شرحنا في الفصل التمهيدي
كيف
أصبحت عبادة حورس ثم رع هي الأساس الذي تم فيه صهر أوزيريس وإخراجه من الحياة للآخرة
ليكون ملكًا
لآلهة العالم الآخر، ثم استمرت عمليات الاحتواء، فأدخل أوزيريس ضمن النظام الشمسي.
لم تكن العبادة الشمسية أقرب للناس من العبادة الأوزيرية التي كانت تضمن لهم الخلود
في
العالم الآخر، فضلًا عن كونها ترعى حياة الخصب والتكاثر في دنياهم. لكنهم كانوا يحترمون
ويخافون
من آلهة الشمس، ثم أصبحت العبادة الشمسية من خلال آمون رع أكثر اقترابًا من الناس وأكثر
شعبية.
فمال الناس نحو السحر في أواخر الديانة المصرية وأصبحت إيزيس سيدة السحر.