الفصل السادس عشر
أدب المغازي
ج. م. ب. جونز، الجامعة الأمريكية بالقاهرة
تعني كلمة مغازي عمومًا حملات إغارة، للنهب أساسًا، لكن
بوصفها تقنيةً أدبية، تُستخدم خاصة لوصفِ الحملات العسكرية للمسلمين الأوائل التي ساهم
فيها
النبي؛ تلك التي لم يشارك فيها شخصيًّا تسمَّى سرايا أو
بُعوثًا. في الوقت ذاته، تضمُّ الكتب الأُولى عن
المغازي أوصافًا لأحداثٍ ليس حملاتٍ عسكرية، مثل صلح الحديبية، وحجَّة الوداع، إلخ. ومن
الواضح أنَّ أدبَ المغازي يشكِّل بابًا من أدبِ السيرة (انظر الفصل ١٧)، ويستخدم المفسرون
المتأخرون الكلمتَين متجاورتَين، كما في تعبير «مصنفات المغازي والسِّيَر». وهناك تلميحٌ
إلى أنَّ «المغازي» المصطلح المحدَّد السائد؛ حيث يعتبر ابن إسحاق غالبًا مؤلفَ مغازٍ لا سيرة. إنَّ الانقسام
بين الاثنَين مُصطنَع، وتعبير السيرة-المغازي ربما يعكس،
بشكلٍ أكثر دقَّة، التجانُسَ الأساسي للمادة، لكنَّ هذا الفصل يتناول مادةَ المغازي منفصِلةً بقدْرِ ما يمكن.
من حيث الشكل والموضوع، يذكِّرنا أدب المغازي بأوصافِ معارك القبائل قبل الإسلام
«أيام
العرب»: يتناول الاثنانِ معاركَ، ويمزجان النثر بالشعر. لكنْ رغمَ أنَّ أدب المغازي وريثُ
تقاليدَ قديمةٍ؛ فإنه أكثرُ من مجرَّد تسجيلٍ لمناوشاتٍ فردية، ودور الشِّعر فيه ثانوي.
يمكن أن نفترض بأمانٍ أنه وُجد، بوصفه شكلًا من أشكال الأدب الشفهي، بعد وفاة النبي
مباشرةً، وربما حتى في حياته. طبيعة التيمة تُضفي عليه
هالةً خاصة من التبجيل، بالإضافة إلى جاذبيته الدرامية الحقيقية، وتقدُّم الحافز الضروري
لنموه. يسجِّل ابن كثير قولًا للزهري عن عِلم المغازي بأنه «علمُ الآخِرة والدنيا»؛
١ ويقال إنَّ علي بن الحسين قال: «كنَّا نعلَّم مغازي النبي كما نعلَّم السورةَ
من القرآن.»
٢ وإنَّ إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقَّاص، قال: «اعتاد أبي أن يعلِّمنا
المغازي والسرايا ويقول: يا بُنيَّ هذا مجدُ أسلافِك، فلا تضيِّعه.»
٣ إنَّ حفظ هذه الحكايات عن ظَهر قلب، يوحي بوجود نزعة للتجانس منذ البداية،
بوصفها عاملًا مؤثِّرًا على التطور. ويفسِّر هذا، جزئيًّا، التماثلُ الواضح بين نسخِ
حدثٍ
معين في مختلف مصادر المغازي؛ تماثل شجَّع بعضَ العلماء، خطأً على ما أعتقد، إلى إثارة
احتمال الانتحال.
لا يمكن أن نحدِّد بقينٍ كامل النقطةَ التي بدأت
المغازي عندها تأخذ الشكلَ المألوف لنا، في مصادر القرن الثاني/الثامن.
يقال إنَّ أبان بن عثمان (ت: ١٠٠ﻫ/٧١٨م تقريبًا)، رغم أنه لا يُنسب إليه أيُّ كتاب، كان
على
معرفةٍ خاصة بالموضوع.
٤ يزعم سكوت رينهاردت
Schott-Reinhardt أنَّ
جزءًا من برديةٍ من كتابٍ عن
المغازي لوَهْب بن منبِّه
(ت: ١١٠ﻫ/٧٢٨م)، لكنَّ المصادر التالية لا تذكُره مصدرًا
للمغازي.
٥ طبقًا للببليوجرافيِّ حاجي خليفة، من القرن الحادي عشر/السابع عشر، كان عروة بن
الزبير (ت: ٩٤ﻫ/٧١٣م) أولَ مَن صنَّف مادةً في
المغازي.
ورغم أنه لا يوجد كتابٌ معين في هذا الموضوع ينسب إليه، فمن المؤكَّد أنه تبادَلَ المراسلات
مع الخليفة الأموي عبد الملك عن مسائلَ عن حياةِ النبي،
٦ وهناك ارتباطٌ مهم بينه وبين الزهري، الذي يشار إليه بأنه «بحرٌ لا ينضب من العلوم».
٧ أهميته مخطِّطًا مبكِّرًا لأدب المغازي، يؤكِّدها تكرار الاستشهادات منه في
المصادر التالية مثل ابن إسحاق والواقدي.
وهناك رابطٌ آخَر في التطور المبكِّر لهذا الأدب، وهو عاصم بن عمر بن قتادة (ت: ١٢٠ﻫ/٧٣٨م
تقريبًا). ولا يوجد كتاب ينسب إليه، لكن ابن إسحاق يقتبس عنه مباشرةً، والواقدي عبْرَ
وسطاء.
يمثِّل الزُّهري نقطةً محورية في التطور. كان مصدرًا مهمًّا في
السيرة و
المغازي و
الحديث عمومًا. ينسب إليه حاجي خليفة كتابًا عن
المغازي،
٨ لكنْ يوجد تصريحٌ للذهبي، يبدو أنه يشير إلى أنه لم يترك أيَّ كتاب، أو بشكلٍ
آخَر، كتابًا وحيدًا عن أنساب قريش.
٩ على أيَّة حال، لا يمكن أن يكون تأثيره على تطور المغازي موضعَ شك، ويحتمل أنه
أخذ معه لأول مرة الشكلَ المألوف لنا عند موسى بن عُقبة وابن إسحاق والواقدي، الذين يعتمدون
عليه بشكلٍ كبير. ومن جيله عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم الأنصاري (ت: ١٣٠ﻫ/٧٤٨م،
أو
١٣٥ﻫ/٧٥٣م). مرةً أخرى، لا يُنسب إليه أيُّ كتاب، لكنَّ ابن إسحاق والواقدي يشيران
إليه.
في الفترة التالية على الزهري مباشرة، نجِدُ مجموعةً من أعمال
المغازي، تعتمد كلُّها عليه بكثافة. في المصادر الثلاثة الأساسية، التي
يعتمد الكتَّاب بعد ذلك عليها بشكلٍ كامل تقريبًا، موسى بن عقبة وابن إسحاق والواقدي؛
يُعتبر بعضُ النقاد الأوائل، ومنهم مالكُ بن أنسٍ وابنُ حنبل، المصدرَ الأول الأكثر
مِصداقية. في «كتاب المغازي»، الذي ألَّفه ولم يصل إلينا كاملًا، لكن يوجد منه جزءٌ قصير،
يتكوَّن من عشرين خُلاصة مع الإسناد.
١٠ ويمكن إعادة بناء جزءٍ كبير منه من اقتباسات الكتاب بعد ذلك. وعلى هذا الأساس،
إصدار بعض الأحكام التقييمية، تتعلق ببنية العمل ومحتواه.
كان ابن إسحاق في الأصل من المدينة، ومن المهم ملاحظة أن أدب
المغازي، في الفترة الأولى من تطوره، حُدِّد جغرافيًّا بالمدينة. وحيث إنه
لم يُكتب عملًا منفصلًا عن الموضوع، لن نتناوله في هذا الفصل، لكن الجزء الخاص
بالمغازي في
سيرته يناظر إلى
حدٍّ كبير «كتاب المغازي» للواقدي. وبقدرِ ما يمكن أن نحكم من إعادة بناء النص، يناظر
أيضًا
كتاب موسى بن عُقبة. وُجدت سيرته في الأصل، في أكثرَ من خمس عشرة نسخة، تناظر مراحل مسيرته
التي قضاها في المدينة والكوفة والبصرة وبغداد والرَّيِّ.
١١ بالنسبة لقسم المغازي، نعتمد على نسخة البكائي الواردة في نسخة ابن هشام
للنَّص، رغم أنَّ الطبري وآخرين يقتبسون من
رواية ابن
بُكَير، وبخلاف ذلك حُفظت لنا فقط في مخطوطةٍ تونسية لا تضمُّ قسم
المغازي.
١٢
من الأعمال الكثيرة التي ينسبها الببليوجرافيين للواقدي، الكتاب الوحيد الموثوق فيه
الذي
وصل إلينا، هو «كتاب المغازي»؛ ويناظر إلى حدٍّ بعيد كتابَ موسى بن عُقبة في البنية
والمحتوى والقسم المقابل من سيرة ابن إسحاق. مع الواقدي،
يصل هذا الفرع من الأدب إلى قمَّة تطوره. استمرت كتابة الأعمال التي تحمل عنوان «كتاب
المغازي» في القرن الثالث/التاسع. وبعد ذلك، لم تعُد المغازي جنسًا أدبيًّا منفصلًا ودُمجت
في أعمالٍ لها أهدافٌ مختلفة. يضمُّ العمل الببليوجرافي «كتاب الطبقات الكبير» لابن سعد
(ت:
٢٣٠ﻫ/٨٤٥م)، ناسخ الواقدي، قِسمًا عن المغازي، لكنَّ
الجزء الأكبر منه ليس إلا نسخةً مكثَّفة من عملِ الواقدي بإضافة معلوماتٍ مصحوبة بالإسناد؛ ويضم أيضًا أقسامًا طويلة عن مرض موت النبي ودفنه،
وليست في عمل الواقدي. ويضمُّ «أنساب الأشراف» للبلاذري بالمِثل قِسمًا عن المغازي، في
جزأين: المغازي (الحملات التي شارك فيها النبي)،
والسرايا (تلك التي لم يشارك فيها)؛ وهكذا يقسم
التسلسل الزمني للتقديم. ومعالجته للموضوع أكثر إيجازًا حتى من معالجة ابن سعد؛ ويعتمد
بكثافة على الواقدي، عادةً من خلال ابن سعد، ونادرًا ما يُشير إلى ابن إسحاق.
ويستمر ظهور أقسام عن المغازي في الأعمال التالية عن
السيرة، لكنها تبقى معتمِدةً على مصادر القرن
الثاني/الثامن. لا تكمن قيمة هذه الكتب في تقديم أيِّ عنصرٍ تفسيري أو إبداعي، بل في
تقديم
المصادر السابقة عليها متجاورةً؛ وبذلك تُحفظ المادة التي لولا ذلك لفُقدت. ويمكن قول
الكلام نفسه عن التواريخ العامة التي تذكر مصادرها باستمرار، وخاصة المصنَّف التاريخي
للطبري. يستحقُّ «البداية والنهاية» لابن كثير، رغمَ أنه جاء في فترةٍ لاحقة، الذِّكر
في
أيِّ مسحٍ لأدب المغازي؛ لا يضمُّ القسم الذي يضمُّه عن
الموضوع مادةً فقط من موسى بن عقبة وابن إسحاق والواقدي، لكنه يضمُّ أيضًا مادةً مناسبة
من
مجموعات الحديث الصحيح.
ويتَّضح ممَّا سبق أنه رغم أنَّ أدب المغازي ربما أخذ شكله الأساسي بحلول عصر الزهري،
تبلور في النهاية مع موسى بن عقبة وابن إسحاق والواقدي في نمطٍ بقي دون تغيير يُذكر في
الأجيال التالية. فيما يلي، نحاول تقديم تقييم مقارن لهذه المصادر الثلاثة الرئيسية،
جزئيًّا بإلقاء الضوء على شكلِ الجنس الأدبي ومحتواه، وأيضًا بوضع تقييم لأهميته بوصفه
مصدرًا لمادة تاريخية.
بين الثلاثة كلِّها سماتٌ مشترَكة: على سبيل المثال، الإسناد آليةُ تقديم، رغمَ وجود
اختلافاتٍ في طريقة استخدامه. لنحكم من اقتباساتٍ كثيرة عن موسى بن عقبة، كان
الإسناد التقليدي
للحديث في
حالته استثناءً لا قاعدة. تقدَّم الاقتباسات عنه غالبًا بعبارة: «قال موسى بن عقبة عن
الزُّهري»؛ وهذا الغياب
للإسناد الكامل لاحَظَه أحيانًا
المفسِّرون بعد ذلك.
١٣ هناك تلميحٌ في الجزء الموجود في بِرلين من كتابه، بأنه استخدَمَ
الإسنادَ الجمعي، حين يقدِّم مصادره في حدثٍ معين على النحو
التالي: «ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك السلمي ومحدِّثين آخَرين».
١٤ صار
الإسناد الجمعي بعد ذلك سمةً لأدب
المغازي، وتشكَّل وظيفيًّا في عمل الواقدي.
يستخدم ابن إسحاق
الإسناد، بالمعنى التقليدي في
الحديث، بشكلٍ غير مُنتظِم. نادرًا ما يكون كاملًا،
وكثيرًا ما يُسقِطه تمامًا. وفي معظم الأحيان، لا يتجاوز مصدره المباشر. كثيرًا جدًّا
ما
تظهر عبارةٌ أربكَت المفسِّرين: «حدثني مَن لا أتَّهم.» تُستخدم العبارة عادةً للإشارة
إلى
المصدر المباشِر الذي يأخذ عنه ابن إسحاقَ المعلومات، مقدمًا حكاية تُنسب إلى صحابي أو
تابِع مع فجوةٍ بينية. عن هذه المشكلة المحيِّرة، أثار ربنسون
Robson احتمالَ التشويش المتعمَّد من قِبَل ابن إسحاق؛
ليخفي مصدرًا ليس حسنَ السمعة، أو ليشير إلى شكوكه الخاصة في المادة المدونة.
١٥ ربما يكون التفسير الأكثر احتمالًا، هو طبيعة هذا الأدب في نهاية القرن
الأول/السابع وبداية القرن الثاني/الثامن. واقترح سابقًا أنَّ المادة تشكلت في فترةٍ
لاحقة،
أيْ في عصر الزُّهري. وإذا كان الأمر كذلك؛ فإنَّ موسى بن عُقبة وابن إسحاق والواقدي،
اعتمدوا على مادةٍ أساسية معروفة، بحيث كان تدقيق الإسناد التقليدي لا لزوم له. وهذا
يفسر
الاستخدام المميز للإسناد الجمعي وعبارة «مَن لا أتَّهِم»، وهذا ببساطة اعترافٌ بأنه
نسي
مصادرَه المباشِرة لمعلومةٍ معينة حصل عليها. يمكن العثور أيضًا على انعدامٍ مماثل للدِّقة
في قسم
المغازي من
سيرته، بينما يستخدم الإسناد الجمعي مرَّات عديدة. ومن المُغري أن نرى
نظامًا خلْفَ استخدامه
للإسناد الجمعي، متبوعًا بعدَّة
وحدات سردية بدون إسناد، أو مقدَّمًا ﺑ «قال ابن إسحاق». إنها فرَضية يمكن الدفاع عنها؛
أن
يستمرَّ مصدرُ هذه المواد في الاعتماد على الإسناد الجمعي الأصلي، لكنَّ هذه الطريقة
في
العرض غير منهجية جدًّا بحيث لا يمكن أن نجزم.
مع استخدام الواقدي للإسناد، نكون على أرضية أكثر ثباتًا؛ حيث إنه أكثر منهجية. يبدأ
بقائمةٍ من الرواة الذين حصل منهم على المعلومات،
١٦ يليها التصريح: «فكلٌّ قد حدَّثني من هذا بطائفة، وبعضهم أوعى لحديثه من بعض،
وغيرهم قد حدَّثني أيضًا، فكتبتُ كلَّ الذي حدَّثوني، قالوا …» ثم تتكرر «قالوا» باستمرارٍ
في الرواية التالية، ولا يمكن أن يكون هناك شك بشأن العودة إلى الإسناد الجمعي الأصلي.
وبعد
ذلك، تُقدم موضوعات أخرى بإسنادٍ جمعي، رغم أنَّ قائمة الرواة قد تختلف في كلِّ حالة.
وهذه
الأداة محورُ تهمةِ الانتحال التي أُثيرت ضدَّه. نتيجة التشابه الواضح بين مغازيه ومغازي
ابن إسحاق، ولأنه لم يذكُر الأخيرَ على الإطلاق؛ طُرحت فرضية أنه كتَبَ على نمطِ سلفه
في
ترتيب المادة، وأخذ عنه الكثير من الاعوجاج الأساسي في قصته، التي أضاف إليها بصمتَه
الخاصة، مخفيًا ما يَدين به ﺑ «قالوا».
١٧ حاولتُ في موضعٍ آخر أن أوضِّح أنَّ الإسناد الجمعي، بقدرِ ما هو وسيلةٌ لإخفاء
فقرةٍ منتحَلة؛ فإنه أداةٌ أساسية في تقنية العرضِ لديه، تستخدم بوعيٍ واتِّساق منهجي.
١٨ أوجه التشابه بين النصَّين، يمكن تفسيرها بحقيقة أن الكاتبَين يعتمدان على
مجموعةٍ مشتركة من المواد.
ثمَّةَ خاصيةٌ أخرى لمغازي موسى بن عقبة وابن إسحاق
والواقدي، وهي العرضُ في إطارٍ زمني. وليس لهذا أن يثير الدهشة؛ حيث إنَّ حسَّ الترتيب
الزمني مرحلةٌ أساسية في التطور الوليد لأي أدبٍ تاريخي، ووعي متنامٍ بأهمية الترتيب
الزمني؛ يبدو أنه ميَّز ظهور أدب المغازي في المدينة. حتى
بناءً على أدلةٍ ناقصة من الاقتباسات المتبقية، من الواضح أنَّ موسى بن عقبة قدَّم الكثير
من تواريخ الأحداث. في ابن إسحاق، تُقدَّم التفاصيل الزمنية عادةً، وليس دائمًا. في
الواقدي، الإطار الزمني مكتمِل: يقدِّم مسحٌ تمهيدي تسلسلَ المغازي وتواريخها، مع معلوماتٍ تتكرر بعد ذلك في النَّص؛ حيث تبدأ كل
غزوة بتاريخٍ محدد، يربطها غالبًا بنقطةٍ زمنية أخرى
محورية، كما في: «في رمضان، سبعة شهور بعد الهجرة.» الأحداث الواردة في ابن إسحاق بدون
تاريخٍ أو ترتيبٍ زمني، ومجمَّعة معًا في نهاية قسم المغازي، يقدِّم لها الواقدي تاريخًا
ويضعها في تسلسلٍ زمني.
لكنَّ أيَّ توقُّع بأننا نتناول نظامًا مقبولًا للتتابع الزمني يتبدد سريعًا. كما
لاحظ
كيتاني
Caetani، التتابع الزمني حتى غزوة بدر، يوضِّح
اختلافاتٍ واسعة، ويمكن تطبيق الكلام نفسه في مواضعَ أخرى.
١٩ هناك غالبًا تواريخُ مختلفة للأحداث نفسها، على سبيل المثال: غزوة الخندق
يؤرخها موسى بن عقبة في ٤ شوال، وابن إسحاق في ٥ شوال، والواقدي في الخامس من الشهر التالي.
وتحليل هذه الاختلافات يوحي بانقسامٍ إلى أربع فئات.
٢٠ تتكوَّن الأُولى من حالات عليها اتفاق كامل أو كامل تقريبًا في المصادر بشأن
تاريخِ حدث؛ وتضمُّ الكثير من الأحداث المهمَّة مثل غزوة بدر وأُحد وفتح مكة. وتشمل
الثانية، تواريخ تقبل بعد الفحص والنقد الداخلي للنصوص، كما في حالة تأريخ الواقدي للأحداث
حتى بدر. ثالثًا: هناك تواريخ يقدِّمها الواقدي وحده ولا يؤيِّدها أيُّ مصدرٍ آخَر. أخيرًا،
هناك حالاتٌ فيها تضارُب لا يمكن حلُّه في المصادر.
٢١ يمكن أن نرفض حالات الفئة الأخيرة دون تفكير. البيانات في الفئة الأُولى مسلَّم
بها أدلةً تاريخية، وأيضًا، بشكلٍ أقل، بيانات الفئة الثانية. تلك التي يقدِّمها الواقدي
وحده يمكن تناولها بحذر. تأريخه الدقيق لأحداثٍ مثل غزوة دومَةِ الجَندَل لا يثبت دائمًا
أمام الفحص الدقيق،
٢٢ ونشكُّ في أنه ربما حاول مَلءَ بعضِ الفجوات بعملية استنباطٍ منطقي. وقد استقرت
هذه المؤهلات؛ ينبغي الاعتراف بأنَّ الواقدي يبدو أصحَّ الرواة الأوائل بشأن مسائل التتابع
الزمني. إنه يقدِّم إطارًا زمنيًّا كاملًا ومُمنهَجًا، وهناك حالات، مثل تأريخه للأحداث
حتى
بدر، يُثبت فيها النقد النصي صحةَ تاريخه.
٢٣
ثمة تطور موازٍ لمنهجة التتابع الزمني، يمكن رؤيته في الطريقة التي تبدأ بها الأحكام
الشخصية للمؤلف في الظهور في النصوص. بقدر ما نعرف، لم يفعل موسى بن عُقبةَ هذا؛ وابن
إسحاق
(كما يلاحظ جليوم) فعَلَ هذا نادرًا. يعبِّر الأخير عن تحفُّظه بشأن بعض المواد التي
كان
يسجِّلها فقط بعباراتٍ نمطية متكرِّرة كثيرة عن الشك، مثل «أكد» أو «والله أعلم». في
المقابل، يقدِّم الواقدي تصريحاتٍ صريحةً وقاطعة بشأن مادته. على سبيل المثال، وقد قدم
نسختَين من التفاصيل في إحدى رواياته، يصرِّح: «والحديث الأول أثبت عندنا.» وحين لا يقرِّر
أيَّ النسختَين أفضل، قد يقول ببساطة: «حدث بالروايتَين.» وإذا كان لقصة أن تُرفَض، يكتب:
«أنكَرَ كلُّ صحابتنا هذه الحكاية.» وبشكلٍ أكثر دلالة بشأن الموقف النقدي، تصريحه في
رواية
حادث بني قُريظة: «ولم يُسمع بهذا الحديث في قتالهم، وأراه وَهَل. هذا في خيبر.»
٢٤
ثمة خاصيتان أخريان في الواقدي، تشيران إلى تطور أدب
المغازي، وتثيران أسئلةً مهمة فيما يتعلق بالعلاقة التي لم تستكشف بعدُ بين
الأدب الجغرافي العربي و
التفسير. لا يقدِّم ابن إسحاق
أيَّ تفاصيل عن مواضعِ الأماكن المذكورة في نَصه (الموجودة في السيرة من وضْعِ ابن هشام).
لكنَّ الواقدي يقدِّم عادةً تفاصيل معيارية للأماكن المذكورة، وليستْ طارئة؛ حيث إنَّ
ابن
سيِّد الناس ينسب له التصريح التالي: «ما أدركْتُ رجلًا من أبناء الصحابة وأبناء الشهداء
ولا مولًى لهم إلا سألتُه: هل سمعتَ أحدًا من أهلك يخبرك عن مشهده وأين قتل؟ فإذا أعلمني
مضيتُ إلى الموضع فأُعاينه، ولقد مضيتُ إلى المريسيع فنظرْتُ إليها. وما علمْتُ غَزاة
إلَّا
مضيتُ إلى الموضع، حتى أعاينه.»
٢٥ وبشكلٍ مماثل يقدِّم معلوماتٍ إضافية عن التفسير و«أسباب النزول». وضَعَ هو
وابن إسحاق أقسامًا في نهاية الحديث عن بدر وأُحد، تشير إلى آياتِ القرآن التي تروي هذه
الأحداث؛ ويمد الواقدي هذه المعالجة إلى المغازي الأخرى.
يوضِّح تناوُل المؤلفين الثلاثة — الذين نناقش أعمالَهم — لغزوة بدر؛ خصائص ممثِّلةً
بشكلٍ أكبر لأعمالهم مفردة. كما قد نتوقع، في حالة حدث بهذه الشهرة، التوسعَ العام في
الموضوع نفسه في الثلاثة، وتبقى هناك اختلافات مهمَّة. على سبيل المثال، في القوائم التي
يقدِّمها للمشاركين من المسلمين ابن كثير
٢٦ وابنُ سيِّد الناس
٢٧ اختلافاتٌ كثيرة تُنسب إلى موسى بن عُقبة. الأخير أيضًا، يذكر وحده أنَّ النبي
رفَضَ التنازلَ عن فِديةِ العباس رغم طلَبِ الأنصار.
٢٨ كانت قضيةُ اشتراكِ العباس في الغزوة قضيةً ذات حساسيةٍ سياسية في العصور
التالية، ويتناولها ابن إسحاق والواقدي بحذرٍ أكثر من موسى بن عُقبة. لا يذكره ابن إسحاق
في
قائمة الأسرى، ومع أنَّه يذكر أن العدد الإجمالي ثلاثةٌ وأربعون؛ لا يسمِّي إلا اثنَين
وأربعين، ويفترض أنَّ العباسَ الاسمُ الناقص.
٢٩ ويعترف ابن إسحاق في موضعٍ آخر بأنه كان أسيرًا، ويأتي ذلك مصحوبًا بقصة أن
النبي لم ينَم حتى تحرَّر.
٣٠ لا يذكر الواقدي متعمِدًا أيَّ شيء عن الأمر، لكنه يبذل جهودًا تبريرية أكثر
حتى من ابن إسحاق؛ في قصة حلم عاتكة، يظهر العباس وهو يردُّ بقوة على إهانة أبي جهل،
٣١ بدلَ أن يستسلم كما في نسخة ابن إسحاق.
٣٢
تكشف القصة نفسها أن الواقدي لم يكن يفتقر إلى روح الدعابة الساخرة. كان الحُلم عن
صخرةٍ
هائلة تحطمت وتناثرت ودمرت كلَّ بيوت مكة، لكن الواقدي يضيف: «فكان عمرو بن العاص يحدِّث
فيقول: لقد رأيتُ كلَّ هذا، ولقد رأيت في دارنا فلقةً من الصخرة.» يبدو أنَّ الحُلم في
طريقه ليصبح حكايةً شعبية عن أحداثٍ حقيقية.
نسخة الواقدي عن بدر لا تزال الأفضلَ ترابطًا، وتحتوي على الكثير من المواد العارضة
ذات
الأهمية التاريخية العظيمة، مثل تفاصيل استثمار المكيين في القافلة التي تعرضت للكمين
في بدر.
٣٣ ويقدِّم أدب المغازي ككلٍّ ثروةً من المادة الأصلية عن الفترة التي قضاها النبي
في المدينة؛ ونتيجةً ثرائه وشمول محتواه، فهو أهمُّ مصدر عن التطور الاجتماعي والسياسي
للمجتمع الإسلامي في بداياته.