المبحث الثاني

الباطنية وأشكال الأسرار المصرية

(١) المسارية

المسارية تيار شامل اجتاح الديانات القديمة وشكَّل جزءًا باطنيًّا عميقًا من تلك الديانات وتمتاز بالسرية والغموض. وتعتبر المسارية المصرية من أعرق ديانات الأسرار في التاريخ، وهذا يعني بشكل عام، أن أغلب الديانات القديمة ومنها الديانة المصرية لها شكل عام يعرفه الجميع ويمارسه، ولها شكل خاص تعرفه قلة خاصة وتمارسه في الخفاء وتحيطه بالسرية والرموز والغموض ولا تسمح بكسف أسراره للعامة. وحتى لا نضيع في متاهات الأفكار السطحية التي يكتبها كتَّاب مبتدئون عن هذ الموضوع نقول إن المسارية اختصت، إلى حد كبير، بعالم ما بعد الموت وآلهته وكيفية الوصول إليهم والتوحد بهم، من أجل الخلاص (قبل الموت) حتى يضمنوا التعرف عليهم بعد الموت، وحتى يصلوا إلى نشوة التوحد مع الآلهة أو «الإله الواحد» بهدف تنقية الروح من الأدران التي علقت بها من الجسد الدنيوي المادي.

«ليست الفكرة الوحيدة ها هنا في التغلب على قوى الموت والظلام؛ لأن ذلك موجود بالفعل في فكرة التوحد مع الإله. وتلك هي المسألة الإلهية التي تقضي بالذوبان الكامل في ذات الإله والتوحد به، فتحقيق ذلك هو الأمل المنشود من وراء كل الممارسات. وهذا لا يدل على فقدان الشخصية الفردية، ولكنه تعويض عن فناء الجسد وحلوله في شكل أبدي الوجود، وتعويض عن تفتح بذرة الشخص وتشعبه في تربة هذه الحياة الفانية للانتقال إلى حالة الأبدية والخلود» (سبينس، ٢٠١٢م، ١١٦-١١٧).

الحقيقة أن النصوص الأسطورية المصرية تحفل بالكثير من صور الاتحاد بالآلهة، وخصوصًا تلك الأساطير التي تتعلق بالعالم الآخر، والتي يتحول فيها المتوفى إلى الإله أوزيريس، ولذلك كانت المسارية الأوزيرية هي أعظم شكل للمساريات المصرية القديمة.

«الأسرار المصرية القديمة، هي نمط من الدراما الإلهية يقوم الكهنة في إطارها بدور الآلهة التي يرمز إليها بواسطة بعض الأقنعة أو الخصائص المميزة لها. وكان الهدف الأساسي دائمًا وأبدًا هو التعليم. فبفضلها يستطيع الأعضاء القائمون بالطقوس الجدد، أو الحائزون على شهادات التعليم العالي أن يميزوا ما بين مختلف القوى والطاقات بالعوالم الثلاثة: السماوي، والدنيوي، والسفلي. وسواء في نطاق الحياة الدنيوية اليومية أو من خلال الإقامة «بالعالم الآخر»، كان العضو القائم بالطقوس على علم بالنهج الذي يجب عليه اتباعه، والطريقة المثلى للمساهمة في دورات الحياة، والعبارات الصائبة التي يجب أن يقولها للقضاة وحراس البوابات. وتقوم الربة «ماعت» بالإشراف على كل ذلك» (تيبو، ٢٠٠٤م، ٣٠).

وفي واقع الأمر فإن كلمة «سر» تعني في حد ذاتها: تعليمًا و«معرفة»، ومراسم دينية طقسية، والسر الروحاني (لأن المبدأ المساري يجب أن يتسم ﺑ «الحميمية والخصوصية»، ولا يتبادل مطلقًا بين فرد وآخر). وإبان عصور ما قبل الملكية الفرعونية، قامت الربة إيزيس بتلقينها لكهنة مصر الأوائل؛ ولذا، فقد خصصت كبداية للأسطورة الأوزيرية: حيث كانت تعمل على إحياء ذكرى تسلسل أحداثها الأساسية. وهي تتكون من فترات وأحداث المولد، والعصر الذهبي، والوفاة، والاختفاء، والإيجار، وولادة حورس، ثم أخيرًا: البعث. إنها بالتحديد وعلى الإجمال مراحل ودرجات «المعرفة» التي يجب على الأعضاء المسارين بدورهم، أن يعيشوها؛ ومثلهم أيضًا المتوفون، من خلال خط سيرهم بعالم الظلمات السفلي. ووفقًا لما ذكره «مايسيس»: «إن مصر هي بلد الأسرار. لقد أُنزل عليها الوحي الخاص بالروح، ومبعثها الإلهي، وضياؤها، والنور في حد ذاته، وطبيعتها، وخصائصها، ومصيرها. هذا الوحي نفسه، عبرت عنه مصر من خلال الأساطير. «ففي حنايا الأسطورة يتخفى المضمون والقانون المساري». (أسرار وطقوس مصر القديمة، ميلانو، ١٩٨٨م)» (تيبو، ٢٠٠٤م، ٣٠).

(١-١) مسارية العبور: طقوس التنشئة (تلقين الأسرار) Initiation Rituals

تعتبر مصر المهد الأول الذي خرجت منه طقوس تلقين الأسرار أو طقوس التنشئة التي هي عبارة عن طقوس غامضة كان الغرض منها تهيئة المرشحين للكهانة لهذا المنصب، وقد أثَّرت مصر على اليونان في هذا المجال، ويبدو أن طقوس التنشئة كانت تجري لنوع معين من الكهان السريين الذين كان جلهم من السحرة والعرافين والمنجمين.

وكان الأساس في طقوس التنشئة أن يتعرض هؤلاء المرشحون إلى مجموعة من الاختبارات القاسية التي تتضمن نمطًا خاصًّا من التعاليم والأسرار. وكان المرشح خلال فترة التكريس يقضي وقته في كهف أو نفق تحت الأرض على عدة مراحل، حيث يدخل إلى هذا النفق أو البئر الذي له ممر وهو يحمل مشعلًا بيده ويصادف بوابة موصدة ثم مخلوقات مزيفة وتعرض عليه الفرصة الأخيرة للتراجع والعودة، ثم يجتاز خط النار ويسبح في جدول تحت الأرض فيصل إلى بوابة أخرى تنفتح له وتنبعث منها ريح عاتية تطفئ المشعل الذي في يده ثم يرمى في حفرة وعندما يصل مرحلة الإرهاق تفتح بوابة من العاج ويجد نفسه في معبد الإلهة إيزيس الفخم، حيث يكون في استقباله الرهبان، ثم يقوم بعد ذلك بالصوم وتلقي الدروس. وفي تلك المرحلة يصبح المرشح مؤهلًا لتسنم الدرجة الكهنوتية. (انظر دارول، ١٩٩٤م، ١١٩-١٢٠).

وكانت هذه الشعائر تختلف من زمن لآخر ومن درجة لأخرى، لكن مبدأها العام يظل واحدًا، وقد قدمت لنا إشادي لوبكز عرضًا موسعًا لطقوس التنشئة المصرية المسماة (هيرباك Ger-Pak) والتي تعني حرفيًّا حبة الصوص أو حمصة الكتكوت Chick-Pea وهو الاسم الذي يطلق على الصبي الذي يبحث عن طريقه حتى يصبح اسمه «وجه حور» وهو الوجه المفلطح الذي تبدو عليه طيور حورس، حيث يكون الطريق ممهدًا للذهاب إلى المعبد ومن هذه المرحلة تبدأ خطوات التنشئة والتعليم السري. وكانت هذه الطقوس تجري بين السلالتين الثانية عشرة والعشرين في معبد الكرنك (انظر Lubicz 1967).

وهناك نوع آخر من هذه الطقوس السرية التي كانت تجري لكهنة طيبة الكبار من أجل تكريسهم في مناصب كهنوتية خاصة يتمتع الكاهن في نهايتها بالقدرة والصلاحية المطلقة للاطلاع على جميع الكتب المقدسة المكتوبة بالهيروغليفية وأن تكون له الصلاحية في انتخاب الملك (في حالة الانتخاب).

وكانت طقوس تلقين الأسرار في طيبة تجري على سبع مراحل تسبقها مرحلة تمهيدية ينال المرشح فيها سبع درجات كهنوتية سرية بعد أن يمر بطقوس وشعائر في غاية القسوة والتعقيد والغموض لكل درجة منها اسم معين وكلمة سر محددة وإشارة تعارف خاصة واسم لمكان محدد يدخل فيه المرشح ويتعرض فيه لامتحان وتحديات خاصة ويرتدي فيها لباسًا خاصًّا ويقوم أثناءها بواجب معين ويتلقى نمطًا معينًا من العلوم المقدسة. وفيما يلي خلاصة لطقوس تلقين الأسرار التي كانت تجري في طيبة منقولة عن نصوص هيلنستية عرضها كتاب أركون دارول (انظر دارول، ١٩٩٤م، ١٢٥–١٣٠).

المرحلة التمهيدية: يقدم الملك بنفسه الكاهن المرشح إلى كهنة المعبد، ويقوم الكهنة بإرساله إلى أون أو منف للتدريب قبل إرساله إلى طيبة، حيث يتم ختانه ويمنع عنه اللحم والسمك والخمر (وهو نوع من الصيام).

وفي طيبة يدخله الكهنة في كهف ويطلبون منه كتابة انطباعاته، ثم يقودونه عبر ممر محمولًا على أعمدة تحوت (هرمس)، حيث يقوم بتعلم ما كُتب عليها ثم يأتي الكاهن الذي رشحه واسمه (مينياس) حاملًا سوطًا لإخضاعه ثم تربط عيناه وتشد يداه وتبدأ شعائر دخول الأبواب كما يلي:
  • (١)
    الدرجة الأولى (القبلية Protophorus)، حيث يدخل المرشح البوابة الأولى وتكون كلمة السر آمون أي الخفي، أما العلم الذي يتلقاه فهو الطب، وتكون إشارة التعارف عن طريق المصافحة، ويرتدي المرشح ثوبًا هرميًّا خلف عنقه ياقة اسمه زايلون. وتقرأ عليه قوانين «كراتا ريبوا» وعليه أن يوافق عليها.

    ويتعرض المرشح للرياح والأمطار والرعود والبروق. ثم يقسم تحت حد السيف أمام زعيمه بالولاء المطلق. ثم يوضع بين عمودين يحملان سلمًا مؤلفًا من بضع مدرجات خلفها ثمانية أبواب من مختلف المعادن تتدرج في نقاوتها وترمز إلى الروح الهائمة. ثم يوكل بمهمة حراسة الباب.

  • (٢)
    الدرجة الثانية (الجلد الجديد Neocoris)، حيث يدخل المرشح البوابة الثانية بكملة السر هيف أي الأفعى، أما العلم الذي يتلقاه فهو الهندسة والعمارة، وتكون إشارة التعارف عن طريق تقاطع الذراعين على صدر. ويستمر زعيم الطائفة بتلقينه الدروس.

    ويتعرض المرشح للمياه بعد أن ترمى عليه أفعى ثم يدخل غرفة مليئة بالأفاعي ويقاد إلى عمودين شاهقين بينهما حيوان خرافي هو الخرفين (نصف نسر ونصفه أسد) يدفع أمام عجلة ذات أربعة أوشحة تمثل الفصول الأربعة.

  • (٣)
    الدرجة الثالثة (حامل السواد Melanophotis) وهي درجة الدخول إلى عالم الموت، حيث يدخل المرشح إلى غرفة مملوءة بنماذج من التوابيت والجثث المحنطة والمشارح وأدوات التحنيط، ويتلقى هنا علوم تزويق التوابيت والنقوش الهيروغليفية وتكون إشارة التعارف عن طريق المعانقة، والملابس السوداء هي السائدة.

    وحين يدخل الغرفة يسأل المرشح إن كانت له صلة باغتيال سيده وعند إجابته بالنفي يهاجمه شخصان من حاملي الجثث ويقودانه إلى قاعة فيها أعضاء هذه الدرجة وهم يرتدون الأسود.

    ويسأله الملك أن يرفض هذا الامتحان ويعرض عليه التاج الذهبي، لكن المرشح يرفض ذلك ويدوس على التاج، فيأمر الملك أتباعه بضربه فيهوون بالفأس حتى يصل إلى رأسه دون أن يمزقه، ثم يُطرَح أرضًا ويلف باللفافات فيبكي، ثم يقاد إلى بوابة «ملجأ الأرواح» التي تفتح فينطلق منها البرق الذي يصعق الرجل الميت ظاهريًّا، ثم يوضع في القارب مع الحكماء الذين يلقون عليه أسئلة، يبقى بعدها في العالم الأسفل وترفع عنه اللفافات. وتستمر أيام الغصب الإلهي هذه (في هذه الدرجة) لمدة سنة ونصف.

  • (٤)
    الدرجة الرابعة (حامل الإيمان Chrestophoris): وهي درجة الدخول بقوة في معركة الجحيم، حيث يلبس المرشح سيفًا ودرعًا وتكون كلمة السر «يوا» أما العلوم التي يتعلمها فهي الحكمة، واللون السائد هو الأزرق.

    ويتعرض فيها المرشح لثلاثة أنواع من الأجواء، الأول: دخوله مسلحًا عبر ممرات مظلمة يلاقي فيها شخصيات مخيفة المظهر حاملًا المشاعل والأفاعى ويدافع عن نفسه، لكنه يؤخذ كسجين وتُربَط عيناه بعصابة وعنقه بحبل ويسحب إلى الجو الثاني، حيث قاعة جميلة فخمة مزوقة فيها الملك وكبار القوم حاضرون ويرتدون اللون الأزرق، ويهنئ الخطيب العضو الجديد، ويُعطى شرابًا اسمه سايكى عبارة عن عسل ولبن وماء ونبيذ وثريد وربما شراب مخدر، ويلبس المرشح جزمة أنوبيس ودرع إيزيس ورداء وخوذة أوركس ويُعطى سيفًا، ويُطلب منه قطع أول شخص يقابله في الكهف القادم والعودة إلى الملك. ويمثل الكهف الجو الثالث، حيث يشاهد امراة جميلة يقطع رأسها، وهي زوجة ثعبان الظلام تيفون. ثم يرتدي الملابس ويدرج اسمه في كتاب الحكماء، ويُمنَح وسام إيزيس.

  • (٥)
    الدرجة الخامسة (بالاهتي Balahate)، حيث كلمة السر هي كيمياء، والعلم الذي يتعلمه هو الكيمياء، ويشاهد المرشح مسرحية يكون فيها هو الشاهد الوحيد، ومرشحو الدرجة الخامسة يظهرون وكأنهم يبحثون عن شيء، وحين يظهر تيفون ثعبان الظلام يصرعه بسيفه، وهنا يعلم المرشح أن تيفون الذي يمثل النار برغم رهبته لكنه مفيد ولا يستغنى عنه.
  • (٦)

    الدرجة السادسة: حيث كلمة السر هي أبيس، والعلم الذي يتعلمه المرشح هو علم الفلك، حيث يقاد إلى بوابة الموت، وتعرض عليه جثة ملقاة في الماء ويحذر من نفس المصير إذا ما خرق قسمه، ويُعطى دروسًا في الفلك، ثم تتم قيادته مرة أخرى إلى بوابة الإلهة، حيث يرى صورة الآلهة وتروى له سيرتهم وفي هذه الأثناء تعرض رقصة الكهنة التي تمثل طريق الأجساد السماوية، ويشاهد قائمة بأسماء أعضاء هذه الطائفة السرية.

  • (٧)
    الدرجة السابعة (درجة الأنبياء Propheta)، حيث يُطلَق على العضو اسم «سافيناث بانكا Saphenath Pancah» أي «الذي يعرف كل الأسرار»، وكلمة السر هي «أدون»، وتكشف للعضو جميع الأسرار بعد موافقة الملك وأعضاء الدرجة العليا. ويرتدي العضو لباسًا فضفاضًا مقلمًا بالأبيض، أما إشارة التعارف فتكون في إخفاء ذراعيه وهي مكتوفة داخل رداءٍ عريض الأكمام.

    ويخرج العضو سرًّا من المدينة إلى دور مشيدة مربعة محاطة بأعمدة يوضع بجانبها على التناوب درع وتابوت. وتحكي غرف تلك الدور قصة الإنسان وتسمى «مانيراس»، ويشرب شرابًا خاصًّا ويقال له بأن جميع المحاكمات انتهت الآن ويستلم العضو صليبًا له دلالة غريبة ويُطلب ارتداؤه دائمًا.

    ولا يخفى على القارئ المؤثرات الإغريقية والمسيحية واليهودية، بل وطريقة المحافل الماسونية في ألغاز الفراعنة على طقوس تلقين الأسرار المصرية، ولذلك نضع علامة استفهام كبيرة أمامها، ولا شك أن هذه النصوص التي دُوِّنت عنها هذه الطقوس هي متأخرة رغم اعتقادنا الصارم بأن جوهر هذه الطقوس كان يقام في مصر القديمة، ولكن بعض التفاصيل حملت هذه المؤثرات اللاحقة والتي سببتها عمليات النقل بين اللغات والأديان.

    وإنه مما يؤكد وجود طقوس التنشئة وتلقين الأسرار بشكل واسع في بعض النصوص واللوحات المرسومة وتنعكس في أجواء هذه الطقوس كما لاحظنا عوالم الموت المصرية والطقوس الجنائزية لما بعد الموت.

(١-٢) مسارية التحول (التناسخ)

ابتكر المصريون فكرة الروح المادية (كا) أولًا وسموها القرين، وهي الملازمة للجسم وللمكوِّن المادي الذي يمكن أن تحل فيه مثل التمثال أو الصورة أو المومياء، وهي عبارة عن شبح يعكس شكل الجسم الحقيقي، ولا يمكن للإنسان أن يراه، وهي أقرب لفكرة النفس.

ثم تطور الأمر أكثر عندما ابتكروا فكرة الروح غير المادية أو المثالية وتسمى «با»، والتي مثلوها على شكل طائر له رأس إنسان، وتظهر عندما يموت الإنسان وتصله بالعالم الإلهي، وهي ما نطلق عليها فكرة الروح.

figure
الروح (با) المتمثلة في صورة طائر برأس إنسان ترفرف على مومياء أوزيريس رمز الإنسان المتوفى وهي حاملة في يدها علامة الشن (الدائرة ذات القاعدة المستقيمة) وهي علامة الأبدية، الوقت الخالد، الزمن اللانهائي.

وكانت الروح (با) هي التي يجب أن تتخلص من الشرور المادية وأثرها عليها إما عن طريق الطهارة والطقوس الخاصة كالتعميد أو عن طريق التحول أي التناسخ، حيث تتحول الروح المذنبة إلى عدة أشكال حيوانية قبل أن تصل إلى الشكل الإنساني.

الطقوس المسارية تجسد هذا التحول وتظهره، بل هي تمنعه وتجعل الروح (أثناء الحياة) بمنأى عنه، وهذا يتم بالدرجة الأساسية عبر الاطلاع على الأسرار، وهو ما يمنع التحول.

هذا بالضبط هو الذي أنشأ فكرة الغنوصية، لاحقًا، فالغنوصية (عرفان) هي معرفة الروح بأنها جزء من ذات الإله واطلاعها على الأسرار الخاصة بذلك هو ما ينقذها من الهلاك أو التحول. الأمر الذي لا يستطيعه العامة، ولذلك يمكن للخاصة (المساريين والغنوصيين) معرفته وإيجاد الخلاص المناسب.

«التخلص من التحول (التناسخ) هو سر أسرار المسارية التي ترتبط بتلك العمليات السحرية التي يستطيع بها من يعتنق الأسرار أن يحرر نفسه من خلال مروره بالطرق السحرية عبر الدورة كاملة، لكن بشكل تصويري ورمزي عقلي، والآن فإن هذا يفترض أن الراهب يتعين عليه المرور من خلال اتخاذ أشكال حيوانات عدة، ومن خلال تلك الدراما التي حددها وقدر لها كتاب الموتى» (سبينس، ٢٠١٢م، ١٢٢).

المساري إذن يتعرف على الأسرار من خلال أدائه لدور في دراما التحول حتى يعرف ما سيحصل له، وحينها سيتخلص مما سيحصل. هذه هي الفكرة الجوهرية في ديانات الأسرار كلها.

«لا شك أن تلك العملية انطوت على تحقير للذات وعلى محاكاة تصويرية أيضًا، فنحن نجد الراهب يزحف على بطنه كالثعبان، ثم يجثو على أربع مثل كلب أو ثعلب، ويلتحف جلد حيوان، حتى يتم نضجه ورقيه إلى الصورة الإنسانية، وبالطبع كلُّ هذا تصويري، وبعد رقيه ينتصب قائمًا في صورة إنسان مكتمل القوام، ويبدو أن ذلك كان من طبيعة العبادات والطقوس، ومن أصل شعائرها التعبدية الظاهرية» (سبينس، ٢٠١٢م، ١٣٤).

(١-٣) المسارية الصغرى (مسارية إيزيس)

كانت طقوس هذه المسارية التي تأتي عادة بعد طقوس التحول التي ذكرناها، وفيها يكرس المريد حياته لخدمة الإلهة إيزيس، فيخصص له غرفة في المعبد ويحضر الطقوس التي نذكرها كلَّ يوم، وفيها ستعلن ولادته الجديدة وموت الإنسان القديم فيه، أما الطقوس فهي:
  • (١)

    يقدم كبير الكهنة الكتاب المقدس المكتوب باللغة الهيروغليفية (بردية) ويبدأ بتلقينه التعاليم.

  • (٢)

    التعميد والصلاة.

  • (٣)

    يعلِّمه كبير الكهنة كلمات القوة ويحرم عليه تناول اللحم والخمر.

  • (٤)

    يقضي عشرة أيام في التأمل والتفكير والتدبر.

  • (٥)

    يتلقى الهدايا من المريدين الأعلى مرتبة منه.

  • (٦)

    يلبس الكتان ويكون في قلب المعبد.

  • (٧)

    يشرف على الموت في تحديات طقسية (وهي طقوس سرية لا تبوح بها النصوص)، وواضح أنه يصعد إلى الأعالي.

  • (٨)

    يولد من كل العناصر ويعود إلى الأرض مرة أخرى بعد أن يرى الشمس تتوهج في الليل ويرى الآلهة العليا والسفلى ويؤدي فروض العبادة أمامها.

(١-٤) المسارية الكبرى (مسارية أوزيريس)

كانت هذه المسارية تستدعي أن يساهم المريد في إحياء تمثال أوزيريس الذي يعتبر بمثابة جثة أوزيريس الميتة وإعادته إلى الحياة، من خلال تمثيل درامي يمكن تتبع خطواته كما يلي:
  • (١)

    نحيب عائلة أوزيريس حول تمثال أوزيريس المحاط بالأكفان الجنائزية، حيث يظهر من يمثل (إيزيس، وحورس، ونفتيس … إلخ).

  • (٢)

    تمثيل أربعة وعشرين مشهدًا، كل مشهد بواقع ساعة من ساعات اليوم، وتبدأ المشاهد في أولى ساعات الليل أي الساعة السادسة «في توقيتنا» وتنتهي في آخر ساعة من اليوم الثاني. وتكون هذه عبارة عن طقوس لإحياء أوزيريس، وهي «نحيب إيزيس، دخولها إلى «أوابت» أو المكان الطاهر، حيث يتمدد جثمان أوزيريس، ترمى الجثة بماء النيل المقدس، يعبر أوزيريس السماء، يعاد بناء جسد أوزيريس، يدهن الجسد، إعادة ميلاد الجسد من خلال الشكل الحيواني الذي يكون عبارة عن كفن جلدي من بقرة، انتعاش الجسد في منتصف النهار، اقتراب الفرعون حاملًا العطايا، تضاء المصابيح لطرد الأرواح الشريرة، بعث أوزيريس».

  • (٣)

    تكون تلك الطقوس بمثابة ولادة المريد أيضًا والتحامه بشخص الإله أوزيريس، وهذه هي أقصى ما تبغيه طقوس الأسرار «المسارية»، وللأسف الشديد فقد اعتبر البعض أن هذه هي مسرحيات تمثل متن المسرح الفرعوني أو المصري القديم، وهذا خطأ كبير، فهي مشاهد درامية روحية عنيفة أبعد مما نتصور في الحياة السرية الطقسية المسارية، ولا علاقة لها بالمسرح وبمفهومه الذي نعرفه.

ويلخص م. موريت الفكرة الجوهرية لهذه الطقوس الكبرى بما يلي: «كانت الأسرار المصرية عبارة عن طقوس مرتبطة بكلمات وعبارات وإشارات لا يمكن وصفها بكلمات تعبر عنها، وكانت بعض الطقوس عبارة عن تصوير رمزي عن موت وبعث أوزيريس، كانت الروح التي تحكم الأسرار المصرية هي السحر الخفي، فقد كان يتم الاحتفال بتلك الأسرار وممارستها وفقًا لكتاب الطقوس السريِّ لمقيمي المراسم، وكان مكان الاحتفال هو قلب المعبد في مكان لا يصل إليه أحد، كان الكهنة يقومون بتمثيل أدوار أفراد عائلة أوزيريس ويساعدهم كهنة آخرون يقومون بدور الكورال أو البطانة، وكهنة آخرون يتلون المتون وينفذون الطقوس السحرية مثل سكب الماء وإشعال البخور» (سبينس، ٢٠١٢م، ٢١٠).

كانت المسارية المصرية هي الأساس الراسخ الذي بُنيت عليه المساريات عند الإغريق والرومان، وكانت الأعياد والمساريات الإليوزيسية والأورفية والديونسيوسية والفيثاغورية هي نسخ مكررة من المسارية المصرية بمختلف أشكالها. كذلك انتشرت المسارية المصرية في آسيا عبر مساريات سيبيل ومثرا وغيرها.

(٢) الهرمسية (التحوتية المصرية)

الهرمسية طريقة دينية بدأت منذ أقدم العصور وما زالت حتى يومنا هذا فاعلة وقوية، تعتبر نفسها أصل الأديان والحكمة. وقد ذهبنا في بحوثنا السابقة إلى أن التأسيس الحقيقي لها بدأ في سومر وتحديدًا مع الإله «ديموزي» ثم نشوء أسطورته مع إنانا، وارتبطت بالإله إنكي وديانته وبالملك السومري قبل الطوفان (أنميدرأنَّا)، ثم انتقلت هذه الطريقة إلى مصر وكان مؤسسها هناك الإله تحوت (إله القمر والحكمة والكتابة)، والذي أسماه الإغريق «هرمس» أو قابلوه مع إلههم هرمس، لكن العمق الروحي لتحوت كان مذهلًا، ومن أجل ذلك نهب تراثه وألصق بالإله «هرمس» قسرًا وشاع اسم الهرمسية المعتاشة على تراث تحوت المصري فيما اندثر تدريجيًّا اسم تحوت وخصوصًا مع نهب التراث الروحي المصري من قبل الإغريق قبل وبعد غزو الإسكندر المقدوني، وحين ظهرت عتبات تأسيس الهيلنستية والعصر الهيلنستي وكانت مدرسة الإسكندرية المسرح الأساسي لهذا التأسيس وكان تحوت وتراثه الروحي قد انتُحل بالكامل وظهر تحت مسمى «الهرمسية».

لم يقدر للديموزية السومرية أو التموزية البابلية أن تنمو في أرضها كما نمت في أرض مصر بصيغة التحوتية التي هي أصل الهرمسية وجذرها الصلب.

ليس هذا فحسب، بل إن الهرمسية عندما تخطت العصر الهيلنستي ودخلت إلى روما ثم إلى الديانة المسيحية كان لها تنويعات جديدة، وظهر دورها المهم جدًّا في عصر النهضة والثيوصوفيا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ثم انبثقت من جديد في جمعيات أسرار ومعتقدات جديدة في القرن العشرين، وهكذا ما زالت الهرمسية منطقة إغواء شديد لرحابة الفكر والعقل.

سنحاول البقاء في منطقة الأصول الهرمسية في مصر مع تحوت وديانته التي كانت المصدر الأساسي للهرمسية لاحقًا.

figure

الإله تحوت (طاطا، دجيجوتي، زيحوتي، تاحوبي، تيحوتي، تيتشو، تبتو، سيد خمينو) هو الإله الذي عرفه وادي الرافدين مبكرًا باسم «توتو» وجاء اسم «أوبارتوتو» الملك والد زيوسدرا ملك شروباك بطل الطوفان، كدليل عن وجود هذا الإله في وادي الرافدين منذ أقدم العصور. ومعبده الرئيسي هو خيمينو (هرموبوليس: مدينة هرمس) ولديه معابد وهياكل أخرى.

(٢-١) أسطورة تحوت

  • (١)

    أسطورة أيام النسيء ولعبة البيسونت.

  • (٢)

    أسطورة تحوت كقاضٍ في عالم الدوات (الآخرة).

  • (٣)

    أساطيره مع رع وست وحور وإيزيس وأوزيريس.

(٢-٢) أعمال تحوت

  • (١)

    ربما كان تحوت حكيمًا مصريًّا تحول بحكمته إلى كائن إلهي تم تقديسه في حدود ٣٠٠٠ق.م. في مصر القديمة، ونحن نرجح أن يكون هو مهندس الهرم المدرج (إيمحوتب).

  • (٢)

    تحوت هو من اخترع الكتابة الهيروغليفية، حسب الروايات المتواترة، ولهذا كانت مقدسة.

  • (٣)

    كان رسول الآلهة ومدون أعمال الإنسان وهو من يحدد ويقرر في الحياة الأخرى في قاعات المحكمة الكبرى لأوزيريس، ما إذا كان الإنسان المتوفى قد نال طهارة ومعرفة في الحياة لدرجة أنه يستحق مكانًا في السماء، ودخولًا إلى الجنة (حقول أوزيريس).

  • (٤)

    وضع علوم الفلك، العمارة، والهندسة والطب والإلهيات، ووضع الخيمياء (خيمي) على اسم مصر.

  • (٥)

    بنى الأهرام الأولى.

  • (٦)

    طابقه الإغريق مع هرمس رسول الآلهة ومرشد الأرواح في مملكة الأموات ولهذا سُمي هرمس.

  • (٧)

    له، حسب ما يذكر في العصر الهيلنستي، اثنان وأربعون كتابًا كان تأثيرها كبيرًا على علوم السحر والتنجيم، ونشوء الهرمسية كمذهب روحي وفكري وديني وعلمي. ولعل أهم هذه الكتب هو «المدونة الهرمسية» و«ألواح الزمرد»، وربما كان «كتاب التاروت» هو أحد كتب تحوت.

(٢-٣) كتاب عذراء الكون: أين خبَّأ تحوت أسرار الكون؟

كان كتاب عذراء الكون Kore kosmou هو أحد الكتب التحوتية (الهرمسية) الذي يرجح كتابته في العصر الهيلنستي على ضوء نص مصري قديم في إحدى البرديات، والكتاب يتحدث عن إيزيس التي هي «عذراء الكون»، وهو عبارة عن حوار بين إيزيس وابنها حورس حول مكان أسرار الكون.

يقول الكتاب إن هرمس صرح بأسرار الكون وبعلومه ومعارفه للإلهين إيزيس وأوزيريس، وطلب منهما أن يظهرا هذه العلوم إلى البشر لكي ينتفعوا بها عن طريق تسجيلها على الأحجار والمسلات، وأن يخفيا جزءًا من هذه العلوم والأسرار في مكان ما، ولذلك تخبر إيزيس ابنها حورس بأن تحوت قبل أن يصعد إلى السماء ألقى بكلمته السحرية التي ستحمي ما دوَّنه من أسرار إلى أن يأتي الوقت المناسب لكي يكشف عنها إلى كل البشر حين تكون جديرة بذلك.

figure

وهناك من يرى أن أسرار هرمس ستبقى هي الغاية الأسمى التي يسعى لها كل جيل جديد من أجيال البشر، ومعها سر أوزيريس المخفي أيضًا من قبل هرمس. ويقدر البعض أن هذه الأسرار قد تكون مخفية في الأهرام أو في معابد وآثار مصر.

هذا الكتاب يكشف لنا عن مصدر الهرمسية الأولى وعن أهمية علومها وأسرارها التي تشمل العلوم الوضعية والروحية معًا في توازن نادر لم تحظَ به البشرية بعد.

وإذا كان الإغريق قد أسموا «تحوت» ﺑ «هرمس» فإن الهيلنستيين وتحديدًا أصحاب الفلسفة الأفلاطونية المحدثة (في الإسكندرية) أسموه «هرمس مثلث العظمة» بسبب المكونات الأساسية لفكر تحوت، وهي «الخيمياء، التنجيم، السيمياء «السحر»»، وهذه العلوم الثلاثة كانت تسعى للتحكم في الطبيعة أو كشف قوانينها بطريقة روحية دينية وليست بطريقة العلم (الذي نعرفه اليوم)، لكنها سعت بهذا الاتجاه، ولذلك أصبحت الذاكرة الأولى للعلم.

أصبحت الهرمسية مرادفة للخيمياء أو الكيمياء السحرية (الخيمي أو الكيمي Alchimie) لأن أصحاب الكيمياء الأولى هم المصريون الذين أورثوا هذا العلم لأصحاب الكيمياء من الإغريق الذين كانوا تعلموا من تحوت (هرمس) المصري، والذي يعتبرونه معلمهم الأول. وإذا كانت المسارية هي عقيدة إسكاتولوجية (أخروية) بالدرجة الأساس فإن الهرمسية كان لها بعد إسكاتولوجي واضح أيضًا.

(٣) الغنوصية

يصعب الحديث بثقة عن وجود الغنوصية في تراث مصر القديمة لقلة الدلائل والمقاربات في هذا المجال، ولكننا يمكن أن نستدل عقليًّا على بعض الأمور التي نعرفها عن الغنوصية ونشوئها وعلاقة ذلك بالدين المصري بشكل خاص.

نشأت الغنوصية في دائرة مجاورة للهرمسية ولكنها تختلف عنها، فالغنوصية، كما نرى نحن، شمسية الطابع وهي بذلك تختلف عن الطابع القمري للهرمسية، ولذلك فهي ترتبط ﺑ «رع» و«ست» أكثر من ارتباطها ﺑ «تحوت» وأوزيريس.

أما على مستوى التراث الكتابي، فالغنوصية ترتبط ﺑ «شيث» بينما ترتبط الهرمسية ﺑ «أخنوخ» أو (إدريس).

الغنوصية تتعلق بمعالجة موضوع أصل البشر والشيطان والملاك الخاطئ، بينما الهرمسية تتعلق بدورة صعود وهبوط الروح وخلق الكون المادي وعلاقته بالفيوضات العقلية من العقل الأعلى.

ارتبطت الغنوصية بالدين والفلسفة بينما ارتبطت الهرمسية بالسحر والخيمياء والتنجيم. كل هذا المدخل يذهب بنا إلى أن الغنوصية المصرية ربما تكون ارتبطت بإله الشمس «رع» و«حورس» وبالإله «ست».

figure
الآلهة الشمسيون رع وحورس وست.
ولعل أقرب ما يمكن الحديث عنه في هذا المجال هو (أبراكساس Abraxas) الذي يعتقد أن جذوره تكمن في اسم إله مصري قديم كان يرمز للشيطان ثم استعمل الاسم الإغريق ككلمة تكون حروفها بقراءة الرقم «٣٦٥» الذي هو عدد أيام السنة، وربما عدد السماوات، وكان يستخدم كتعويذة إغريقية أو تعويذة «أبراكادابرا» الخاصة بالسحر، وهناك من يرى أن الاسم وجد في نصوص غنوصية مثل إنجيل المصريين.
ويبدو أن السبب المهم في العودة بهذا الرمز (المعروف إغريقيًّا) إلى مصر هو العثور على الشاهدة المصرية «شاهدة مترنيخ» (Metternich stele) التي تبين في أعلاها رسمًا لكائن ذي ساقين أفعوانيين ووجه وحشي وهو شخصية ذات خصائص مماثلة لما هو معروف عن كائن أبراكساس الموجود في تعويذة الحظ الإغريقية.
figure
تشابه الكائنين في تعويذة أبراكساس الإغريقية ومسلة مترنيخ المصرية.

وكان هناك من يرى في أصلها المصري دلالتها على أنها مكونة من كلمتين هما «أبراك» و«ساكس»، وتعني «الكلمة المقدسة الشريفة»، ويرى صموئيل شارب أنها تعني في المصرية الدعوة إلى الألوهية، ومعناها «لا تؤذيني»، أو «لا يمكن أن تؤذيني».

كانت الهرمسية المصرية هي الأقوى والأعظم، ربما لأنها كانت تمثل الجانب الباطني قياسًا إلى الغنوصية التي ارتبطت بالديانة الظاهرية الشمسية للمصريين، وهذا مهم جدًّا، فالمسارية والهرمسية ارتبطتا بقوة بسبب تحوت والسحر وإيزيس. ونرى أن الهرمسية كانت قمرية النزعة بسبب ارتباطها بالإله تحوت الذي هو إله القمر. أما الغنوصية فارتبطت بالشمس وعالم الضوء الشمسي (يسمى خطأً بعالم النور في العربية والآرامية لكن النور هو ضوء القمر والضوء هو ضوء الشمس)، وهذا ما يفسر ضعفها في مصر، حيث الديانة المصرية، كلها، ديانة شمسية، ومن هذا المنطلق يمكننا القول إن الغنوصية هي الجانب السريُّ والخفيُّ من الديانة المصرية الشمسية الطابع.

الغنوصية ظهرت بوضوح أكبر في مصر الهيلنستية وتحديدًا مع مدرسة الإسكندرية، وكان أثرها واضحًا في الأفلاطونية الحديثة وفلسفة أفلوطين في مصر، ثم ظهر فلاسفة الغنوصية الإغريق في مصر، وأولهم باسليدس ثم فالانتينوس (١٠٠-١٦٠م) المولود في الدلتا شمال مصر من أسرة مصرية هيلنستية، ثم سافر إلى الإسكندرية وأصبحت فلسفته العمود الفقري للغنوصية بثوبها المسيحي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥