القَصص الخيالي بوصفه حُلمًا
(١) شكسبير والحلم
في مسرحية «حلم ليلة صيف» يبدو كما لو أن شكسبير يقول لنا: تخيَّلوا عالَمًا مختلفًا قليلًا عن عالَمنا، عالَمًا نموذجيًّا، عندما نخلد فيه إلى النوم قد يُقَطِّر كائنٌ مشاكس في أعيننا رحيق «زهرة غربية صغيرة»، فإذا استيقظْنا نقع في غرامِ أولِ مَن نراه. هذا هو ما حدث مع تيتانيا، ملكة الجان. يُقطِّر باك الرحيق في عينيها، وحينما تصحو، تقع عيناها على بوتوم النسَّاج الذي تحوَّل — في عالم الأحلام — إلى حمار، وكان يغني.
•••
أعتقد أن مسرحية «حلم ليلة صيف» ساعدت شكسبير في بلْوَرة فكرته عن المسرح بوصفه نموذجًا للعالَم. أيضًا تعتمد مسرحية «روميو وجولييت» التي كتبها شكسبير في الفترة نفسها تقريبًا على الفكرة ذاتها، وإنْ بدرجة أقل وضوحًا؛ تُفتتَح المسرحية باستهلال يبدأ على النحو التالي:
•••
تُخبرنا السونيت في بداية «روميو وجولييت» بموضوع المسرحية؛ فهي، مثل «حلم ليلة صيف»، تتناول آثار عاطفة ما، وهي الحب مرَّةً أخرى. إن تهديد السلطات المحلية في عالم الافتراضات الذي تنطوي عليه هذه المسرحية بمعاقبة النِّزالات العلنية بالموت هو تهديد أجوف، والشيء الوحيد القادر على كسر حدة الكراهية هو الحب، وهو، في هذه الحالة، الحبُّ الذي جمع ولدَي العائلتَيْن، وحب الآباء لولدَيْهم. يقول الممثل الذي يُلقي السونيت الاستهلالية إن هذا هو «تفاعل الساعتين الذي يدور على خشبة مسرحنا»، وبمُجرد طرح رؤية مختلفة عن المعتاد، من خلال عالم الافتراضات النموذجي، يستطيع كلٌّ منَّا — نحن الجمهور — أن يتساءل: «ما رأينا؟»
تحتوي فكرة شكسبير عن الحلم في القلب منها على فكرة النموذج، أو التخيُّل القابل للمقارنة مع الجوانب الملموسة من العالم، واتَّسعت لتشمل عنصرين تابَعَ هو بلْوَرتَهما في سائر أعماله.
أما العنصر الآخر في مفهوم الحُلم لدى شكسبير، فهو الإدراك، ومن الصور التي يتخذها أن تعتقد إحدى الشخصيات أن شخصًا ما هو في الواقع ما يدلُّ عليه ظاهره، ثم تكتشف أنه شخص آخر. وهي امتدادٌ لفكرة الظل والجوهر، ولكنَّ التركيز هنا ينصبُّ على مَدلولات الإدراك، ومن ثمَّ، فهي خلاصة الفكرة القائلة بأن بعض جوانب شخصيات الآخرين (وشخصياتنا) مستترة.
اسمحوا لي، عِوضًا عن تقديم اقتباسات لا طائل منها سوى إثارة الفضول دون إشباعه، أن أعرض عليكم مقطوعةً كاملةً ووجيزةً من أعمال شكسبير. أتمنى أن نستطيع من خلالها أن نرى كيف تتناغم فكرة الحلم (وفكرتها عن النموذج المبني في التخيُّل، وعنصريه: الجوهر والظل، وعن الإدراك). هذه المقطوعة هي السونيت الشكسبيرية رقم ٢٧.
السونيت رقم ٢٧: قصةٌ في شكل سونيت
الشاعر هنا بعيدٌ عن وطنه، يأوي إلى فراشه وقد كُدَّ بعمله وسفره، ثم يستطرد، من خلال الاستعارة في البيت الثالث من القصيدة، قائلًا: «رحلة في رأسي.» فكما يزور الإنسان في ترحاله أماكن مختلفة، يزور المرءُ في ذهنه سلسلةً من الأفكار. وفي الوقت نفسه، القصيدة كلها نموذج واستعارة بالمعنى العام، وحُلم صَحْوٍ عريض، يُفكِّر فيه الشاعر في محبوبته بمشاعر ملحاحة.
تقع نقطة التحوُّل الأولى في قصائد السونيت، ما بين البيتين الثامن والتاسع في المعتاد، وينبثق نمط التحول هذا من النوع الأسبق من السونيتات، الذي يُطلق عليه السونيت البتراركية؛ نسبةً إلى الشاعر الإيطالي بترارك، وفي هذا الشكل تُسمَّى الأبيات الثمانية الأولى «الأوكتاف» (الثُّمانيَّة). يليها — بدءًا من البيت التاسع — الأبيات الستة الأخيرة التي تسمَّى «السِّسْتِت» (السُّداسيَّة) — على نحو يشبه تغيير المفتاح أثناء العزْف الموسيقي. وفي هذا الجزء الثاني، ينتقل بنا الشاعر البارع عبر مِفصَل مهمٍّ من القصة، أو يُتيح لنا رؤية الجزء الأول من القصيدة على نحو مختلف. لكنَّ قصيدة السونيت الإليزابيثية تختلف اختلافًا طفيفًا عن تلك البتراركية؛ إذ يقع هذا التحوُّل في البيت الثالث عشر. يقدم شكسبير في سونيته رقم ٢٧، نقطتَيْ تحوُّل؛ إحداهما في البيت التاسع، والأخرى في البيت الثالث عشر.
الأوكتاف في «السونيت رقم ٢٧» وَصْف، كما لو كان في رسالة: «مُثقَلًا بالتعب، عَجِلتُ إلى فراشي …» فور تخمين القارئ أن الشاعر بعيد عن وطنه، وأن القصيدة موجَّهة إلى محبوبة الشاعر، يتضح المعنى. يأوي الشاعر إلى فراشه مكدودًا، راغبًا في النوم، وحينما يرقد في فراشه يسرح بفكره في محبوبته بعيدًا. وربما كانت هذه الرحلة في رأسه استدعاءً لرحلته المادية التي حملته بعيدًا عن محبوبته. ولكن حينما يبدأ القارئ تأمُّل الأمر، لا تبدو هذه الفكرة منطقيةً؛ فلو كان الشاعر يشتاق إلى محبوبته وحسب، لبدا الحنينُ إليها في شعره، أو ربما ذكريات وجودهما معًا، لكن لا وجود لهذا. ولذا، على القارئ أن يُمعن التفكُّر؛ فالشاعر شكا بالفعل أن عمله بالنهار مرهِق، والآن — وهو في فراشه — يصفُ التفكير في محبوبته بأنه شُغْل (استعارة أخرى)، ليس في هذا وَلَع؛ فالاستعارة توحي بأن هذه الأفكار هي أيضًا مرهِقة.
المحبوبة جميلة، وهي لذلك «مثل جوهرة»، ولكنْ أُعجِب بالصورة المقابلة: «هائمة في قلب ليل مذعِر!» يرقد الشاعر في فراشه، ويتخيَّل حال حبيبته، لكن ما يراه يُثير ذعره؛ فهو يتخيَّل أن محبوبته ليست في فراشها، وليست نائمةً. المحبوبة تفعل شيئًا آخر، ما هو؟
يحاول الشاعر تغيير أفكاره المفجعة قسرًا، ويقدِّم في البيت الثاني عشر الفكرة الإيجابية الوحيدة في القصيدة عن المحبوبة التي تُضفي «على الليل البهيم بهاءً»، وتردُّ «لوجهه العتيق الشبابَ».
لكن سرعان ما تنسلُّ اللحظة السعيدة بعيدًا مع ظهور نقطة تحوُّل جديدة. أحيانًا ما يُقدِّم نظْم البيتين الأخيرين في السونيت الإليزابيثية ملخَّصًا بليغًا لما سبقهما، وهو ما يتحقَّق هنا في قول الشاعر: «واهًا! في النهار جسدي، وفي الليل ذهني.» ولكننا نرى الآن أن البيتين الأخيرين ليسا مجرد ملخَّص، ولكنهما خاتمة صادمة. «لكِ، ولي، لا سبيل إلى سكينة.» فعلى الرغم من أن الشاعر يُفكِّر في محبوبته كأنها جوهرة تُجمِّل وجه الليل وتعيد إليه شبابه، فهو لا يجد السلوى في رحلة أفكاره الليلية. ما السبب؟ كلمة «لكِ» غامضة؛ إذ يمكن ضمها إلى البيت السابق لتصبح: «وفي الليل ذهني لكِ»، وهذا ما يُشبه تلخيصًا بسيطًا بقدرٍ ما لرحلة ذهنية، لكنَّ البيت الأخير يأتي حاملًا الصدمة: «لكِ، ولي، لا سبيل إلى سكينة»؛ فلا المحبوبة ولا الشاعر يجدان السلام، ولا هو موجودٌ بينهما.
نعلم — ليس من هذه السونيت فقط، ولكن مما يليها من سونيتات أيضًا — أن الشاعر يخشى أن محبوبته لا تُبادله حبًّا بحبٍّ تمامًا، وافتقاده السكينة والاطمئنان قد يكون مبعثه أن المحبوبة قد تكون في فِراشها بالفعل، غير أنها ليست نائمة، ولكنَّها مع شخص آخر، أو قد تكون بالخارج تُزيِّن ببهائها ليلَ محبٍّ سواه. ولهذا فالليل الذي يزدان بالجوهرة ليل مذعِر.
باستطاعتنا أن نعتبر القصص الخيالية وصفًا لأفعال الناس وتفاعلاتهم، وهكذا، في هذه السونيت، يقدِّم لنا شكسبير الأوكتاف بوصفه أفعالًا. في الوقت نفسه، فإن أرفع أنواع القَصص الخيالي هو شيء أشبه بنموذج حُلم (أو يشتمل عليه)، يكشف لنا الجوهرَ الكامن خلف المظهر الخارجي، وفي هذه السونيت، يُظهر السِّسْتِت الشاعر وهو يتساءل في حلم خياله عن حال محبوبته.
هذه قصيدة تتناول أحداث رحلةٍ، وعالَمًا نموذجيًّا من التخيُّل مصاحبًا لها، هي قصيدة عن الظل والجوهر، قصيدة عن إدراك الحقيقة المحتمَلة للمحبوبة. يُقدِّم لنا شكسبير في هذه الصيغة المصغَّرة، وبعمق فكري عجيب، حلمًا مثيرًا، يسْهل إدراكه، عن عالَم نستطيع فهمه، عن الوقوع في الحب، ولكنه الحبُّ الذي يُسهِّد صاحبه خشية ألا يكون الحب مقبولًا أو متبادَلًا.
هذا معنًى ممكن بشأن الشاعر في علاقته بمحبوبته، وهو كذلك معنًى محتمَل لنا نحن قرَّاء هذه القصة-السونيت. هذا هو طرحي للمسألة، فما رأيكم؟
(٢) المقاربة باستخدام الحلم
أفترض في كتابي هذا أن فكرة شكسبير عن الحلم (النموذج الذي ينطوي على أبعاد الظل، والجوهر، والإدراك) تُتيح لنا فهم جوانب مهمة من علم نفس القصص الخيالية. وقد استعرضْتُ «السونيت رقم ٢٧»؛ لأنها توضح، على نطاق مصغَّر، كيفية تطبيق هذه المقاربة. وأمَلي أن أتمكَّن في بقية الكتاب من عرض جوانب أخرى؛ مثل كيفية دخول القصص الخيالية إلى العقل، وكيفية إثارتها مشاعرنا، وتبصرتنا بخبايا نفوسنا ونفوس الآخر، وتلك المتعة التي تمنحنا إياها، وتأثيراتها الجديرة بالاهتمام على القُرَّاء.
(٢-١) الآراء في العصر الفيكتوري
ليست فكرة شكسبير عن القَصص الخيالي بوصفه حلمًا هي الوحيدة المتداوَلة حول طبيعة القصص الخيالية، ولا هي الأكثر شعبيةً، وأظنُّ حقًّا أنها غير معروفة على نطاق واسع.
دعونا نرَ كيف كانت الحال عام ١٨٨٤، حينما نشر هنري جيمس مقالًا في لونجمانز ماجازين بعنوان «فن القصص الخيالي»، ووضَع نظرية مختلفةً جدًّا عن نظرية شكسبير؛ إذ قال إن الرواية هي «انطباع مباشر عن الحياة.» اختلفَ معه روبرت لويس ستيفنسون، الذي كانت رُؤيته أشبه برؤية شكسبير، وبعد أشهُر قليلة من قراءته مقال جيمس، نشر ردًّا في المجلة نفسها، وأطلَق على رده أنه «اعتراضٌ متواضع»، ويوحي عنوانه بأنه كان يعتذر، وربما كان عليه الاعتذار بالفعل؛ لأنه كان على حق (وهو الذي اشتُهر بكتابة قصص الأطفال مثل «جزيرة الكنز»)، بينما كان هنري جيمس مخطئًا (وهو واحد من أعظم الروائيين في العالم). وعلى الرغم من ذلك، ظلَّ المقال الذي كتبه جيمس مشهورًا، بينما ظلَّ رد ستيفنسون مغمورًا نسبيًّا. باستيعاب فكرة شكسبير وستيفنسون يمكننا أن نُصبح أقرب إلى فهم علم نفس القصص الخيالية.
الحياة بشعة، ولا نهائية، ولا منطقية، ومُباغتة، ومُثيرة للأسى، بينما الأعمال الفنية منظَّمة، ومَحدودة، وتامة بذاتها، ومنطقية، ومُتدفِّقة، وسَلِسة. تفرض الحياة وجودها بطاقة غاشمة كهزيم الرعد المبهَم؛ أما الفنُّ فيأسر الأذن وسط ضجيج الحياة الصاخب بصوتٍ مثل نغمٍ عزفته أنامل عازف حصيف. (ص١٨٢)
لماذا نحتاج إلى نماذج؟ لمَ لا نُراقب ما يحدث في العالم الواقعي وحسب، علَّنا نلحظ بعض الأنماط؟ جانبٌ كبير من القصص الخيالية هو من هذا النوع. يُقدِّم هوميروس في «الإلياذة» ما يشبه الآتي: هكذا كانت الحال في حرب طروادة؛ اختلف أخِيل مع أجامِمْنون، ثم مضى عابسًا، وكادت جيوش طروادة أن تهزم اليونانيين جرَّاء ذلك. كانت الأعمال التاريخية من بواكير المسرحيات التي كتبها شكسبير. وهو يوحي بشيء مماثِل، لو أننا كنا هناك لرأينا ما يُشبه هذا، وبعد أن أصبحت لدى شكسبير فكرته بأن المسرح نموذج للعالم، يُقدِّم لنا شيئًا مختلفًا؛ يقول: هل يمكن أن يكون هذا هو ما يعتمل بالفعل تحت سطح الأشياء؟
(٢-٢) فكرة الحلم
يتحوَّل شكسبير، بدءًا من عام ١٥٩٤ تقريبًا فصاعدًا، إلى منح العناصر المجرَّدة الأهمية المحورية فيما يكتبه، فالشيء الكامن تحت السطح الذي يُصوِّره هو علامة ضمنية على طبيعة الأشخاص ومآلهم، ولا يمكن المرء فهم هذا وذاك دومًا من خلال الأفعال الظاهرية، ولكن إذا بدأتَ ترى النوع الأعمق من التحوُّل، الذي تُلمِّح إليه النماذج، فسيمكنك أن تبدأ فهم حقيقة الأمور على نحو أوضح.
يُقِرُّ جميع الأطراف بأن المشاعر ملعب الحماقة، ولا شك أنها العلامة الفارقة بين الحكماء والحمقى؛ إذ الحكماء يُحرِّكهم المنطق، بينما الحمقى تدفعهم مشاعرهم، إلا أن تلك المشاعر لا ينحصر دورها في إرشاد هؤلاء ممَّن يندفعون تجاه أبواب الحكمة، بل إنها المحرِّك والدافع لممارسة كل فضيلة. (ص٢٩)
بهذه الكلمات تسخر فولي، إلى حدٍّ ما، من جهود إراسموس نفسه العلمية، لكن إراسموس يهدف كذلك من خلال كتابة هذا العمل الساخر إلى تعقُّب فكرةٍ أعمق؛ وهي أن الأشخاص الذين يعترفون بمشاعرهم ويفهمونها، إنما يُتيحون لأنفسهم الفرصة لاجتناب الزَّهْو بأهميتهم المستمَدة من تعليمهم، أو بمنطقهم السديد حول ما ينبغي أن تئول الأمور إليه، ومثلُ هؤلاء طالما كانوا قادرين على أن يعيشوا عيشَ سماحة أو تقوى. وعلى النهج نفسه، كتبت جورج إليوت في روايتها «ميدل مارش»: «إن صلاحنا يعتمد على رقيِّ مشاعرنا وسعتِها» (ص٥١٠).
ولعلَّ شكسبير لحظَ في قراءته كتاب «في مديح الحماقة» فكرة إمكانية استغلال شيءٍ مصطنَع — سخرية — في الإشارة إلى ما هو حقيقي تحت السطح.
ما الماضي إلا نسيجٌ واحد، سواءٌ أكانت خيوطه من نسج الخيال أم محبوكة حقيقية، وسواء أتجسَّدت أحداثه على أرض الواقع أم شوهدت فقط على خشبة ذلك المسرح الصغير الذي نقيمه داخل عقولنا، ونترك أنواره مضاءةً طوال الليل، بعدما يُسدِل الليل سُدولَه ويتغشَّى بقية أعضاء الجسد الظلام ويغلبها النوم. (ص١٨٩)
يصوِّر شكسبير في بدايات مسرحيته «روميو وجولييت» الشابَّ روميو وقد رأى فتاة في الجانب الآخر من القاعة لا يعرف عنها شيئًا، هي جولييت، فما يكون من روميو سوى أن يعبر القاعة — بجرأة — ويلمس الفتاة، وبعدها يبدأ في الحديث. تنتظم الأبيات التي يتبادلها روميو وجولييت في حوارهما في هيئة قصيدة سونيت، هي الثانية في المسرحية، ولكنَّ شكسبير يستخدمها هذه المرة لغرضها التقليدي، ألا وهو التعبير عن الحبِّ. وتبدأ القصيدة كما يلي:
•••
يقول روميو لجولييت إنه يراها نُصْبًا لقدِّيسة يستطيع المجيء إليها حاجًّا للتعبُّد، طالبًا الإذن بلمسها وتقبيلها.
وهنا — كما في «حلم ليلة صيف» — نجد فكرة أن عاطفةً تمارِس تأثيرها علينا بدفعنا في اتجاه نوعٍ معيَّن من العلاقات مع شخصٍ بعينه. وفي حالة روميو، هذه العاطفة هي الهيام. ولكن ألا يمكن للعوالم النموذجية أن تساعدنا في رؤية كيف تعتمل العاطفة تحت السطح؟ ثم ألا يمكن لهذه الفكرة أن تساعدنا على فهم طريقة عمل القصص الخيالية؟
كثيرًا ما يدَعنا شكسبير نطَّلِع أيضًا على شيءٍ من طريقة تفكيره هو؛ مثلما يفعل في «حلم ليلة صيف» عندما يأتي بكلمة «فانتازيا» (أي: «أحلام») على لسان ثيسيوس، ثم يجعله يقول:
كان الدافع وراء تسمية المسرح الذي كان شكسبير أحد مالكيه باسم «ذا جلوب» (أي، العالَم) هو فكرة أن المسرح نموذجٌ للعالم، وكان شعاره المكتوب باللاتينية يعني «العالم كلُّه خشبة مسرح» (مسرحية «كما تشاء»، الفصل الثاني، المشهد السابع، البيت ١٠٣٧).
إن عنصر الظل والجوهر هو المفتاح لقراءة أول حديث طويل لهاملت في المسرحية، وفيه يُجيب عن سؤال أمه عن السبب في «مظاهر» الأسى البادية عليه، واسترساله في الحداد على والده الراحل، فيُجيب هاملت بأنه لا يعرف «المظاهر». ارتداء السواد والتنهُّد والبكاء جميعها أشكال خارجية، ويصفها معتبرًا إياها:
(الفصل الأول، المشهد الثاني، البيت ٢٧٩)
أما عنصر الإدراك فيتخلَّل مسرحية «هاملت»؛ يُدرك هاملت حقيقة كلوديوس، ومن بعدها الحقيقة الأشد إيلامًا عن أمه، وكذا حقيقة أصدقائه، بل وحقيقته هو نفسه، والأهمُّ من ذلك كله أننا نحن الجمهور نتوصَّل من خلال المقابلة بين أفعال هاملت وباطنه إلى إدراك أشياء عن حقيقتنا نحن.
(٢-٣) المحاكاة
ثمَّة صنف كامل من الفن التمثيلي؛ فبإمكان القصص الخيالية أن تُقلِّد أو تُمثِّل شيئًا ما كما تفعل المرآة تقريبًا، ولعلَّ هذا هو ما دار بخَلَد هاملت عندما كلَّف الفرقة المسرحية المتنقِّلة التي زارت البلاط الملكيَّ في إلسينور بمهمة «رفع المرآة في وجه الطبيعة» (الفصل الثالث، المشهد الثالث، البيت ١٨٩٦). ولعلَّه كان مهتمًّا في الوقت نفسه برفع المرآة ليرى كلوديوس نفسه كما يراه الآخرون.
وفي وقتٍ أحدث، صارت الصور الفوتوغرافية وتسجيلات الفيديو، بطبيعة الحال، رموزًا لنسخ الأحداث وتمثيلها على نحو دقيق. وبالمثل، يستطيع كاتب القصة الخيالية الواقعية مضاهاة الجمادات والأحداث والأشخاص في العالم الخيالي بالجمادات والأحداث والأشخاص في عالَم الواقع، تمامًا مثلما يستطيع العالِم أن يدرس التناظر، أو انعدام التناظر، مع التوقُّعات المستخلَصة من نظريةٍ ما، ومن الملاحظة الدقيقة للعالَم الواقعي. فإذا ما شاهدْنا فيلمًا مأخوذًا عن إحدى روايات جين أوستن قد نتساءل: «أحقًّا كان هذا طراز الملابس منذ مائتي عام؟»
باختزالها إلى ثنائية تبسيطية ولكنها بنَّاءة، يمكن وصف هذه التنويعات من نظرية المحاكاة وتوجُّهها باعتبار أنها تُجمِل فارقًا بين مفهومين للتمثيل الفني؛ وهما (تصوُّر) «تقديم انعكاس للعالم» (الذي تمثل المرآة الرمز الاستعاري الشائع له، وإن كانت رمزًا بعيدًا عن البساطة)، مقابل تصوُّر «محاكاة العالم» أو «صنع العالم». (ص٢٢)
والمقصود بفكرة «تقديم انعكاس للعالم» الفنية هو وجود تماثُل بين عناصر العمل الفني وعناصر الحياة العادية. وهذا صحيح إلى حدٍّ ما؛ إذ قد تتماثَل شخصياتُ مسرحيةٍ ما مع أناس تعرفهم، لكن لا يوجد تماثُل في مسرحية «حلم ليلة صيف» بين رحيق الزهرة الغربية الصغيرة وأي مستحضَر صيدليٍّ معروف في عصر شكسبير أو في عصرنا، ولا يُحتمَل أن تُخبرك الصحف بشخص مشابه لتيتانيا، ملكة الجان، ولا يُحتمَل بتاتًا أن يتحوَّل أحدُنا فجأةً إلى حمار. عالم الأحلام لا يقوم على المماثَلة التفصيلية بين شيء في العالَم النموذجي وشيء في العالم العادي. أما الفكرة الثانية لكلمة «المحاكاة» — فكرة «محاكاة العالم» أو «صنع العالم» — فتعمل ببنًى أكبر، وتعتمد على التماسك بين عناصرها أكثر مما تعتمد على التماثل بين عناصر معيَّنة في النموذج وعناصر في العالم العادي. وهذا النمط من المحاكاة مؤثِّرٌ؛ لأن العلاقات بين أشياء معيَّنة في العالم النموذجي، تماثل العلاقات بين أشياء معيَّنة في العالم المألوف (قد لا يكون صنع العالم هو الاصطلاح السليم في هذا السياق). وهو مؤثِّر بسبب إظهار بِنْيَة علاقية في العالم النموذجي، لدرجة أننا نرى تماثُلها مع بنْيَة علاقية أخرى في العالم الواقعي؛ فالعلاقة بين الناس حينما يقعون في الحب في عالم الحُلم، تُشير إلى علاقة محتمَلة بين الناس الواقعين في الحب في العالم الواقعي.
وقد تقول أيضًا إنه إذا كان المسرح حلمًا، فهل معنى هذا أنه فانتازيا محضة؟ والجواب هنا بالنفْي؛ فنحن نحيا في عصر يأخذ فيه جانب كبير من الفن القصصي النمط الواقعي، وعندما نذهب إلى السينما نجد أن أغلب الأفلام الدرامية والكوميدية تُصوِّر شخصيات تبدو أفعالهم (في الظاهر) شبيهةً بما نألَفه في حياتنا وفي حيوات مَن نعرفهم، وهي بذلك تحتوي على جانب قويٍّ من مفهوم «المحاكاة» بمعنى التقليد، وكذلك مسرحية «روميو وجولييت» هي صورة واضحة لعالم عائلتين في فيرونا، لا يختلف عن الواقعية التي تتَّسم بها دراما الأفلام الحديثة. أما مسرحية «حلم ليلة صيف» فهي فانتازيا صريحة. إذًا، المهم هو التأثير؛ فإن كل تعبير فني حقيقي، في رأيي، لا يستهدف مجرد تصوير سطح الأشياء، ودائمًا ما يحمل لمحةً تجريدية، والمسألة تتلخَّص بما إذا كان باستطاعتنا رؤية عالمنا اليومي على نحو أعمق، من خلال إجراء تغيير في وجهة نظرنا، أو جعْل المألوف غريبًا باستخدام عالَم مصوَّر بأسلوب فني.
أعاد شكسبير، في مسرحيته «حكاية شتاء»، عرض فكرتَي الحب والموت اللتين عالجهما في «روميو وجولييت»، ولكن مع نهاية سعيدة: مشهد يتجلى فيه عنصر الإدراك؛ حيث يتَّضح أن تمثال (عمل فني) هيرمَيوني (التي يقضي الملك ليونتيس ١٦ عامًا من عمره ندمًا على أنه أدانها وتسبَّب في موتها) هو هيرمَيوني الحقيقية حيَّةً.
•••
عندما تبلورت لدى شكسبير فكرته بأن الدراما حلم، رأى أن بإمكانه خلق عوالم جديدة على خشبة المسرح، تختلف اختلافًا مشوقًا عن العالم العادي، ولكنها يمكن أن توازيه في التخيُّل؛ بمعنى أنه إذا حوَّل بعض الأمور البشرية، مثل عاطفة الحب، فأكسَبَها خصائص عالم آخر متخيَّل وغير مألوف، فإن هذا يُتيح لنا، نحن الجمهور، الفرصة للمقارنة بين عالم الحلم والعالم العادي. ويمكننا من خلال هذه المقارنات أن نركِّز على أمور يحجبها التعود عن أذهاننا. وعلى الرغم من أن بعض تفاصيل عالم الحلم، كقصائد السونيت والجنِّيَّات والجرعات السحرية، بعيدة كل البُعد عن أي شيء مما يحدث في عالمنا المعتاد، فأمور أخرى، مثل الشخصيات والعواطف، تعْبُر بيُسْر الحدَّ الفاصل بين عالم النموذج والعالم المعتاد، وتخضع في عبورها هذا لصورٍ من التحوُّل تكشفها لنا وتتيح لنا إدراكها.
تزخر اللغة بالكلمات الدالة على الوظيفة التخيُّلية؛ مثل: الحلم، والنموذج، والمحاكاة، والاستعارة، والتشبيه، والمضاهاة، والنظرية، والرمزية، والحكاية الرمزية، والمخطَّط الذهني، والمباراة. وجميعها تتعدى أشكال المضاهاة المباشرة، كما في النقل والتقليد، بل إنها تشمل عوالم متخيَّلةً كاملةً.
(٣) القصص الخيالية والمحاكاة
«الحلم» استعارة مناسبة لوصف القصص الخيالية؛ لأنه أمرٌ عرَفه أغلبُنا، ونعلم أن الأحلام تختلف عن العالم العادي على نحو أو آخر، ونعلم أيضًا أنها من صُنعنا. فهي ليست انطباعًا مباشرًا عن العالم، كما أنها ليست خاليةً من المعنى.
شرح دانتي هذه الفكرة في «الوليمة». يُقدَّم الحب بين الرجل والمرأة في أشعار دانتي باعتباره رمزًا لحبِّ الإله لخَلقه، ونستطيع، من خلاله، أن نفهم جزءًا يسيرًا من حبِّ الإله لنا، نحن مخلوقاته، استنادًا إلى خبرتنا المحدودة بالحبِّ البشريِّ في العالم المعتاد.
وإذا أردنا الحديث عن مفهوم الحلم من المنظور اللغوي، نقول مثلًا «الاستعارة بالمعنى العام» أو «الاستعارة الممتدَّة»، أو يمكن استخدام لفظ شاع استخدامه في النظريات الأدبية وهو: «التخيُّل».
أعرف أن المحاكاة ليست استعارةً جيدةً من وجهة نظر بعض الناس الذين يرتابون في الكمبيوترات. لكني — مع الاعتذار لهؤلاء — أنوي استخدام هذه الاستعارة تحديدًا في مواضع متنوعة؛ لأنها تُتيح لنا ملاحظة استمرارية ما في الشواغل والبدهيات، بدءًا من أرسطو، مرورًا بشكسبير، وانتهاءً إلى علم النفس الحديث وأبحاث الدماغ.
غالبًا ما نرغب في التعبير عن عنصرَي «المحاكاة» من تمثيل وبناء للعالم معًا، ولتحقيق ذلك المعنى المشترك، قد نحتاج إلى الاستعانة بمزيد من الاستعارات، أو ربما لا يوجد أفضل مما فعل إنجمار بيرجمان في فيلمه «فاني وألكسندر»، حين جعل شخصية أوسكار إيكدال — مدير الفرقة المسرحية في بلدة صغيرة — يُلقي خطابًا، خلال حفل رأس السنة الذي تُقيمه الفرقة، على سكان العالم الصغير القائم داخل جدران المسرح، يقول: «في الخارج، يوجد العالم الكبير، وأحيانًا، يتمكَّن العالم الصغير من تقديم انعكاس للعالم الكبير؛ بحيث نستطيع رؤيته بوضوح أعلى.»
لذلك، سوف أستخدم كلمات وعبارات مثل «حلم» و«فانتازيا» و«تخيل» و«استعارة بالمعنى العام» و«رمزية» و«محاكاة» وغيرها بما يتناسب وما أرمي إليه.
وبالنظر إلى القصص الخيالية باعتبارها بناءً للعالم، وتقديم انعكاس له، نستطيع استيعاب شيءٍ من التأثير النفسي الذي يحدث عندما نتفاعل مع القصص بوصفنا قراء أو أعضاء في جمهور، وكذلك استيعاب شيء مما نعمله بوصفنا مؤلِّفين ومُؤدِّين.
(٣-١) القصص الخيالي: النسخة الشخصية
في تجسيدٍ موفَّق ورائع لفكرة المحاكاة الأدبية، استعرض ديفيد لودج نصَّين متشابهَين؛ أحدهما أكاديمي ينتهي إلى خلاصة، وهو مقال بعنوان «الوعي والرواية»، والآخر ذو نهاية مفتوحة بدرجة أكبر، وهو رواية بعنوان «تفكير». كلاهما يتناول العلاقة بين علم النفس والقصص الخيالية. أما المقال فيستعرض الأفكار بأسلوب علمي، وأما الرواية فتسمح للقارئ بالتَّماهي مع أحد علماء علم النفس المعرفي في محاكاة لعملية إجراء أبحاث حول الوعي، فأيُّهما أفضل؟
لا تقتصر المهمة، من وجهة نظر الكُتَّاب والمؤدِّين، على نقل الطبيعة كما هي، أو تقليد الحياة، أو تقديم انعكاس لصورة العالم بدقة، على الرغم من أهمية هذه العناصر دائمًا تقريبًا، لكنَّ المهمة من وجهة نظرهم هي دعوة القارئ أو عضو الجمهور إلى إنشاء حلم، وهي تقديم الإشارات للقارئ لتدبُّر صورة رمزية ما، وتقديم التعليمات لصُنع العالم، بما يساعد على جعل المحاكاة تبدأ وتستمرُّ بذاتها.
عند إخراج نموذج الحلم والتعبير عنه في نصٍّ مكتوب، أو تجسيده في أداءٍ على خشبة مسرح، فإنه يكون قائمًا في مكان متوسِّط؛ إذ يقع في منتصف الطريق بين العالم والعقل، وعندما نقبل — نحن القراء أو أعضاء الجمهور — هذا الكيان المتوسِّط، فإننا نُكوِّن منه أداءً عقليًّا خاصًّا بنا؛ استنادًا إلى نماذجنا العقلية، ونربط بين ما يحدث في النموذج وبين جوانب من أنفسنا ومن ذكرياتنا ومن همومنا.
(٣-٢) تمثيل النماذج في الدماغ
في عام ١٩٩٦ توصَّل فريقٌ من الباحثين بقيادة جياكومو ريتزولاتي إلى اكتشافٍ مذهل، أحدثَ ضجة في مجال علوم الأعصاب. كان اكتشاف نشاط خلايا عصبية، سواء عندما شاهد قردٌ فعلًا معينًا مدبَّرًا — وهو التقاط قطعة صغيرة من الطعام — وعندما أدى القرد الفعل بنفسه. أطلق العلماء على هذه الخلايا العصبية اسم الخلايا العصبية المرآوية. وأثبت هذا الاكتشاف مبدأً طالما خضع للدراسة في علم النفس المعرفي، اسمه التحليل من خلال التخليق. والمقصود به أننا عندما نُدرك بحواسِّنا فِعلًا معينًا يؤديه إنسان ما، فإن إدراكنا هذا يتأتَّى من إعادة خلق نفس الحركة بأنفسنا. وأهمية ذلك فيما يتعلق بقراءة القصص وفهمها أنه من الجائز أننا حينما نفهَم أي فعل ونحن نقرأ عنه في رواية، فإن فهمنا يعتمد على عمل نسخة من هذا الفعل بأنفسِنا، داخليًّا.
ويُفسِّر الباحثون نتائجهم في إطار عمل الخلايا العصبية المرآوية؛ حيث يشمل إدراك فعل معين في التخيل، حينما نسمع أو نقرأ عنه، الأنظمةَ الدماغية المسئولة عن أداء هذا الفعل.
وفي تجارب حديثة أجرتها نيكول سبير وزملاؤها، قرأ المشاركون قصصًا قصيرة كاملة وهم داخل جهاز الرنين المغناطيسي الوظيفي، واكتشف الباحثون أنه عند اندماج القارئ في قصة ما، وفي اللحظات التي يؤدي فيها البطل فعلًا معينًا، يحدث نشاط دماغي في المناطق التي يستخدمها القارئ لو أدى هذا الفعل بنفسه، ومن ثمَّ، عندما جذب البطل سلْك إضاءة، حدث نشاط في المنطقة المرتبطة بجذب الأشياء في الفصوص الأمامية من دماغ القارئ، وعندما «دخل [البطل] من الباب الأمامي إلى المطبخ» زاد النشاط الدماغي في المنطقة التي تنشط عند مشاهدة القارئ حيِّزًا مكانيًّا. يُعطي الكاتب الإشارات، فيتخيَّل القارئ بابًا، أو يتخيَّل أنه يدخل غرفةً ويرى ما قد يبدو عليه شكلُها. ويصف الباحثون في تلك الدراسة — كما أفعل أنا في كتابي هذا — القراءة بأنها عملية محاكاة تقوم على الخبرة، وتشمل كذلك القدرة على التفكير في الأشكال المحتمَلة للمستقبل. وتشير هذه التجارب إلى أن القراء يبنون — على أساس من خبراتهم — نموذجًا عقليًّا نشِطًا لما يحدث في القصة، ويمكنهم كذلك أن يتخيَّلوا ما قد يحدث فيما بعدُ.
لذلك، يحتاج الكاتب، حينما يُقدِّم قصة خيالية إلى القراء والمشاهدين، أن يشير إلى أفعال شخصياته بأسلوب يُمكِّن القارئ من تخيُّل هذه الأفعال في الواقع. يبدأ التخيُّل في الطفولة، ويُعبَّر عنه باللعب، وما نتوجَّه إليه الآن هو هذا النشاط.