الفصل التاسع عشر

الخرافات والأساطير قبل الإسلام وفي صدر الإسلام

ﻫ. ت. نوريس
يلاحظ كرا دي فو Vaux في مقدِّمة ترجمته ﻟ «كتاب العجائب» المنسوب للمسعودي (٣٤٥ﻫ/٩٥٦م تقريبًا) أنَّ: «بين المسلمين فلكلوريٌّ في كلِّ رجل دين وجغرافي وتاريخي.» الخرافات والأساطير العربية جزءٌ لا ينفصل عن التفكير العربي. تكشف كلَّ الطُّرُز وتشمل كلَّ الطبقات الاجتماعية وتعكس كلَّ التغيرات في تطوُّر الأدب العربي.

لكنَّ أيَّة محاولةٍ لإعادة بناء الخرافات العربية الأولى؛ تواجَه بعقباتٍ هائلة. بقيت نصوصٌ قليلة. هل تلك التي في حوزتنا ممثلة؟ إعادة البناء الأركيولوجي قد تكون مضللة؛ حيث إنَّ الكثير من حكايات الجاهلية ربما بقيت على شفاه البدو، بينما نُسيت منذ زمنٍ بعيد حكاياتٌ أخرى أقلُّ جاذبية.

ظهرت الأساطير العربية أولَ مرة في «عصر البطولة». عرفت الجاهلية اتحاداتٍ بين القبائل، أو دويلات المدن، يحكمها رؤساءُ أو ملوك. كانت المجالس تُعقد في المناسبات السارَّة وحالات الطوارئ. كانت استشارية أساسًا. كان هناك تنافُسٌ مُر أو تعاون سِلمي بين أرستقراطية الأمراء والملوك والرؤساء. كانت الآلهة نجميةً أو مجسَّمة أو شجرية أو حجرية. وكانت تشكِّل آلهةً فضفاضة أو محلية. وكان لكلِّ إله أو إلهة مقرٌّ خاص. ورغم أنَّ الأبطال، سواءٌ كانوا ملوكًا أو شعراء أو متشرِّدين أو كَهَنة، لم يكونوا من نسلٍ إلهي؛ فقد كانوا يتمتعون على الأقل ببراعةٍ تتجاوز قدرةَ البشر أو طول العمر أو العلاقة الحميمة مع كائناتٍ خارقة تصوَّر على أنها جِن أو مخلوقاتٌ ممسوخة، أسود أو ثعالب أو نسور، على سبيل المثال.
وكانت القصص الملحمية أو الحكايات الهادفة يُنشدها شعراء جوَّالون أو مقيمون. وارتبط رواة القصص بالبلاط أو المخيمات، وتردَّدوا على مراكز الاحتفالات، وكانوا عرَّافين أحيانًا. وكانت طقوس المزار، أو الصيد أو الحرب أو بعض المراسم الوقائية لتفادي كارثةٍ طبيعية، تقدِّم حافزًا. لكنْ قصصٌ كثيرة كانت تُحكى ببساطةٍ للتسلية. ابتكار وسطاء في الأساطير والخرافات، يجمعون في شخصياتهم أوجه حياة البدو الرُّحَّل أو المقيمين ومآثرهم الخيالية، تجسِّد عصر الجاهلية، بالتجاور الفجِّ بين «الخام» و«المتقن».

(١) المصادر والنظائر

الأسطورة العربية مستمدَّة في النهاية من قصصٍ مشتركة في الحضارة الشرقية القديمة. تهتم القصص البدوية المعاصرة القديمة بسكان الغابات الذين يهدِّدون قطعانهم، لكنَّ ثعبانًا يعامَل بلطفٍ، قد يقود أحيانًا إلى كنزٍ خفي؛ وقد تكون رقَّة الغزال وجماله خدعةً وسببًا في موتٍ مبكِّر. قد يُئوي السراب أو الخراب أو العاصفة الترابية جنًّا مُحسنًا أو خبيثًا.

تُضاف أحيانًا لهذه الحكايات أو تُدمَج معها دوراتٌ من الملاحم أو الأعمال البطولية، من موادَّ يهودية وسريانية وفارسية وقِبطية وربما هندية. يحمل الملوك والملكات وسَحَرة، مثل ميرلين Merlin، أسماءً ذات طابع عربي. وقد يعيشون في سوريا أو مصر أو العراق أو اليمن، لكنَّ سعيهم يأخذهم إلى كلِّ أرجاء الأرض؛ تفتح وتستعمر منابع النيل، وشمال أفريقيا، ووسط آسيا والتبت. وقد يلقَّب الأبطال والبطلات بتبابعة أو فراعنة أو عمالقة أو أسماء توراتية — نمرود، على سبيل المثال — أو قد يكُنَّ ملكاتٍ مثل زبَّاء «المشعرة» وبلقيس «ملكة سبأ»، المشهورة بذكائها وساقَيها «المشعرتَين». وتبدو شعاراتهم من خارج الجزيرة العربية؛ في الوجود المتكرِّر للأعمدة المنقوشة وأبراج النار والقصور الزقورة والطلاسم والتيجان ذات القرنَين والمعمرين والرموز الشمسية، شيءٌ ما إيراني وحتى بابلي. تذكِّرنا بالأنماط الأصلية في أساطير سرجون الأكدي (٢٥٠٠ق.م. تقريبًا). وقد قاد، بوصفه «ملك المعارك»، جيوشه إلى آسيا الصغرى؛ ونقَشَ مطلبه بغابات الأرز في أمانوس و«الجبال الفضية» في قيليقية.
كما لو كانت الأساطير العربية عن الخِضر تُشير إلى اتصالٍ دائم مع سُومرَ القديمة؛ تحافظ على شخصية أُتنابشتيم كلية الوجود في ملحمة جلجامش، بينما تُظهر حكايةَ فقيرِ نيبور مع تغيُّر المكان في صورةِ «تاريخ أول المتسكعين» في «ألف ليلة وليلة». الحبكة منتشرةٌ على نطاقٍ واسع، والنُّسخ العربية منها قد تكون قنواتٍ مهمَّة لانتشارها. رغم استحالة التأكُّد بالضبط متى وأين حُكيت هذه الخرافة أولَ مرة؛ يُظنُّ أنها في القرون التالية لسقوط آشور. ربما في فارس أو الجزيرة العربية، حكاية هندية وُجدت في كليلة ودِمنة، يرجع تاريخها إلى ما قبل القرن السادس الميلادي، أدخلتْ عناصرَ جديدة في مآل الحبكة.١

ثمَّة دليلٌ على وجود الأنماط الأصلية الشرقية القديمة في الخرافة العربية في حياة النبي؛ يقدِّمه ابن إسحاق وهو يصِفُ أعداء محمد في مكة؛ يقول:

وكان النضر بن الحارث أحدَ شياطين قريش، وممَّن يؤذي رسولَ الله وينصب له العداوة. وكان قد قَدمَ الحيرةَ وتعلَّم بها أحاديثَ ملوك الفُرس، وأحاديث رستم وإسبنديار. فكان إذا جلَسَ رسول الله مجلسًا فذكَّر فيه بالله وحذَّر قومه ما أصاب مَن قبلهم من الأمم من نقمة الله؛ خَلفَه في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا واللهِ يا معشرَ قريش، أحسنُ حديثًا منه، فهَلُمَّ إليَّ. ثم يحدِّثهم عن ملوك فارس ورستم وإسبنديار، ثم يقول: بماذا محمَّد أحسن حديثًا منِّي.٢
ربما كانت الأعمال الساسانية المتأخِّرة مثل «كتاب الملوك»، و«رسالة تنسر» و«أعمال أردشير» من بين مصادر مثل هذه الحكايات.٣
إذا كان للأساطير العربية أصلٌ قديم وانتقائي، وبقاءٌ غير محدَّد، فقد كانت أيضًا قابلةً للتصدير بشكلٍ بارز. تروي مَهْرَة من جنوب الجزيرة العربية قصةً تذكِّرنا بشكلٍ مبهم بقصة «القديس جورج والتنين»، عن البطل الشعبي أبو زيدٍ الهلالي. إنها نسخةٌ من حكايةٍ مماثِلة، سمعها المستكشف برترام توماس من البدو في الربع الخالي في الجزيرة العربية.٤ تُقيَّد ابنةُ حاكمٍ طعامًا لثعبان جنيٍّ، إذا حُرم من القُوت، دمَّر الأرض. يحرِّرها أبو زيدٍ واثنانِ من رفاقه. ثم يقضي كلٌّ منهم جزءًا من الليل وهو يراقب الوحش. في الثلث الأول من الليل، يشتت أحدُ الرفاق انتباه الثعبان بجعل فكَّيه مفتوحَين بغُصن. في الثلث التالي، يسليه رفيقٌ آخَر بالغناء. وفي الثلث الأخير، يقطع أبو زيد رأسه، ويضعه على قمة سورِ القلعة. يقدِّم الحاكم ابنته بدون مهرٍ لمَن يثبُت، بقفزة ليمسك بالرأس الذي على السور، إنه منقذ الأميرة والمملكة. أبو زيد وحده، مقنَّعًا في البداية، يُمسك بالرأس.
ما مدى قِدم هذه الحكاية؟ يبدو أنَّ ارتباطها واهٍ، إن كان لها ارتباطٌ بما يُعرف بقصة بني هلال. إضافةً إلى ذلك، مهرة والربع الخالي في جنوب الجزيرة العربية، بينما الدورة الهلالية في أواخر القرون الوسطى؛ كانت باتجاه شمال الجزيرة العربية. وفي ضوء الحكايات الكثيرة جدًّا من جنوب الجزيرة العربية عن مساكن رطبة أو جافة للجِن تحت الأرض؛ من غير المستبعد بحالٍ من الأحوال أن يكون أصلُ الخرافة محليًّا، وقد فُقدت في الماضي البعيد المبهم. ومن المؤكَّد أنها انتشرت بين القارات، وظهرت من جديد، على سبيل المثال، في نيجيريا وأطرافها في شكل أسطورةٍ عن الثعبان القاتل في دورا Daura، وأبويازيدو Abuyazidu، أمير بغداد، الذي تزوج ملكة دورا.٥ بينهم وُلد أمراء الهوسا. بعض التفاصيل في حكايات الهوسا والخرافات العربية متماثِلة، حتى لو حدث تغيُّر في تسلسل الأحداث. وحيث إنَّ حكايات سونغاي عن ذا الأيمن (عرِّبت في وقتٍ لاحق إلى «جاء من اليمن») تحكي عن مؤسِّسها — بطلٌ يذبح إله النهر الطاغية ويرث المملكة — فإن وجود ارتباطٍ بين الأسطورة القديمة في جنوب الجزيرة العربية وحكايات أفريقيا المسلِمة في القرون الوسطى مؤكَّد فعليًّا.
باستثناء القرآن، الذي يتناول أساسًا الزعماء الدينيين، الآباء التوراتيين وأنبياء الجزيرة العربية قبل الإسلام، هناك مصدران أساسيان ألقيا بظلالهما على أول مجموعة من الأساطير العربية؛ الشعر الجاهلي ومجموعات «مارشن Märchen» المتأثِّرة بالفارسية في العصر الأموي وبدايات العصر العباسي. الأخيرة ضمن روائع الأدب العربي اليمني.
دواوين الشعر الجاهلي مليئةٌ بإشارات إلى قصصٍ شعبية. كانت بعض الحروب، مثل البسوس وداحس، مَضرِبَ المَثَل في الجزيرة العربية. شملَت الحرب الأولى، على سبيل المثال، أعمالَ قتلٍ بين تغلب وبكر. يُزعم أنها حدثت حين اعتقد أنَّ ناقة «شخص محمي» تعدَّت على حِمى، وأصيبتْ بسهمٍ في الضرع. أُهين شرف حامي المالك، وتطلَّب الأمر رد الإهانة. تصاعد الخلاف وقُتل الرجال الأقوياء على الجانبَين.
الأساطير التي تربط بين اسمي تأبَّط شرًّا والشَّنْفرى، وهما شاعران من عباقرة الصعاليك، تحكي عن سيفٍ أو غول يُحمَل تحت إبطِ الأول وهو رضيع، والثاني قَتلَ مائة رجلٍ من بني سَلَامَان بمهارته في استخدام السيف، وبضربةٍ من يده المقطوعة، وبعظمةٍ من جمجمته مدسوسة في الرمل. هذه العظمة سمَّمت قدَمَ الضحية رقم مائة.

يلمِّح بعضُ شعراء الجاهلية إلى أساطير في بيتٍ أو اثنَين. من الواضح أنَّ هذه القصص كانت على شفاه الجميع. سُلمِي بن ربيعة الضبي مثالٌ واضح. في مرثيةٍ في حماسة أبي تمَّام (ت: ٢٢٨ﻫ/٨٤٣م)، يقول:

أهلكن طَسمًا وبَعدَه
غذِيَّ بهْمٍ وذا جُدونِ
وأهل جأشٍ ومأربٍ
وحيَّ لقمان والتُّقونِ٦

الثأر بين طسمٍ وجُدون، الذي ظهر فيه أول جيش مموَّه، يذكِّرنا بمسيرة غابة برنام إلى قلعة دونسينان في «ماكبث»، من أشهر القصص الجاهلية على الإطلاق ومن وأكثرها انتشارًا وتنوُّعًا. أُبيدت قبيلةُ طسمٍ في اليمامة تقريبًا، في وليمةٍ على أيدي جديس، منافسيهم. الأخيرة نصَحَها أسْوَد بن يعفر، وكانت أخته ضحيةَ نوعٍ من فقد العذرية مَارَسَه طسم. هرب رجلٌ من الأولى، رياح بن مرَّة، وطلب ملاذًا عند حسَّان بن أسعد تُبَّع، ملك حمير، الذي ساعد الناجي الوحيد للانتقام لأقاربه. حذَّر رباح بن مرَّة الملكَ بأنَّ زرقاءَ، أخته، التي تزوجت رجلًا من جديس، لديها قدرةٌ استثنائية على الرؤية ويمكن أن ترى راكبًا على مسافةِ رحلةِ ثلاثة أيام. وطبقًا لذلك، نصح حسَّان بن أسعد تُبَّع؛ ليأمر كلَّ جندي من جنود حمير بأنْ يقتلع شجرةً ويحمل غصنًا منها أمامه وهو يقترب من جوِّ، عاصمة جديس. وعَملَ جيشُ حمير بنصيحته.

حدَّقت زرقاء اليمامة في الأفق، وذكرت لجديس أنَّها لمحت أغصانًا في مسيرة وأنَّ وراءها بَشَر، فيهم رجل يرتق نعله. لم تصدِّقها جديس. وحين كان ملك حمير ورجاله على مسافةِ ليلة من جوِّ، صَدرَ الأمر بالهجوم. ذُبِح السكَّان. وأحضرت زرقاء اليمامة أمام الملك، حرص على معرفة سر رؤيتها الثاقبة. وجد عينَيها مشربتَين بالإثمِد، الذي يشبه صبغ الشرايين. ماتت زرقاء اليمامة تحت التعذيب، علِّقت على مِشنقة فوق بوابة جوِّ.

هذه القصة بدون شكٍّ جاهلية، لكن من المستحيل تحديد تاريخها بدقَّة. توحي إشاراتٌ بأعرافٍ مرفوضة وبغيضة بشأن الزواج، وتؤدي وظيفة اجتماعية. وترتبط بها المسيرة الباهرة لملكٍ يمني في منطقة مغطاة بالأغصان أو الأشجار. يحمل هذا، إضافةً إلى مواجهةِ كائنٍ خارق يُذبح في النهاية، تشابهًا سطحيًّا بقصة مسيرة الملك السومري جلجامش بصحبة إنكديو وخمسين متطوِّعًا من إيراش إلى حقلٍ مغطًى بالأرز في هواوا (همبابا)، وكان يستطيع أن يسمع دخيلًا على مسافةِ ستين فرسخًا. القدرة السحرية للعين الإثمِدية، توجد بشكلٍ شائع في المعرفة العربية الشعبية. ربما تكون هذه القصة كلُّها كولاج، مؤلَّفة على مدى فترةٍ طويلة. فيها عناصر متباينةٌ مدمجة تشير إلى استجابةٍ اجتماعية أو عِرقية لتغير الأعراف القديمة، المرتبطة بشعوبٍ شبه منسية.

(٢) لقمان

إذا كان غذيُّ البهمي وذو جُدون ليسا إلا اسمَين، يمكن القول إنَّ لقمان، كولاج رائع في قصصِ الجاهلية، الشخصية الأعظم في كل مجموعة الأساطير والخرافات الجاهلية. تكشف أدواره المتنوعة قرصانًا وحكيمًا وأبًا وملكًا عن قدرةٍ كبيرة على البقاء في الحكايات الشعبية، رغم عدَّة تحولات في شخصيته. كان معمِّرًا، تماثل حياته أعمارَ سبعة نسور. توجد هذه الطيور كثيرًا جدًّا في عالم الفُلكلور. وترتبط ارتبطًا قويًّا بشخصية لقمان بشكلٍ يجعل من المستحيل استبعادها مصدرًا لبعض جوانب شخصيته. كائنات مقدَّسة كانت وسائطَ للآلهة أو مرتبِطةً بالجِن أو بعض البَشَر. في ثقافتنا، النَّسر رمزٌ للموت، لكنَّ نسور لقمان — السابع، لُبَد، الأشهر — تدلُّ على طول العمر وبقاءٍ يتجاوز قدرة البَشَر. يذكُر الكلبي (ت: ٢٠٦ﻫ/٨٢١م) في «كتاب الأصنام» أنَّ ودًّا وسُوَاعًا ويغُوثَ ويعُوقَ ونَسرًا؛ كانوا رجالًا ماتوا في شهرٍ وصاروا أصنامًا. وبقيتْ عبادة «نَسْر» في بَلْخَع في سبأ، حتى اعتنق أهلُ حمير اليهودية في عهد ذي نُواس.٧
يظهر لقمان في القرآن في سورة لقمان. يعتبره النبي إيسوب النبوءة، علَّم الحكمة الإلهية لابنه، لكن لقمان الحكيم ليس إلا جانبًا من جوانب كثيرة لشخصيته. ويشهد تناقضها وتنوعها على دوراتٍ لقصةٍ واسعة الانتشار من العصور القديمة العظيمة. صَعدَ لقمان اجتماعيًّا في أساطير الجاهلية: في البداية عبدٌ إثيوبي، ثم متشرِّد أو حكيم، ثم ملكُ «عاد» ما قبل التاريخ؛ وفي النهاية نبيٌّ حقيقي في الجزيرة العربية. هذا البطل الشبيه بالحرباء لسببٍ معقَّد حظِيَ بطول عمرٍ مثير في الخرافات والأساطير العربية.
كان لقمان القرصان شخصًا مختلفًا تمامًا. كان شغوفًا بالميسر، لعبة حظٍّ تُلعب بالأسهُم، وكان الرهان قِطعًا من جَملٍ مذبوح. ظنَّ رينيه باسيه Basset أنَّ هذه الشخصية قد تكون هي التي مهِّدت الأرضية للقمان الأصلي في الأسطورة: «ربما وجد في العصور القديمة قبل الإسلام مغامرٌ لفَتَ الأنظارَ بمَكْره ومهارته تَمَاثل في تاريخٍ مبكر مع الملك الأسطوري لعاد، الذي ارتبطت به أسطورة النسور. القرآن، الذي استخدم أشهر الأسماء من العصور السابقة، استخدم اسم لقمان لرجلٍ، أو لوصف آراء وأقوال تتَّسم بالحكمة العامة، وحكايات ينسبها الإغريق لإيسوب. تنامى هذا الخلط لشخصيتَين خياليتَين، واكتمل في عصرٍ تُرجمت فيه خرافاتُ إيسوب من السريانية إلى العربية.»٨
رغم بروز المنشقِّين، في العصر الأموي وأوائل العصر العباسي، كان هناك إجماعٌ أدبي عام بأنَّ لقمان قبل كلِّ شيء عملاقٌ تقي من سلالة ملكية. كان عاديًّا٩، وهو لقب عام مرادف لشعوب من الجزيرة العربية ممَّا قبل التاريخ. لم يرفض تحذيرات النبي هود التي أرسلها إلى شعبه. ناجيًا من كلِّ الكوارث الرهيبة التي أرسلها الله، يثاب بطول العمر ومكانة مشرِّع لأهل عاد بعد ذلك، الذين عاشوا مثل سكَّان الكهوف. بدأ لقمان كما يشاع بناءَ سدِّ مأرب في اليمن. لم يتعارض كونه ملكًا مع حياته في كهفٍ لا يمكن الوصول إليه. كان الملك من سكان الكهوف أو الأمير المتشرد من الشخصيات المألوفة في الجزيرة العربية قبل الإسلام.
الحكاية التالية عن لقمان، وتُنسب لوَهْب بن منبِّه، تقدِّم صورةً حيَّة لشخصيته:١٠

«فسار بهم [بني كركر] السَّميدع إلى لقمان، وإنَّ لقمان عَرضَ عليهم الإيمان فآمنوا كلُّهم؛ فأنزلهم أرضَ العالية [صرواح ومأرب] وتزوج منهم امرأةً وهي سوداء بنت أمامة — وكانت جميلةً — وكان لقمان غيورًا فأخذها فجعلها في كهفٍ عظيم في رأس صخرةٍ عالية لا يُطيق أحدٌ يطلع إليها إلا هو لطوله وتمامه، وكان يعبد اللهَ في ذلك الكهف.»

وكان له عيدٌ يصلِّي بالناس فيه كلَّ عام بالرجال والنساء، فصلَّى ببني كركر وقد اجتمع النساء والرجال، فبصر هميسع بن السميدع بن زهر إلى امرأة لقمان فهويها؛ فقال: «معشرَ عاد، واللهِ إنْ لم تحتالوا لي حيلةً أُدرك فيها سوداءَ امرأةَ لقمان؛ لأقتلنَّ لقمانَ، ثمَّ تأتي على آخِركم حمير.» وكان جسورًا فتاكًا، وعلموا أنهم إن لم يفعلوا ذلك يفعلْ ما قال؛ فأجمع أمر بني كركر على أن يحتالوا كيف يجمعون بينهما ولا يعلم. كيف يجمعون بينهما ولا يعلم لقمان؟!

فقال رجل منهم، يقال له عامر بن مالك: «أسأتُم الجِوارَ، ونقضتم العهد. فما أشبهَ أولَ أمركم بالآخِر! لا أمانَ بعد مكرٍ، ولا عذرَ بعد غدرٍ ولا نقضَ بعد أَصْر. أطعتم غويًّا عاهرًا، وعصيتم ناهيًا آمِرًا. أطعتم شيطانكم …»

فلَمْ يلتفتوا إلى ما قال، ومضَوا فيما هم فيه من الحرام … الهميسع بن السميدع بن زهير؛ فقال: «يا بَني كركر، أراد دماركم فاقتلوه.» فقتلوه [عامر بن مالك]، ثم إنهم أتَوا لقمان فقالوا له: «إنا خشينا الحربَ فيما بيننا، ولكنْ إن رأيتَ أن تحبس سلاحنا عندك في هذا الكهف؛ فإن تنازعنا لم يكُن لنا سلاحٌ نسفك به دمًا ولا نقطع به رحمًا.» قال: «افعلوا.» فأخذوا السلاح فجعلوا في وسطه الهميسع بن السميدع، وستروه به من كلِّ جانب وأعطوه لقمان فطلع به الكهف.

فلمَّا خرَجَ لقمان، تكلَّم هميسع إلى سوداءَ، امرأة لقمان، وقال لها: «أنا هميسع بن السميدع.» وأخرجتْه ونال منها، وأطعمتْه وسقتْه ثم ردَّتْه في السلاح، فلم تزل تعمل معه إلى أن رقد معها على سرير لقمان ثم تنخَّم ورمى النخامة إلى سَمْك الكهف، وقد الْتصقَت النخامة في سَمْك الكهف.

ثم إنَّ لقمان أتى وقد أعيا فألقى بنفسه على سريره، ثم رمى بصره إلى سَمْك الكهف؛ فرأى النخامة فقال لامرأته: «مَن بصق هذه البصقة؟» قالت: «أنا.» قال: ابصقي، فبصقت فلم تدرك. ثم قالت له: «أنا جالسة حين بصقتها.» قال لها: «اجلسي.» فجلست فبصقت فلم تدرك، قالت له: «واقفة كنتُ.» قال لها: «قفي.» فوقفت وبصقت فلم تدرك،١١ فقال لها: «من السلاح أتيت.» ثم بادَرَ إلى السلاح ففتحه واستخرج هميسع.

فدعا بحمير، فقال لهم: «ما رأيكم في بني كركر؟» قالوا له: «يا لقمان انفِ بني كركر بن عاد من أرض حمير؛ فإنهم أهلُ غدرٍ ومكْر، لا يزرعون فينا إلا الغدرَ، ويحمِّلونا الأحقاد، ويورثونا الضغائن.» فقال لقمان لعاد: «اخرجوا من جواري.» ثم طلع على الجبل، وشد سوداء امرأته مع هميسع في السلاح الذي كان هميسع فيه، ثم رماهما من أعلى الجبل، ثم رماهما بالحجر ثم رماهما جميع مَن كان معه، فأول مَن رَجَم في الحدِّ — حدِّ الزنا — لقمانُ، فقتلهما.

(٣) الفُلكلور والوثنية العربية

تعيد الأعمال النثرية في العصر الأموي والعصر العباسي روايةَ الأساطير التي تلقي بالضوء على المعتقدات الدينية للوثنيين العرب. يُسمَح بالتفسير الإسلامي التالي أو للتأثير الفارسي، لكن لا يوجد شكٌّ بأنه بجانب الأنبياء العرب الكبار الذين أشار إليهم القرآن، كانت هناك أعدادٌ من الديانات الشاذَّة وصانعي المعجزات عمَّن تُروَى عنهم الحكايات. وكان أحد هذه الشخصيات خالدُ بن سِنان.١٢ يزعم أنَّ عبادةَ النار كانت شائعةً قبل النبي — ربما بتأثيرٍ إيراني — لكنَّ خالد بن سنان هو الذي أطفأ نار «الحرتَين» (منطقتَين من النار). مُلقيًا بعصاه في النار، صاح: «بَدَا بَدَا، بَدَا كلُّ هدى، زعم ابن راعية المِعْزَى أني لا أخرج منها وثيابي تَنْدى.» أخمد النار. مرةً أخرى، على فراش الموت قال لإخوته: «فإذا متُّ فادفنوني، فإذا مرَّت بكم عانة حُمر فانبشوني؛ فإنكم ستجدونني حيًّا فأُخبركم بما يكون.» حين مات ودُفن تحقَّقت نبوءته، لكنْ حدَثَ خلافٌ عنيف حول نبش القبر، وكان بعض العرب يخشون الغضب العام من عملٍ يُعتقد أنه تدنيس. ويقال إنَّ ابنة هذا الإسماعيلي١٣ أتَت النبيَّ محمدًا، وحين سمعت كلماته أكَّدت أنَّ أباها نادى بالرسالة نفسها. تذكُر هذه الأساطير، بدون شكٍّ، أسماءَ شخصيات تاريخية، تعكس ميلَ الكتَّاب المسلمين إلى دمجِ قصص الجاهلية في نمطِ كشفٍ توحيدي. زُوِّد أمراءُ حمير وأميراتها، على سبيل المثال، بشكلٍ ملائم بكلماتِ التوحيد. إعادةُ إصدار الأساطير القديمة بوفرةٍ؛ غالبًا ما يجعل من الصعب تحديدُ تاريخ المواد الجاهلية بشكلٍ قاطع.

توجد خرافاتُ آل جُرهم الوثنيِّين وأنشطتهم في مزاراتِ مكة، الذين كانوا أمناء عليها، مندمجةً مع سجلات بني إسرائيل والعماليق والشعوب السامية الأخرى. ترتبط بعض الحكايات بمعبودهم. ثمَّة إشارةٌ إليهم للمسعودي، ضمنَ آخَرين، لها ما يوازيها مع اعتقادٍ شعبي واسع الانتشار في تحوُّل البشر إلى حجارة، وهي ظاهرةٌ لا تختلف عن تحوُّل امرأةِ لوط إلى عمودٍ من المِلح علامةً على عصيانها:

ارتكبت جُرهم كلَّ أنواع المعاصي في الكعبة. حتى إنَّ أحدهم مارَسَ الزِّنا مع امرأةٍ هناك. كان الرُّجل اسمه إساف والمرأة اسمها نائلة. وقد حوَّل الله الاثنَين إلى حجارة، وتحوَّلا بعد ذلك إلى صنمَين، عُبدا باعتبارهما وسيطَين بين الإنسان والإله.١٤ واشتهرت جُرهم أيضًا بمصادرتها لتابوت العهد.
كان بنو إسرائيل بعد داود وسليمان، يزحفون بذلك التابوت. وذلك أنَّه لمَّا حمِيَ الوطيس واستمر الوغي؛ ألقى بنو إسرائيل القنا من أيديهم، التي يحملون بها التابوت؛ فسقطت وحملت التابوتَ الملائكةُ فوق رأس داود … حتى هُزم الجبَّارين وقومهم … ولم يزل بنو إسرائيلَ يزحفون بالتابوت، حتى كان في زمنِ الحارث بن مُضَاض الجُرهمي، بعد موت إسماعيل النبي … وبعد موت ابنه ووصيه نبت بن قيذار بن إسماعيل.١٥ فبدَّل بنو إسرائيل دينَ داود وسليمان … وانتحلوا على الزبور كُتبًا انتحلوها وأنَّهم زحفوا إلى أهل الحرم، وهم إذ ذاك عملاق وجُرهم وبمكة بنو إسماعيل، وكان إذ ذاك القائم والوصيُّ فيهم بدِين إسماعيل هميسع بن نبت بن إسماعيل بن إبراهيم.
والمَلِك يومئذٍ بمكة وما والاها الحارثُ بن مُضَاض الجُرهمي، فلمَّا أتى بنو إسرائيل إلى مكةَ زاحفين بمَن نصرهم من بني إسحاق والروم الأُول من أرض الشام؛ برز إليهم جُرهم في مائة ألف وعملاق في مائة ألف فقاتلوهم قتالًا شديدًا فانهزم بنو إسرائيل ومَن معهم، ورموا بالتابوت فأخذته جُرهم وعملاق، فأتوا به إلى مزبلةٍ من مزابل مكةَ، فحفروا له ودفنوه فيها، فنهاهم هميسع بن نبت بن قيذار بن إسماعيل والحارث بن مضاض الجرهمي، فعصوهما، وقال لهم هميسع: «إنَّ فيه صُحف الزبور وفيه السكينة.»١٦ فأخذهم الوباءُ بالغمِّ، وكانوا لا يتداركون؛ فعمد الحارث بن مُضَاض إلى التابوت في تلك المزبلة فاستخرجه ليلًا، وأخذه هميسع. وكان عنده يتوارثونه وارثٌ عن وارث إلى زمن عيسى بن مريم.١٧
تسكعت شخصيات جاهلية في القصص الشعبية لأسباب متنوعة، وفي أوقات مختلفة تُعاود الظهور متحولةً بصورةٍ لا يمكن التعرف عليها غالبًا، في ملاحمَ وقصصٍ ممتدَّة. كان حاتم الطائي وثنيًّا كريمًا، وأصبح عنترة بن شداد مثالَ الفروسية، لكنَّ يمنيِّين من قبل الإسلام، أحدهما طاغية والآخَر بطل، تركا علامةً لا تُمحى على التأليف العربي الشفهي والكتابي. كان ذو نواس،١٨ وهو من آخِر ملوك حمير — وكانت المذبحة التي اقترفها ضدَّ المسيحيين العرب في نجران وراء إشارةٍ إليه في القرآن (سورة البروج)، وأثَّرت بعمق على التاريخ العربي — متعصِّبًا عنيفًا لليهودية في اليمن. لكنْ تمَّ التغاضي عن فظائعه في النهاية بنظرة وطنية أكثر تعاطفًا لمآثره، انتهت بانطلاقةٍ انتحارية على حصانه في المحيط.

كان سيف بن ذي يَزَن، خليفته ومحرر اليمن من الإثيوبيين، شعبيًّا دائمًا، «محررًا» وشهمًا. ومع ذلك، يظهر من خلفية أرستقراطية غامضة إلى حدٍّ ما. تختلف الحكايات عن حياته. يذكر البعض أنه طُعن حتى الموت على أيدي عَبيده الإثيوبيِّين. ويزعم آخَرون أنه فتَحَ إثيوبيا، وتم التوسُّع في هذه التيمة بعد ذلك بشكلٍ كبير. يلمِّح المؤرِّخ الشهير ابن خلدون إلى كرَمِ هذا الأمير:

«واعتبر ذلك بجوائز ابن ذي يزن لوفد قريش؛ كيف أعطاهم من أرطال الذهب والفضة والأعبد والوصائف عشرًا عشرًا، ومن كرش العنبر واحدة، وأضعف ذلك بعشرة أمثاله لعبد المطلب. وإنما ملَّكَه يومئذٍ قرارةَ اليمن، خاصة تحت استبداد فارس. وإنَّما حمَلَه على ذلك همَّةُ نفسه بما كان لقومه التبابعة من المُلك في الأرض، والغلب على الأمم في العراقين والهند والمغرب.»١٩
لدينا عن هذه الفترة من الاضطراب في جنوب الجزيرة العربية، ملفٌ من الوثائق السريانية يعرض الأحداث كما رآها مسيحيٌّ سوري معاصِر لتلك الفترة، هو شمعون أسقف بيت أرشام. وعُرفت وثيقتان منهما ﺑ «كتاب حمير» و«رسالة شمعون أسقف بيت أرشام»، بينما طُبعت الثالثة مؤخرًا، طبعها إ. شهد Shahid، الذي يقدِّم حالةً جيدة للثلاث باعتبارها عملًا للمؤلف نفسه. في هذا الملف، تأثَّر ذو نواس — أو شخصية مماثِلة له — بالمشاعر الوطنية، كما تأثَّر بالمشاعر الدينية؛ ليضطهد نصارى نجران بتلك الصورة. وهذا الرأي أيَّده ابن خلدون، الذي يذكُر أن الصراع بدأ نتيجةَ غضبِ نصارى نجران ضدَّ يهودي. كان ذي يزن معينٌ، الذي دعا إلى مساعدةٍ فارسية، شخصيةً قيادية في جانب حمير. الخلط في الحكايات المختلفة، ودراما الصراع العِرقي، والإشارة القرآنية؛ اجتمعتْ كلُّها لتُنتج مجموعةً من الحكايات وإمكانية ديناميكية لقصةٍ تنبثق من الأحداث قبل احتلال الفُرس لليمن وأثناءه.
في إشارةِ ابن خلدون لسيف بن ذي يزن، المقتبَسة من قبل، تبدو غريبةً من قلمِ كاتبِ «المقدمة»، الذي طوَّع، مثل سلفه ابن حزم (ت: ٤٥٦ﻫ/١٠٦٤م)، الفصاحةَ في فضْحِ زيف مادةٍ تاريخية لهذا التراث الجاهلي، وخاصة الحوليات التي أُلفتْ بنيةٍ جادَّة في حكم الخلفاء الأوائل وتحت حكم الأمويين، لكنَّ هذا المؤلِّف نفسه، للمفارقة، يحدِّد في فقرةٍ أخرى٢٠ بصورةٍ أكثر إحكامًا تسلسُلَ الشعوب والأُسَر الحاكمة، تسلسلٌ ينبثق من كتلةٍ مشوَّشة من الموادِّ الأسطورية وشِبه الأسطورية قبل الإسلام:

لمَّا انقرض مُلك عاد، قام به من بعدهم إخوانُهم من ثمود، ومن بعدهم إخوانهم العمالقة، ومن بعدهم إخوانهم من حمير، ومن بعدهم إخوانهم التبابعة من حمير أيضًا، ومن بعدهم الأذواء كذلك، ثم جاءت الدولة لمُضَر.

دراسة أُولى مصنَّفات الفُلكلور

يعود الفضل مؤقتًا في غربلة هذه الدورات من الملاحم والحوليات الأسطورية وترتيبها، لحفنةٍ من الكتَّاب اليمنيِّين، الذين كتبوا — خاصَّة في ظِل الخلفاء الأمويين وأوائل العباسيين — أعمالًا تمثِّل نماذجَ أصلية للمؤرِّخين والجغرافيين ورواة القصص في العصر العباسي وما بعده. وربما كان أشهرُ خبراء الخرافة من ذوي السمعة الطبية في جنوب الجزيرة العربية كعب الأحبار (ت: ٣٢ﻫ/٦٥٢م أو ٣٤ﻫ/٦٥٤م) اليمني والمدني، ويُزعم أنه عرَفَ الخليفة عمرَ وكان قريبًا من بلاط معاوية (٤١–٦١ﻫ/٦٦١–٦٨٠م) ليقدِّم النصيحة. وكعب، على سبيل المثال، هو الذي تحدَّث عن التقاليد الشفهية، حين «اكتشف» القصر ذي العماد لشداد بن عاد صدفةً راعي إبل وهو يتجوَّل قُرب أبين أو مأرب أو شبوة في جنوب الجزيرة العربية. كانت المدينة الرائعة «إرم ذات العِماد»، ومكانها مجرَّد عنصرٍ في مخزن البيانات الأسطورية تحت أمرِ هذا اليهودي البارز، لكنَّ الوجود الحقيقي لكعب الأحبار غيرُ مؤكَّد. لا يذكره مؤرخٌ مثل الطبري. حتى لو وُجد تاريخيًّا، يبدو أنَّه لا شك في أنَّه تمَّ الاستشهاد باسمه بشكلٍ حقير ينطوي على غِش، حين احتاج إليه راوي قِصص أو مفسِّر قصة شعبية.

ثمَّة كتَّاب آخَرون من جنوب الجزيرة العربية، أو من عرب الشمال، أو من الفرس الذين اعتنقوا الإسلام، وتحوَّلوا إلى تسجيل الأساطير، أكثر أهمية بكثير. درس أبو محمد عبد الله بن وهب بن منبِّه، على سبيل المثال، الفقه على يدَي مالكِ بن أنس (٩٧–١٧٩ﻫ/٧١٥–٧٩٥ تقريبًا). وتُنسب إليه كتبٌ كثيرة، تشمل قِصص الأنبياء وحكايات من عصور العهد القديم (إسرائيليات) وكتابٌ أدخَلَ بدون شك ملاحمَ ملوكِ جنوب الجزيرة العربية قبل الإسلام (كتاب الملوك المتوَّجة). لم يُكتشف أيٌّ من هذه الكتب. ثمَّة مؤلفان آخَران من جنوب الجزيرة العربية كانا أوفرَ حظًّا. دعا معاوية عبيد بن شَرْية الجرهمي للقُدوم إلى دمشق ورواية حكايات الملوك الأوائل في الجزيرة العربية. استشهد الكتَّاب من بعده ﺑ «كتاب الملوك وأخبار الماضي» على نطاقٍ واسع. عمله الذي بقي عن تاريخ حمير ومختارات من أشعارهم «أخبار عبيد في أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها»٢١ من أقدَمِ النصوص المتبقية من هذا النوع. مِثل كعب بن الأحبار؛ الوجودُ الحقيقي لعبيد بن شَرية الجرهمي موضعُ شك. يوصف بالعمر الطويل، شَهِد حربَ داحس (القرن السادس م).٢٢ لكنَّه أيضًا عَلمَ معاويةَ وسلاه في النصف الثاني من القرن السابع. حتى لو كانت هذه المستحيلات مَسليَّة؛ فإنَّ كتاباته أساسيةٌ لدراسة الازدهار الفني والأدبي لأقدم القصص العربية.

وُصِف وهْبُ بن منبِّه اليمني (ت: ١١٤ﻫ/٧٣٢م) بأنه مانيتون عرب الجنوب. سجلُّه عن ملوكِ حِمير، وشخصياتٍ أخرى مثل بلقيس «ملكة سبأ»، والجرهميين وصَلَ من خلال نسخة ابن هشام (ت: ٢١٨ﻫ/٨٣٣م). كتابه، «كتاب التيجان في ملوك حمير»، مَنْجم ثري بالخرافة العربية والأسطورة والحوليات المشوَّشة. قد نرى فيه التأثيرَ القوي للمعرفة السريانية اليهودية والمعرفة الفارسية في الشِّعر والنثر.

هناك أيضًا حالةٌ مقبولة، وإن كانت غيرَ مؤكَّدة، توضِّح أنَّه من خلال فسطاطِ عرب الجنوب — أول عاصمة إسلامية لمصر — أدَّى الاحتكاك الثقافي إلى اندماجِ هذه المادة العربية بالأساطير المصرية (قبطية أو يونانية) عن الرائين والملوك والفراعنة والسَّحَرة في مصر القديمة. اختلطت بشكلٍ كبير شخصياتٌ مثل حورس، وهرمس/إدريس، ومسريم، وقحطان/جوكتان، وعبد شمس، وشداد بن عاد، وغيرهم؛ وأُعيد ترتيبهم وفهرستهم زمنيًّا.٢٣ بدأت عمليةُ الاستيعاب الكامل للخرافة الأفريقية والآسيوية في القصة العربية لا محالة والفتوحات تمتدُّ وتستوعب مجتمعاتٍ متعدِّدةَ الأعراق. هل يُستغرب إذن أن تنتقل الخرافات البدوية عن المهرة والربع الخالي عبرَ مصر والمغرب إلى النيجر وبُحيرة تشاد؟
كان بلاط معاوية أيضًا مركزًا لنقل أقدم الحكايات الفارسية والهندية، «حكايات ألف ليلة» (خرافات) أو «هزار أفسانة». أكمل العباسيون العملية، «لكن الاحتمالية الكبيرة أن المواد العربية الجاهلية تنافست مع المواد الفارسية منذ البداية، تلاها على الفور حكايات الخلفاء الأوائل وقصصهم وبني أمية وعصرهم».٢٤ ثمَّة ترجمة من القرن الثامن لكلٍّ من «هزار أفسانة» ونسخة عربية ذات صبغة إسلامية منها، تبدو مرجَّحة بشكلٍ متزايد. يحتلُّ هؤلاء من عرب الجنوب الأوائل، الذين كانوا مجهَّزين جيدًا لرواية أساطير الشرق عمومًا، إضافةً إلى أمجاد حمير، مكانةً فريدة في هذا الجنس الأدبي الثري والمجزي من الأدب العربي. لهم تَدِين القصص العربية في الفترات اللاحقة بالكثير.
١  انظر: Gurney, “Nippur”, and Burton, “Larrikin”.
٢  Guillaume, Life, 136.
٣  قارن: Boyce, “Middle Persian,” 31–66.
٤  Thomas, Arabia Felix, 246–251.
٥  انظر النَّص العربي في Salifou, “Damagaram,” 233–5.
٦  Lyall, Arabian Poetry, 64-65.
٧  ابن الكلبي، الأصنام، ٦–٨.
٨  Basset, Loqman, lxix.
٩  نسبةً إلى قومِ عاد. (المترجم)
١٠  Ibid., lxxi-lxxxi.
١١  التكرار الثلاثي «للارتفاع والهبوط» الذي يتكرر غالبًا في هذه الحكايات يمكن العثور عليه، على سبيل المثال، في حكاية فقير نيبور، وفي مآثر أبي زيد الهلالي، وفي الحكايات التالية عن ثلاث قفزات للموت من جدران «مدينة النحاس».
١٢  انظر، على سبيل المثال، نسخةَ هذه الأسطورة في: الجاحظ، الحيوان، ج٤، ٤٧٦-٤٧٧.
١٣  نسبة إلى إسماعيل بن إبراهيم. (المترجم)
١٤  الكلبي، الأصنام، ٦.
١٥  أيضًا «نابت» و«قيذر»، وأشكال أخرى.
١٦  سكينة الله، أو وجوده، أو الرُّوح الملتزمة. راجع: سورة (البقرة: ٢٥٤–٢٥٠) [كذا في الأصل، وهو خطأ مطبعي واضح، والصواب: (٢٤٨–٢٥٠)]، وJeffery, Foreign Vocabulary, 174.
١٧  ويب Webb، كتاب التيجان، ١٧٩–١٨٠.
١٨  انظر: Guillaume, Life, 13–18.
١٩  ابن خلدون، المقدمة، ج١، ٣٦٠.
٢٠  راجع: Martyrs.
٢١  طُبعت ملحَقة بتحقيق ويب Webb، التيجان؛ وجاء عنوانها ببساطة: أخبار عبيد.
٢٢  عن تاريخ هذه الحرب، انظر: Lyall, Ancient Poetry, 115-116.
٢٣  انظر: Vadet, “Acculturalisation”.
٢٤  انظر: Abbott, “Fragment,” 161.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥