الفصل السابع عشر
أدب السيرة
م. ج. كيستر، الجامعة العبرية بالقدس
ظهر أدب
السيرة، المستوحى من الشخصية الجليلة للنبي،
حاملًا سماتِ الأحداث السياسية العاصفة للفتوحات، والتغيرات الاجتماعية في المجتمع
الإسلامي، وصراعَ مختلفِ الفِرَق في الفترة التالية لوفاة النبي. نشأ في النصف الأول
من
القرن الأول للهجرة. وبنهاية القرن، أُنتجتْ أول مصنفاتٍ أدبية طويلة. ويرتبط تطور أدب
السيرة ارتباطًا وثيقًا برواية
الحديث، وينبغي رؤيته مرتبطًا بها. كانت معظم الأخبار عن أحاديث النبي
وأوامره، في حياته، تُروى شفهيًّا، ولم يُدوَّن إلا القليل منها. رغم أنَّ بعض الحكايات
عن
تسجيل الأحاديث والأعمال والأوامر التي أملاها النبي لصحابته؛ مشكوكٌ فيها ومثيرةٌ للجدل
١ وينبغي فحصُها بحذَرٍ (ورفضها في النهاية)؛ فإن بعضها جديرٌ بالثقة. من الواضح
أنَّ المعاهدات التي أبرَمَها النبي مع مختلف المجموعات
في المدينة بعد وصوله إليها دُونت لتكون أساسًا شرعيًّا لحياتهم المشتركة. رسائله إلى
الحُكام والولاة وشيوخ القبائل مسجَّلة في بعض مصنفات
السيرة. وتضمُّ
السيرة أيضًا حكايات عن
المعاهدات التي وقعتْ بين النبي والقبائل، أو المناطق التي فُتحت، والمنح التي وهبت لزعماء
القبائل.
نقلت المعلومات عن جباةٍ عيَّنهم النبي، إلى القبائل التي أُوفدوا إليها. يتمُّ تداول
أخبار انتصاراتِ النبي وفتوحاته على نطاقٍ واسع في المناطق الشاسعة من شبه الجزيرة العربية.
وكلُّ هذه المواد تشكِّل جزءًا أساسيًّا من السيرة.
وإضافةً إلى هذا، شكَّلت مودَّة صحابة النبي وولاؤهم، احترامه وخشيته، في مقابل مواقفِ
المجتمعات الأخرى وأعرافها وممارستها تجاه حكَّامها وزعمائها ورؤسائها؛ موضوعًا مفضَّلًا
للحديث في تجمعات صحابته، إضافةً إلى تجمعات أعدائه، ودُمجت في مصنفات
السيرة. شكَّلت الاتصالات اليومية للنبي بأُسرته وأقاربه
وأتباعه وخصومه، مادةً سجَّلها الرواة. سَعَت
السيرة إلى
تقديم معلومات عن الرجال الذين ساعدوا النبي بإخلاصٍ وإيمان، وعن خصومه وأعدائه الألدَّاء
الذين اضطهدوه وحاربوه بعد ذلك، وعن المنافقين الذين أخفوا كفرهم والكراهية التي تعتمل
في
نفوسهم، وعن الصحابة الذين عانوا وحاربوا من أجله؛ لذا صارت
السيرة سجلًّا لحياة المجتمع المعاصر، كما تنعكس في العلاقات المتبادلة بين
النبي وهذا المجتمع. ويُقيَّم كلُّ عضو في هذا المجتمع بفضائله وآرائه وأفعاله، ويوضع
على
مقياسٍ متدرِّج طبقًا لمنزلته مؤمنًا ومقاتلًا ومناصرًا وداعمًا، أو عدوًّا ومنافقًا.
ومن
المعقول أنَّ الناس، في المصنفات الأُولى
للسيرة، شكَّلوا
بحماسٍ قوائم بأول مَن اعتنقوا الإسلام، وأول مَن عانوا من أجل قضية الإسلام وأول مَن
هاجروا إلى الحبشة، وأول مَن أقسم من أهل المدينة على الولاء، ومن عارضوا النبي في مكة،
إلخ. وفي وقتٍ لاحق، صُنِّفت رسائل خاصة عن هؤلاء الأشخاص،
الأوائل.
٢ التقييم الدقيق لمآثِر صحابة النبي وأعمالهم أدَّى إلى تصنيفِ سِيَر
الصحابة.
وإضافةً إلى ذلك، تطلبت بعض آيات القرآن، التي تشير إلى بعض الأحداث في حياة المجتمع،
التفسيرَ والتوضيح. وكان من الضروري تحديدُ الناس أو الأحداث التي تشير إليها بعضُ الآيات.
ليكون للتفسير مصداقية في رأي المجتمع الإسلامي، ينبغي
أن يتأسَّس على حديثٍ منسوب للنبي أو لأحد صحابته. وضَّحت هذه الأحاديث أو القصص أو الأخبار
خلفيةَ هذه الآيات القرآنية وظروفها، مؤكِّدةً مَن تُشير إليهم ومقدِّمةً تفاصيلَ عن
الحدث
المذكور. تطورت هذه المجموعات من الأحاديث، التي تشكِّل جزءًا أساسيًّا من
السيرة، إلى فرعٍ مستقل من تفسير القرآن، «أسباب النزول». تحمل
الفقرات المطوَّلة التي سجَّلها ابن طاووس من «التفسير» المبكِّر للكلبي،
٣ معظم الأحداث التي نقلها الكثيرُ من العلماء عن موضوع «أسباب النزول» في
تفسيراتهم دليلًا على ثراءِ هذه المادة ودورها في تفسير القرآن. ومن الناحية الأخرى،
سجلت
مصنفات
السيرة آيات القرآن، مقدِّمة مادةً مناظِرة عن
ظروف النزول. وهكذا سار تطوُّر أدب
السيرة على خطوطٍ
متوازية مع تطور
التفسير، متشابكَين ومتداخلَين
ومتعاونَين وأحيانًا متعارضَين.
(١) المصنفات الأولى
ثمَّة موضوعٌ بالِغ الأهمية في تشكيل أدب السيرة،
تمَّ تناوله بشكلٍ شامل أيضًا في تفسيرات القرآن، وهو مجموعةُ قصصٍ حول خلْقِ العالَم،
وأيضًا حول الرسل والأنبياء الذين أرسلهم الله إلى شعوبٍ مختلفة وذَكرَهم القرآن.
امتدَّت هذه القصص واستكملتْ بموادَّ مستمدةٍ من مصادر يهودية ومسيحية وزرادشتية، نقلها
مَن اعتنقوا الإسلام من هذه الديانات. ومن الواضح أن هذه «القصص التوراتية»، كان ينبغي
أن تحظى بقبولِ الدوائر التقليدية. ولم يكُن لهذا أنْ يحدُث، كما هو معتادٌ في الإسلام،
إلا بحديثٍ عن النبي. شرَّع الحديث المستخدَم في هذه الحالة («حدِّثوا عن بني إسرائيل
ولا حرج») تدفُّقَ الأساطير والقصص «التوراتية» التي تدفقتْ في مجال الإسلام. ويبدو
أنَّ أول تصنيف من هذا النوع كتابُ حمَّاد بن سلامة (ت: ١٦٧ﻫ/٧٨٣م)، وهو معاصِر لابن
إسحاق، بعنوان «أخبار بني إسرائيل».
وسَّعت عمليةُ توضيح قصص القرآن وتضخيمها من مجال مفهوم المسلمين للتاريخ. قدَّر
الله
سيرةَ محمَّد وتكوينَ مجتمعه قبل خلْق آدم. قُدِّر لمحمَّد أن يكون نبيًّا قبل خلق آدمَ
بزمنٍ طويل. لو لم يكُن محمدٌ ما خلَقَ الله آدم.
قبل خلق الدنيا بتسعة آلاف سنة، كما يقول الحديث، خَلَق الله نورَ محمَّد. وتحوَّل هذا
النور حول قدرته وحمده. من هذا النور خَلَق الله
جوهرةً، ومن هذه الجوهرة خَلَق الماءَ العذب ومنحه بركته. لألفِ سنة اضطَرَب الماءُ ولم
يهدأ. ومن هذا النور، خَلَق الله عشرةَ أشياء: العرش، والقلم، واللَّوح، والقمر،
والشمس، والنجوم، والملائكة، ونور المؤمنين، والكرسي، ومحمَّدًا. نورُ محمَّد، الذي كمن
في الأسلاف الأنقياء للنبي، انتقل في سلسلةِ النسب حتى وصَلَ إلى النبي. منَحَ اللهُ
آدَمَ كنيةَ «أبو محمد». اسم محمد مكتوب على عرش الله؛ رأى آدمُ هذا النقش حين خُلق.
حين اقترف الذنب، توسَّل إلى الله أن يسامحه مشيرًا إلى اسم محمَّد.
أدَّى الاتصال بين محمد والفاتحين المسلمين وشعوب المناطق التي تمَّ فتحها، حَمَلة
التقاليد الثقافية والدينية القديمة بمعرفةٍ ثرية للمعتقدات والقصص النبوية، إلى ظهور
أدبٍ يهتمُّ بمعجزات النبي. انتشرتْ على نطاقٍ واسع قصصٌ عن معجزاتٍ قام بها النبيُّ
نفسه أو حقَّقها له الله، وجُمعت في وقتٍ لاحق؛ كانت مصنفات عن معجزاته: «أمارات
النبوة»، «أعلام النبوة»، «دلائل النبوة». تقارن القدرة على القيام بالمعجزات، التي
وهبها الله النبي، وأعماله الخارقة، غالبًا في هذه الكتب بالمعجزات التي حقَّقها
الأنبياء السابقون.
٤ يؤكِّد الحديث على أنَّ النبي تفوَّق على الأنبياء الآخَرين في النِّعم
التي مُنحت له والمعجزات التي حقَّقها. فرَضَ الله على الأنبياء أن يبشِّروا شعوبَهم
بظهورِ محمد، ودعاهم لاعتناقِ دينه. فرضية أن هذا الجنس الأدبي الذي يتناول «
الدلائل» نما تحت تأثير الاتصال بالأديان الأخرى، تؤكِّده
حكايةُ رسالةٍ أرسلها هارون الرشيد إلى الإمبراطور البيزنطي سجَّل فيها «أعلام نبوة»
محمد. الرسالة صنَّفها أبو الربيع محمد بن الليث القُرشي بعد تصفُّحٍ تفصيلي ﻟ «كتب الأعاجم».
٥ يُنسب للمأمون، ابن هارون، كتابٌ بعنوان «أعلام النبوة»؛ ويبدو أنَّه أول
مصنَّف في الموضوع. وتلتْه رسالة الجاحظ (ت: ٢٥٦ﻫ/٨٧٠م)، بعنوان «دلائل النبوة»،
٦ و«أمارات النبوة» للجُوزجاني (ت: ٢٥٩ﻫ/٨٧٣م). بعد ذلك صنَّف
ابن قتيبة (ت: ٢٧٦ﻫ/٨٨٩م) «أعلام النبوة». وصنَّف
كتابَين بعنوان «دلائل النبوة»، في الوقت ذاته، ابن أبي الدنيا (ت: ٢٨١ﻫ/٨٩٤م) وإبراهيم
الحربي. صنَّف كتبًا أخرى عن «الدلائل» الفارابي (ت: ٣٠١ﻫ/٩١٤م) وإبراهيم بن حمَّاد بن
إسحاق (ت: ٣٢٣ﻫ/٩٣٥م) ومحمد بن الحسن النقَّاش (ت: ٣٥١ﻫ/٩٦٢م) وأبو الشيخ الأصفهاني (ت:
٣٦٩ﻫ/٩٧٩م) ومحمد بن علي الشاشي (ت: ٣٦٥ﻫ/٩٧٥م) وأبو حفص عمر بن شاهين (ت: ٣٨٦ﻫ/٩٩٦م).
وصنف عبد الملك بن محمد الخركوشي (ت: ٤٠٧ﻫ/١٠١٦م) كتابًا شاملًا عن «الدلائل» بعنوان
«شرف المصطفى». ويشكِّل «أعلام النبوة» جزءًا كبيرًا من هذا المصنف؛ ويحتوي على مادةٍ
ثرية جدًّا عن حياة النبي. ويتطرَّق المؤلف إلى نسَبِ النبي وفضائله وغزواته وأمثاله
وأحلامه، وفضائل أُسرته، وفضائل المدينة ومسجد النبي، وفضائل الصحابة، وفضائل مكة
والقصص التي بشَّرت بظهور النبي. وكان كتاب الخركوشي متداوَلًا على نطاقٍ واسع. وكثيرًا
ما اقتبس عنه المؤلِّفون السُّنة والشيعة. ويناقش العالِم المعتزلي الشهير عبد الجبار
الهمذاني (ت: ٤١٥ﻫ/١٠٢٤م) في كتابه «تثبيت دلائل النبوة» معجزاتِ النبي على خلفيةٍ
واسعة من الوضع التاريخي، ويلجأ إلى مقارنات بالديانات الأخرى ويدخل في مجادلاتٍ مع
الفِرَق الإسلامية غير التقليدية.
صارت مصنَّفات النصف الأول من القرن الخامس، «دلائل» أبي بكر أحمد البيهقي (ت:
٤٥٨ﻫ/١٠٦٦م) و«دلائل» أبي نعيم الأصفهاني (ت: ٤٣٠ﻫ/١٠٣٨م)، شائعةً جدًّا. في الفترة
نفسها كَتبَ أبو ذَر الهروي (ت: ٤٣٥ﻫ/١٠٤٣م) كتابًا آخَر عن «الدلائل». وكثيرًا ما
تقتبس المصنفات اللاحقة عن أدب السيرة من «أعلام النبوة» للعالِم الكبير الماوردي (ت:
٤٥٠ﻫ/١٠٥٨م). وفي الفترة نفسها، صُنِّف «دلائل» المستغفري (ت: ٤٣٢ﻫ/١٠٤٠م).
ومن بين المصنفات الكثيرة في هذا الجنس الأدبي، يستحقُّ الذِّكر الكتاب الشهير للقاضي
عياض اليَحْصَبي (ت: ٥٤٤ﻫ/١١٤٩م)، «الشِّفا في تعريف حقوق المصطفى»؛ فقد صار من أشهر
الكتب وأكثرها إثارةً للإعجاب في بعض الدول الإسلامية.
تمجيدُ شخصِ النبي، كما يتَّضح في هذه المصنَّفات عن «دلائل النبوة»، كان في الحقيقة
استمرارًا لاتجاه مبكِّر جدًّا، ذُكر من قبل؛ بدأ بعد وفاة النبي بوقتٍ قصير. تشكل
المعجزات التي حققها النبي، أو تحققت له، جزءًا أساسيًّا من «سيرة» ابن إسحاق. في
«الجامع» لمعمر بن راشد، فصلٌ خاص بهذا الموضوع. ترِدُ العناصر الخارقة في «سيرة» موسى
بن عقبة
٧ ويذكُرها الزهري في أحاديث السيرة.
٨ يضمُّ أقدم مصنف
للسيرة، «سيرة» وهب بن
منبِّه (ت: ١١٠ﻫ/٧٢٨م، أو ١١٤ﻫ/٧٣٢م)، كميةً غير عادية من القصص الخارقة كما تشهد على
ذلك أجزاء البرديات.
٩ وكان فك
Fück محقًّا في حدسه، الذي قدَّمه
قبل أن يقرأ أجزاء البرديات، بأنَّ «سيرة» وهب عملٌ تتشابك فيه الحقيقة والأسطورة عن
حياة النبي، لتحوِّلها إلى قصة مسلية.
١٠ تحتوى أجزاءُ بردياتِ وَهْب على العناصر الخارقة نفسها، التي يمكن العثور
عليها في المصنَّفات بعد ذلك. يناظر دورُ الشيطان في مجلس أهل مكة، الذي عُقد للتخلُّص
من محمد، ما نراه في سِيَر النبي بعد ذلك. موضع قصة
الهجرة في البردية مماثل لمَا ورد في المصنفات بعد ذلك. تضمُّ، على
سبيل المثال، القصة الخارقة عن أمِّ معبد، المذكورة، مع اختلافاتٍ قليلة، في كلِّ
السير التالية تقريبًا؛ قصة سراقة؛ قصة الحمامة
والعنكبوت في مدخل الكهف، والتراب الذي ألقي على رءوس الحارس القرشي المراقِب المحاصِر
للبيت. هذه القصص كلُّها عناصر أساسية في السِّيَر التالية، لكنْ يمكن تتبُّع بعضَ
فقرات بردية وَهْب في المصنفات التالية؛ أُهمِلتْ على ما يبدو. هذه حالةُ رسالةِ طُفيل
بن الحارث إلى جعفر بن أبي طالب في الحبشة، وقصة لقاء أبي بكر مع الشيطان؛ لا يمكن
اقتفاء أيٍّ منهما في القصص الأخرى. يحتوي جزءٌ من البردية على تسجيلٍ لغزوة عليٍّ ضدَّ
خَثْعم. وتشهد القصةُ بشكلٍ كامل على أثَرِ الاتجاه الشيعي على تطوُّر أدب
السيرة في بدايته.
حلَّل عدة علماء بعمقٍ مختلفَ مراحل المصنفات الأُولى. تؤكِّد أجزاء «سيرة» وَهْب
تخمينَ هؤلاء العلماء بشأن الخاصية الشعبية المُسلية في قصص السِّير الأُولى. مزيجٌ من قصص الخوارق، حكاياتٌ تثقيفية وتسجيلاتٌ
لمعارك يمكن أحيانًا استنباط اتجاهات أيديولوجية أو سياسية منها. كانت هذه القصص
متداوَلة على نطاقٍ واسع بين المؤمنين، واعتاد الأتقياء روايةَ السيرة في المساجد ومناقشةَ المغازي
في مجالسهم. وكان واجبُ روايةِ المغازي يُعتبر أقلَّ إلزامًا من نقْلِ أحاديث النبي.
امتنع العلماء عن تسجيل الأحاديث التي يرويها علماء
ليسوا محلَّ ثقة، ولم يتردَّدوا في رواية مادة المغازي المنقولة عنهم. في فترةٍ لاحقة فقط، في النصف الأول من القرن
الثاني، تفاعَلَ علماء الحديث بقوةٍ ضدَّ أدب
السيرة الشعبية، وبذلوا محاولاتٍ لحذف القصص
الشعبية المشكوكِ فيها، بتطبيق القواعد الصارمة لنقد الحديث، لكنَّهم لم ينجحوا؛ امتصَّ أدبُ السيرة هذه القصصَ واستمرَّ ينقلها. تعكس أجزاءُ بردية وَهْب المرحلةَ
المبكرة جدًّا من التشكيل الأسطوري للسيرة؛ «سيرة»
ابن إسحاق مجموعةٌ منتقاة من هذه المادة. تحتوي المصنفات اللاحقة مثل «السيرة الحلبية»،
و«السيرة الشامية»، و«سيرة المواهب» للزرقاني، و«الزهر الباسم» لمغلطاي؛ على إشاراتٍ
للأحاديث الشعبية المبكِّرة التي لا تُدمج عادةً في مصنفات السيرة المقبولة عمومًا.
(٢) الشِّعر في السيرة
من السمات المميِّزة لأدب السيرة في بداياته، إدراج العديد من الفقرات الشعرية.
١١ كثيرًا ما يرتجل أبطال القصص المرويَّة أشعارًا تشير إلى الأحداث الواردة؛
في الفقرات الشعرية يلقي الأنصارُ اللومَ على الآخرين شِعرًا، ويشرح المقاتلون فضائلهم
ويمجِّدون فضائلَ عشائرهم أو زعمائهم، ويندب الشعراء الأقاربَ المحارِبين الذين قُتلوا
في معركة. هذه المؤلفات الشعرية رديئةً عمومًا إلى حدٍّ ما. تشبه الفقرات الشعرية
المرتبِطة بقصص
المغازي إلى حدٍّ كبير شعرَ
الأيام (أيام المعارك). وجزءٌ من هذا الشعر مزيَّف، وكشف
عرفات بشكلٍ مقنِع بعضَ هذا التزوير؛
١٢ لكن بعض القطع تبدو أصيلة، لكنْ حتى للقصائد المزيفة، وهي تعكس الصراع
الداخلي في المجتمع الإسلامي، بعضُ الأهمية: قد تساعد الإشارات التاريخية في هذه
الأشعار على التمعُّن في الحدث المشارِ إليه؛ بدأ نشاط المزيِّفين في العقود الأُولى
من
القرن الأول، وكان المزوِّرون على اطِّلاعٍ وثيق بتفاصيل الحدث.
وللأشعار الشعبية أهميةٌ في أدب السيرة. بعضها
يُنسب إلى أشخاصٍ غير مرئيين، يُلقونها على الجِّن أو الأصنام أو الشيطان أو ذريته.
ويمكن العثور على هذه العينات من الشِّعر الشعبي في أجزاءِ سيرة وَهْب، وفي مصنَّفات
ابن إسحاق والطبري وأبي نُعَيم والبيهقي وفي السِّيَر التالية للنبي. ويُمثَّل هذا
الاتجاه؛ في مصنفات السيرة لأبي الحسن البكري. تحافظ قصائدُ في مدح النبيِّ على عناصرِ
قصائدِ مدح زعماء القبائل.
لكن محتويات مدائح النبي، تختلف في بعض الأوجه: تشدِّد خاصة على رسالة النبي، وتؤكِّد
على خصائصه الروحية، وتمتدح الدين الجديد وتشير إلى الولاء الشخصي أو القبلي للنبي
والإسلام. وتعبِّر عن رُوح الدين الجديد وتشدِّد على القيم المعنوية للإسلام، وكثيرًا
ما تربط بينها وبين الأفكار القديمة والزهو والتفاخُر القَبَلي.
قد تمدُّنا بعض الملاحظات عن تغيُّر الموقف تجاهَ الشِّعر في صدْرِ الإسلام ببصيرةٍ
أفضل لتقييم شِعر
السيرة. كان الموقف في القرآن تجاهَ
الشِّعر والشعراء واضحًا ومعارضًا صراحة.
١٣ استمرَّت بعض الدوائر الدينية في موقفها السلبي تجاه الشعر الوثني، ودعمتْ
حجتها أكثر بحديثٍ شهير منسوب للنبي: «لأنْ يمتلئ جوفُ أحدكم قيحًا خيرٌ له من أنْ
يمتلئ شعرًا.»
١٤ ويتَّفق مع هذا الرأي، أن تنفي عائشة بشدَّة، في حديثٍ منسوب لها، الادعاءَ
بأنَّ أبا بكر كان يُلقي الشعر. الشعر في خطبةٍ منسوبة لمعاوية ضمن سبعة أشياء حرَّمها
النبي.
ثمَّة نسخة من حديث النبي يتضمن الإضافة التالية: «من أنْ يمتلئ شعرًا هُجيت به»،
وتوضِّح الميل إلى التضييق على مجاله.
١٥ وطبقًا لهذه النسخة الموسَّعة، يُسمح برواية الشِّعر الذي لا يحتوي على
هجاء للنبي.
وينعكس هذا الاتجاه نفسه للتنازل والحلول الوسط في حديثٍ آخر يُنسب للنبي. يقال إنَّ
النبي قال: «إنَّ من الشِّعر لحكمة.» حظي بوضوحٍ جزءٌ كبير من الشعر الذي يحتوي على
حكمةٍ أو وعظ أو قيمٍ تهذيبية أو خلُقية بالقبول في الدوائر التقليدية.
يبيح حديثٌ آخر منسوب للنبي الشِّعر؛ إذا كان الهدف منه تحقيقُ العدل، أو كان وسيلةً
للخلاص من الفقر والتعبير عن الامتنان لنعمة.
وأُشِيرَ إلى أنَّ سبب تحريم رواية الشِّعر أنه يثير مناقشاتٍ وفُرقةً بين القبائل.
وكانت أشعار التشهير والافتراء التي قد تهدد العلاقات السِّلمية في المجتمع الإسلامي
خطيرةً ومُؤذِية. كان هذا الشعر يُستهجَن ويُرفَض. وكان الشعر الذي يدعم النبي وصراعه
ضدَّ الكفار والشعر المكتوب من أجل قضية الإسلام، بالطبع، جديرًا بالثناء. والتعبير
الاستثنائي في القرآن، الآية ٢٢٧ من سورة الشعراء؛ تفسَّر بأنها تشير إلى شعراء النبي،
الذين امتُدِحوا. وُصفوا بأنهم يقارعون الكفار بأشعارهم؛ لذا يسجِّل أدبُ السيرة
ومصنفات
الأدب قِصصًا عن أنَّ النبي شجع الشعراء
الذين نظموا قصائد في حمد الله، وكان يحبُّ الاستماع إلى الشِّعر الجيد الجميل الذي
يُنشده الشعراء. يقول حديثٌ إنَّ أبا بكر جاء إلى الرسول وفي حضرته شاعرٌ يلقي قصيدة.
فسأله أبو بكر: «أشعرٌ وقرآن؟!» فقال النبي: «هذا مرةً وهذا مرة.»
١٦
هكذا كان هناك شِعرٌ جيد، يسمح به وكان النبي يُنشده أحيانًا، وشِعرٌ سيِّئ ممنوع.
صاغتْ عائشة الأمرَ كما يلي: «الشِّعر منه حسَنٌ، ومنه قبيح، خذ بالحسَن ودَعِ القبيح.»
١٧ وهناك حديثٌ مماثل يُنسب للنبي: «الشعر كلام؛ حسنه حسنٌ وقبيحه قبيح.»
١٨ وطبقًا لهذا الحديث، يُرفع تمامًا الحظر المفروض على الشِّعر؛ على المستمع
أن يميِّز بين الشعر الجيِّد والرديء ويختارَ الجيِّد، بالضبط كما ينبغي أن يميِّز بين
الكلام الجيِّد والرديء ويختار الجيِّد. وعَملَ ابنُ عمر بهذه الطريقة: استمع إلى
إلقاءِ شاعر، وحين بدأ الشاعر يُلقي أبياتًا غيرَ لائقةٍ أوقَفَه.
ثمَّة خطوةٌ أخرى في تطور الموقف الإيجابي تجاه الشِّعر، وهي إضفاء الشرعية على
الشِّعر
الجاهلي. هناك حديثٌ، يُنسب للنبي عن أبي
هريرة، ينصُّ على أنَّ النبي سَمحَ برواية الشِّعر
الجاهلي باستثناء قصيدتَين (واحدةٌ لأمية بن أبي الصَّلت، والأخرى
للأعشى). وتنعكس الفكرة نفسها في الأحاديث بأنَّ النبي اعتاد الجلوسَ مع صحابته
والاستماعَ إلى روايتهم للشِّعر الجاهلي، مبتسمًا (دليلًا على القبول). ومن القِطَع
التي أُلقيت في حضرة النبي: أشعارٌ في المديح، وفي التأمُّل في الحياة والموت، وعن
الإيمان والتقوى؛ وهناك أيضًا بعض الأشعار الإيروسية، وأشعار ألقتْها نساء في عُرس،
وحتى شكوى من شاعرٍ هجر زوجته.
١٩
الموقف الإيجابي تجاه الشِّعر تمثِّله أحاديثُ تنصُّ على أنَّ الخلفاء الراشدين
الأربعة كانوا شعراء، وكانوا يستشهدون بالشِّعر أو يستمعون إلى إلقائه. ويقال إنَّ
عائشة كانت على معرفةٍ طيِّبة بالشِّعر؛ وكانت تُنشد قصائدَ لشعراء جاهليين وتشجع الناس على دراسة الشِّعر. واعتاد ابن مسعود
أن يلقي شعرَ الأيام (معارك العرب قبل
الإسلام).
يقتبس أبو ذَر (ت: ٦٠٤ﻫ/١٢٠٧م) رأيًا لعالِمٍ مسلم بأنَّ تحريم رواية الشِّعر فرضٌ
حين كان هناك صراعٌ بين المسلمين والكفار، لكنْ بمجرد اعتناق الناس الإسلام واختفاء
العداوات بين المؤمنين؛ لم يكن هناك اعتراض على رواية الشعر. هذا الرأي قائم على الموقف
الحقيقي في المجتمع الإسلامي في القرن الأول. كان الشعر يروى على نطاقٍ واسع، وكانت
القصائد تلقى في الجلسات الخاصة والأسواق، وحتى في المساجد. ألقى العالم الكبير، الشعبي
(ت: ١٠٣ﻫ/٧٢١م)، الشعرَ في مسجد الكوفة. اندهش عبد الله بن الزبير حين وجد مجموعةً من
الناس يلقون الشِّعر في ساحة الحرم المكي؛ وجادلوا بأنه ليس من الشِّعر المحظور. حين
وبَّخ عمرُ حسَّانًا لأنَّه ألقى شِعرًا في مسجد المدينة، قال: «كنتُ أنشد فيه، وفيه
مَن هو خيرٌ منك.» يشير حسَّان، بالطبع، إلى النبي. فتركه عُمر وسَمحَ بإنشاد الشِّعر
في المسجد. سُئِل محمد بن سِيرين، إن كان يسمح بإنشاد الشِّعر في شهر رمضان (يمضي البعض
إلى الزعم بأنَّ إنشاد الشِّعر ينقض الوضوء)؛ أنشد على الفور بيتًا أبعدَ ما يكون عن
الاحتشام، ثم قام وأمَّ الناسَ في الصلاة. وابن سِيرين هو الذي قال، حين وُجه إليه
اللومُ على إنشاد قصيدةٍ جاهلية: «ما يُكره شِعرُ الإسلام؛ شعرُ الجاهليةِ مُباح.»
ويمكن أن نخمِّن هُوية مَن أصرُّوا باستمرارٍ في معارضةٍ عنيدة على رواية الشِّعر من
إشارة مهمَّة لسعيد بن المسيِّب. وقد قيل له إنَّ قومًا في العراق يكرهون الشِّعر،
فقال: «هؤلاء ينسكون نسكًا أعجميًّا.»
شجَّع الحكَّام والولاة روايته، وأصبح الشِّعر من المواضيع الأساسية في تعليم الأمراء
الأمويين. واستمرَّ الشِّعر من أفضل انشغالات المجتمع الإسلامي في القرن الأول، حتى
كشفت القوات المقاتِلة على أرض المعركة عن اهتمامٍ حيٍّ به. أيُّ شاعر يفوق الآخَرين
في
فنِّ الشِّعر؟ مَن خيرُ الشعراء؟ كانت هذه مواضيعَ شائعةً للحديث والمناقشة.
ثمَّة قول مزعوم للنبي يعكس بدقَّة حُب الشِّعر عند العرب: «لا تدَعِ العربُ الشِّعر
حتى تدَعَ الإبلُ الحنين.»
٢٠ فسَّره ابن أبي السائب المخزومي بكلامٍ صائب إلى حدٍّ بعيد: «والله، لو كان
الشِّعر محرَّمًا لوردنا الرحبة كلَّ يوم مرارًا.»
٢١
ينبغي رؤية أصل شِعر السيرة، ونشأته ونموه، على خلفية الرواية المستمرة للشعر والصراع
لإضفاء الشرعية عليه. ببساطة، غير متعمَّدة، لكنْ بحيوية، صار عنصرًا دائمًا في أدب
السيرة في بداياته، وشاع على نطاقٍ واسع. لم يفحص العلماء محتويات السِّيَر المبكِّرة قبل القرن الثاني، وطبَّق العلماء
معاييرَ الحديث لتقييم صحتها. وينطبق هذا على الشعر في السيرة كما ينطبق على الأجزاء النثرية.
(٣) الأنساب
كانت الأنسابُ موضوعًا أساسيًّا في أدب السيرة.
تؤكِّد الأحاديث على نقاء نسَبِ النبي وخصائص أسلافه. خصَّصت فصول لفضائل قريش وأُسرة
النبي وبني هاشم.
حاولت أحاديثُ منسوبةٌ للنبي إثباتَ وجودِ رابطٍ قوي بين أسلاف النبي والإسلام. يقال
إنَّ كعب بن لُؤيٍّ تنبَّأ بظهور النبي. ويقال إنَّ النبي نهى عن ذمِّ مُضَر؛ لأنَّه
كان مُسلمًا حقًّا. حرَّمت نُسخ أخرى من حديث النبي ذمَّ ربيعةَ وامرئ القيس وأسد بن
خُزيمة وتميم والحارث بن كعب؛ ويقال إنهم جميعًا كانوا مُسلِمين أو مؤمنين بدين
إبراهيم. ثمَّة قائمةٌ أخرى من أسلافِ النبي حرمتْ إهانتهم؛ لأنهم مؤمنون حقًّا. ومنهم
عدنان ومَعدٌّ وأُدَد وخُزيمة وتميم وأسد وضبَّة. كان خُزيمة بن مُدركةَ أولَ مَن لَفظَ
بالشهادة. وكان إلياس بن مُضَر أيضًا مؤمنًا حقًّا؛ وكان أولَ مَن قدَّم أضاحي في
الحرم المكي، وحرمتْ إهانته. وكان معدٌّ من أتباع
حنيفيةِ إبراهيم، وعمل عدنان طبقًا للحنيفية؛ كان أولَ مَن كسا الكعبة بالجِلد. ووُهب نزار
«نور النبوة»، الذي انتقَلَ إلى محمد.
تمَّ التوسع في مجدِ نَسَب النبي، بطبيعة الحال، ليشمل كلَّ قريش؛ وتجسَّدتْ فكرة
فضْلِ قريش في أدبٍ غني عن «فضائل قريش». كانت قريش، كما يقول حديثٌ عن عبد الله بن
عباس، نورًا بين يدي الله قبل أن يخلق آدمَ بألفَي عام؛ فلمَّا خلَقَ آدم ألقى ذلك
النور في صُلبه وانتقل حتى وصل إلى النبي.
٢٢ فضلُ نسَبِ النبي يُصاغ في حديثٍ للنبي: «خيرُ العرب مُضَر، وخيرُ مُضَر
بنو عبدِ مناف، وخيرُ بني عبدِ مناف بنو هاشم، وخيرُ بني هاشم بنو عبد المطلب. والله
ما
افترقَت فِرقتانِ منذ خلَقَ الله آدمَ إلا كنتُ في خيرهما.»
٢٣ ثمَّة اتجاهٌ مضاد، وهو الانتقاص من فضل قريش، واضحٌ في حديثٍ ينصُّ على
أنَّ قبائل العرب لها نصيبُها في نسَبِ النبي. ومع ذلك أكَّدت حلقات المؤمنين في
المجتمع الإسلامي مكافِحةً ضدَّ الإفراط في دراسة علم الأنساب؛ على قيمة دراسة نسَبِ
النبي وأهميته.
لم يتبع الحظر على تتبُّع النسب بعد معدٍّ في حالة نسَبِ النبي؛ يرجع نسبه إلى
إبراهيم وتمَّ التأكيد خاصة على الارتباط الوثيق في الأصل والنبوة بينه وبين
إبراهيم.
(٤) التحزُّب
تركتِ الصراعاتُ المستمرة بين مختلف الفِرَق السياسية والأيديولوجية في المجتمع
الإسلامي؛ أثَرَها على صياغة السيرة. خدمت القصص
المبتكَرة والأحاديث المزعومة قضيةَ الحكَّام والمدعين والمتمردين. ونستشهد ببعض
الأمثلة فيما يلي:
يمكن رؤية التحيُّز العباسي بوضوح في قصة محاولة التضحية بعبد الله، والد النبي.
العبَّاس، طبقًا لهذه النسخة، هو الذي سحبه من تحت قدمَي عبد المطلب، محاوِلًا إنقاذَ
حياته. والعبَّاس أول من قبَّل النبي بعد ولادته؛ أخذتْه أمُّه إلى دار آمِنة، والدة
النبي، وأخذتْه نساء البيت إلى مهْدِ النبي، وشجَّعنه قائلاتٍ: «قبِّل أخاك!» ويتَّضح
الاتجاه نفسه في أخذ العبَّاس يمينَ الولاء من الأنصار للنبي في اجتماع العقبة. والحديث
بأنَّ العباس اعتنق الإسلام قبل غزوة بدر وعمل عينًا للنبي في مكة ليس أقلَّ دلالةً على
النية المبيَّتة. يحمل الحديث المنسوب للنبي، «العباس وصيي ووارثي؛ وعلي منِّي وأنا منه»،
٢٤ بصمةً عباسية مضادَّة للشيعة، تقف مقابل الحديث الشيعي بشأن وصاية علي.
٢٥ التعبير العام «عليٌّ منِّي وأنا منه» مجرَّد تأكيد على الوضع الخاص
للعباس.
الحديث الشهير للنبي، المعروف ﺑ «حديث الكِساء»، بأنه غطَّى عليًّا والحسنَ والحسينَ
بكِساء، يؤكِّد هُوية «أهل البيت» ويقدِّم حجةً جوهرية لإضفاء الشرعية على مطالبة عليٍّ
بالخلافة، له نظيره في حديثٍ مضاد، طبقًا له غطى النبيُّ العباسَ وأبناءه بكِساء وقال
إنهم أهله.
وليس من المستغرَب أن نجد حديثًا شيعيًّا يصِفُ كيف
أنَّ العبَّاس وأبا لهب حرَّضا الناس ضدَّ النبي وأعلنا على الملأ أنَّه كاذب.
الحديث عن
المؤاخاة بين النبي وعلي
٢٦ يقابل بحديثٍ بأنَّ النبي قال: «لو كنتُ متخذًا خليلًا لاتخذتُ أبا بكرٍ
خليلًا، ولكنَّه أخي وصحابتي.»
٢٧ للحديث الذي يتحدث عن علاقة الأخوة الحميمة بين النبي وعليٍّ أهميةٌ كبيرة
في إثبات شرعية مطالبة عليٍّ بالخلافة.
يعكس تضارب الأخبار عن أول رجلٍ اعتنق الإسلام، أبو بكر أم علي أم زيد بن حارثة،
مختلفَ آراءِ الأحزاب الدينية السياسية. يؤكِّد الشيعة بقوةٍ، بالطبع، أنَّ عليًّا أولُ
المؤمنين.
ويمكن ملاحظة التحيز الأموي في حديثٍ خاص يذكُر أنَّ أُسرة أبي سفيان، وهو أموي، كانت
أولَ مَن نبَّهها النبي وحذَّرها. رفض أبو سفيان كلماتِ الاحتقار من زوجته، قائلًا إنَّ
النبي ليس كذَّابًا أو ساحرًا.
الأخبار مختلِفة ومتضارِبة عن مختلف الأحداث في حياة النبي. تخضع بعضُ الأحداث، حتى
البارزة جدًّا، لمناقشاتِ الرواة والعلماء. ويمكن هنا مراجعةُ بِضْع حالاتٍ فقط.
اختلاف الأحاديث عن عدد أبناء النبي وهويتهم، طُمست أكثر بالاختراعات المُغرِضة
للفِرَق السياسية الدينية. ينصُّ خبرٌ شيعي على أن رقيةَ وزينبَ بنتا هالة، أخت خديجة.
ويزعم حديثٌ آخَر أنهما بنتا جحش.
٢٨ وهذه حجةٌ مهمة في جدل الشيعة ضدَّ عثمان، الذي يسمَّى «ذا النورَين»؛ لأنه
تزوج اثنتَين من بنات النبي.
وتختلف الأخبار أيضًا عن تاريخ ميلاد النبي، والوحي، وعُمْر خديجة حين تزوَّجها
النبي، والهجرة، وتغيير القِبلة، والترتيب الزمني لغزوات النبي وغاراته.
أعيد ترتيب قوائم المشاركين في الأحداث الحاسمة بشكلٍ متعمد أو تعرَّضت للتغيير.
حَذفَ بعض الأنصار، كما يقول خبرٌ للكلبي والواقدي، بعضَ أسماء المشاركين في اجتماع
العقبة ووضعوا مكانها أسماءَ أقارب لهم لم يحضروا الاجتماع. خضعتْ أيضًا قوائمُ
المشاركين في بدر للمناقشات. سأل ابن سعد عن نسَبِ الأنصار، ثم حذف اسمًا زائفًا من
قائمة مَن شاركوا في غزوة بدر.
٢٩ الأخبار عن عدد الصحابة الذين حضروا عند قسم صُلْح الحديبية متباينة.
والأحاديث متضاربة عمَّن كلِّف بالإشراف على المدينة حين خرج النبي إلى بدر ومَن كلِّف
بتقسيم الغنائم بعد الغزوة. وتتباين أيضًا الأخبار عن المحاربين الذين بقوا مع النبي
في
أُحد ومَن غادروا ساحة المعركة؛ ومن المجموعة الأخيرة يذكُر التراث الشيعي أبا بكرٍ
وعمرَ وعثمان، بينما كان عليٌّ، بالطبع، من الذين بقوا مع النبي ودافعوا عنه.
قد توضِّح القصة التالية مدى تأثير المصالح السياسية على رواية
السيرة. أخبر الزُّهري تلميذه معمرَ بن راشد أنَّ عليًّا كتب معاهدةَ
الحديبية، وأضاف، ضاحكًا: «ولو سألتَ عنه هؤلاء، قالوا: عثمان.» ويشير معمر إلى أنه كان
يعني «بني أمية».
٣٠
توضِّح حكايةٌ أخرى المحاولات التي بذلها الأمويون وولاتُهم لتشويه سمعةَ عليٍّ في
السيرة. أمر خالدُ بن عبد الله القرشي الزهريَّ
بتدوين
السيرة. فسأله الزهري: «إذا صادفتُ أحداثًا عن
علي، هل أذكُرها؟» فقال خالد: «لا، إلا إذا رأيتَه في الدرك الأسفل من النار.»
٣١ وفي قصةٍ أخرى، يرفض الزهري بشجاعة نقْلَ ذنب الافتراء على عائشة من عبد
الله بن أُبيِّ إلى علي.
٣٢
أثارت المزايا التي منحها الأمويون للزهري والعلاقات الوثيقة بينه وبين حكَّامهم
الشكوكَ بشأن استقلال علماء الحديث ونزاهتهم. انتقد التقيُّ سعد بن إبراهيم بن عبد
الرحمن بن عوف الزهريَّ؛ لرواية
حديثٍ قال فيه النبي
إنَّ الخليفةَ لا يجوز الاحتجاجُ عليه. وذكَرَ سعد حالةً تمَّ فيها الاحتجاج على النبي
وقال: «كيف يجوز الاحتجاج على النبي ولا يجوز على الوليد؟»
٣٣ ومن الواضح أنَّ الهدف من ابتكار الحديث، كان التشجيع على احترام الحكَّام
الأمويين.
أرسل أبو حازم سلَمةَ بن دينار، وهو عالِمٌ وَرِع، إلى الزهري رسالةً طويلة يلومه
فيها على التعاون مع الحكام الأمويين الظالمين؛ وينتقده بشدَّة على مساعدتهم في الحفاظ
على قوتهم وسُلطتهم وسعيهم لمكاسب دنيوية. يقول سلمةُ إنه يخدم الحكَّام الظالمين
«جعلوك قطبًا تدور عليه رَحى باطِلهم وجسْرًا يَعبُرون بك إلى بلائهم.» بخدماته يزرعون
الشكوك في نفوس العلماء ويكسبون تأييد الجهلة. من الصعب إنكارُ أنَّ لهذه الاتهامات
أساسًا، والتأكيد على أنه (أي الزهري) «لم يتأثَّر بالفِرَق السياسية وحاوَلَ أن يقدِّم
قصةً محايدة عمَّا رأى في المدينة»
٣٤ موضعُ شك. احتمال أنَّ أحاديثه عن السيرة تأثَّرت بارتباطاته مع البلاط
الأموي لا يمكن استبعاده. يعتبره علماءُ الشيعة من المحدِّثين الذين كان موقفهم من
عليٍّ عدائيًّا. رغم إجلال علماء السنة الذين انهمكوا في تقييم مصداقية رواة الحديث
(الجرح والتعديل)؛ فإنَّه يسجَّل ضمن
المدلِّسين.
ثمَّة تقرير مبكِّر للأصمعي، يرجع إلى هشام بن عروة، يقول إنَّ الزهري اعتاد تضخيم
الحكايات التي سجَّلها أبوه، عروة، أو اختصارها. الفحص الدقيق لأنشطة الزهري وللأحاديث
التي نقلها؛ يساعدنا على إلقاء نظرةٍ ثاقبة على المرحلة التكوينية لتطور علم
السيرة و
الحديث.
وإضافةً إلى ذلك، من المهم لنُقيِّم نشأة أدب السيرة أن نضع في الاعتبار الاختلافات بين مختلف مدارس الحديث، وخاصة بين المدينة والعراق. هذه الاختلافات التي
كثيرًا ما أشير إليها في أدب الحديث ومصنفٍ معيَّن
مخصص لهذه المشكلة؛ كانت الهجمات ضدَّ المدرسة العراقية شرِسةً وحماسية، وكثيرًا ما
كانت أحاديث علمائها تُوصم بأنها أكاذيب. ومن الجدير بالملاحظة أيضًا، أن الاختلافات
والتناقضات يمكن أن توجد بين حكايات ينقلها تلاميذُ للمحدِّث نفسه.
(٥) كبرى مصنَّفات السيرة
في القسم الخاص بسيرة النبي في «تاريخ» الطبري (ت: ٣١٠ﻫ/٩٢٢م) ثروةٌ من الأحاديث
المبكِّرة تقدَّم بدقةٍ
بالإسناد. وينسب إلى عالِم
اللغةِ ومفسِّر القرآن الزجَّاج (ت: ٣١١ﻫ/٩٢٣م) مصنفٌ عن
المغازي.
٣٥ كتب حمد بن هارون الأنصاري الدمشقي (ت: ٣٥٣ﻫ/٩٦٤م) كتابًا بعنوان «صفة
النبي». وصنَّف المحدث الكبير، محمد بن حبَّان البصري (ت: ٣٥٤ﻫ/٩٦٥م)، مؤلِّف كتاب
«الصحابة»، سيرةً للنبي. في نهاية القرن الرابع صنَّف عالِم اللغة أحمد بن فارس كتابًا
عن أسماء النبي وآخَر عن حياته. اعتمدت السيرة الدقيقة التي صنَّفها ابن حزم (ت:
٤٥٦ﻫ/١٠٦٤م) على سيرة مقتضَبة للنبي ألَّفها ابن عبد البر (ت: ٤٦٣ﻫ/١٠٧١م)، «الدرر في
اختصار المغازي والسير».
تحتوي المصنَّفات التالية، مثل: تفسير السهيلي (ت: ٥٨١ﻫ/١١٨٥م) «لسيرة» ابن هشام،
و«الروض الأُنُف»، و«بداية السول» لعبد العزيز بن عبد السلام السُّلَمي (ت:
٦٦٠ﻫ/١٢٦٢م)، و«كتاب الاكتفاء» للكلاعي (ت: ٥٣٤ﻫ/١٢٣٦م)، و«خلاصة سير سيد البشر»
للمحبِّ الطبري (ت: ٦٨٤ﻫ/١٢٨٥م)، و«عيون الأثر» لابن سيِّد الناس (ت: ٧٣٤ﻫ/١٣٣٣م)،
وقِسم «السيرة» في كتاب «نهاية الأرب» للنويري (ت: ٧٣٢ﻫ/١٣٣١م)، وقِسم السيرة في
«البداية والنهاية» لابن كَثير (٧٧٤ﻫ/١٣٧٢م)؛ على عددٍ هائل من الأحاديث المبكِّرة
المستمدَّة من مصنفاتٍ مفقودة أو لم تُنشر حتى الآن.
ومن الأعمال التي تتمتَّع بأهميةٍ خاصة، عملُ مغلطاي (ت: ٧٦٢ﻫ/١٣٦٠م)، «الزهر
الباسم». مجادِلًا في مناظرته ضدَّ كتاب «الروض الأنُف» للسهيلي، يسجِّل مغلطاي عددًا
كبيرًا بشكلٍ غير معتاد من الاقتباسات من نُسَخ متنوعة من الدواوين ومصنفات الأنساب
وعلم اللغة والمعاجم وتفسيرات القرآن وسِيَر النبي وكتب الأدب والتاريخ. الجهود المضنية لمغلطاي لترسيخ قراءاتٍ صحيحة، وفحصه
للاختلافات، وتتبُّعه لكلِّ سجِلٍ وحديث، ومعرفته الشاملة، تحوِّل مصنَّفه إلى كنزٍ
حقيقي لدراسةِ أدب السيرة ويساعد على فهْمٍ أفضل
للأفكار المتضاربة للعلماء بشأن أنشطة النبي وشخصيته.
ثمَّة ملخصات لمصنَّفات السيرة؛ قدَّمها يحيى بن
أبي بكر العامري (ت: ٨٩٣ﻫ/١٤٨٨م) في كتابه «بهجة المحافل»، وتقي الدين المقريزي (ت:
٨٤٥ﻫ/١٤٤١م) في كتابه «الإمتاع». تستحقُّ ثلاثةٌ من المصنفات الأخيرة اهتمامًا خاصًّا:
«السُّبُل» (= «السيرة الشامية») لمحمد بن يوسف الصالحي (ت: ٩٤٢ﻫ/١٥٣٥م)، «إنسان العيون
في سيرة الأمين الميمون» (= «السيرة الحلبية») لعلي بن برهان الدين الحلبي (ت:
١٠٤٤ﻫ/١٦٣٤م)، وشرح الزرقاني (ت: ١١٢٢ﻫ/١٧١٠م) لكتاب «المواهب اللَّدنية» للقسطلاني (ت:
٩٢٣ﻫ/١٥١٧م). «السيرة الشامية» من أكثر مصنفات سيرة النبي شمولًا. اعتمد الصالحي، طبقًا
لتصريحه في التصدير، على أكثر من ثلاثمائة كتاب. جمَعَ عددًا هائلًا من الأحاديث والقصص
والأخبار من مصنَّفات السيرة ومجموعات الحديث وكتب الدلائل
والشمائل والخصائص، وتواريخ المدن والأُسر الحاكمة، وسير رواة الحديث، ورسائل
الزهد والورع، مسجِّلًا بدقَّة اختلافاتِ الأحاديث المذكورة وواضعًا تفسيراتٍ معجمية
مفصَّلة للكلمات والعبارات الصعبة.
تضمُّ «السيرة الحلبية»، رغم أنَّها مستخلصةٌ أساسًا من «السيرة الشامية»، الكثيرَ
من
إضافاتِ الحلبي. وإحدى الخصائص المميِّزة لهذا المصنَّف أنَّ الحلبي يسجِّل الأحاديث
المختلفة والمتضاربة، ويسعى للتوفيق بينها.
يقدِّم الزرقاني في شرحه الدقيق ثروةً من الأحاديث متَّفِقة أو متناقضة مع الأخبار
التي ذكرها القسطلاني.
هكذا تضمُّ المصنفات المتأخِّرة ثروةً هائلة من المواد المستمدة من المصادر
المبكِّرة. بعض هذه الأحاديث والقصص والأخبار والروايات مستمدَّة من مصادرَ فُقدتْ أو
لم تُنشر حتى الآن. حُذفت على ما يبدو بعض الأحاديث، وتشمل أحاديثَ مبكِّرة، من
المصنَّفات المقبولة للسيرة. ونُسيت، لكنَّها ظهرتْ من جديد في هذه المصنَّفات
المتأخِّرة.
لم نذكُر فيما سبَقَ إلا جزءًا صغيرًا من مصنفات السيرة. إنَّ السيل الذي لم ينقطع
من
رواية أحاديثَ عن حياة النبي مدمجٌ في الأدب الثري لتفسيرات القرآن، ومجموعات الحديث،
وكتب الأدب، والتاريخ، ومجادلات الفِرَق السياسية
الدينية، وأعمال الورع والتهذيب؛ هائلٌ. تشعَّب أدب السيرة، مثل الأدب عن صحابة النبي وخلفائه ونسَبه ومواليه وكتَّابه
وعاداته وصفاته وميلاده، وعن «الإسراء» و«المعراج»؛ ولا غنى عنه لدراسةٍ وافية لتطور
مفهوم المجتمع الإسلامي الذي تشكَّل عبر العصور لشخصية النبي.
ينبغي غربلةُ قصص السيرة بحرصٍ ودقَّة للحصول على
معلوماتٍ صحيحة تاريخيًّا، وهي ضئيلةٌ وهزيلة. لكن قيمة هذه المعلومات لفحص الأفكار
الاجتماعية والسياسية والخُلُقية والأدبية للمجتمع الإسلامي؛ لا يمكن المبالغة في
تقديرها. عبر القرون، منذ وجد المجتمع الإسلامي، كانت الشخصية المبجَّلة للنبي مثالًا
ينبغي اتباعه والاقتداء به.