المبحث الثاني

المدارس اللاهوتية

ربما بدا الدين المصري القديم متجانسًا من الخارج لكنه كان يحفل بتيارات وجماعات دينية اصطرعت مع بعضها وتحاورت لزمن طويل. فقد كان الصراع واضحًا قبل توحيد مصر في عصر الملك مينا، بين عبدة حورس وعبدة ست، فقد كانت مدينة أمبوس (نوبت) في الجنوب مركزًا لعبادة الإله الصحراوي ست، والذي يتميز بالقوة والشراسة والشر. أما في الشمال فقد كانت مدينة «بخبرت» مركزًا لعبادة الإله الصقر حورس، وهو إله الشمس وابن أوزيريس إله الخصوبة. وحين دار بينهما صراع سياسي انتصرت، أولًا، عبادة حورس وكوَّنت عاصمة موحدة للبلاد كلها في «أون»، ثم انفصلتا ونشأ صراع آخر عبَّر عن نفسه بين الإلهة الأفعى في الشمال (بوتو) والإلهة أنثى النسر (الرخمة) في الجنوب في مدينة «الكاب»، وفي المكانين سادت بعد ذلك ديانة الشمس ﻟ «حورس»، والتي عبرت لاحقًا عن وحدة مصر السياسية والدينية.

وعلى صعيد آخر كانت الديانة المصرية القديمة تُظهر تمايزًا واضحًا بين نوعين مختلفين من الديانة، وهما الديانة الشعبية التي كانت تتمسك بعوامل الخصب والزراعة والتى مثلها «أوزيريس» وصراعه الدوري مع الصحراء «ست» الذي هو بمثابة الموت. والديانة الرسمية الشمسية التي كانت ديانة الفرعون والطبقة الحاكمة التي كانت تجعل من الإله «رع» رمزًا لها، وهو الإله الشمس في مقابل عوامل الظلام التي كان يمثلها كائنات شريرة كثيرة، والصراع اليومي كان يتمثل في صعود وهبوط الشمس ودورة الليل والنهار، وكان لكل ديانة عناصرها وآلهتها ومراسيمها الخاصة ثم تسربت من الديانتين هذه العناصر لبعضهما ونشأت عقائد مشتركة ساهمت في إثراء الديانة المصرية.

أما على صعيد الأنظمة اللاهوتية فقد نشأت منذ بداية الحضارة المصرية وديانتها سبعة أنظمة أو مدارس أو عبادات لاهوتية تفسر خلق الكون والآلهة والإنسان (لاهوت التكوين) ومراحل الخليقة اللاحقة، يُضاف لها اللاهوت المتأخر البطلمي الهيلنستي الذي هو لاهوت الإسكندرية، وهذه الأنظمة هي:

(١) لاهوت الأشمونين (لاهوت أونو أو هرموبوليس، لاهوت الثامون الإلهي)

نشأ في هرموبوليس، وأظهر هذا النظام ثمانية آلهة بعد العماء وقد ذكرناهم، وقد قاد هذا اللاهوت بسبب أحد هؤلاء الثمانية، وهو «تحوت»، إلى اختراع الكتابة وظهور الحضارة، ولكن هذا اللاهوت أصبح باطنيًّا مع تقادم الزمن وأصبح حاضنة لنشوء الهرمسية من خلال تحوت، وأصبح آلهته لهم علاقة بالعالم الأسفل. في حين انتصر لاهوت عين شمس لأنه كان يمجِّد الشمس بوضوح.

(١-١) العالم الهيولي الأول (نون، نوو) الذي نشأ منه الوجود

نوو أو نون هو المياه الهيولية الأولى (مياه الشواش، الكاؤوس) ويتمثلها المصريون على شكل أول الآلهة العتيقة وأصل كل الآلهة ويكاد (نون) أن يكون هو الأب الأقدم في المدارس اللاهوتية السبع التي ذكرناها، يسمى نوون، والتي تعني «الداخلي»، فهو تأليه لهاوية مائية سحيقة، وهو عمق سحيق يحيط بفقاعة، حيث الحياة موجودة بداخلها، وكان ذلك يمثل سر نشأة الكون والأرض. نون هي أصل كتلة الأرض وهي مصدر كلِّ شيء موجود في هذا العالم المتنوع ماديًّا وروحيًّا.

figure

كان نون الماء، في البدء، يغطي الأرض كلها، ثم ظهر أول تل رملي في وسطها لتنشأ عليه الحياة وبنيت أول عاصمة في مصر على هذا التل في عين شمس باعتبارها مكانًا مقدسًا حسب ما تراه مدرسة «أون».

كانوا يصورون نون على أنه ذكر ولكن في أحيان كثيرة كان أيضًا يصور على أنه يحمل صفات أنثوية. وفي كلِّ الأحوال وضعوا له مقابلًا أنثويًّا هو «نوونيت» وهي مؤنثه.

يصور نون الذكر كضفدع أو رجل ذي رأس ضفدع، ويصورونه كرجل ملتحٍ ذي بشرة مائلة إلى زرقة وحمرة والذي يمثل الماء. أما نوونيت الأنثى فتصور على هيئة أفعى أو امرأة ذات رأس أفعى.

figure
الإله نون والإلهة نوونيت. الإله نون يحمل مركب الشمس.

أصبح نون يُعتَبر في وقت الدولة المصرية الوسطى أنه أبو الآلهة وكان يصور على جدران المعابد، ومن النون ستخرج الآلهة الأولى في المدارس اللاهوتية السبع، فعند الأشمونيين سيكون هناك الأوجداد الذي يتضمن ٨ آلهة هم ثامون خنمو، وفي أون سيظهر التل الأول للخليقة الذي سيظهر منه أتوم وتاسوعه الإلهي. ومن طيبة سيظهر الأفعوان الخفي الخالق لنفسه والذي سيكون آمون ومقابله الأنثوي آمونيت، وفي منف سيظهر على شكل كلمة تخلق نفسها بنفسها وتنتج بتاح، وفي آبو سيظهر خنوم المائي، وفي إسنا ستظهر منه الإلهة الأم الكبيرة «نيث» التي تحمل الذكورة والأنوثة معًا وتكون على شكل أفعى ذيلها في فمها وهي ما اصطلحنا عليه ﺑ «أوروبوروس».

وأقرب تشابه للنون يظهر عند السومريين مع أبزو أو أبسو (آب بمعنى الماء وزو بمعنى العميق وجمعهما يعني المياه العميقة)، وتسمى أيضًا إنغور أي المضاءة، والناضرة للمياه الجوفية وأعماق مياه، والينابيع والأنهار والآبار وغيرها من مصادر المياه العذبة تستخرج مياهها من أبزو، وفي الأساطير السومرية والأكادية يشير أبسو إلى البحر البدائي تحت فضاء العالم السفلي «كور» والأرض «ما» التي تقع في أعلاه.

لم يكن لنون معابد أو مراكز للعبادة، ولكنه كان يمثل ببحيرة مقدسة أو بمجرًى مائيٍّ تحت الأرض كما في أبيدوس، ويصور نون في الساعة الثانية عشرة من كتاب البوابات بذراع مرفوعة إلى الأعلى حاملًا قاربًا شمسيًّا والذي يحمل على ظهره ثمانية آلهة، حيث يتوسط الإله رع مصورًا في هيئة الخنفساء (خيبري) أثناء الليل السبع الآخرين.

ورغم أنه يمثل أول الآلهة ومصدرها فقد تغيرت مكانته، في العصر المتأخر، وأصبح حاملًا للشقاء والفوضى التي حلت بالبلاد في تلك الفترة. ويمكننا رسم سلالة نون الأولى وفق مكونات العناصر الأربعة للطبيعة:

ويعتقد المصريون أن نون أنتج ما يعرف ﺑ «التل الأزلي» الذي كان يسمى «بن بن»، والذي هو أول تل يظهر على صفحة الماء، حيث كانت المياه تغطي الأرض بالكامل. وترى مدرسة «أون» اللاهوتية أن الإله أتوم أول من ظهر على هذا التل، ثم خلق الإنسان وشكله من الطين. ومعنى اسم «أتوم» «تم» أي الكامل. ويرون أن تل «بن بن» ظهر في هليوبوليس، ولهذا أنشئُوا في هذا الموقع أول عاصمة في مصر.

figure
هرمية حجرية أعيد بناؤها من أحد أهرامات الجيزة، ترمز ﻟ «بن بن».
«واعتبر العلماء الكهنة أن السمندل (Phonix) هو أوزيريس أو هو روح الإله «رع»، وما نعرفه نحن عن هذا الطائر هو أنه ولد فوق شجرة في معبد هليوبوليس، ولعل هذه الشجرة المقدسة هي بعينها تلك الشجرة القديمة التي اعتاد آلهة مصر أن يكتبوا أسماء الملوك على أوراقها. وكان السمندل يلقب «سيد الأعياد الفضية» — بمعنى رب الحقب الطويلة من الزمن — ولعل ذلك يفسره الاعتقاد عند الإغريق القدماء بأن اﻟ «Phonix» لا يعود إلَّا بعد مدة طويلة من الزمن يقدرونها أحيانًا ﺑ ٥٠٠ عام، وفي أحيان أخرى ﺑ ١٤٦١ سنة. وليس من شك في أن هذا الطائر كان من بين الأشياء التي يتعذر على الناس رؤيتها في المعبد، ونود أن نعتقد أن كلَّ ما حاكه المصريون من قصص حول هذا الطائر يرجع إلى أصل بسيط (ساذج) لا يتعدى أكثر من أن طائرًا من هذا النوع حط فوق الشجرة المقدسة في المعبد وبنى لنفسه عشًّا هناك. وربما كان وجود هذا الطائر راقدًا فوق عشه لم يثر فضول الزائر الخالي الذهن في أول الأمر. ولعل الناس اعتادوا رؤية هذا الطائر سنين طوالًا فوق الشجرة، ثم حدث أن غاب هذا الطائر عن مكانه مدة طويلة أخرى. ولا بد أن المصري كان قد رأى في رجوع طائر من هذا النوع بعد مدة طويلة من الزمن إلى الشجرة المقدسة حادثًا كبيرًا يسترعي الانتباه ويدعو إلى الفرح والابتهاج. وهكذا يمكننا أن نعتبر أن كلَّ الأشياء التي خرجت عن أصل مماثل، لم يذكر الناس كيف نشأت، بل اعتقدوا أن من الواجب نسبتها إلى قوة كبيرة سماوية» (إرمان، ١٩٩٥م، ٥١-٥٢).

ويقترن تل «بن بن» الصخري بالإله سوكر والإله أتوم، وكانت المعابد القديمة تحتفظ بأحجار هرمية الشكل كتمثيل لتل «بن بن»، وشكلت قمم المسلات في مصر القديمة في شكل هرم صغير، وكانت تسمى «بنبنت».

سلالة شبشي (فردوس هرموبوليس)

figure
إله الشمس يولد من زهرة اللوتس.

تمتاز أساطير التكوين المصرية بأنها تضع الكون والآلهة والإنسان في مستوى واحد من الخلق ولا فرق بينهم، ولذلك سنتحدث عن خلق الكون والآلهة والإنسان، في الوقت نفسه، وعلى أربع مراحل أو خطوات.

التكوين الأول في الأساطير المصرية هو ظهور الثامون الإلهي الذي يدل على الهيولى، وذلك قبل خلق الكون والإله الشمسي الذي خلق الكون. وقد أتت هذه الأسطورة من خنمو (الأشمونين بالقبطية، هرموبوليس باليونانية) وتنص على أنه، في الأصل، كانت ثمانية آلهة أولية موجودة فوق تل ظهر في «خنمو» من المحيط الأزلي، وهي أربعة أزواج إلهية يتكون كلُّ زوج منها من ذكر وأنثى، الذكور فيها على هيئة الضفادع التي ترمز إلى المحيط المائي والإناث على هيئة الأفاعي التي ترمز إلى الحياة المتجددة وهذه الآلهة كما يلي (الذكر أولًا ثم الأنثى) وما تمثله من خلال تحليل معنى أسمائها:
  • نون ونوت: يمثلان المياه الهيولية الأزلية.

  • حح وححة: يمثلان سرمدية الزمان والمكان.

  • كيكوي وكيكوة: يمثلان الظلام.

  • كيرة وكيرهة: يمثلان الليل.

وقد عُثر في بعض النصوص على أن الزواج الرابع كان «آمون وآمونيت»، وهو تدخلٌ لاحقٌ أريد به تكريس وجود الإله آمون قبل خلق العالم. وكان يسيطر على مشهد الضفادع والحيات الإلهية السكون، فكانوا يتعانقون على تل خنمو وينعمون بالهدوء الأبدي.

ومن هذا الثامون ظهر إله الشمس «شبشي»، والذي لم تزودنا الأساطير بتفاصيل كثيرة ومهمة عن خليقته ولكن ظهوره كإله للشمس وإله للأفق تم وفق تصور خاص لا يخلو من نبرة تلفيقية، فقد كان هذا الإله (الابن الرائع للثامون) على شكل «زهرة لوتس على هيئة جعران برأس كبش واتخذت شكل طفل يضع أصبعه على فمه ويحمل تاجًا عليه صل» (لالويت، ١٩٨٦م، ج١، ٣٧).

ويشير هذا إلى تأثره بمدارس أخرى معروفة (خبيرا، آمون، رع) ولكن أهم ما نعرفه هنا هو أن الإله في زهرة، وهو تقليد شعائري دائم وثابت لعقيدة هرموبوليس (خنمو) الذي كانت شعيرة تقديم زهرة اللوتس مبدأه الأساس «وسواء هي زهرة اللوتس الزرقاء أو زهرة الأزوردية أو زهرة اللوتس الفضية، فإن رفع الزهرة حتى الأنف الإلهي أثناء الخدمة الإلهية، داخل المعبد، يعتبر رمزًا للحياة الشمسية» (لالويت، ١٩٨٦م، ج١: ٣٧).

وكانت مادة الكون قبل خلقه مكونة من المياه الأزلية الموحلة بما علق عليها من طمي، وقد استمدت صورة الأفاعي والضفادع من الصورة البرمائية حين تغرق الأرض بالفيضان ثم يسيطر عليها سكون الماء والطمي ورءُوس الحيوانات الساكنة التي تبرز منه.

وذات يوم تحركت هذه الآلهة ونتج عن هذه الحركة عدة أمور حسب روايات مختلفة للأسطورة، فمنها من يرى أنها شكلت بيضة، ومنها من يرى أنها شكلت زهرة اللوتس، ومن الاثنين خرج الطفل الشمس. وهناك رواية ثالثة ترى أن الثمانية سكبوا نطفتهم على زهرة اللوتس فولدت الزهرة الطفل الشمس. أما الرواية الرابعة فترى أن الثمانية تحولوا إلى ثيران وأبقار سوداء، ثم اتحدت الثيران في ثور أسود وسمي الثور آمون والبقرة آمونيت وانقض الثور على البقرة وأراق نطفته على الماء الذي أزهر زهرة اللوتس (على شكل جعران برأس كبش)، وبعد النطفة صار على شكل طفل يضع أصابعه على فمه ويحمل تاجًا عليه صل وهو يمثل أيضًا الطفل الشمس.

وبذلك تنتهي مرحلة التكوين الثانية بظهور الطفل الشمس الذي هو إله الشمس الذي اسمه (شبشي الذي في خنمو) الابن الرائع للثامون.

أما هذه الزهرة المركبة في رمزيتها والتي يبدو أنها لخصت الخليقة كلها في نظامها الرمزي (كزهرة تدل على النبات وكحيوان يشير إلى الجعران والكبش وكطفل يشير إلى الإنسان وكشمس يشير إلى الكون والآلهة)، هذه الزهرة خلقت في زمانها «الجمال والرفق والسعادة وفي عصرها جاء إلى السماء ناموس الحقيقة والعدالة (ماعت) واتحد مع أهل الأرض. وفي زمن الآلهة السابقة، كانت الأرض تفيض بالخيرات والبطون متخمة والجماعة لا وجود لها في لقطرين والجدران لا تتهدم والشركة لا تخز. لقد خلقت الحقيقة والعدالة على الأرض، وتآخى مع الآلهة، وفي زمن الآلهة السابقة، كان الطعام وافرًا في جسد البشر، والشر لا وجود له على سطح الأرض، والتمساح لا يخطف فريسته والثعابين لا تلدغ» (لالويت، ١٩٨٦م، ج١، ٣٧).

ويشير هذا المشهد إلى العصر الذهبي، حيث عاشت فيه الحيوانات والبشر والآلهة في سعادة وتضامن، وقد ذكرنا أن هذا يتشابه كثيرًا في المثولوجيا السومرية والمصرية ولا يستدعي ذلك بالضرورة وجود مؤثرات في بعضهما. وربما كانت صورة العصر الذهبى للإنسان واحدة في كلِّ الأمم.

التطور اللاحق أصبح في تربع الإله تحوت على عرش آلهة الأشمونين، ويعتبر هذا التطور لافتًا، فبعد أن استوى شابيش إله الشمس على لوتس الأشمونين، أصبح تحوت إله القمر ربًّا للأشمونين.

(١-٢) تحوت هرموبوليس (تحوت هرمس)

في وقت متأخر نسبيًّا انضم الإله تحوت إلى طاقم آلهة مدينة هرموبوليس، وأصبح عند الإغريق بمثابة رسول الآلهة وناظروه بإلههم «هرمس»، وأسماه العرب باسم المدينة «أشمونين»، يمتلك قدرات سحرية فائقة، ويسمى كتابه «كتاب تحوت» الذي يحول قارئه إلى أعظم ساحر متمكن في العالم كما يظن القدماء.

وهكذا أصبح تحوت إله الحكمة عند المصريين. أحد أرباب ثامون الأشمونين الكوني كان ضريحه الأساسي في «أشمون»، حيث كان المعبود الأساسي، وهناك له أضرحة في عدة أماكن أخرى منها على سبيل المثال «أبيدوس».

يظهر في الرسومات المصرية القديمة وهو يحمل لوح الكتابة أو وهو المدوِّن خلال إشرافه على تسجيل نتيجة ميزان أرواح الموتى في قاعة أوزيريس للمحاكمة، ولذلك عرف بأنه سيد الرموز والأسرار.

تحوت إله القمر والحكمة والمعرفة، والزمن بسبب تحولاته على مدار الشهر القمري. ولذلك أطلق على تحوت «سيد السماء» و«الغامض» و«المجلل بالأسرار» و«الصامت» و«رمز الحكمة والوقار». ولقد كان الاحتفال الأكبر لتحوت يجري في الشهر الأول من التقويم المصري، ومنذ الدولة الحديثة فصاعدًا أطلق على ذلك الشهر اسم تحوت أو «توت» في اللغة والقبطية.

من الأسماء التي عُرف بها هي شبس، سيد خِمِنو وهو شبشي الإله الشمسي الذي ظهر على زهرة اللوتس والذي ذكرناه كأول إله شمسي في مدرسة أشمونين اللاهوتية، والغريب أن القمر هنا يتناظر مع الشمس ويحل محله! وأسماء أخرى مثل: أستن، خنتي، مِهي، هاب، آن، إياح–جحوتي … إلخ.

ومن ألقابه: كاتب ماعت، رب ماعت، إله الكلمات الإلهية (بما كان هو إله اللوغوس!) قاضي الآلهة، قاضي الرخاء، هوَّة الآلهة، من يسكن في أونو، العظيم، الإله العظيم في معبد أبيتيتي.

نظيره الأنثوي الإلهة «ماعت» ولقد كان إلهًا للسحر والكتابة والأدب والعلم كما أنه اشترك في حساب الموتى معها.

هناك عدة روايات حول أصله ونشوئه، منها أنه خلق نفسه بنفسه فهو ذاتي الخلق، ومنها أن «تحوت» ولد من جمجمة «ست»، أو أنه ولد من قلب «رع». لقد كان يُعتبر قلب «رع» ولسانه، بالإضافة لنقله إرادة «رع» للبشر. لعب «تحوت» أدوارًا مهمة في العقائد الباطنية والسرية وكذلك في العقائد الظاهرية، بالإضافة لكونه أحد الإلهين، مع «ماعت»، اللذين وقفا على جانبي مركب «رع».

(١-٣) تطورات شخصية تحوت إلى هرمس عند الإغريق

تطورت شخصية تحوت عند الإغريق، وتحديدًا في العصر الهيلنستي عندما احتلوا مصر وعرفوا تحوت عن كثب، وأرجو ألَّا نتوقف طويلًا عند المطابقة السطحية بينه وبين إلههم «هرمس» الذي لم تكن له صفات باطنية عميقة، ونظن أن الأمر متعلقٌ بالاشتقاق من مدينة هرموبوليس التي وجد الإغريق أنها تعبد الإله تحوت.

اكتسب تحوت الهيلنستي صفات عميقة ومهمة للغاية، فقد تبلورت شخصية هرمس بقوة في هذا العصر بغض النظر عن جذورها التاريخية في الشرق، فقد صرح الفيلسوف الأفلاطوني «إيامبليكوس» بأن هرمس كان قد ألَّف عشرين ألف كتاب، وهو رقم مبالغ فيه، وذكر جيمس جاردنر في كتبه أن المؤرخ المصري «مانيثو» Manetho، الذي كان كاهنًا في عهد الملك بطليموس الثاني «حوالي ٢٨٠ق.م.» أنه كتب أكثر من ستة وثلاثين ألف كتاب. ويبدو أن ذلك جاء بسبب إحصاءات مبالغ فيها لبرديات «تحوت» الإله وربما كان كهنته على مر التاريخ قد كتبوا الكثير من البرديات في هذا المجال حُسبت كتبًا وبالغوا في كثرتها. كانت الفنون والمعارف التي كتب فيها هرمس هي الطب، الخيمياء، القانون، الهندسة، التنجيم، الموسيقى، البلاغة، السحر، الحكمة، الجغرافيا، الرياضيات، فن الخطابة.
كانت أهم أعماله هو عمله الذي بعنوان «البيماندر» Pymander والذي وضع الهيكل الهرمسي المهم للفلسفة الهرمسية والهيلنستية، فهو يحتوي على المفاهيم الهرمسية الأساسية، منها الحكمة المقدسة وأسرار الكون التي كُشفت لهرمس. وكانت أساس الغنوصية الهيلنستية بشكل خاص.
يرى بعض الباحثين أن قدموس Cadmus في الأساطير الإغريقية، وهو ابن أجينور ملك صيدا الفينيقي وشقيق أوروبا، هو ذاته الإله المصري تحوت؛ من خلال قرينة اختراع الأحرف الأبجدية التي نُسبت له عند الفينيقيين، كذلك هو ذاته «أنوخ» أو «أنوش» Enoch الوارد في النصوص اليهودية.

أما «ألواح الزمرد» فهي نصوص متأخرة ظهرت في أوروبا الوسيطة في حدود القرن الثاني عشر وهي إعادة تسجيل لنصوص يعتقد أنها لتحوت/هرمس. اهتم بها الخيميائيون آنذاك ويطلق عليها ألواح الزمرد؛ لأن حجر الزمرد عند الحضارات القديمة كان يعتبر أعلى الأحجار قيمة وأغلى من الذهب. هي عبارة عن نصوص خاصة بعلم الخيمياء والحكمة الصوفية. وهناك من يعتقد أن هذه النصوص هي الأساس للعثور على ما يعرف بحجر الفلاسفة الذي يحوِّل التراب إلى ذهب. وهو المصطلح الهرمسي الرمزي لتحويل وعي الإنسان من الوعي المادي للأنا النفسية إلى الوعي الكوني (الوحدة مع الإله والكون).

figure

(٢) لاهوت أبيدوس (لاهوت أوزيريس، لاهوت الثالوث الإلهي)

كان هو اللاهوت القديم للإله أوزيريس وهو بمثابة اللاهوت أو العقيدة الشعبية لأهل مصر القدماء، وقد كان مرافقًا لنشوء الدولة القديمة، فقد اندمج بإله الموتى والجبَّانة الذي هو «أمنتيو» وأصبح إلهًا للمناطق الغربية ثم كوَّن ثالوثه المعروف (أوزيريس، إيزيس، حورس)، وذاعت أسطورته في حربه مع إله الصحراء ست الذي قطَّعه ورمى قطع جسده في الأقاليم لكن إيزيس التي تلد حورس تقوم بجمع قطعه (دلالة على توحيد الأقاليم) وحرضت حورس على الانتقام لأبيه، وهكذا أصبح كلُّ ملك في الحياة هو تجسيد لحورس (الشمس) وعندما يموت يكون تجسيدًا لأوزيريس.

figure

كانت «أبيدوس» (بالهيروغليفية: أب–ب–دجو) بين أسيوط والأقصر بالقرب من قنا. وكانت عاصمة مصر الأولى في نهاية عصر ما قبل الأسر والأسر الأربع الأولى، وكانت مدينة مقدسة أطلق عليها الإغريق تنيس. كانت المركز الرئيسي لعبادة الإله أوزيريس. وكان يزورها المصريون القدماء ليبكوا الإله أوزيريس حارس الحياة الأبدية وإله الغرب.

خلال العصر القديم كان يوجد في القبور تماثيل للكلاب وابن آوى، والتي كانت تستخدم كحراس مقدسة للقبور. وكان الإله خونتامنتي مشبه بالكلب أو ابن آوى، ومعنى اسمه «أول الغربيين، أي أول الموتى»، وكان الإله المقدس في تلك المنطقة في ذلك العصر (كان الغرب بالنسبة لقدماء المصريين هو مكان الآخرة الذي يعيش فيه الموتى، وكان تصورهم أن الإله خنتامنتي يستقبلهم هناك. وفي العصور اللاحقة أصبح أوزيريس هو الذي يقوم بذلك).

كان أوزيريس إلهًا للخصب والخضرة في الحياة تشاركه زوجته إيزيس، لكنهما اختلفا في وظيفتهما بعد موت أوزيريس، فقد أصبح أوزيريس إلهًا للموت والبعث وهو رئيس محكمة الموتى في العالم الآخر وأصبحت إيزيس الإلهة الأم بعد أن أنجبت حورس ابنهما.

تقول الأسطورة القديمة لأبيدوس إنه «من وسط العماء وُلِدَ أوزيريس، وعند ولادته، سمع صوتًا كان يقول: «وُلِدَ حاكِمُ الأرض كلها». ومن الحضن أو الرحم نفسه وُلِدَت إيزيس، ملكة النور، وتيفون Tífon، ملك الظلمات. إذن، ها نحن أمام الثالوث الأساسي» (آدوم: ديانة أوزوريس، موقع معابر).

كان أبوهما هو إله الأرض (جب)، وأمهما إلهة السماء (نوت)، فهما أول إلهين على الأرض ومعهما أخواهما ست إله الصحراء ونفتيس إله المنزل. وكان هذا رابوع مدينة أبيدوس الذي يشكل لاهوتها القديم. لكن نشوء اللاهوت الشمسي (هليوبوليس) ضم هذا الرابوع له وأنشأ منه تاسوعه المعروف.

شرحنا أسطورة أوزيريس في حياته وبعد مماته وهي أسطورة ترتبط بالكثير من الوشائج بأسطورة دموزي السومري وتموز البالبي من ناحية الماضي، ولها في المستقبل وشيجة قوية مع جوهر حياة السيد المسيح وموته على الصليب، وهنا يرى جورج آدوم أن مصر كلَّها «تستريح في المُعتقَد بأن الرجل–أوزيريس أو الرجل–الله، قد عاش وتألم ومات على الأرض». رغم دمج اللاهوت الأوزيري باللاهوت الشمسي في هليوبوليس لكن اللاهوت الأوزيري استمر في مناطق الأسرار والباطنيات الروحية، وظل يتحدى الاندثار حتى ظهر في المسيحية بوضوح كامل.

«إيزيس وأوزيريس هما أب وأم كل الأسرار. فالآلهة كلها هي بدائل عن هذين الاثنين وعن ابنهما حورس. إيزيس هي مايا، وماريا، والمادة Matéria، والأم Mãe، بقدر ما هي للإنسانية فهي كذلك للآلهة.
حورس Hórus هو الابن، اللوغوس، الفعل، المسيح، ابن مريم أم الله. إنه رمز النور الذي يقول: «أنا هو نور العالم فمن يأتي إليَّ لا يمشي في الظلمات. أنا ما يكون الخالق عليه، وعلى الفور أكون هو وهو أنا». فبالنسبة لإيزيس نحن فانون، ولكننا نكسب الخلود من خلالها أيضًا» (آدوم: ديانة أوزوريس، موقع معابر).
يمكننا اعتبار لاهوت أبيدوس أفضل أشكال العقيدة المسارية في مصر القديمة والتي تحولت، فيما بعد، إلى جوهر المسارية بشكل عام، «فقد تلقَّت إيزيس أسماء، سيريس، إزلين، فينوس، فيستيا (إلهة النار المقدسة)، حيث اتخذ كهنة الإلهة اسمها لهم. وهناك فيما بين الهنود اتخذت أسماء سيبيلس Cibiles ونيوبي Níobe، وماليس Mális، وأوسِّي Óssi. وبين الصينيين بوسَّا Pussa، وسيريديو Cerideu بين البريتانيين القدماء، وماريا بين المسيحييين» (آدوم: ديانة أوزيريس، موقع معابر).
ولا شك أن أوزيريس كان ذا طبيعة مزدوجة الجنس، ولكنها مضمرة وخفية، ففيه تكمن إيزيس، وفي إيزيس يكمن أوزيريس، ويشكِّل هذا التكوين الأقنومي أساس قاعدة الألوحية المتكاملة في كليهما، «يُلفَظ اسم أوزيريس بالمصرية القديمة Usirit، أي ما تعنيه لفظة «أوزيريزس» في كلمة واحدة فقط، هي المعاني الذكورية والأنثوية: هو–هي، أندروجين (خنثوي)، رجل–امرأة. ففي كلِّ رجل تختبئ امرأة، وفي كلِّ امرأة يختبئ رجل. أوزيريس–روح يتحد مع أخته–المادة، ويولدان حورس Hórus، الذي كانت به الأشياء كلها. الله، إلوهيم خلق الإنسان على صورته ومثاله، خلقه على صورة إلوهيم، ذكر وأنثى خلقهما (هذا فضلًا عن الأصل يذكُرُ ذكر–أنثى). أولًا مفرد، وفيما بعد اثنان (صورة الله كائنة في الإنسان، فالله في واحد، ليس آدم فحسب، بل آدم وحواء Ieva؛ لأن الله نفسه هو مزدوج هو وهي. رجل–امرأة).» (آدوم: ديانة أوزيريس، موقع معابر).

استمرت العبادة واللاهوت الأوزيري في الديانة المصرية بوجهين متعاكسين، الأول هو الوجه الشعبي حيث كانت تمثل الديانة الشعبية التي تمنح الفرح بالتكاثر والجنس والخصوبة والحزن بالرثاء والندب والنوح، وهذا ما يريده الناس ويأملون فيه. أما الوجه الآخر فقد كان الوجه السري النخبوي، فهي عبادة وطقوس الأسرار العميقة التي ظلت تبحث في عوامل النور والظلمة والأسرار الروحانية والتي شكلت عماد ما يعرف ﺑ «المحافل الأوزيرية» التي أصبحت أساس المحافل الأورفية والفيثاغورية في اليونان القديمة.

كذلك انتشرت عبادة إيزيس وسرابيس إلى أجزاء الإمبراطورية الرومانية بعد انتشارها في العالم الهيلنستي «فانتشرت في شرق أفريقيا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا وفي البلاد الواقعة على نهر الدانوب وفي إنجلترا وظل هذا الانتشار إلى القرن الرابع الميلادي، وظلت هذه العبادة لأكثر من ثلاثمائة سنة بعد ظهور المسيحية، وكان لا يزال في أثينا كاهن لإيزيس دفن في قبر له مع جميع ما كان له من أدوات مقدسة واعتنق أمير ألماني يدعى ميدريش من أمراء البلاد الواقعة على نهر الراين عبادة إيزيس وكان له ابن يسمى سيرابيس، ونبذ الإمبراطور جوليان الذي تولى عرش الإمبراطورية الرومانية عبادته المسيحية التي شب عليها وعبد المعبودات المصرية، والإمبراطور أوجين من بعده احتضن عبادة إيزيس حتى ولي الإمبراطور تيودوز الحكم وكان متحمسًا للمسيحية، ففرضها على بلاد الإمبراطورية الرومانية وحارب عبادة إيزيس وأغلق معابدها، فكان هذا آخر عهد بعبادة إيزيس وسيرابيس التي بسطت جناحيها على الإمبراطورية الرومانية ٥٠٠ سنة من سنة ١٠٥ق.م. إلى سنة ٣٩٤م وكان لإيزيس عيدان في السنة في مارس ونوفمبر تحتفل بهما أكثر مدن أوروبا» (عبد المنعم عبد العظيم، إيزيس معبودة أوروبا وصاحبة لاهوتها الديني، موقع الأقباط متحدون http://www.copts-united.com) تاريخ الاقتباس ١٤ / ١٠ / ٢٠١٨).)

(٣) لاهوت عين شمس (لاهوت أون أو هليوبوليس، لاهوت التاسوع الإلهي)

كان الإله أتوم موجودًا في «نون»، فظهر وخلق بدون زواج مخلوقين هما الإله «شو» و«تفنوت» كوَّنا مع «أتوم» ثالثًا من مادة أو جوهر واحد، وقد حصل الخلق الخاص بالإله «شو» من خلال أنسام الحياة؛ لأنه إله الهواء، أما الآلهة تفنوت فقد خلقت الضباب والقطر الناعم، وباتحادهما نتج عن ذلك إلهان جديدان هما «نوت السماء» و«جب الأرض» وقام الإله «شو» برفع ذراعيه الممتدتين إلى أعلى ابنته «نوت» ربة السماء، بينما «جب» رب الأرض يقع قابعًا عند قدميه، أي إنه فَصَل بينهما.

figure
خلق الكون عند الفراعنة.

كان أتوم بمثابة الشمس في حالة كمونها، فحين ظهرت أصبحت الإله رع الذي حكم الكون، وأرسل أشعته الذهبية إلى الأرض، لتبدأ الأمواج التي تغطيها في الانحسار، وتنزل الأشعة على أول تل من الرمال يظهر على سطح الأرض، ولتأخذ الأشعة أبعادًا مادية مكوِّنة حجرًا مرتفعًا عُرف باسمه في مدينة أون، التي أصبحت مقدسة كلها لأنها مهد «بن بن» الذي ظهر منه طائر يشبه اللقلق اسمه «بنو» ليعلن بصوته بداية الخليقة، فتظهر الآلهة والبشر والحيوانات والنباتات.

ثم يستمر ظهور الآلهة، فيظهر ما يعرف بالتاسوع الإلهي المكوَّن من تسعة آلهة كونية.

figure
figure
تخيل نادر لأشكال الآلهة «رع حورآختي» و«أتوم» و«شو» و«تفنوت» و«جب» و«نوت».

يلخص مشهد مأخوذ من قبر الفرعون مرنبتاح والملكة تاوسريت، المملكة الحديثة، طريق إله الشمس في اللوحة المرفقة، والتي تتضمن لوحتين:

  • اللوحة العليا: في المركز، يرتفع إله الشمس في السماء على هيئة جعران (خنفساء الروث). وهو محاط بطيور «با»، التي تمثل الأرواح، والرجال ذوي الأذرع الذين تم إثارتهم من خلال المدائح. في الأهرامات النصفية على كلا الجانبين، والتي تمثل التل البدائي، ينحني إله فوق تلٍّ يحيط به وجه إله آخر. وفوقه، ترمز القمة المظلمة والفرقة الوسطى المائية إلى مسار الشمس عبر العالم السفلي. على جانبي اللوحة هم الآلهة الصقرية (يمينًا) والمقرنة الرأس (شمالًا).
  • اللوحة السفلى: إله الشمس، على شكل صقر مقرن الرأس، يحمل حلقات شن (رموز الأبدية) في مخالبه. تمثل الكوبرا مع أقراص الشمس على رءوسهم الحماية الإلهية.
figure
طريق إله الشمس. مشهد مأخوذ من قبر الفرعون مرنبتاح والملكة تاوسريت، المملكة الحديثة. الرسم: كاترين فيتزباتريك Catherine Fitzpatrick.

يرى «والس بدج» «أن الأمم المبكرة التي احتكت بالمصريين قد أساءت بوجه عام فهم طبيعة هذه الكائنات، وقد فعل الشيء نفسه عدة كتَّاب غربيين محدثين، وحين نتفخص هذه الآلهة عن كثب فإنها لا تبدو من حيث هي شيء أكثر أو أقل من صور أو تجليات أو جنبات أو صفات لإله واحد، ذلك الإله الذي هو رع. إله الشمس. وهو — كما ينبغي أن نتذكر — من كان نمط الله ورمزه» (انظر بدج، ١٩٨٥م، ٥٦).

يعبر التوحيد عن مظهره الواقعي الإنساني في شخص الفرعون الذي يمثل ذلك بطريقة ملموسة ومنظورة فهو ابن «رع» وهو «حورس» في الوقت نفسه.

«عُبد الإله حور في أماكن عديدة باعتباره الإله الابن في مصر القديمة الذي ينصر الخير، وانتقم لأبيه، واسترد إرثه، وظهر في كلٍّ من هذه الأماكن بلقب مختلف غالبًا، فنجده في أبو سمبل في ثلاثة ألقاب حور مي عم ( Hr My-m) وحو باك (Hr B3k)، وحور بوهين (Hr Buhn)، وفي دندرة، وفيلة، وأسوان، والطود، وأرمنت، ومنديس والإسكندرية، ومتليس، والكرنك، وأخميم، لقب ﺑ «حور الطفل» (Hr P3 hrd) وباليونانية حربوقراط، وفي كوم أمبو لُقِّب بحور-ور أي حور العظيم (Hr wr) ولُقِّب أيضًا ببانب تاوي (P3 nb t3 wy)، وفي إدفو، وتانيس، والكرنك، ودندرة، لقب ﺑ «حور سماتاوي» (Hr Sm3 t3wy)، وفي أرمنت لقب ﺑ «حور–شو» (Hr Sw) وفي الكرنك، ووادي الحمامات، وأرمنت، ومنف، لُقِّب ﺑ «حور بارع» (Hr p3 Ra) وفي قفط، لقب ﺑ «حور–مين» (HR mN) وفي دندرة لقب ﺑ «إبحي» (thy) ولُقِّب أيضًا ﺑ «حور خادي» ( Hr h3dr) وفي باست ﺑ «حور حكنو» (Hr hKnw)، وفي سخا، وأبيدوس لُقِّب ﺑ «حر أختي» (Hr 3hty) وفي دأبود وأبيدوس ومدينة ماضي، وأطفيح ومنف وأبو صيربنا وبوتو وسايس وبهبيت الحجارة والواحات وغيرها من الأماكن لُقِّب ﺑ «حور» (Hr)» (ناصف، ٢٠٠٠م، ١٨٦).
وبعد أن تظهر من الإله الواحد أجيال من الآلهة يتحول التوحيد monotheism إلى تفريد henotheism ثم تعود إلى التعدد polytheism، ولكننا سرعان ما نلمح عودة التوحيد عبر الإله «حور»، ففي تاسوع أون نرى الإله رع على قمة الكوسموس الخلقي، ثم تندرج بعد ثمانية آلهة على شكل «٤، ٢، ٢»، ولكن الآلهة الأربعة الأخيرة تبدو كما لو أنها تحبل جميعها بالإله الشمسي «حورس» الذي يكون ثمرة التاسوع، وبذلك يعود التوحيد الشمسي بعد أن انفرط، ويمكن رسم ذلك في المخطط البسيط التالي:
figure
لقاء روحي بين رع وأوزيريس في منديس عاصمة لإقليم ١٦ من أقاليم الوجه البحري (في الدقهلية). The bas of Re & Osiris meeting at Mendes (after Spiegel. in Westendorf, Gotthger, p. 144, fig. 1).
figure
figure

(٤) لاهوت منف (لاهوت ممفيس، لاهوت بتاح، لاهوت اللوغوس الإلهي)

طوَّرت منف بعد أول توحيد حاسم لمصر على يد مينا لاهوتًا متماسكًا ومنطقيًّا من خلال الإله «بتاح» الذي ظهر وكأنه أب الآلهة جميعًا وخالقها من خلال الكلمة (كلمة الخلق). وقد كوَّن هذا اللاهوت ثالوثًا يقف على قمته بتاح، ويتكوَّن من «سخمت وبتاح وابنهما نفرتوم»، قابله الإغريق بإله الحدادة (هيفايستوس). ولاهوته يقضي بأن القلب يوحي بالفكرة واللسان هو الذي ينطق بها.

يُعرف الإله بتاح ﺑ «إله الصدق، إله الحرفيين والفنانين»، وهو إله النظم الأخلاقية، ومصدر الشرائع والفروض الأخلاقية، ويُعتبَر هو أول ملكٍ للعالم بعد خلقه، ويسمى «الإله الذي يشكل الأجسام» و«الإله الذي يُنبت المعادن في باطن الأرض».

يظهر بمظهر كهنة مصر حليق الشعر ويلبس الرداء من الكتان الأبيض، وله زوجة، هي سخمت اللبؤة شاربة الدم، وابنة هي نفرتوم وهي الولادة الجديدة، وبذلك يتضمن ثالوثه الخلق والموت والولادة الجديدة.

يتمثل لوغوس بتاح بمفردتي «حو، سا»، حيث تتشكل الفكرة في قلبه ثم ينطقها بفمه، فيتم خلقها. وتقول الأسطورة إنه رأى الخليقة في قلبه أثناء منامه، فنادى على الدنيا لكي تظهر من العدم إلى الوجود، ناداها بفمه وكلمته، ولهذا يعني اسمه الفاتح «فتح فمه وقال». ولذا فإن طقوس فتح الفم، التي كان يؤديها الكهنة في الجنازات ليطلقوا الروح من الجسد، أول من بدأها كان بتاح. وهو لهذا خلق أتوم ليحكم الخليقة، بينما هو جالس فوق الربوة المقدسة.

وبسبب من كونه إله الحرفيين، دُمج بتاح في عصور لاحقة بالإلهين سوكر (إله الحرفيين والبعث)، وبسبب من كونه إله الربوة المقدسة الواقعة تحت الأرض والعالم الآخر دُمج مع الإله أوزيريس (إله العالم الآخر)، فتشكل من الدمج الأول «بتاح–سوكر»، ومن الثاني «بتاح–سوكر–أوزيريس»، وصار تمثيلًا للشمس أثناء الليل.

figure

(٥) لاهوت طيبة (لاهوت واست، لاهوت آمون، اللاهوت الشمولي)

طوَّرت طيبة (واست) منذ عصر الدولة الوسطى وجعلت من الإله «آمون» هو الإله الأزلي الأول وجعلوا منه إلهًا خفيًّا، وأن ظهوره أو تجليه يكون من خلال الشمس (آمون–رع). كما رمزوا له بهيئة الثعبان الذي يختفي في العالم الأسفل، وأصبح له اسمان أساسيان، هما «آمون: الخفي»، و«إيرتا: خالق الأرض»، ثم جعلوه يستولي على لاهوت الأشمونين ولاهوت عين شمس ولاهوت منف، ويمثل هذا الإجراء الديني صدًى لإجراء سياسي واسع عندما تحولت مصر إلى إمبراطورية في الدولة الحديثة وسيطرت على مصر كلها وهضمت تراثها ورحلت به إلى مناطق مجاورة.

كان آمون إلهًا خفيًّا باسمه وشكله ولا يمكن إدراكه. فالغموض يحيط به، وهذا هو سبب كماله المطلق، ولذلك كان مختلفًا عن بقية الآلهة المصرية الأخرى. وقد تعالت قدسيته وتواريه وحجبه بحيث إنه ظل منفصلًا عن الكون المخلوق، ولكنه كان مرتبطًا بالهواء؛ ولهذا كان قوة خفية، وهذا هو الوضع الطبيعي لكل الآلهة القومية التي تتربع على الآلهة بشكل تفريدي، وكان له ذلك.

قد يعلن توحده مع رع، الشمس، ويسمى «آمون رع» ولكنه يبقى بعيدًا وغامضًا، فهو خطوة طبيعية للتفريد الذي كانت تتجه له الديانة المصرية.

ورغم أنه المستتر الخفي لكنه يتجلى من خلال عين الشمس وصورة اﻟ «با»، أي من خلال روح كلِّ كائن حيٍّ لأنه الكائن في كلِّ حي.

وتُنقَش صورته بشكل رجل، وزوجته آمونت بشكل امرأة، وأحيانًا يظهر آمون رع برأس كبش.

figure

(٦) لاهوت العمارنة (لاهوت أخيتاتون، أخناتون، لاهوت التوحيد الإلهي)

وهو لاهوت خاص ونادر ارتبط بثورة التوحيد الدينية التي قام بها أخناتون (أمنحتب الرابع) حين أزاح جميع الآلهة وأبقى الإله «آتون» إله الشمس إلهًا وحيدًا للعالم كله وليس لمصر فقط.

عرفنا في لاهوت هليوبوليس أن الباطنية التوحيدية تسري في اللاهوت والمثولوجيا المصرية، فهي نضج جماعي لا شعوري عميق بالتوحيد وجوهر خصب تنطلق منه الأشياء، ولكن التوحيد يظهر بصورته العلنية والصارخة (التوحيد الظاهري) في ثورة أخناتون عندما جعل من الإله «آتون» الإله الواحد الذي لا شريك له.

وآتون هو قرص الشمس، واحد أسمائها. وهكذا عندما أتيحت فرصة واحدة للإله الواحد بالظهور علنًا ظهر كأفضل ما يكون عليه التوحيد في العالم القديم، فهو يقول في نشيده المقدم لآتون: «أنت الإله الواحد الأحد الذي ليس معه سواه. وليس له من نظير.» لقد التقط أخناتون برهافة دينية نادرة جوهر التوحيد وأعلنه في شخص الإله «آتون» الذي هو الله الواحد الأحد. وكان بثورته التوحيدية هذه مثل نبي يحاول أن ينشر دعوته العالمية إلى العالم كله بعيدًا عن المحلية المصرية التي ظل الدين المصري أسيرًا لها.

كان آتون هو الإله «رع حوراختي»، وهو الإله الشخصي للفرعون أخناتون، أما الإله الشخصي لأي فرد في المجتمع فقد كان هو الملك نفسه، لأنه الإله العملي الذي يظهر في الطقوس ويشارك الناس بها.

تختلف ثورة آتون التوحيدية عما تلاها من الديانات الموحدة في أنها تخلو من كتاب مقدَّس وتخلو من الوحي، وأنها ليست رسالة سماوية، بل هي محض اقتراح من ملك وجد أن إلهًا واحدًا يكفي لهذا العالم وأن بقية الآلهة غير موجودة؛ لأنها بمثابة أفعاله في كل شيء، وفي هذا الصدد يقول إريك هورنونج:

«لم يترك لنا أخناتون أي كتاب مقدس، ومن ثَم فإن ما أسسه لا ينتمي إلى ديانات الكتاب، وإن «كلمة الإله» بكل ما في هذه العبارة من معنًى لا يجد تخيلًا لها في الديانة الجديدة، حيث إن ذلك الإله الذي أُعلن عنه مؤخرًا ظل صامتًا. فآتون نفسه لم ينطق ببنت شفة، بل على العكس فإن أخناتون المبشر به هو الذي تكلم عنه. ومن ثَم فإننا يجب أن نعتمد على الأدلة المستوحاة والمستخرجة من النصوص الخاصة بالملك وبكبار رجال دولته. وتذكر لنا النصوص في كثير من الأحيان «تعاليم» أو «تعليمات» أخناتون التي وضعها في قلوب رعاياه. ولتأكيد ذلك، فإن الكلمة المصرية المستخدمة لهذا الغرض هي «سيبايت» التي تشير إلى أدب الحكمة المتداولة في الكتابات التي ترجع إلى عصور سابقة، حوالي أواخر الدولة القديمة، ولكن في عصر العمارنة يبدو في الحقيقة وعلى وجه الحصر أن حالة التعاليم والتعليمات كان الملك هو فقط الذي يفصح عنها، ولا يوجد في أي مكان آخر أي أثر للرسالات الدينية».

(هورتونج، ٢٠١٠م، ٧٣-٧٤)

وحقيقة الأمر أن رفض الكهنة التقليديين (كهنة آمون) لعقيدة أخناتون لم يكن بسبب طابعها التوحيدي، بل كان لأنه أزاح الإله آمون كليًّا من المشهد الديني، فلو أن أخناتون على سبيل المثال أطلق اسم آمون على الإله الواحد الأحد وأزاح جميع الآلهة من حوله كما فعل ذلك مع آتون لكان ذلك مدعاة لمناصرة الكهنة له وعدم تعرضهم له ولعقيدته، ولكنه يبدو في عمله هذا كمن أطاح بنظام كهنوتي وديني كامل، ولم تكن غايته استبدال إله بإله، لقد كان ثوريًّا راديكاليًّا، وكان هذا سببًا في فشل دينه الجديد.

figure
رمز الإله آتون (أتين).

نرى أن الثورة التوحيدية لأخناتون لم تكن في مكانها الصواب، بل كانت خطوة في الاتجاه الخاطئ والعاجل؛ لأن التوحيد كان بحاجةٍ لمقدمات سياسية واجتماعية وحضارية ودينية عميقة وشاملة لكي ينجح ويسود، فبالإضافة إلى أن كهنة آمون وجدوا أنفسهم عاطلين عن العمل فوقفوا، بكل قوتهم، ضد أخناتون وتسببوا في نهايته، هناك أيضًا عدم توفر وحدة تجمع العالم القديم يصير فيها إله العالم كله آتون إلهًا خارج مصر وليس داخلها فقط، وهذا لم يحصل، فضلًا عن ذلك أن الديانة المصرية كانت قد وصلت إلى نضجٍ هائلٍ يجعلها عميقة المضمون ومتماسكة الأسرار ويصعب تغييرها في مثل تلك الوهلة التاريخية، ربما كان ذلك ممكنًا عند انتظارها لقرون طويلة حتى تستنفد قوتها الروحية العميقة.

figure
العائلة الملكية تجلس على حجر الملك أخناتون.

كانت الديانة المصرية تساوي بين الآلهة والبشر والكائنات الحيَّة في تصورٍ فريدٍ من نوعه، وكانت ترى أن كلَّ هذه الكائنات حية ومن مصدر واحد، لكن أخناتون أراد الإطاحة بكل هذا النسيج الفريد، وجعل فاصلة تكوينية بين الآلهة، والإنسان والحيوان والنبات من جهة أخرى، وهو أمر بالضد من مسرى وتكوين الديانة المصرية.

«مما يؤسَف له أن هذا المضمون الروحاني الذي تشابه بعقيدة التوحيد، لم تتفهمه العقول أو تستوعبه. فربما جاء مبكرًا جدًّا قبل موعده، في إطار تأريخ العالم. بل لنقل، إن هذه العقيدة، على ما يُعتقَد، لم تراعِ التباين والتعقد الدنيوي لدى الإنسان، والجدير بالملاحظة، أنه قبل مجيء هذا الفرعون الصوفي (أخناتون) بفترة مديدة، كان الكهنة على يقين من أن جميع الكائنات الحية (بشر وحيوانات، ونباتات) كانت أساسًا أخوةً. أو بمعنى أدق: قد تولدت من طاقة واحدة، وتكوَّنت من المادة المشتركة نفسها. وكذلك، كانت محاولة محو وإلغاء المرجع الأسطوري المؤسس لمصر قاطبةً، في ذاك الحين، بمثابة جريمة كبرى ضد الديانة المصرية، بل وكذلك ضد الوعي واليقين» (تيبو، ٢٠٠٤م، ٩).

«ولم يكن هذا الوضع النظير المقابل للجنس البشري مجرد دور تقليدي للفرعون، فلا شك أنه كانت له أصول في حالة أخناتون الخاصة بصفته الابن المحبوب لآتون. فمن قبل، كان الفرعون يعتبر نفسه «ابن رع»، ومن ثَم فهو يؤكد أصله الإلهي. ولكن كان أخناتون ابنًا لإلهه بطريقة أكثر شخصية، وبهذا وضع بذرة الفشل لتعاليمه، لأنها تقوم دائمًا وتسقط دائمًا بشخصه ذاته. وعند علماء اللاهوت المصري القديم، ظهر الجدل حول أن الأب والابن من جوهر واحد. في المنظر الثامن بكتاب البوابات، ظهر وصف جديد للعالم الآخر الذي يرجع إلى فترة العمارنة (قبل أخناتون أو بعده)، حيث نجد أتوم يعبر عن وحدته الكاملة مع رع بالصيغة الآتية: «أنا الابن الذي انبثق من أبيه، وأنا الوالد الذي انبثق من ابنه»، مُلمِّحًا في ذات الوقت في سياق الكلام إلى علاقة الأب–الابن بأوزيريس وحورس، وليس من شك في أن آتون لم يكن مجرد معبود قومي، وإنما بالأحرى منير للعالم بأكمله بوصفه إله الشمس الكوني، فلقد ظل أخناتون دائمًا فرعون مصر ولم يكن نبيًّا لكافة البشر. وعلى المستوى الظاهري بكل معنى الكلمة، نعرف من ألقابه: أن أخناتون كان «رب الأرضين» أي مصر، بينما كان آتون رب العالم، وكان يُعبِّر عن ذلك بشكل ملموس «بالسماء والأرض» (هورنونج، ٢٠١٠م، ٧٧-٧٨).

«وهكذا، فإن أخناتون وإلهه تم احتسابهما جزئيًّا، وإلى حدٍّ ما، في نطاق النشاط الأنثوي، وإن كانت نفرتيتي هي الطرف الثالث في التحالف، كما تحدثنا عن أهميتها هذه من قبل في الفصل السابق. فلم تكن هذه الأهمية تدخل في النطاق السياسي، بل في الطبيعة الدينية البحتة، ومن ثَم فقد كان لها تأثير يختلف تمامًا عن حالة الملكة «تي». فقد شاركت الملكة نفرتيتي في الحكم دون أن تكون مشاركة في المُلك رسميًّا. وكانت هي الإلهة الشخصية لأخناتون، فلقد ظلت برفقته مع آتون يكوِّنون ثالوثًا مقدسًا، مثلما كان يحدث غالبًا في مجمع آلهة الدولة الحديثة، حيث كانت مجموعة الكواكب السماوية تسطع حينذاك» (هورنونج، ٢٠١٠م، ٧٩-٨٠).

(٧) لاهوت آبو (لاهوت خنوم الفخاري)

خلق خنوم نفسه بنفسه، ثم خلق الكون، حيث خلق الأرض ورفع السماوات على أعمدتها الأربعة، وخلق العالم السفلي والمياه، وخلق الكائنات الموجودة.

أما الآلهة والبشر فقد شكلهم من الصلصال على عجلة (دولاب) الفخار ثم خلق الحيوانات وسوَّى الأغنام القطعان وصنع العصافير والأسماك وشكَّل الذكور المنجبين وأتى بالإناث إلى العالم.

وقد مُثِّل الإله خنوم، أحيانًا، بأربعة رءوس كباش كانت تشير إلى أماكن عبادته الأربعة وإلى الآلهة الأربعة العظام الذين اتحد بهم، وهم «رع، شو، جب، أوزيريس»، وكانت هذه الرءوس الأربعة تشير إلى العناصر الأربعة في الطبيعة (النار، الهواء، الأرض، الماء) في إشارة إلى أنه امتلك السيطرة على عناصر الخلق. ولذلك جاءت علاقته بالكبش بسبب القوة الإخصابية التي ترمز له والتي تستثمر عناصر الخليقة هذه مع دولاب الخليقة الذي تجري عليه عمليات الخلق. «منذ الأسرة الأولى عرفنا وجود عقائد الكباش المقدسة وفي عهد متأخر عن ذلك عرفنا الإله «خنوم Khnum» معبود جزيرة الفنتين في المقاطعة الأولى لمصر العليا ورمزه الحيواني المقدس الكبش، وكذلك كبش «عنبت Anpet» وربما أيضًا كبش مدينة «منديس Mendes» من المقاطعة السادسة عشرة لمصر السفلى وقد توحدا أو ارتبطا بشكل وثيق على الأقل مع رمز عقيدي ثانٍ لكبش آخر هو «حارشاف Harshaf» ومعناه «الذي فوق بحيرته»، وظهر في اليونانية باسم «حارسافيس Harsaphes» وذلك في مركز له بمدينة «هيراكليوبوليس Herakleopolis Magna» بالمقاطعة العشرين من الصعيد، وجميع هذه الكباش تمثل أو تصور حية أو في وضع جالس فيما عدا واحد منها هو «خرتي Kherty» فيظهر في شكل كبش محنط وفي وضع الرقود» (تشرني، ١٩٩٦م، ٢٣).
figure
الإله بتاح يشكل بيضة العالم على عجلة خنوم الفخاري.

مع خنوم يبدو أننا عدنا لفكرة الخلق التقليدية في أديان الشرق الأدنى، وهي فكرة خلق الإنسان من الطين والماء، فهو يخلق العالم من بيضة واحدة، ثم الكائنات من الصلصال على دولابه الفخاري، ويشكلها ثم يولجها في بطون الأمهات مع مني الآباء.

يسمى «رب دار الحياة الهانئة» و«إله القطرين»، ويظهر بهيئة رجلٍ مزدوج الجنس، وبرأس كبشٍ ذي قرنين ملويين، ويقوم بحراسة منابع النيل والتحكم بفيضانه كل عام.

(٨) لاهوت إسنا (لاهوت سايس، لاهوت نيت القوَّاسة النسَّاجة)

سيطرت الإلهة «نيت، نيث» على سايس (ساو) التي يوجد معبدها الرئيسي فيه وهي في مصر السفلى عاصمة المقاطعة الخامسة من مقاطعات الوجه البحري (صا الحجر الحالية)، كانت الإلهة الحامية هناك، حيث كان مركز عبادتها في دلتا النيل الغربية، والذي ظهر في وقت مبكر من عهد الأسرة الأولى، وظهرت أبكر صورها في فترة ما قبل الأسرات، كما يمكن أن يُرى من تمثيل لسفينة تحمل رموزها (السهام المتقاطعة).

«اسم نيت Nt هو غير محدد المعنى، حيث يعتقد زيته Sethe أنه كان قديمًا Nrt أي «المرعية» لصلتها المباشرة بالحرب والحماية، ومن ناحية أخرى ربما يكون قد اشتق من كلمة Nt التي تعني «مياه الفيضان» أو «الماء الأزلي»، وقد صُوِّرت الإلهة نيت في شكل امرأة ترتدي ثوب طويلًا وعلى رأسها التاج الأحمر أحيانًا أو التاج المزدوج أحيانًا أخرى وفي يدها اليمنى صولجان وفي اليسرى علامة () وكذلك فقد صورت بأشكال مختلفة خلال الدولة الحديثة ومنها بشكل امرأة على رأسها سهمان متقاطعان أو بشكل امرأة تحمل على رأسها العلامة الدالة على اسمها وقليل ما ظهرت بشكل حية الكوبرا، أو بشكل امرأة برأس تمساح» (ناصف، ٢٠٠٠م، ١١١).

«ورد ذكرها منذ عصر ما قبل الأسرات على فخار نقادة، واعتبرت في الدولة القديمة ابنة «رع»، لكنها سميت بعد ذلك «أم رع» وصارت زوجة الإله «خنوم». ولعبت دورًا مهمًّا في المعتقدات الجنزية منذ متون الأهرام. وكانت تُصوَّر على هيئة سيدة تلبس تاج مصر السفلى الأحمر وتمسك بيدها قوسًا وسهمين» (انظر صادق، الموسوعة المصرية، ٣٩٤).

وشاركت مع اثنين من الآلهة، في لاهوت إسنا (تا سنيت أو إيونيت (المعروفة حاليًّا بإسنا)، تظهر في بعض الأحيان مقترنة بالإله خنوم كزوجة له والدها الإله البدئي «نون–نوو» وأبناؤها هم «رع، عبب، تحوت، سرقت، سبك». ويمكننا معرفة وظائفها وطبيعتها كما يلي:
  • (١)

    الإلهة نيت تعرف بأنها «المولودة من ذاتها».

  • (٢)

    الأم العذراء: تم توحيدها مع الإلهة الأم العظمى كخالقة. وكإلهة أنثى.

  • (٣)

    إلهة الحرب والصيد (القوَّاسة) (رمزها سهمان متقاطعان على درع) والخلق و(القوَّاسة) وكانت تكرِّم بالقوس والسهام في المقابر التي تتشفع بها.

  • (٤)

    إلهة النسيج (النسَّاجة): مهنتها النسج وضرب السهام ولذلك عرفت ﺑ «النسَّاجة»، وهي التي ابتكرت في النسج وصناعة النسيج فأصبحت تعرف رمزيًّا بصانعة حبكة الحياة، ولازمتها صناعة واستعمال الضمادات لكي تُلف بها جثث المومياوات وهو ما جعلها راعية الموتى.

  • (٥)

    إلهة السماء، حيث توصف بأنها «بقرة السماء»، وكإلهة سماء شبيهة بنوت. «أما عن علاقة الإلهة نيت بابنها الإله حور فلقد عرفت نيت بأنها أم حور، وعرفت أيضًا بأنها مرضعة ابنها حور، ومن ثَم لقب الإله حور أحيانًا «حور ابن نيت»، كما أخذ أحد كهنة سايس لقب «كاهن حور ابن نيت»، وأيضًا «كاهن حور القاطن في سايس»، ومما سبق يتضح أن علاقة الإلهة نيت بالإله حور علاقة متعددة الجوانب، فهي أمه وحاميته ومرضعته وهي أيضًا شريكته، حيث يشتركان في قيادة المتوفى أمام الإله أوزير، ويبدو أن حور كما ارتبط بالإلهة نيت ارتبط بسايس أيضًا، حيث ذكرت النصوص أن «عين حور تسكن مقصورة التاج الأحمر «أي سايس».» (ناصف، ٢٠٠٠م، ١٢٨).

  • (٦)

    الإلهة ورت محيت البقرة التي تلد الشمس يوميًّا. وكانت تقوم مقام غضب الشمس الجامح، ففي الدلتا اعتبرت «ذروة النهار» وأم الشمس وسوبك (وهو الإله رع المتجسد في هيئة التمساح).

  • (٧)

    حامية البيت الملكي وكانت تمثل على هيئة الصل.

  • (٨)

    إلهة المياه البدائية (أمحيت ورت) التي بدأ منها الخلق في قصة الخلق. وكانت نيت تحتوي بعض العناصر الذكورية كذلك، مما يجعلها قادرة على الولادة (الخلق) دون الجنس الآخر. وهي الصيغة المؤنثة للإله بتاح–نون بطبيعتها الأنثوية التي تتكامل مع سمات الذكورية التي يُرمز لها بالقوس والسهم. ويظهر لها عضو ذكري في جسدها الأنثوي في بعض الرسوم.

  • (٩)

    إلهة الفيضان: تجسد فيضان النيل ولذلك وصفت بأنها المياه المتدفقة، وكانت مرتبطة بالفعل المصري القديم ستي، والذي يعني (يصبُّ).

  • (١٠)

    إلهة الزمن، حيث حمل جدار في أحد معابدها العبارة الآتية: أنا الماضي … أنا الحاضر … أنا القادم، وما من كائنٍ رفع عني حجابي، وثمرتي التي ظهرت مني هي الشمس.

(٨-١) خليقة الإلهة نيت

تحكي أسطورة خلقها أنها انبثقت من ذاتها من قلب «النور» والأرض ما زالت في ظلماتها. وصارت بقرة ثم صارت سمكة بيضاء، وأخذت تسير في طريقها حتى أضاءت البصر بعينيها فكان النور، وارتفعت أكمة وسط المياه، هي «إسنا» وتسمى أرض المياه ومدينة سايس التي حلقت عليها كالجعران، ثم ظهرت مناطق أخرى في مدينة سايس، وسميت أرض سايس أرض الترويج. وفي هذا المكان ستخلق الآلهة ثم الشمس ثم بقية العالم عن طريق الكلمة.

figure

وهكذا تمثل أسطورة الإلهة الخالقة «نيت» أسطورة مثالية للجمع بين طريقتى الخلق الأنثوي (باعتبارها إلهة) والخلق الذكري (عن طريق الكلمة)، وهو توصل نادر جسَّدته أسطورة هذه الإلهة خارج النظام الشمسي للخلق. وقد شبه اليونان هذه الإلهة بمعبودتهم أثينا (بدلالة القوسين)، واعتقدوا أنها تشق الطريق أمام فرعون عند خروجه إلى الحرب وتتولى حمايته.

قدَّم النص، الذي قام باكتشافه وترجمته «سرجى سونيرون» عن خليقة الأم الكبرى «نيت» القواسة، ضوءًا جديدًا على قصة الخليقة المصرية فقد جمع هذا النص في ثناياه بعض ما ذهبت إليه المدارس والخليقات السابقة، ولكنه قدَّم في الوقت نفسه صياغة خاصة به، وهو نص يعود إلى عصر الإمبراطور تراجان، ولكنه بالتأكيد ذو جذور بعيدة في الزمان والمكان.

بعد أن ظهرت «نيت» بنفسها من اﻟ «نوو» العظيم واجهت على ما يبدو مهمات خلق الكون والآلة والبشر على أربع مراحل تحولت فيها هذه الإلهة الأم البقرة إلى عدة أشكال خلقت بعدها ما طاب لها من الخلق على أساس الكلمة في الغالب.

(٩) لاهوت الإسكندرية (الثالوث الهيلنستي)

مع بدء المرحلة الهيلنستية وسيادة البطالمة على مصر ظهرت الحاجة واضحة للاهوت عالمي جديد يجمع بين الإغريق والمصريين، وكان هذا اللاهوت متمثلًا بالإله سرابيس وزوجته إيزيس وابنهما هيربوقراط، هذا على المستوى الرسمي، أما على المستوى الشعبي فقد شهد ميلًا نحو السحر والعقائد الباطنية والمسارية بشكل خاص، ومن مكتبة الإسكندرية وكتَّابها وفلاسفتها الكبار ظهرت الصياغة الجديدة للهرمسية والغنوصية التي كانت بمثابة نقطة التحول الحاسمة باتجاه التوحيد.

يحدثنا بلوتارك بأن بطليموس الأول كوَّن لجنة من علماء الدين كان من بين أعضائها الكاهن المصري «مانثو» والكاهن الإغريقي «تيموثيوس». وقد استقر رأي اللجنة على أن يكون محور الديانة الجديدة ثالوثًا، يتألف من سيرابيس وإيزيس وهربوكراتس، وقامت اللجنة بتنظيم شئون هذه الديانة (نصحي، ١٩٦٧م، ٢: ١٨٠).

حصل ذلك إذن بطريقة صناعية ماهرة كان الميل فيها للديانة المصرية، فقد كانت إيزيس هي الإلهة الأم المصرية المرتبطة بالخصب والحب والجنس وغيرها، وكان ابنها الإله هربوكراتيس هو ابنها الإله الطفل حورس من أوزيريس، ويصوَّر جالسًا على زهرة لوتس وأصبعه على شفتيه كإله الصمت. أما كبير الثالوث الإله سيرابيس فقد اختلفت فيه الآراء وتعددت، وفي جميع الأحوال فقد جمع هذا الإله في شخصيته إلهًا مصريًّا وإلهًا إغريقيًّا.

(٩-١) سرابيس

(أ) الأصل المصري لسيرابيس

كان الإله أوزيريس هو الأصل المصري للإله سيرابيس، فقد كان الإله أوزيريس إلهًا عامًّا يُعبد في مصر كلها ولم يكن إلهًا محليًّا لمنطقة معينة، ولذلك فقد كان يمكنه الاتحاد بأي إله مصري آخر ليجسد الخصب أو الحياة الآخرة. فقد كان أوزيريس على الأرض يمثل الخصب والحياة، وكان تحت الأرض يمثل إله الموتى والشفيع لهم. لكن المنطقة التي انطلق منها أوزيريس ليكون سيرابيس كانت منف، حيث عقيدة الإله «بتاح» هي السائدة هناك … فكيف تم الربط بين أوزيريس وبتاح؟

كان الإله «بتاح» يمثل الإله الخالق عن طريق الكلمة وعن طريق دولاب الفخار الذي اشتهر به، وكان يتجسد بصورة الكبش ذي القرنين، وأحيانًا بصورة العجل «أبيس» الذي كان يسمى «حابي» عندما يتعلق الأمر بتجسيد النيل الحي. هذا كله والعجل والنيل وبتاح على وجه الحياة، أما عندما يتوفى هذا العجل الذي يمثل كلَّ هؤلاء فإنه كان يسمى «أوزيريس–أبيس» وهذا شأن كل إله أو بشر متوفى، حيث يسبق باسم أوزيريس، واختصارًا لذلك كان يسمى «أوسار–حابي» أو «أسار–حابي» (osar-hapi).
figure
العناصر المصرية الأربعة التي صُنع منها سرابيس. http://www.all4yah.org/ecclesia-of-elohim/ruhappy.html.
كان الإغريق يدعونه أوسورابيس Osarapis وأوسيرابيس Oserapis وسورابيس Sorapis وسارابيس Sarapis وسيرابيس Serapis. وعندما فتح الإسكندر مصر كانت مذاهب منف قد اكتسبت من الأهمية بين الناس ما فقدته مذاهب العاصمة القديمة طيبة، فإذا أريد اتباع رغبات الناس وإقامة الديانة الجديدة على أسس قوية، كان لا بد من اختيار معبود هذه الديانة من بين آلهة منف (نصحي، ١٩٦٧م، ٢: ١٨٢).

كانت هناك مجموعة من معضلات الدمج أهمها التجسيد الحيواني للآلهة في مصر، والذي كان منفِّرًا عند الإغريق الذين اعتادوا أن يروا الآلهة في شكل بشري متناسق.

كان الإله المصري يمثَّل ويعبد على هيئة العجل. ولكن خشى البطالمة ألَّا يتقبل الإغريق هذه الصورة الحيوانية للإله، ولذلك قرروا عندما أقاموا له معبد السرابيوم بالإسكندرية، أن يدخلوا على شخصيته تعديلين: الأول يمس اسمه فأصبح سرابيس ليسهل على الإغريق نطقه. والآخر هو تصويره في صورة بشرية، ومنحه هيئة تشبه زيوس نفسه. ورغم جهود البطالمة في الترويج للإله سرابيس والإنفاق على معابده، فإن المصريين لم يقبلوا على عبادته أولًا، واعتبروا ما حدث للإله هو نوع من المسخ لشخصيته. ولذلك سرابيس ظل نحو قرن ونصف من تاريخ الدولة البطلمية إلهًا رسميًّا بعيدًا (العبادي، ١٩٧٥م، ٥٢).

figure
سرابيس.

وحقيقة الأمر تبدو أعمق من ذلك بكثير، لأننا بعودتنا إلى الإيقاع الباطني الذي رافق ظهور العقائد والآلهة الهيلنستية يمكننا أن نفسر الكثير من حقيقة سيرابيس. فقد كان الإله «بتاح» إلهًا باطنيًّا تتجلى باطنيته هذه في ثلاثة أمور هي: كلمته الخالقة (اللوغوس)، ارتباطه بالنيل (حابي)، ارتباطه بالعجل (أبيس) … وكانت النزعة الباطنية التي غمرت كهنة ورجال الدين في العالمين الشرقي والغربي تدفعهم لإظهار العمق الإسكاتولوجي (ما بعد الموت) في شخصية «بتاح»، ولذلك فقد كان أوزيريس هو الذي يجسد هذا العمق الباطني، وبذلك تحول أوزيريس إلى تعبير عن حقيقة مزدوجة للباطن والظاهر كانت تتردد في الوقت نفسه في الأورفية الإغريقية.

نقصد من استنتاجنا هذا أن الدافع الباطني هو الذي أعطى لهذا الإله (بتاح، أبيس، حابي) شخصيته الأوزيرية التي تعنى بما بعد الموت، وكأن ذلك كان يدفع إلى إيجاد شفيع أو مخلص مثل أوزيريس في شخصية إله لوغوسي مائي خصبي.

(ب) الأصل الإغريقي لسيرابيس

يرى بلوتارخس وتاكتيوس أن بطليموس الأول هو من ابتكر عبادة سرابيس عن جذور إغريقية قديمة، ولعل ما يؤيد ذلك أن الشاعر ماندروس ودمتيريوس الفاليري كانا يمارسانها في القرن الثالث قبل الميلاد.

كان النظير الإغريقي لأوزيريس هو ديونسيوس إله الخمر والمتعة وهو الإله الميت أيضًا وشفيع الموتى بعد الموت، وهو إله شعبي شرقي المنشأ، فقد كان يوحي بأساطير ديموزي وتموز وأدونيس وأوزيريس القديمة.

كان ديونيسيوس قد دخل الديانة الأورفية في شكل زاجريوس الذي سينحدر إلى العالم الأسفل، وهذا ما يجعله مشابهًا لأوزيريس، ونرى أن نقطة انطلاق ديونسيوس نحو سيرابيس كانت من علاقة ديونسيوس بالإله زاجريوس Zagreus وهو الوجه الميت أو المتوفى من ديونسيوس.

كان زاجريوس بن زوس من برسفونة التي اقترن بها على هيئة ثعبان، أما ديونسيوس فقد كان ابن زوس من الآدمية سيميليه التي ذابت عندما نظرت على جلال زوس كله وهي حامل في شهرها السادس فقام زوس بإنقاذ ديونسيوس وأخفاه في فخذه ليكمل شهور الحمل، وعندما وُلد حوَّله زوس إلى جدي خوفًا عليه من زوجة زوس (هيرا) ثم أصيب بالجنون وتعلم من سيبيل صناعة الخمر ثم شفي وأصبح إله السكر والنشوة. ويسمى زاجريوس أحيانًا ﺑ «ديونسيوس الثاني».

figure
زاجريوس ديونيسيوس.

كلُّ هذا يتفق مع الإيقاع الباطني الذي كشفناه عند أوزيريس، ولاحظنا أن ظهور العجل يتكرر في أبيس وديونسيوس وزاجريوس وهو ما يكوِّن قاسمًا مشتركًا بينهما، إضافةً إلى المستقر الجنائزي لكل هذه الآلهة وعقائده الإسكاتولوجية.

إن الإيقاع الباطني للاثنين يتجلى في العقيدة المسارية، أي في العقائد الأورفية السرية وفي العقائد الأوزيرية السرية، واعتبارهما (أوزيريس وديونسيوس) إلهين مخلصين في حياة الآخرة، ناهيك عن البعد الخصبي والجنسي للإلهين في الحياة العادية، فأوزيريس هو إله الخصب المرتبط بإيزيس، وديونسيوس إله الخمر والمتعة المرتبط بديمتر والنباتات.

ولذلك كان يمكن إقناع الإغريق بأن إلههم ديونسيوس زاجريوس هو الذي قتله التيتان ونفخ زوس في صورته، لم يكن إلَّا صورة ما قبله لأوزيريس. ولذلك كان إله كهذا خير من يصلح لأن تقوم حوله عبادة تجمع بين معتقدات المصريين ومعتقدات الإغريق، ويرى فيها المصريون عبادة أوزيريس، والإغريق عبادة ديونسيوس، وذلك بعد أن يخلع عليه اسمًا جديدًا، غير أنه كان يتحتم ألَّا يكون الاسم جديدًا كلَّ الجدة، ومن ثم كان يجب اختيار الاسم من بين الآلهة المصرية (نصحي، ١٩٦٧م، ٢: ١٨١).

نرى أن المشرفين على إعداد الآلهة الجديدة نجحوا، بقصد أو بدون قصد، في جمع العبادة الظاهرية والعبادة الباطنية من جهة وفي رصد إيقاع الثالوث في الديانتين وتوظيفه بشكل جديد. ونرى أيضًا أن عقيدة الثالوث هذه ستمهد للثالوث المسيحي الذي نما أولًا على أرض هيلنستية كنعانية آرامية مصرية حافلة بإيقاع الثالوث أيضًا، فالأب والأم والابن هو أول ثالوث مسيحي مناظر للثالوث الهيلنستي، ويقودنا هذا أيضًا إلى تأكيد صلة الرحم الهيلنستي في ولادة الديانتين الموحدتين (اليهودية والمسيحية). فالديانة اليهودية ديانة قربانية، والديانة المسيحية تعتبر المسيح الفادي كذبيحة إلهية افتدت البشر.

(ﺟ) تمثال وشكل سرابيس الإغريقي

لعل أشهر وأقدم تماثيل سرابيس هي تمثاله الشهير في معبد السرابيوم في الإسكندرية، والذي يرى البعض أنه جاء من سينوب التي تقع على البحر الأسود أو أن النحات برياكسيس هو الذي صنعه في صورته الإغريقية ويظهر هذا التمثال مرتديًا ملابس إغريقية (خيتون) طويلًا تعلوه هيماتيون فضفاضة وفي شكل يشبه عن قرب الإله زوس وشعر رأسه ولحيته الكث وهو يحمل فوق رأسه المد (السلة المقدسة) التي كانت مألوفة في طقوس ديمتر الأليوسية وتطل سنابل قمح ذهبية من هذه السلة تزينها ثلاث أشجار زيتون مصورة في شكل بارز، ويجلس الإله على عرش وتعتمد يمناه على صولجان، على حين يبدو أن يده اليسرى تهدئ روع القلب سيربروس الذي له ثلاثة رءوس نابحة (أسد وذئب وكلب) ويلتف ثعبان حول جسمه (نصحي، ١٩٦٧م، ٢: ١٩٤).

غير أن الصورة الفنية لهذا الإله الجديد، كانت إغريقية وليست على طريقة الرسم المصري. فملامحه ولحيته الكثة تذكرنا بصورة زيوس الإغريقي، وكان يعلو رأسه القدح Modius أو السلة المقدسة Calathos، وتمسك يده بالصولجان رمز القوة، وحينًا قرن الإخصاب Cornucopia، وعند قدميه يجلس الكلب الأسطوري كربيروس Cerberos ذو الثلاثة رءوس، كرمز لسيادة مسياربيس ونفوذه على العالم الأسفل تمامًا مثل أوزيريس المصري. أما إيزيس الهيلنستية زوجته فقد صورت جالسة على العرش، ترضع وليدها هاربوكراتيس، وبذلك تكوَّن الثالوث السكندري Triad الذي غزت عبادته أقطار البحر المتوسط خاصة بلاد اليونان وإيطاليا، ووصلت إلى بريطانيا في العصر الروماني (الناصري، ١٩٩٢م، ١٣٨).
figure
ومما يرويه «بلوتارخوس» نقلًا عن «مانثون» عن قصة مجيء الإله «سرابيس» إله «سينوب» الغامض إلى مصر أن «بطليموس الأول» قد رأى الإله «سرابيس» في منامه وأخذ يرجوه أن يجلب تمثاله إلى مصر، وبالتالى تنتقل عبادته مع التمثال إلى مصر, ولما كان «بطليموس الأول» لم يرَ هذا الإله من قبل فإنه استدعى رجلًا من رجاله يدعى «سوسيوس»، وكان قد جاب أقطار العالم ووقف على أخبارها وقص عليه فقال ﻟ «بطليموس» إنه شهد ذلك الإله في مدينة سينوب، وتبعًا لذلك أحضره «بطليموس» إلى الإسكندرية، حيث أقام «بطليموس الأول» معبدًا عظيمًا فوق أطلال معبد شيد قديمًا ﻟ «إيزيس» و«سرابيس»، ويذكر «هيرونيوس» نقلًا عن «يوسبيوس» أن إحضار تمثال سرابيس إلى مصر كان عام ٢٨٦ ق.م. وكان الإله «سرابيس»، الذي اشتُق اسمه من المعبودين «أوزيريس» والعجل «أبيس»، إله الخصوبة والشفاء والقيادة العليا والحياة الآخرة (أشرف السيد الشربيني معوض البحيري، سرابيس … إله «سينوب» الغامض في مصر، موقع الموسوعة http://histoc-ar.blogspot.com/2010/02/blog-post.html).

وتذكرنا هذه الصورة بالإله الإغريقي هاديس أو بلوتو تحديدًا، وهو إله العالم الآخر عندهم، والذي يسيطر على الأموات، وهو صاحب الثروة، والذي يضمن خصوبة الأرض أيضًا.

ولهذا من أجل أعزقة هذا الإله أُدخل عليه تعديلان؛ الأول يمس اسمه فأصبح سرابيس بدلًا من أوزور–أبيس ليسهل على الإغريق نطقه، والآخر هو تمثيله في صورة إنسانية بدلًا من صورة العجل (العبادي، ١٩٨١م، ٥١).

(د) علاقة سرابيس بآلهة أخرى

  • (١)

    إله سينوب: هناك روايات كثيرة تتحدث عن أصل سرابيس الذي جاء من سينوب، وخصوصًا ما يخص شكله أو تمثاله الإغريقي المشهور الذي كان في حقيقته تمثال الإله بلوتو إله العالم السفلي.

    ومن الجائز أن مبعث ذلك كان أن المنطقة الصحراوية التي يقوم فيها سيرابيوم منف كانت تدعى سينوبيون Sinopion. وإذا كانت عبادة سيرابيس الإسكندرية في الأصل عبادة إله سينوبيون منف، فلا يبعد أن يكون الأمر قد اختلط على المؤرخين القدماء، ولذلك عزوا أصل تمثال سرابيس إلى مدينة سينوب على البحر الأسود (نصحي، ١٩٦٧م، ٢: ١٩٣).

    وكما نوهنا أن بطليموس الأول حلم بشكل سرابيس قبل أن يراه، وعندما قصَّ رؤياه قيل له إن هذا يطابق تمثال بلوتو في سينوب، فأمر بإحضاره من هناك.

  • (٢)
    الإله أسكلابيوس: كان معبد سرابيس في الإسكندرية مزارًا للناس ليُعالَجوا فيه. وكان من بين الذين شفاهم أشخاص عظام. فقد قيل إن ديمتريوس الفليري مستشار بطليموس الأول أصابه العمى، ولم يسترد بصره إلَّا بفضل سرابيس، ولذلك وجدت هناك رابطة بينه وبين إمحوتب وشُبِّه بالإله أسكلابيوس Asklepios إله الشفاء عند الإغريق، وفيما نعلم لم تكن لأوسر حابي في منف هذه الصفة (نصحي، ١٩٦٧م، ٢: ١٤٨).

    والحقيقة أن علاقته بأسكلابيوس تعكس مرةً أخرى صفاته الغنوصية والهرمسية، فمن المعروف أن هذا الإله كان مقترنًا بالهرمسية ويشكل أحد أقطابها.

  • (٣)

    الإله هيلوس: وذلك لمد سلطانه إلى الشمس فقد اقترن بهذا الإله باعتباره مانح الحياة والطاقة.

  • (٤)

    الإله بوزيدون: ولمزيد من بسط سلطانه على عالم المياه والبحار.

  • (٥)

    الإله زوس: لإعطائه صفة ملك الآلهة؛ ولذلك كان يسمى زوس سرابيس.

  • (٦)

    الإله آمون رع: وهو يشبه زوس عند المصريين؛ ولذلك كان يسمى سرابيس زوس آمون رع، أو زوس آمون سرابيس.

(ﻫ) انتشار سرابيس

كان بطليموس الأول هو منشئ عبادة سرابيس في زمن يتراوح بين (٢٨٦–٢٧٧ق.م.) وكان السرابيوم في منف أقدم معابده، ثم احتل سرابيوم الإسكندرية مركز الصدارة في معابد سرابيس، ثم جاء معبد أبيدوس، وكان بطليموس الثالث هو باني سرابيوم الإسكندرية.

وجل الإغريق في البداية من ارتفاع شأن سرابيس كإله أعظم للبطالمة رغم أن إغريق مصر قبل البطالمة تعرفوا على هذا الإله، ولكن بشكل محدود.

ولم تلبث عبادة سرابيس أن انتشرت من الإسكندرية في حوض البحر الأبيض المتوسط، بل وصلت حتى الهند وأصبحت أهم العبادات الغامضة التي غزت عالم بحر إيجة. وكانت المعابد تقام في مدينةٍ بعد أخرى، إما لسرابيس وحده أو لسرابيس وإيزيس. والطريقة إلى انتشرت بفضلها عبادة سرابيس في بحر إيجة خير دليل على أن الطبقة الحاكمة هي التي قامت بنشر هذه العبادة خارج مصر مثل ما ما فعلت داخلها (نصحي، ١٩٦٧م، ٢: ٢٠٠).

إن انتشار عبادة سرابيس خارج مصر واعتباره الإله الهيلنستي الأكبر كان أمرًا مدفوعًا من قبل الإغريق أنفسهم لا المصريين، فقد كانت هناك جماعات من أتباع هذا الإله يعيشون في ديلوس ويلتقون في أيام معينة كل شهر في معبده.

كما أن بعضًا من الوثائق البردية الإغريقة التي وصلت إلينا في هذا الصدد وهي الآن محفوظة في المكتبة الأصلية بفيينا عبارة عن التماس من امرأة إغريقية تدعى «أرتيمسيا» إلى الإله «سرابيس» لينزل نقمته على رجل أنجبت منه ابنة توفيت وباع جثتها ولم يفِ بدينه، ونستنتج من ذلك أن «سرابيس» الإله الذي عُبد في الإسكندرية كان إله العالم الآخر الذي يعبد في المعبد المقام فوق مقابر العجول المحنطة في «منف». كانت عبادة «سرابيس» في بادئ الأمر قاصرة على مجتمعات خاصة، ولكنها أصبحت رسمية كما حدث في «أثينا» و«ديمترياس» و«لندوس» و«ديلوس» وغيرها، وقد وجدت دعاية قوية للإله «سرابيس» في مصر، وانتشرت عبادته بسرعة في العالم «الأيوني» وفي «أثينا». ومع حلول القرن الأول قبل الميلاد كانت عبادة «سرابيس» و«إيزيس» تعتبر الديانة العالمية، فقد انتشرت عبادتهما انتشارًا واسعًا حتى إن عبادة «إيزيس» قد وصلت إلى «بابل» في حين وصلت عبادة «سرابيس» إلى الهند. (أشرف السيد الشربيني، معوض البحيرى سرابيس … إله «سينوب» الغامض في مصر، موقع الموسوعة http://histoc-ar.blogspot.com/2010/02/blog-post.html)

لكن عبادة سرابيس البطلمية أُصيبت فيما بعد بنكستين، الأولى هي تحوله إلى إله رسمي دون أن يكون إلهًا شعبيًّا، حيث اكتفى الناس بتوجيه الدعوات وتقديم القرابين له دون أن يكون إلههم الخاص أو ملاكهم الحارس، والثانية هي أنه منذ بطلميوس الرابع تقرر الارتفاع بالإله «ديونسيوس» إلى مرتبة الإله الإغريقي الأعظم عند البطالمة، وذلك بسبب زيادة شقة الخلاف بين الشعب المصري والبطالمة وبدء انغماس البطالمة بالترف والمجون، ولم يكن سرابيس إلَّا أوزيريس المصري في حين كان ديونسيوس في شكله الدنيوي إلهًا للمجون واللذة.

لكن عبادته عادت بقوة مع الأباطرة الرومان اللافيين، وانتشرت في روما عبادة سرابيس وإيزيس وعمت الإمبراطورية. ولقد دفعت أمواج نزعة التوحيد الهيلنستية الإله سرابيس إلى أن يكون إلهًا واحدًا أو تفريديًّا Henotheisim، لكن شراك التعدد الإغريقي خفضته إلى أسفل ثم عادت به أمواج التوحيد إلى الصعود. ويعكس هذا آخر نبضات الوثنية القديمة وهي تحتضر أمام إله اليهودية والمسيحية اللتين أخذتا بالتوحيد وتمثلتاه بشكل أفضل.

حتى إذا كان النصف الأخير من العصر البطلمي وجدنا هذا الإله يزداد شعبية تدريجيًّا ويصبح في العصر الروماني أهم الآلهة المصرية جميعًا وأشهرها. ويبدو أن هذا التحول في شعبية سرابيس لم يحدث إلَّا بعد أن استعاد شخصيته المصرية في معبد الإسكندرية وأقيمت له في المعبد تماثيل على هيئة العجل. وأكبر دليل على صحة هذا التفسير هو عثورنا على تمثال كامل جميل من الجرانيت الأسود لعجل أبيس في موقع معبد السرابيوم بجوار عمود السواري. وهذا التمثال موجود حاليًّا في المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية (صالة ٦). وهذا التمثال يعود إلى زمن الإمبراطور هادريان في العصر الروماني ولكنه يوضح استرداد الإله لشخصيته المصرية … (العبادي، ١٩٧٥م، ٥٣).

كانت هذه التحولات في مكانة أوزيريس دالة عميقة على بدء العد التنازلي لأفول الآلهة المتعددة أو تحولها إلى نوع من الملائكة التابعة لإله واحد، ولا شك أن المصير النهائي لأوزيريس، في الإسلام مثلًا، قد جعل منه الملاك الأكبر للموت تحت اسم «عزرائيل»، بعد أن انطمر تحت ركام ما حطمته المسيحية في العصر البيزنطي من تماثيل الآلهة المصرية.

فمع ظهور المسيحية وظهور الدولة البيزنطية ظهرت حملات تدمير المعابد والرموز الوثنية، وأرسل الأسقف «ثيوفيلوس» إلى الإمبراطور «ثيودوسيوس» يعرض عليه أمر هدم «السرابيوم» وجاء الأمر سنة «٣٩١م» محققًا لكل آمال الأسقف «ثيوفيلوس»؛ إذ أمر الإمبراطور بتدمير المعابد التي في الإسكندرية، فسار «ثيوفيلوس» ومعه جمع غفير من أتباعه إلى ساحة معبد «السرابيوم»، فقرأ الأمر الإمبراطوري على جمع غفير من الوثنيين فدب فيهم الذعر وفروا هاربين، فصعد «ثيوفيلوس» إلى المعبد وقام بنفسه بضرب تمثال الإله سرابيس الضربة الأولى وتبعه المسيحيون الآخرون الذين أخذوا يدمرون في المعبد ما استطاعوا من تدمير ونهب وسلب، وبعد أن نفذ «ثيوفيلوس» الأمر أمر بتحويل البناء إلى كنيسة القديس «يوحنا المعمدان» التي تهدمت في عام ٦٠٠م وأعاد البطريرك «إسحاق» بناءها (٦٨١–٦٨٤م) واستمرت حتى تهدمت في القرن العاشر الميلادى. (أشرف السيد الشربيني معوض البحيري، سرابيس … إله «سينوب» الغامض في مصر، موقع الموسوعة http://histoc-ar.blogspot.com/2010/02/blog-post.html.

(٩-٢) إيزيس

تحتل أساطير إيزيس وأوزيريس مكانة عريقة في المثولوجيا المصرية، وتمثل الوجه الشعبي لهذه المثولوجيا. فقد ظهرت منذ عصر الأهرامات (حوالى ٢٨٠٠ق.م.) واستمرت إلى القرون الميلادية الأولى وانتشرت في بلاد اليونان والرومان، بل واجتاحت أرجاء العالم الكلاسيكي القديم. وكانت هذه الأساطير تمثل في عروض تمثيلية بدائية يقوم بها كهنة أوزيريس، وقد انطلقت هذه العروض الأسطورية والطقسية أولًا من معبد «أبيدوس»، وهو المكان المقدس الذي يعبد الإله فيه.

figure
الإلهة إيزيس وهي تحمل صليب الحياة (عنخ)، ثم وهي ترضع ابنها حورس.

شغلت آلام ومراثي إيزيس ونفتيس الجزء التراجيدي الحيوي من مشهد أسرار أوزيريس في أبيدوس، تلك التي كانت تقام في عيد «الشقيقتين» في الشهر الرابع من فصل الفيضان من اليوم «٢٢–٢٦» من الشهر، حيث يتم إحضار امرأتين عذراوين يتم نزع شعر أعضائهما، وترتديان على رأسيهما شعرًا مستعارًا وتحملان دفينًا، وسيشار إلى اسميهما على كتفيهما لتمييز إيزيس من نفتيس، وترتلان مقاطع شعرية من المراثي الأوزرية الطويلة جدًّا.

أصبحت إيزيس ربة الأمومة في مصر منذ زمن بعيد، لكن دورها كأم تكرَّس بصورة جلية وواضحة في العصر الهيلنستي، وامتدت عبادتها خارج مصر باتجاه روما وكانت عبادتها مسارية المنحى، حيث كانت تحفل بطقوس الأسرار والخلاص. وطوبقت في العصر الهيلنستي مع الإلهة أفروديت.

figure

(٩-٣) هاربوقراطيس

وهو إله الصمت عند الإغريق، وقد تحور في مصر الهيلنستية إلى إله مصري إغريقي يطابق الإله حورس ابن إيزيس وأوزيريس (سرابيس). مصطلح (هار–با–خريد Har-pa-khered) يعني بالمصرية الطفل حورس.

بدأ تشييد المعبد الضخم للإله «حورس» في عهد «بطليموس الثالث–يورجيتس الأول» في سنة ٢٣٧ ق.م. واستغرق بناء هذا المعبد حوالي ٢٠٠ سنة، حيث تم الانتهاء من إنشائه في عهد «بطليموس الثالث عشر» في القرن الأول قبل الميلاد.

figure
هاربوقراطيس من العصر البطلمي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥