مقدمة المحرِّرين
لفترةٍ طويلة كان الكتابُ الأساسي باللغة الإنجليزية عن تاريخ الأدب العربي كتابَ
رينولد
نيكلسون، أستاذ كرسي السِّير توماس آدمز للعربية في جامعة كامبريدج، «التاريخ الأدبي للعرب The
literary history of the Arabs»، ونُشر أول مرة في
١٩٠٧م، وأعيدتْ طباعته عدَّة مرَّات. ويبقى حتى اليوم مقدِّمةً عذبة وقيِّمة حقًّا لأحد
الآداب العالمية العظيمة، لكنْ جرتْ مياه كثيرة تحت الجسر منذ ظهَرَ أول مرة، والمسح
العام
الوحيد الذي ظهَرَ بالإنجليزية منذ ذلك الوقت كتاب هاملتون جِب
Gibb «الأدب
العربي Arabic
Literature» (أكسفورد، ١٩٢٦م، طبعة ثانية منقَّحة،
١٩٦٣م)، وهو مكثَّف جدًّا ولا يزعم أنه يغطِّي المجال الهائل للأدب العربي بعمق؛ وكانت
الحاجة إلى تاريخٍ أشمل، يضع في الاعتبار المجالات الجديدة، ويستقصي النتائج التي تمَّ
التوصُّل إليها على مدى نصف قرن من البحث؛ ما دفع مطبعةَ جامعة كامبريدج إلى وضع تاريخٍ
جديد للأدب العربي، في عدَّة مجلدات، على نطاق أوسع بكثير.
منذ بداية القرن، ظهَرَ عددٌ هائل من مخطوطاتٍ لم تكن معروفة من قبل. وصُنِّفتْ،
ونُشِرت
مجموعةٌ ضخمة من النصوص الكلاسيكية ونصوص القرون الوسطى وما بعدها في طبعاتٍ مختلفة الجودة.
ويمكن مقارنة المجلدَين الصغيرَين الأصليَّين لكارل بروكلمان «
تاريخ
الأدب العربي Geschichte Der
Arabischen Litteratur» (١٨٩٨–١٩٠٢م) بالمجلدات الثلاثة
الضخمة لمُلحَقه (ظهَرَ آخرها في ١٩٤٢م)، ويمكن مقارنتها، بدورها، بالمجلدات الستة الكبيرة
لكتاب فؤاد سزكين «تاريخ الأدب العربي»، قيد الإعداد،
١ لكنَّه يغطِّي الأدب فقط إلى سنة ٤٣٠ﻫ/١٠٣٩م، لفهم التطورات الهائلة التي
تمَّت. وإضافةً إلى ذلك، لم يتناول أيُّ عمل الأدبَ العربي في ماليزيا أو نيجيريا أو
إندونيسيا، وبشكلٍ طفيف فقط يتمُّ تناول الأدب العربي في الهند وشرق أفريقيا وأماكن أخرى،
في القرون الوسطى أو العصر الحديث.
يفترض أن الأدب العربي الحديث أو المعاصر، سار من نهضته البطيئة وتطوره في القرن
التاسع
عشر، بوتيرةٍ أسرع بين الحربَين، ونما بسرعة بعد ١٩٤٦م. تراجع التعليم التقليدي في
المدرسة الدينية بشكلٍ كبير، وإن كان ذلك لا ينطبق
على حالة جامعة الأزهر بالقاهرة، وخاصة بعد الإصلاحات التي تمَّت فيها، والتي نجحت في
جذب
أعدادٍ هائلة من الطلبة. خلَقَ نموُّ التعليم المدني على مستويات الثانوية والجامعة،
وظهور
الراديو مؤخرًا، جمهورًا جديدًا تمامًا من القراء، حلَّ محل النخبة الصغيرة نسبيًّا التي
شكَّلت من قبل «جمهور الأدب». تدين الكتابة العربية المعاصرة بالكثير لنماذج أوروبية،
مستمدَّة خاصة من الأدب الفرنسي والإنجليزي، لكنها تتحوَّل تدريجيًّا إلى أدبٍ قائم بذاته،
غني بالنثر والشعر (وهو دائمًا موضع تقديرٍ كبير من المتحدِّثين بالعربية) والكتابة للمسرح.
ويعتبر الأخير عمومًا، وإن يكُن بشكلٍ غير دقيق إلى حدٍّ بعيد، شكلًا أدبيًّا جديدًا
تمامًا. وانتشرت الدوريات والمجلات والصُّحف بغزارة. ورغم ذلك، يبقى العالَم العربي ملتزمًا
بعمقِ بتراثه من الأدب «العربي الكلاسيكي». وبينما كانت الطبعات الأولى المحقَّقة بشكلٍ
علمي في الغرب للأعمال العربية الرئيسية تصدُر؛ طوَّر العلماء العرب تقنياتِ التحقيق،
وعملوا بنشاطٍ في تحقيق النصوص الكلاسيكية.
منذ زمن نيكلسون، زاد عدد العلماء الغربيين الذين اشتغلوا بالدراسات المرتبِطة بالأدب
العربي زيادةً هائلة. وإضافةً إلى ذلك، صار العلماء الغربيون على اتصالٍ أوثق بأقرانهم
في
الأقطار العربية، إلى جانب أنهم كثيرًا ما يتعرَّفون على تلك الأقطار بأنفسهم، بطريقة
لم
تكُن ممكِنة في بداية القرن. تتدفَّق اليوم، بشكلٍ يتزايد باستمرار، الدراساتُ النقدية
والترجمات التي تستحيل متابعتُها تقريبًا — على الأقل في حالة الأعمال التي تُنشر في
كتب —
لكننا الآن محظوظون بالنسبة للمقالات في الدوريات بوجود «الفهرس الإسلامي
Index
islamicus» للبروفيسور جيمس دوجلاس بيرسون
Pearson (1906–55)، يظهر سنويًّا مع طبعةٍ مجمَّعة كلَّ
خمسِ سنوات. وفي موضوع الترجمات، لا بد من كلمةِ تحذير: الترجمة من الكلاسيكيات العربية
بطريقةٍ جذَّابة لقارئٍ غير ملمٍّ باللغة الأصلية والحضارة المرتبِطة بها؛ أصعبُ بكثير
ممَّا في حالة اللغات الأوروبية، وتستحيل أحيانًا تقريبًا. تبدو اللغة والثقافة غريبتَين
وبعيدتَين. بذَلَ العلماء المحترفون والهواة جهدًا كبيرًا في مجالاتِ النثر والشعر للترجمة
من العربية إلى الإنجليزية، وإذا ظهَرَت النتائج غالبًا غيرَ مُرضِية للقارئ الإنجليزي؛
فمن
المؤكَّد أنَّه لا ينبغي اعتبار المؤلِّف الأصلي مخطئًا.
الوسيط اللغوي الذي يستخدمه الكُتَّاب العرب بشكلٍ أكثرَ شيوعًا، هو أساسًا اللغة
التقليدية للعصر «الكلاسيكي»، معدَّلة بمفرداتٍ جديدة وعباراتٍ مستمدَّة من اللغات
الأوروبية. ويبقى أنَّ هناك قدْرًا ضئيلًا من الاستعارة المباشِرة من المعجم الأجنبي،
وتقلَّص فعليًّا استخدام الكلمات الأجنبية في العقود القليلة الأخيرة. تأسَّسَ الشكلُ
الكلاسيكي الجديد للعربية لغةً للأدب والصحافة، وهو أيضًا الشكل الأساسي المستخدَم في
الإذاعة. اللهجات العربية العامية المحلية، يرفضها المتعلِّمون لأغراضٍ أدبية، رغمَ تقلُّص
الميل؛ لاعتبارها مجرَّد لهجاتٍ «سوقية». ولأنها تبدو في بعض المناطق إقليمية وتشجِّع الانقسامَ السياسي؛ تُرفض لأسبابٍ سياسية، لكنْ يبقى أن
هناك لزمنٍ طويل أدبًا باللهجة «العامية» في كلِّ قطرٍ عربي. ويعتمد الروائيون وكُتَّاب
المسرح على المعجم والأسلوب العامي، وخاصة في مصر، وفي أقطارٍ عربية أخرى أيضًا، رغم
أنه من
غير المحتمَل أن يحلَّ محلَّ المكانة الرفيعة للغة «الفصحى»، لكنَّ نموَّ «الأدب الشعبي» في اللهجات العامية في السنوات العشرين الأخيرة،
منَحَها مكانًا أكثرَ احترامًا ممَّا سبق.
لا يشعُر المحرِّرون بحرَجٍ في تبنِّي تعريفٍ واسع «للأدب» ليشمل فعليًّا كلَّ ما
سُجِّل
كتابةً، باستثناء النقوش والمواد الأرشيفية البحتة. في الاستخدام المعاصر، يقتصر المصطلح
عادةً على الشِّعر والنثر القصصي أو الفني، مستبعِدًا أجناسَ الكتابة العلمية والتاريخية
والدينية وغيرها. يفرض هذا التحديد نفْسُه، في حالة الكتابة المعاصرة، نتيجةَ الفيضان
اليومي، الذي لا يمكن السيطرة عليه تمامًا، للمطبوعات، لكنْ في فحصٍ تاريخي من هذا القبيل
لا معنى له.
يبدأ هذا المجلد من «تاريخ كامبريدج للأدب العربي Cambridge history of Arabic literature» بالإنتاج
الشعري للقرن السادس الميلادي، المنقول شفهيًّا بدايةً، مع بقايا ضئيلة متبقية من النثر
(إذا وُجد، كما يحتمَل، أدبٌ نثري قبل الإسلام على نطاقٍ أوسعَ في اليَمن، فقَد اختفى
فعليًّا). وينتهي مع سقوط الدولة الأموية في ١٣٢ﻫ/٧٥٠م. ولأنَّ الحركات الأدبية لا تتزامن
دائمًا مع الأحداث السياسية؛ يوجد تداخُل في حالاتٍ مناسبة في عهد الدولة التالية، الدولة
العباسية.
خلال هذه الفترة حدَثَ حدثان كبيران: تأسَّسَ الإسلامُ على يدي النبي محمد، مع أنَّه
لم
يُحدِث قطْعًا في التقاليد العربية، وبدأت الفتوحات الإسلامية العربية العظيمة لمناطق
خارجَ
شبه الجزيرة فورًا بعد موتِ النبي في ١١ﻫ/٦٣٢م، جالبةً في النطاق الإسلامي مناطقَ تمتدُّ
من
المحيط الأطلنطي في الغرب، إلى وسط آسيا وشبه القارة الهندية في الشرق الأقصى. جلَبَ
الحدثُ
الأول معه نزولَ القرآن، وجعَلَ الثاني العربَ سادةً، على اتصالٍ مباشِر بالعالَمَين
البيزنطي والساساني. وشكَّل الحدثان المسار المستقبلي لتطور الدين الإسلامي، وتطور الأدب
العربي، الذي هو أداته.
وُلد محمدُ بن عبد الله من عائلةٍ نبيلة، من بني عبد مناف من قبيلةِ قريش، في مكةَ
المكرمة. ارتبطتْ عائلةُ عبد مناف ارتباطًا قويًّا بالحَرَم المكي ومعبده، الكعبة، وكان
فرعٌ من فروعها يحتفظ بالمفاتيح. وفي سنةِ ٦١٠م تقريبًا، أُلهِمَ محمدٌ، وهو في الأربعين
تقريبًا لبَدءِ رسالته النبوية، برفضِ عبادة الأصنام والإصرار على عبادة الله وحده. في
مكةَ
لم يجعله توحيدُه الصارم يكسب إلا عددًا ضئيلًا من المؤثِّرين الذين آمنوا برسالته، وأثار
على العكس معارضةً قويَّة. واضطر أتباعه، وهو نفْسُه في النهاية، إلى البحث عن حماية
قبائلِ
يثرب، على مسافة ٣٠٠ ميلٍ شمالَ مكة تقريبًا، وهو موضعٌ عُرف فيما بعدُ باسم «
مدينة النبي» أو «
المدينة».
تُميِّز هجرةُ النبي في ٦٢٢ ميلادية بدايةَ العصر الإسلامي وتقويمه.
٢ في يثرب، المدينة فيما بعد، استغرق الأمر من محمد بعضَ الوقت ليستقرَّ هو
ومجتمعه الإسلامي في وجه المعارضة الداخلية من فصائلَ معينة، لكنَّه أخَذَ زمام المبادرة
سريعًا ضدَّ سادة مدينته الأصلية مكة. رغم بعض النكسات المبكِّرة، نجَحَ في دخول مكة
فعليًّا دون معارضة سنة ٨ﻫ/٦٣٠م، واستطاع بعدها مدَّ سيطرته تحت رايةِ العقيدة الإسلامية
إلى مناطق أُخرى في شبه الجزيرة.
مات محمد سنة ١١ﻫ/٦٣٢م وانتقلتْ قيادة السُّلطة الإسلامية إلى صحابته ومساعِدِيه
المقرَّبين، ما يسمَّى «الخلفاء الراشدين»، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي (ابن عمِّ محمد
وزوج
ابنته في الوقت ذاته) (١٠–٤٠ﻫ/٦٣٢–٦٦١م).
٣ واجَهَ أبو بكر الأزمة السياسية عند موت محمد، وتحت حُكمه، وتحت حُكم
الخليفتَين التاليَين أساسًا، جنَّدت الدولة الدينية الجديدة القبائلَ العربية؛ لتنطلق
في
فتوحاتٍ إقليمية كبيرة حوَّلتها إلى إمبراطوريةٍ إسلامية.
حين قُتل الخليفة الثالث عثمان، على أيدي رجال القبائل الساخطين، اختير عليٌّ (زوج
فاطمةَ
ابنةِ النبي) خليفةً في المدينة. وأدَّى هذا إلى مواجهةٍ بين بَني هاشم، الذي ينتمي إليهم
النبي وعليٌّ، وبني أميَّة (وكلاهما فرعان من بَني عبدِ مناف) في شخصِ معاوية، الوالي
القوي
على سوريا، وكان والده معارِضًا قويًّا لمحمد. وينتمي عثمانُ أيضًا إلى بَني أميَّة من
ناحية الأب، وطالَبَ معاوية بالثأر من قتَلَة قريبه. ولم يستطع عليٌّ معالجةَ الأمر،
واندفع
الاثنان إلى الحرب، وغادر عليٌّ المدينةَ ليستقرَّ بشكلٍ أكثرَ أمانًا في العراق. ترَكَ
فشلُ محاولة التحكيم بين الاثنين، بعد معركة صفين، عليًّا في موقفٍ أضعف، وقُتل في ٤٠ﻫ/٦٦١م
على أيدي مجموعة من الساخطين على الطرفَين. صار معاوية خليفةً وقادت الدولة الأموية
الإمبراطوريةَ حتى ١٣٢ﻫ/٧٥٠م، حين تغلَّب عليها فرعٌ آخر من بني هاشم، العباسيون، وتحوَّلتْ
عاصمة الإمبراطورية من سوريا إلى العراق، لكن أحفاد عليٍّ لم يكفُّوا عن الزعم بأنَّهم
وحدهم الورثة الشرعيون للنبي. أدَّى الخلافُ المبكِّر إلى الانقسام الأول والأكبر، والأكثر
استمرارًا في الإسلام، ما يعرف ﺑ «الفتنة»، ممَّا أثَّر
على السياسة والدين والأدب العربي بالطبع.
وينبغي لمسحٍ قصير للوضع الاقتصادي والاجتماعي في شبه الجزيرة العربية قُربَ نهاية
القرن
السادس الميلادي؛ أن يقدِّم مشهدَ رسالةِ النبي، وما تلاها من الفتوحات وتطور الأدب
بالعربية.
كانت شبه الجزيرة العربية، رغم أنَّ معظمها أرضٌ وعرة، بعيدةً عن العزلة عن الحضارات
الكبرى من حولها. من خلال الدولتَين العربيتَين العازلتَين في الشمال، الغساسنة (تقع
شرقَ
سوريا الحالية)، والحيرة (على التُّخوم الغربية للعراق). اتصل العرب بالتتابع
بالإمبراطوريتَين البيزنطية والساسانية. كانت هاتان الدولتان العربيتان مسيحيتَين إلى
حدٍّ
بعيد، وكانت المسيحية قد اخترقَت المجتمعات الوثنية حتى الأطراف الجنوبية لشبه الجزيرة.
وازدهرَت المستعمرات اليهودية في الغرب والجنوب. وبَرزَ حكَّام الحيرة رعاةً للشعراء
العرب،
ولا شكَّ أنَّ بلاطَيهما كانا مركزَين لانتشار الثقافة الآرامية والساسانية.
في ظل نظام أسستْه قريش في مكة يضمن الأمن، استطاعَت القوافل التنقُّل بين اليمن وحضرموت
من خلال الحجاز، عابرةً نقاطَ الحدود البيزنطية في الأردن الحالية، إلى نقطة النهاية
في
غزَّة جنوب فلسطين. وكان هناك طريقٌ آخر من الشرق إلى الغرب، يربط العراق بالحجاز، ويصِلُ
إلى الضفَّة الغربية للبحر الأحمر وإثيوبيا. تأسَّسَت التجارة بين الهند ودول البحر المتوسط
لقرون عن طريق الخليج والبحر الأحمر، وكانت هناك حركةٌ موسميَّة للتُّجار من جنوب الأردن
الحالية، ومن بينهم تجَّار يونانيون، إلى الخليج، وحول الجزيرة العربية إلى البحر الأحمر
والحجاز. وكانت مصر أيضًا على اتصالٍ وثيق نسبيًّا بالحجاز. وهكذا انتظَمَ التواصُل داخلَ
شبه الجزيرة العربية — وإنْ يكُن ببطء — واهتمَّ البيزنطيُّون والساسانيون بشدَّة بالحفاظ
على مجالاتِ نفوذهما هناك.
نعرف المستوى الرفيع لإنجاز السكَّان المحليين في غرب الجزيرة العربية من السدِّ العظيم
في مأرب، ومن مواضعَ كثيرةٍ في اليمن. ولا يُرَى تأثير الإغريق والرومان في المعمار الحجري
فقط، في البتراء ومدائن صالح، بل يُرَى أيضًا في نقوش الحجر اليمني، والعُملات والبرونز،
وحتى في اللوحات الجدارية التي ظهرَتْ مؤخَّرًا في الفاو في المملكة العربية السعودية.
وقدَّمت الفاو أشياءَ وأدواتٍ على مستوًى رفيعٍ بشكلٍ مُذهِل من الثقافة. وكانت نجران
المسيحية على اتصالٍ بالبيزنطيين، كما كان وُجَهاء العرب من الوثنيين على اتصالٍ بهم.
لم
تكُن الجزيرة العربية في القرن السادس بلدًا من البربر الأجلاف.
واعتُبر أن سكَّان شبه الجزيرة ككلٍّ، بمجتمعاتها المستقرة أو التي استقرت على أطرافها
الشمالية، وفي جبال اليمن المكتظَّة بالسكَّان، وعمان، ووديان نجد، والواحات مثل يثرب
(المدينة فيما بعد)؛ يفوق عددَ المجموعات البدوية. وشكَّلتْ هذه القبائلُ النبيلة المسلَّحة
وشيوخها، علمانيَّة أو دينية، الطبقةَ المهيمِنة سياسيًّا واجتماعيًّا في المناطق الزراعية
المستقرة التي تضمُّ معظمَ السكان. وربما كانت القبائل المسلَّحة مستقرَّة، وأحيانًا
حتى من
المزارعين، أو الرُّحَّل، أو تشمل أقسامًا من المستقرين والرُّحَّل. ومع ذلك، اشتركَت
القبائل النبيلة المسلَّحة، سواءٌ كانت مستقرَّة أو من الرُّحَّل، في شريعةٍ اجتماعية
مشترَكة بمفاهيمها عن المروءة. وشكَّلتْ، وتستمرُّ تشكِّل، الطبقةَ العليا في النظام
الاجتماعي، تاليةً اليوم لفئاتٍ معينة من رجالِ الدين فقط. وليس من المستغرَب أن تُقِيم
هذه
القبائل المستقرة، بعد الفتوحات العظيمة خارجَ حدودِ الجزيرة العربية، في الأقاليم الجديدة.
في العصر الأموي، يبدو أنَّ البِنية القبليَّة استمرَّت مزدهرةً نسبيًّا دون تغيير؛ لكنْ
بعد سيطرة العباسيين، فقَدَ المجتمع العربي في شكله القبلي تدريجيًّا وضعَهُ السائدَ
وأهميَّتَه، لكنه لم يختفِ. اندمج العرب مع السكان المحليين، وخاصة في المراكز الحضرية،
على
الرغم من احتقار المجتمع للنبط أو الآراميين في العصر العباسي. وفقدَت المجموعاتُ
القبليَّةُ البدوية، حين لم تعُد تلعب دور المحارب من أجل الإسلام، أهميَّتَها وتلاشتْ
مساهمتها في الأدب.
من فترةِ صعود الإسلام وتوسُّعه، خلال العصر الأموي، مدَّت القبائلُ النبيلة في المجتمع
العربي، مستقرَّة أو بدويَّة، التي شكَّلت الطبقةَ الحاكمة، مبدأَ «الموالاة» الذي اتبعتْه
في شبه الجزيرة، وطبقتْه على الوضع الذي خلَقَه اعتناقُ أعدادٍ كبيرة من غير العرب الإسلام.
من العصور القديمة، كان من ممارسات المجتمع القبلي، أن توافِق قبيلةٌ قوية، وكذلك نبيلة
ومبجَّلة، على حمايةِ مجموعةٍ أضعف، وتعقد الأخيرة حِلفًا مع مجموعةٍ أقوى ترتبط بها
لتدعمها.
وجلَبَ عقْدُ هذا الحلف في ذاته معه، انخفاضًا معيَّنًا في المكانة. وكان هناك، مع
ذلك،
مَوالٍ ينتمون إلى مجموعاتٍ تعمل في مِهنٍ تعتبرها القبائل النبيلة مهينةً اجتماعيًّا،
وكان
وضعهم أقلَّ على السُّلَّم الاجتماعي من الحلفاء الثانويين. وفي أثناء الفتوحات المبكِّرة
اندمَجَ المسلمون غير العرب في بنيةِ مجتمعٍ تسيطر عليه القبائل النبيلة، بمنحهم وضعَ
الموالي تحت الحماية القبلية.
قُرب نهاية الحكم الأموي، عبَّرَ المسلمون من غير العرب علنًا، عن الاستياء من الهيمنة
العربية. وأدَّى هذا إلى ظهور الحركة الشعوبية، وكانت إيرانيةً في تكوينها إلى حدٍّ بعيد،
وإن تكُن هناك عناصرُ ضمن حلقاتٍ في سوريا واليمن. وكانت تهدف إلى إعادة تأكيد الثقافات
الوطنية والتأثير السياسي ضدَّ السيادة القبلية العربية.
هذا إذن تخطيطٌ موجز لخلفية نشأة الأدب العربي في مراحله الأُولى. لأشجارِ الأنساب
التي
توضِّح علاقاتِ محمَّد ونسَبِ الخلفاء الأمويين، انظر الجدولَين
١،
٢ (من تاريخ كامبريدج للإسلام
The Cambridge history of Islam، المجلد
الأول).
يبقى للمحرِّرين أن يعبِّروا عن تقديرهم وشكرهم لكلِّ من ساهَمَ في وضْعِ مخطَّط «تاريخ
كامبريدج للأدب العربي» وإعداد هذا المجلد الأول للنشر.
تصوَّر هذا «التاريخَ» بدايةً البروفيسوران أرثر جون أربري
Arberry وروبرت برترام سرجنت
Serjeant، مع المطبعة، قبل مرض البروفيسور أربري ثم
وفاته في ١٩٦٩م. كانت هيئة التحرير مكوَّنة من البروفيسورَين ألفريد فيلكس لندن بيستون
Beeston من أكسفورد، وت. م. جونستون
Johnstone من لندن، والبروفيسور سرجنت، مع الدكتور ج.
ريكس سميث Smith سكرتير تحرير. وصار الدكتور سميث بعد ذلك
محرِّرًا تنفيذيًّا لهذا المجلد من التاريخ، ويدين المحرِّرون الآخرون له بمعالجته النشِطة
للكثير من المهام التحريرية، التي وصلتْ بالمجلد الحالي إلى مرحلةِ الإنتاج. ويعترف
المحرِّرون بامتنانٍ بنصائحِ أعضاء الهيئة الاستشارية التي تأسَّست لتوجِّه السياسة وتساعد
في تخطيط «التاريخ».
وندين للمساهِمين بأسمى آيات الشكر. وقد انتظَرَ بعضُهم طويلًا ليَرَوا مساهماتهم
منشورةً، وشاركوا في تعديل فصولهم وإعدادها وتحريرها. ومن المؤسف أنَّ المرض والواجبات
الأخرى لمحرِّري المجلد؛ تسبَّبتْ في بعض التأخير في إتمام إعداد المجلد للطبع. تضمين
المساهمات في «التاريخ» لا يعني، بالطبع، اتفاق المحرِّرين أو الهيئة الاستشارية أو المطبعة
بالضرورة مع الآراء ووجهات النظر التي أعرب عنها المؤلِّفون، الذين يُعتبرون مسئولين
أساسًا
عن محتوى فصولهم.
ويشكر المحرِّرون مطبعةَ جامعة كامبريدج على المثابرة والمساعدة في إعداد هذا «التاريخ».
تعامَلَ العديد من المسئولين بالتتابع مع المشروع، لكنَّ المحرِّرين ممتنُّون بشكلٍ خاصٍّ
للدكتور روبن دريكوت Derricourt الذي تابَعَ المجلد حتى
المرحلة الأخيرة من إنتاجه، والدكتورة روزماري موريس Morris
التي ساعدت في تحرير المخطوطة النهائية. ويدين المحرِّرون بالشكر لمستر وليم برايس
Brice لعمله الدقيق المضني في التعاون في وضع الخرائط
التي ترافق النص، والسيدة ﻫ. بيرسون Pearson على إعداد
الفهرس. ويشكرون مستر ويلفريد لوكوود Lockwood على خدماته
في مكتبة جامعة كامبريدج؛ والعاملين في مركز الشرق الأوسط في كامبريدج الذين قاموا بالكثير
من الترتيبات المكتبية الأولى والمراسلات، وخاصة مِس برفين جنبور
Jahanpour (السيدة فروي
Faroughy). ويشكرون السيدة سيريز سميث
Smith على مساعدتها المكتبية والإدارية الكبيرة
وكفاءتها العالية.
وكانت وفاة البروفيسور جونستون في أثناء إعداد بروفات هذا المجلد خسارةً مُحزِنة لهيئة
التحرير وكلِّ المرتبِطين بهذا الكتاب.