الفصل الثاني

الشِّعر قبل الإسلام

عبد الله الطيب، فاس
كان الشِّعر النشاطَ الذهنيَّ الأعظم للعرب وقمَّة إنجازاتهم الفنية. وكما يقول ابن سلَّام:١ «كان الشِّعر في الجاهلية ديوانَ علمهم ومنتهى حُكمهم، به يأخذون وإليه يصيرون.» وكان الشاعرُ مثلَ نبيٍّ؛ الكاهن غالبًا، وعرَّاف العشيرة وقائدها. كان لعرَبِ الجنوب حضارةٌ قديمة مستقرَّة، لكنَّ أقاربهم، عرب الشمال، كانوا بَدوًا وسكَّان واحات، معتمدين على طُرُق قوافلِ التِّجارة، والرَّعي في بِقاعٍ قاحلة في مناطقَ جافَّة شِبه صحراوية، وفي أوقاتِ الجفاف والمجاعة يُغيرون على القبائل الأخرى لجلْبِ الغنائم. لم يكُن للقبائل البدوية عمارةٌ سوى خيمةٍ أمامها موقدٌ من ثلاثةِ حجارة. وكان فنُّهم التصويري يقتصر على اللوحات الصخرية. وكانت موسيقاهم إنشادَ أشعارهم؛ وترتبط القيثارةُ والآلات الوتريَّة المماثِلة أساسًا ببلادٍ خارجَ الجزيرة العربية، مثل فارس، كما قد يُستنبَط من شِعر الأعشى.٢ ويبدو أنَّ الناي والدُّف كانا آلتَيهما الموسيقيَّتَين الرئيسيتَين. وسيطَرَ على حياتهم الصحراوية البريَّة إدراكٌ طاغٍ لمفهومَي السمعة والهيبة. عمل الرَّجُل دائمًا على حماية كبريائه، وهذا أهمُّ بندٍ في شرَفِ الشخص. وعزَّز هذه النزعة الفردية وقوَّاها تفاعلاتٌ تلاحظ عمومًا في مدونة السلوك بين القبائل، مبنية على مفاهيم الشرف، ممثَّلًا بالثأر، والغيرة على نساء القبيلة، والكرم ونجدة الضعفاء، بما فيهم النساء والأيتام، والمقاتلين الذين يفوقهم خصومهم في العدد. ورغم أنَّ كثيرًا من العلماء القدماء كانوا عبَدَة أوثان؛ كان لديهم إيمانٌ مبهَمٌ وقويٌّ بإلهٍ أسمى. وكانت الأوثان الخاصَّة بقبيلة أو قبائل، لا تُعتبر مثل الأرباب إلى حدٍّ كبير؛ بل تُعتبر بشكلٍ أكبرَ بُؤرًا لشفاعة الرب، تمارس من خلال حرَّاس المزارات (السدنة). وكانت سدانة مزار شرف، تبقى دائمًا في عائلةٍ واحدة، تُنقل من الأب إلى الأحفاد المباشرين. وحين لا يكون هناك أحفادٌ مباشرون، يرثها أقرب الأقارب.٣ في كلِّ أرجاء الجزيرة العربية، ارتبطت عائلاتٌ بمزاراتٍ يُعتقد أنَّ قوًى خارقةً للطبيعة تباركها ممَّا يمكِّنها من الاتصال بالجنِّ. فئة من الأرواح، غير مرئية لكنها قد تظهر في أيَّة لحظةٍ مقنَّعة في أيِّ شكل، وكان العرب ينسبون لها العجائب. وكان مزار الكعبة في مكة يسمَّى بيت الله، ويسمَّى سدنتها أهل الله. وكانت مكانةُ قريش، سادة الحَرَم في مكةَ، ساميةً جدًّا بين العرب، نتيجةً لهذا ونتيجةَ انحدارهم من إسماعيل بن إبراهيم. وعزَّزوا أيضًا وضْعَهم بين العرب بالتِّجارة والأحلاف، وخاصَّة بالزواج. ذات مرَّة، حاولتْ قبائلُ الأهواز انتزاعَ السيادة الدينية من قريش، وعندما فشلوا قال شاعرهم عوفُ بن الأحوص:
وجاءت قريش حافلين بجمعهم
وكان لهم في أول الدهر ناصرُ
… … … … …
… … … … …
وكانت قريش يفلق الصخرَ حدُّها
إذا أوهَمَ الناسَ الجدودُ العواثرُ٤

في الأشْهُر الأربعة الحُرم، التي يُحجُّ فيها إلى مكة، تعمُّ حالةٌ من السلام المتفق عليه. يُعلَّق الثأر وغاراتُ القبائل، وتعبُر القوافل شِبه الجزيرة العربية من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب للتجارة. وازدَهَر أيضًا نشاطٌ بحريٌّ، وكانت البضائع تحملها الإبلُ عبْرَ الرمال، وتُحمل في البحر من الخليج الفارسي أو الهند، أو بطول سواحل البحر الأحمر، لتُباع في أسواقٍ مجمَّعة بين القبائل في دومةِ الجندل وهَجر ومشقَّر وحضرموت وعدن ودبَى وصنعاء وعكاظ ويثرب.

وارتبطَت الأسواق الداخلية، مثل عكاظ ويثرب، بموانئ ساحليةٍ مثل جدَّة وينبع. وكانت بعض السفن ترسو في هذه الموانئ. وفي الشِّعر القديم إشارةٌ لبحَّارة، مثل عدولية وسفين ابن يامِن اللذين ذكرهما الشاعر الجاهلي طَرَفة.٥ ويعود بعضها لغير العرب، كما يوضِّح وصفُ الهُذَلي٦ لسُحُبٍ كثيفة تُشبه السُّفن الفارسية أو اليونانية (سفائن أعْجَم) تقترب من ساحل.

ظهَرَ تجَّارٌ من حضرموت في أسواقِ ذي المجاز ومجنَّة وعكاظ، واستمرَّ أحفادهم يظهرون هناك لقرونٍ عديدة حتى اليوم. في السوق، لم تكُن تُعرض السلع فقط، لكنْ أيضًا الأعمال الذهنية. كان العربيُّ يعوِّض فقره في الثقافة المادية بشكلٍ كبير بثرائه الهائل في الفصاحة ومخزون التراث الشفهي.

كان خطباءُ كِبار ومتحدِّثون بالأمثال والحِكَم يحضرون أيام الحجِّ، صغيرًا أو كبيرًا. كان الحج الصغير يؤدَّى في مزاراتٍ محلية، وينظَّم الحج الكبير إلى مكة ومزارات الأوثان الرئيسية مثلِ ودٍّ واللات. وكان أكثم بن صيفي التميمي خطيبًا مشهورًا، تُنسب إليه أقوال من قبيل «آفة الرأي الهوى؛ الرأي نائمٌ والهوى يقظان.» وقُس بن ساعدةَ الإيادي، ويقول بعض المؤلفين إنه كان مسيحيًّا، ويقول آخرون إنه كان من أتباع دين إبراهيم، تُنسَب إليه الخطبة الشهيرة في عكاظ، التي تبدأ ﺑ «مَن مات فات، وكلُّ ما هو آتٍ آت، ليلٌ داجٍ وسماءٌ ذاتُ أبراج.» ونقلها النبيُّ محمَّد الذي تذكَّرها عن ظَهْر قلبٍ من أيام صِباه؛٧ لكنَّ الشعراء، مع ذلك، كانوا ملوكَ تجمُّعات الأسواق؛ لأنَّ الشعر يُعتبر قمَّةَ الفصاحة العربية.
تتكوَّن القصيدة، وكانت قمَّة الشعر في الفصاحة العربية، من ثلاثة أقسام، كلٌّ منها يؤدي إلى القِسم التالي له. يبدو أنها كانت تُعتبر تأليفًا موسيقيًّا، بالإضافة إلى أنها كلامٌ ملفوظ مترابط منطقيًّا. وكانت شكلًا توحِّده، من البيت الأول، القافية. وكان المستمعون غالبًا يعرفون خلفية الموضوع الذي يتناوله الشاعر. كانوا يستمعون متوقِّعين كيف يتقدَّم في الكشف عن النمط المعروف جيدًا للقصيدة، والاختلافات التي يبتكرها والصعوبات التي يتغلَّب عليها. كيف، على سبيل المثال، إذا كان النسيب مشحونًا بالعاطفة، يتقدَّم إلى تِيمة الحرب والشجاعة؟ كيف يأتي بالقافية في كلِّ بيت؟ وأيُّ نوع من القوافي الداخلية والأدوات الإيقاعية يستخدمها؟
لم يكُن الشاعر العربي راويةً. كان أستاذَ الإيجاز، ساحرَ الإيقاع والكلمات. كان راويه شارحًا يقدِّم التفاصيل والخلفية الضرورية. وقد وصل إلى قلوبِ مستمعيه من خلال تأثير أبياته، يترك توضيحَ معانيها ليتناولها الراوي. وبالتالي، من العصور القديمة والشعر العربي يتطلَّب رُواته الشارحين. كانوا يرتبطون بالشاعر معجَبين وناشرين لأشعاره، يحفظونها عن ظَهْر قلب وينقلونها بطريقته أو طبقًا لتوجيهاته. وكثيرًا ما كان الراوي نفسه شاعرًا، وبدوره أيضًا، له راوٍ لأشعاره. كان زُهير في هذا الوضع بالنسبة لخاله بشامة بن الغدير. وبالنسبة للشاعر أوس بن حجر، كان الحطيئة. وقد صار هو نفسه شاعرًا مشهورًا، راويته.

وكان الشعر يعامَل بجديَّة إلى درجةِ أنَّ في تجمُّعات سوق عكاظ في موسم الحج، يعيَّن حَكمٌ بين الشعراء وتُنصب له خيمةٌ من الجِلد الأحمر لهذا الغرض. وكان النابغة الذبياني واحدًا من أواخر هؤلاء الحكَّام، ويقال إنه حكَمَ في مناسبةٍ لصالحِ الشاعرة الخنساء ضدَّ حسان بن ثابت، الذي أصبح بعد ذلك شاعرَ النبيِّ ومادحه.

وكان الشِّعر الذي يفوز بتفضيل الحكَّام في عكاظ في موسم الحج يُعهد به لقريش لحفظه بشكلٍ آمن. ويقال، على سبيل المثال، إنَّ علقمةَ بن عبدة التميمي ألقى على رجال قريش قصيدته في مدح الحارث ملك الغساسنة، وإنهم أُعجبوا بها وقالوا له: «هذا سِمط الدهر.»٨ (واعتُبرت الأبيات المفردة في القصيدة لآلئ والقصيدة ككلٍّ مكوَّنة من هذه اللآلئ معقودةً معًا.) ثم عاد بعد عامٍ وقرأ قصيدته الميمية، ومرةً أخرى أُعجبوا بها وقالوا: «هاتان سمطا الدهر [في إشارةٍ إلى قصيدتَيه].» وكانت بعض القصائد الشهيرة جدًّا تعلَّق على الكعبة تقديرًا لها فكانت تسمَّى المعلَّقات.٩ وأشْهَرها سبع، يرتِّبها بعضُ النقاد على النحو التالي طِبقًا لمؤلفيها: امرؤ القيس، طَرَفة، زُهير، لبيد، عمرو بن كلثوم، عنترة، الحارث. ويرتِّبها آخرون بشكلٍ مختلف، لكنَّ امرأ القيس يحتلُّ المرتبة الأُولى دائمًا. ويُضيف بعض الدارسين ثلاثَ قصائد أخرى للنابغة والأعشى والأبرص الأسدي.

وفي شِعر الفترة السابقة على الإسلام، أدلةٌ على التفكير التأملي (ربما حتى أصداء للفلسفة اليونانية في شبه الجزيرة العربية) كما، على سبيل المثال، في أبياتِ امرئ القيس:

أرَانَا مُوضِعِينَ لأمرِ غيبٍ
ونُسحَر بالطعامِ وبالشرابِ
عصافيرٌ وذِبَّانٌ ودُودٌ
وأجرأُ من مُجَلِّحةِ الذِّئابِ
وكلُّ مكارمِ الأخلاقِ صارتْ
إليهِ هِمَّتي وبِهِ اكتِسابي

•••

وقد طوَّفتُ في الآفاقِ حتى
رضيتُ من الغنيمةِ بالإيابِ١٠

وكان امرؤ القيس في أعماقه متشككًا باحثًا عن اللذة، حتى لو تحول أحيانًا إلى الله فهو يقول:

اللهُ أنجحُ ما طلبتُ به
والبرُّ خيرُ حقيبةِ الرَّحْلِ١١

وكان زهير بن أبي سُلمى متديِّنًا بعمق، ويقال إنه على فراش الموت تنبَّأ بأنه سيأتي رسولٌ من الله للعرب. وعلى عكس كثيرٍ من شعراء الجاهلية، عارَضَ زهيرٌ الحرب، وفي معلقته طرَحَ قصصَ أقاربه، بني غطفان، بهذه الطريقة:

فمَن مبلغُ الأحلافَ عني رسالةً
وذُبيانَ هل أقسمتُمُ كلَّ مُقسَمِ
فلا تكتُمُنَّ اللهَ ما في نفوسكم
لِيَخفَى ومَهمَا يُكتَمِ اللهُ يَعلَمِ

•••

وما الحربُ إلا ما علمتُم وذقتُمُ
وما هُوَ عنها بالحديثِ المُرَجَّمِ
متى تبعثُوها تبعثُوها ذميمةً
وتَضْرَ إذا أضْرَيتُمُوها فتَضْرَمِ
فتَعْرككُم عرْكَ الرَّحَى بثِفَالها
وتَلقَحْ كِشَافًا ثُم تحملْ فتُتْئمِ
فتُنتِجْ لكُمْ غِلمانَ أشأمَ كلُّهُمْ
كأحمرِ عادٍ، ثُم تُرضِعْ فتَفْطِمِ

•••

ومَهمَا تكُنْ عند امرئٍ من خليقةٍ
ولو خَالَهَا تَخْفَى على الناس تُعلَمِ١٢

كانت أفكارُ الفروسية جزءًا من مدوَّنة أحلافِ القبائل. كان العرب فرسانًا عظماء، يربُّون الخُيول بشكلٍ جيِّد كما يربون الإبل، وزعموا أنَّ جِيَادهم الأصيلة تنحدر من الجن. وتضمن مجال الفروسية أفكار الشهامة تجاه النساء، والالتزام بالعهود، وتجنُّب الغدر في القتال والامتناع عن قتال الخصم الأعزل. يقول عنترة في معلقته:

هلَّا سألتِ الخيلَ يا ابنةَ مالكٍ
إن كنتِ جاهلةً بما لم تَعلَمي

•••

يُخبِرْكِ مَن شهِدَ الوقيعةَ أنني
أغشى الوغى وأعفُّ عند المَغنَمِ١٣

يخاطب حاتمُ الطائي، الشهير بكرمه، زوجته:

بعيني عن جاراتِ قومي غفلةٌ
وفي السمع مني عن حديثهمُ وقْرُ
… … … … …
… … … … …
أماويَّ إنَّ المالَ غادٍ ورائحٌ
ويبقى من المالِ الأحاديثُ والذِّكرُ١٤
وطبقًا لابن سلامٍ وآخرين، ظهَرَ الشعر العربي في البداية في قِطعٍ مؤلَّفة من بيتٍ أو اثنين أو أكثر بقليل. ثم بدأت القصائد الأطول في الظهور، وفي نهاية القرن السادس الميلادي، استقرَّت القصيدة بثبات.١٥ كان لكلِّ قبيلةٍ شاعرٌ على الأقل يمتدحها ويمثلها في مناسبات الحج وفي تجمُّعات الأسواق الموسمية. وكان الشعراء يصنَّفون طبقًا لمزاياهم، إلى أربعِ فئات. وكان الشعراء الكبار يُسمَّون فحولًا. وكان الشاعر من الطبقة الرابعة يسمى شُوَيعِرًا (تصغير شاعر). ويقال في هذا الشأن:
الشعراءُ أربعة:
واحدٌ يتفوق على الآخرين جميعًا،
وواحدٌ يمكن أن يخطب في قلبِ حشد،
وواحدٌ يستحقُّ أن يُسمع،
وواحدٌ يستحقُّ أن يُضرب على ظَهْره.
وكان الشويعر يسمى أيضًا سُكَيتًا، أيْ آخر حصانٍ في السِّباق. وكان الشاعر العظيم حقًّا يسمى خِنْذِيذًا (الفحل الممتاز)، وكان لقب مُفْلِق («مَن يفعل شيئًا استثنائيًّا») يُطلَق غالبًا على الثاني في الطبقة، وأحيانًا على الطبقة الأولى.
بالإضافة إلى شعراء المعلَّقات، يُنسب للطبقة العليا بين شعراء الجاهلية أيضًا المُهَلْهِل، خال امرئ القيس، وأبو دُوَاد، والطفيل، وأوس بن حجر، وآخرون كثيرون. وكان هناك شعراء يُعتبرون مساوين للفحول، لكنهم ينسبون للطبقة الثانية؛ لأنهم لم يؤلِّفوا قصائدَ كثيرةً، كما في حالة طَرَفة، الذي مات صغيرًا، لكنَّه ألف واحدةً من أشهر القصائد، المعلقة الثانية. وكان شعراء مدن الواحات يُعتبرون أدنى عمومًا، باستثناء شعراء «المدينة». وكان من أشهر شعرائها قيس بن الأسلت وحسان بن ثابت. وأنجبت «الحيرة» أيضًا شاعرًا كبيرًا هو عدي بن زيد، وكان مسيحيًّا.
وهناك فئةٌ من الشعراء يدعون الصعاليك، وكانوا خارجين على القانون، عاجزين عن الاندماج في النظام القَبَلي الخاص. نتيجةَ — على سبيل المثال — الغموض بشأن أصل مولدهم، كما في حالة الشَّنْفَرى الذي نشأ بين عشيرةٍ معادية، وانقلب عليها حين اكتشف ذلك. وأنف هؤلاء الشعراء الصعاليك من ركوب الخيل في المعركة، وكانوا يجرون على أقدامهم أسرعَ من أيِّ فرس! خبَّئُوا المياه في بيض النعام في قلب الصحراء؛ ليتزوَّدوا بها في مغامراتهم. وغاروا على معسكرات القبائل؛ سعيًا وراء الثأر الشخصي. يتحدَّث شِعرهم عن حياتهم البرية، وغنُّوا بتحدٍّ لمُثُلهم العليا في الحرية والسلوك المثالي، كما على سبيل المثال في بيتَي الشَّنْفَرى:
أُدِيمُ مِطالَ الجوعِ حتى أُمِيتَه
وأضرِبُ عنه الذِّكر صَفحًا فأذهلُ
وأستفُّ تُربَ الأرض؛ كي لا يرى له
عليَّ من الطَّوْل امرؤٌ متطوِّل

وكان تأبَّط شرًّا والشَّنفرَى من أشهر هؤلاء الشعراء الخارجين على القانون، وأكَّد الأول أنه قابل غولةً في البريَّة وتزوجها؛ رمزًا لانفصاله الكامل عن الرجال الآخرين.

وهناك قبائلُ اشتهرت بالفصاحة. لشِعرها سماتٌ خاصة، مثل بني هذيل، الذين عاشوا بجوار مكة، وكانوا ذخيرة للثقافة البدوية؛ لقرابتهم بقريش. الكثير من شِعر هذيل، تفوح منه نكهةُ شعورٍ ديني عميق، له طبيعة قديمة جدًّا، خاصَّة في مراثيهم.

وهناك أيضًا شواعرُ ذواتُ مكانةٍ رفيعة جدًّا. تصنَّف الخنساء بنت عمرو بن الشريد، من بني سُلَيم، ضمن الفحول. ويقال أيضًا إنَّ الجن، الذي كان يُعتقد أنَّه مصدرُ إلهامِ الشعراء، كان له شِعرٌ خاص به. يقال لنا، على سبيل المثال، إنهم ألَّفوا بيتًا في رثاء حرب بن أمية. ووُجد حتى، في الجاهلية، شِعرٌ فلكلوري يُنسب للحيوانات، حين اعتادت الحديث في عصر الفطحل (أي قبل طُوفان نوح)، مثل ما يقوله الضبُّ للحسل:
أهدَّموا بيتك لا أبَا لكا
وأنا أمشي الدَّأَلى حوالكا١٦

كان هناك ثراءٌ هائل للشِّعر من كلِّ نوع، وصار — بعد ظهور الإسلام — بؤرة الاهتمام ومصدرَ دراسة مفسِّري القرآن.

(١) طبيعة الشعر العربي

مفهوم الجزالة في القصيدة
عرَفَ العرب القدماء أشكالًا كثيرة من التعبير الشفهي، اعتُبر نوعٌ واحد فقط منها شِعرًا. وكثيرًا ما كان للسجع انتظامٌ إيقاعي وقافية؛ بحيث يُعتبر شعرًا. وعلينا أن نقارنه بأنواعٍ مماثلة في لغاتٍ أخرى. وهناك أدلة توضح أن أنواعًا معينة من السجع كانت تعتبر شعرًا بين بعض القبائل البدوية، على سبيل المثال رثاء أم تأبَّط شرًّا له:١٧ «وابناه وابنَ اللَّيل، ليس بزُمَّيل، شَروب للقَيل، رقود باللَّيل …» وأغنية الحرب لأبي حبيب الهذلي:١٨ «أنا أبو حبيب، لا أُخَشَّى بالذيب، إلخ.» ثمَّة شكلٌ إيقاعي لا يزال يُستخدم بين بقَّارة السودان، وأيضًا بين بعض بدو نَجْد من الخيَّالة. وهذا الشكل الإيقاعي يعتمد على محاولة تقليدِ خبَبِ الجياد.
كان الخليل بن أحمد، النحوي والفقيه اللغوي والمعجمي، يَعتبِر بحرَ الرجز، وهو شكلٌ من التعبير الإيقاعي أكثرُ انتظامًا بكثير من السَّجع، خارجَ مجال الشِّعر، واعتبره أبو العلاء المعري شكلًا متدنِّيًا من الشِّعر، من طبقةٍ ثانية. وهذا التحفُّظ مهمٌّ؛ لأنَّ الرجز، مثل الأنشودة، كان يُستخدم أساسًا مصاحِبًا لعملٍ متكرِّر، كما قد يشير المعنى الاشتقاقيُّ للكلمة. كان صحابةُ النبي، وهم يحفرون الخندق يُنشِدون الرجز، وانضمَّ النبيُّ لهم في الحفر والغناء، مردِّدًا الكلمةَ الأخيرة من كلِّ بيتٍ مثل كورس، مكرِّرًا صدَى «عمْرَا» كلما قالوا: «عمْرَا»، و«زهْرَا» كلما قالوا: «زهْرَا».١٩ وذكَرَ أبو هريرةَ أنَّه سمِعَ العجَّاجَ يردِّد إحدى أراجيزه، متَّبعًا ما قيل له من أنَّ النبي كان يحبُّ هذا الشكل الإيقاعي.٢٠
القرآن ليس شعرًا، لكنه إيقاعي. إيقاعُ بعض الآيات يشبه انتظام السجع وكلاهما مُقفًّى، بينما تتشابه آياتٌ مع الرجز في قوَّته وسرعته، لكن نقَّاد قريشٍ اعترفوا بأنه لا ينتمي إلى هذه الفئة أو تلك.٢١ يراوغ الانحرافُ الإيقاعي الذي يبعده عن السجع والرجز والشعر كلَّ بحث؛ لأنَّ من المبادئ الأساسية في الإسلام أنَّ القرآن معجزةٌ بطبيعته (يمكن تمييز نوعٍ آخر مماثل للانحراف المعياري، يتعلَّق بنمط بناء سور القرآن مقابل النمط الذي اتبعته القصيدة). يبدو طه حسين مُصيبًا في تأكيده على أنَّ التأليف العربي ينبغي أن يقسَّم إلى ثلاث فئات: النثر والشعر والقرآن، والسجع جزء من النثر، لكنَّ القرآن فئةٌ في ذاته.٢٢
يتأسَّس الشعر العربي على انتظام البيت طبقًا لنظامٍ معقَّد، وعلى القافية.٢٣ وإضافةً إلى ذلك كان للشعر قبل الإسلام خاصيَّةٌ تسمَّى «الجزالة»؛ يقال عن شيءٍ إنه جَزلٌ إذا كان قويًّا أو مدمجًا أو متينًا؛ تُوصف قطعةُ الخشب بأنَّها جَزلةٌ؛ وتوصف المرأة بأنها جَزلةٌ إذا كانت ذاتَ شخصيةٍ مؤثِّرة. وهكذا تدلُّ الجزالة على عنصر الوضوح إلى جانب نقاء الأسلوب، وأنه ليس هزيلًا، لكنه قويٌّ وحيويٌّ. ويتراوح من الاختصار والإيجاز، كما في حالة لبيد، إلى الانسياب التلقائي، كما في قصائد طَرَفة وعنترة. وكان زُهير يفضِّل أن يترك قصائده تنضج مثل النبيذ لمدَّة عامٍ قبل نشرها، ويعتبر ذلك براعةً خارقة من جانبه. وكان زهير ومقلِّدوه يلقبون ﺑ «عبيد الشِّعر»، لكنَّ جَهْد زهير، إن وُجِد، غيرُ ملموس؛ لأنَّ جزالته فائقة.
اعتمد العرب القدماء في محاولتهم لتحقيق الجزالة أسلوبًا بدويًّا وطريقةً في النظم وأسلوبًا شعريًّا تمامًا. وكانت هذه البداوة مثاليةً تتَّسم بالحنين. كان البدو، طبقًا لابن خلدون،٢٤ أقربَ إلى الصلاح؛ نتيجةَ حياتهم البسيطة، ولأنهم أقرب إلى الطبيعة البدائية التي تُعتبر مصدرَ كلِّ طيب، لكنْ كان مقدَّرًا لمعظم البدو أن تغزوهم شعوبٌ مستقرَّة، لديها وسائلُ أكثر لتحقيق القوة السياسية والاقتصادية. في حالة العرب، كان سكَّان المدن يسيطرون في النهاية على القوافل وأماكن العبادة، وأصبحوا حفَظَةَ ثقافةِ العرب وحرَّاسَ تراثهم الشفهي. ومع ذلك، وُجدت شبكةٌ قوية من العلاقات بين العرب المستقرِّين والرُّحَّل، أدَّت في النهاية إلى تشابُكٍ متناقِض بين قِيَمهم. وتوجد لأبي حيان التوحيدي معالجةٌ شيِّقة لهذا الموضوع، يستنتج منها المؤلِّف أنَّ العرب كانوا شعبًا متحضِّرًا في صحراواتهم.٢٥
توضيحًا لتشابُك القيم، يمكن الاستشهاد بحقيقةِ أنَّ أهل مكة كانوا يُرسلون أطفالهم للرضاعة والتنشئة في سنواتهم الأُولى على أيدي مرضعاتٍ بدويات؛ لاعتقادهم بأنَّ هواءَ الصحراء صحيٌّ ولغةَ البدو نقيَّة. وكان الشِّعر رمزَ الوَحدة بين العربيِّ المستقرِّ والبدويِّ ورابطَها. وما كان يفتقر إليه الأخير في الثروة والتفوق السياسي، اكتسَبَه بالشِّعر في القضايا الخُلُقية والمُثُل الثقافية. وكان الإخلاص، ولا يزال، مرتبِطًا بوضوحِ البدوي ومباشرته وبساطته. ويوجد البدوي كما يصوَّر بشكلٍ مثالي، ولو كان خياليًّا، في رُوح العربي للأبد. ينبغي أن يُقرَأ الوصفُ الرائع الذي قدَّمه ابن قتيبة لأسلوب القصيدة٢٦ على هذه الخلفية؛ حيث يقول إنَّ الشاعرَ العربي بدأ قصيدته بذِكْر الخِيَام (ليجعل من هذا وسيلةً للتلميح إلى الحبيبة) لأنَّ البدو كانوا من سكَّان الخيام؛ ولذا يقرِّب ذكرُ الحبيبة الشاعرَ من قلبِ مستمعه، نتيجةَ الرابطة المشتركة للحُب التي تربط كلَّ الرجال؛ لا أحد منهم بدون رابطةٍ غرامية، سواءٌ كانت شرعيةً أو غير ذلك. النتيجة هنا إزالةُ الكبح من خلال الرابطة المشتركة للحُب والحنين؛ ليتمكن الشاعر من أن يكون مباشرًا وواضحًا كالبدوي المتخيَّل، الذي لا يدور حول الموضوع، لكنَّ صوته نقيٌّ وحديثه صادق بشكلٍ مؤثر، صريح وجريء بأسلوبه المباشر. بنية المجتمع قبل الإسلام، جعلت هذا النهج فعَّالًا؛ لأن الحواجز الاجتماعية بين الطبقة العليا والدنيا لا تظهر في الحياة اليومية في الطبقات اللغوية، وكان مظهر القسوة والبداوة مشتركًا بين الجميع، لكنْ، بعد ذلك، مع ظهور الخلافة وتوسُّعها بدأت العصبية القبلية العربية القديمة تتخلَّى عن مكانها، لصالح مفهوم المَلَكية والأُسرة الحاكمة مع الأفكار المرتبطة بهما عن الفخامة والعبودية والخداع والازدراء المعقَّد لأساليب الصحراء، التي اعتُبرت همجيةً وجلفة. طوال العصر الأموي حظيتْ رُوح البداوة بالتقدير وتمَّ الحفاظ على مُثُلها، لكنْ، مع مجيء العباسيين، صار للمفاهيم الفارسية — للتدرج الهرمي للبلاط — اليد العليا، وفُضِّل التمدُّن المهذَّب على البداوة القاسية بجزالتها، التي اكتسبت، بعد أن جُردت من وضوحها ونقائها، تكلُّفًا فارغًا. الأدوات نفسها التي استخدمها الشعراء في العصور الأقدم (كالبكاء على الأطلال، أو قضاء الليل في «رصد النجوم» بشغف) حين تكلَّفها شعراءُ العصور التالية؛ بدتْ مثيرةً للسخرية لأبي نواسٍ شاعر البلاط العباسي الذي، رغم أنه لا يعتنق الأفكار البدوية عن القصيدة في مؤلفاته الجادة، كان أيضًا ناقدًا ساخرًا ودقيقًا لعُقم معاصريه ولنفسه. أفسدت ثنائيةُ التقييم الجمالي، المنبثقة من تناقُضٍ متأصِّل للمواقف في الروح العربية، الأفكارَ والمفاهيم بشأن البراعة الشِّعرية من عصر أبي تمام (ت: ٢٣١ﻫ/ ٨٤٥-٨٤٦م) فصاعدًا، واستمرت قصائد الكلاسيكية الجديدة علاجًا وردًّا على تدهور الأساليب والانحراف عن معايير الجزالة. في عالم الأدب العربي اليوم، الصراع بين أنصار التجديد وأتباع النزعة التقليدية مجرَّدُ وجهٍ لهذا.

(٢) الوزن والقافية

بالنسبة للوزن والقافية، يمكن تقسيم الشِّعر قبل الإسلام بطريقتَين. طبقًا للوزن، له تصنيفان فرعيَّان: الرجز، والقصيد. وهناك أنواعٌ نادرة لا تقع، بدقَّة، في مجال النُّظم العروضية المقبولة، يمكن تصنيف بعضها مع الرجز، مثل أغنية أبي حبيب، التي ذكرناها من قبل، أو مع القصيد مثل قطعة سُلْميِّ بن ربيعة، المذكورة في «الحماسة»،٢٧ وبعض اقتباسات أبي العلاء المعري في «رسالة الغفران».٢٨ وطبقًا للقافية، لها ثلاثة تصنيفات فرعية: القصيدة والقطعة والمسمَّطة، أي نوع به تنوُّع في القوافي. ويمكن تجاهل القسم الأخير؛ لأنَّ أصالته متنازَع عليها، مع أن بعض عيناته منسوبةٌ لامرئ القيس.٢٩

(٣) شعر الرجز

يتأسَّس إيقاع هذه الفئة على تفعيلةِ «مُسْتَفْعِلُن» (–°–°– –°)، تتكرَّر ثلاثَ مرَّاتٍ في كلِّ شطر. مُسْتَفْعِلُن محاولةٌ لكتابةٍ موسيقية، قدَّمها تقليديًّا الخليل بن أحمد، وكان النحو تخصُّصه الرئيسي. وطبقًا للجاحظ، استفاد إسحاق الموصلي، موسيقار هارون الرشيد، من هذه المبادرة للخليل حين ابتكر بدوره أسلوبًا لكتابة النوتة الموسيقية. واستُخدِم الرجز (مُسْتَفْعِلُن) (–°–°– –°) والأنواعُ الأقصر منه في أغاني الحروب القبليَّة، وفي ألعاب الأطفال والهدهدة؛ كما في رجز البدويات، الذي يستشهد به أبو تمَّام:

يا ربِّ مَن عَادَى أبي فَعَادِه
وارمِ بسهمَين على فؤادِه
واجعلْ حِمَامَ نفْسِه في زادِه٣٠
جاء تطوُّر الرجز بوصفه شكلًا مستقلًّا مماثلًا للقصيدة تحت رعاية الخلافة المبكِّرة. وقبل الإسلام، لم تُسجل إلا قِطَع قصيرة من أغاني الحرب والفلكلور، مثل تحدي لبيدٍ للربيع بن زياد العباسي، الذي كان يتردَّد على بلاط النعمان، ملك الحيرة. وكان الربيع من قبيلة العباس، وكانوا أقارب ومنافسين وأعداءً لقبيلة هوازن الذين ينتمي إليهم لبيد. حين رأى الربيع يحتل مكانًا بارزًا قريبًا جدًّا من النعمان واستُدعيَ لمشاركته في الطعام، ولبيد لا يزال شابًّا لم يتجاوز سن المراهقة، قال للملك:
مَهْلًا أبَيْتَ اللَّعنَ لا تأكلْ مَعَه
إنَّ استَه من برَصٍ مُلمَّعَه
وإنَّه يُدخِل فيها إصْبَعَه
يُدخِلها حتى يواري أشْجَعَه
كأنَّه يطلُب شيئًا ضيَّعَه٣١
ثمَّة مثالٌ آخر طويل من الرجز لعمرو بن سليم الخزاعي٣٢ يلحُّ على النبي للعمل ضدَّ قريش، الذين خرقوا بنود الصلح الذي أُبرم معه بشأن حلفائه من خزاعة.

(٤) القطعة

كان كلُّ الرجز قبل الإسلام ينتمي لفئةِ القطعة، مكوَّنةً من سبعة أبيات أو عشرة على الأكثر. توجد بعض القطع، المكتوبة في بحور غير الرجز، على سبيل المثال في المختارات الأدبية الشهيرة، مثل «الحماسة»، مختارةٌ في الحقيقة من قصائدَ أطول. ولا نملك حقًّا أمثلةً حقيقية لقِطَعٍ مؤلَّفة أصلًا كذلك؛ لأنَّ الاختيار يمكن أن يفترض دائمًا في هذه الحالات. طبقًا لمَا يقوله ابن سلَّام، قد تعتبر القطعة أقدمَ أشكالِ تأليفِ القصيدة؛ لأنه يقول إنَّ القصائد الطويلة لم يبدأ تأليفها إلا في زمنِ هاشم بن عبد مناف وعبد المطَّلب بن هاشم،٣٣ قرب نهاية القرن السادس الميلادي. وقد تُهمَل القطعة بوصفها كيانًا أدبيًّا فيما يتعلَّق بأهدافِ هذا الفصل.

(٥) القصيدة

القصيدة مجموعةٌ من الأبيات تتراوح من عشرة أبيات إلى ما يزيد عن مائة بيت. وأحيانًا أكثر، كما في معلقة عمرو بن كلثوم، التي زاد فيها شعراء قبيلة بني تَغلِب، حتى وصلتْ إلى ألف بيت. وقال العرب في انتقاد ارتباط بني تغلب بهذه القصيدة:

ألْهَى بَنِي تَغلِبٍ عن كلِّ مَكرُمةٍ
قصيدةٌ قالها عمرو بن كلثومِ
يَرْوونها أبدًا مذْ كان أوَّلُهم
يا لَلرجالِ لشِعرٍ غيرِ مسْئُومِ
تمثِّل المعلقات — عددها سبعٌ، أو عشْرٌ بإضافة قصائد النابغة والأعشى وعبيد بن الأبرص — النوعَ المثالي للقصيدة الجاهلية، وتتراوح عادةً من ثلاثين بيتًا إلى مائة بيت، ونادرًا ما تزيد عن مائة. معلقة طَرَفة من مائةِ بيتٍ كما توجد في ديوانه،٣٤ ومائة بيتٍ وخمسة في شرح التبريزي للقصائد العشر.٣٥ وقصيدة زُهير أقصرُ المعلَّقات، من ستين بيتًا في ديوانه٣٦ وتسعةٍ وخمسين بيتًا في نسخة التبريزي. كلمة القافية عاملٌ محدِّد قوي، على الشاعر أن يتغلَّب عليه ليحقِّق الإيجازَ والوضوح.
وكانت هناك أربعة أغراضٍ تؤلَّف من أجلها القصيدة كليًّا أو جزئيًّا: المديح أو المدح، والهجاء، والغزل، والرثاء. وطبقًا لبعض النقاد قد تعتبر كلُّ الأغراض الأخرى نابعةً من هذه الأغراض الرئيسية. على سبيل المثال، قصائد الاحتجاج والاعتذار التي ألَّفها النابغة، ووجَّهها للنعمان بن المنذر، ملك الحيرة، في جوهرها قصائدُ مدح. والفخر بالذاتِ أو القبيلة فرعٌ من المديح. واعتبر بعضُ النقاد أن الشعر كلَّه يتكوَّن أساسًا من المديح والهجاء. وهكذا قد يصنَّف شعر الغزَل ضمنَ فئةِ المديح؛ حيث يهتمُّ بالثناء على المرأة. ومضى العجَّاج في العصر الأموي إلى أبعدَ من هذا بكثير؛ ليعتبر الهجاءَ فرعًا من المديح، الأخير بنَّاء والأول هدَّام. وهكذا اعتُبر المادح أقدرَ من الهاجي؛ لأنَّ من يبني يمكن أيضًا أن يهدم بسهولة. رفض ابن قتيبة الموافقةَ على هذه الحُجَّة، واعتبر المديحَ والهجاء كليهما بنَّاءَين، كلٌّ بطريقته؛ لأنَّه ليس كلُّ بانٍ بأسلوبٍ معيَّن بانيًا أيضًا في الآخَر.٣٧  الوصف والحكمة من الأغراض الرئيسية للقصيدة، لكنَّ الأول يتعلَّق أكثر بطبيعة النَّهج الأسلوبي للشاعر، رغم أنه أحيانًا قد يكون هدفًا في ذاته، كما — على سبيل المثال — في وصف أوس بن حجر للأسلحة، وطُفيل الغنويِّ للجياد، وعَبِيد بن الأبرص لعاصفةٍ رعدية، والكثير من وصف الأعشى للنبيذ. والحكمة بلورةٌ لعناصرَ أساسية بالتأمُّل في الوجود، ولا يمكن فصلها عن الشعر، وهو الهدف النهائي للشاعر، رغم أنَّ الحكمة هنا مرةً أخرى قد تكون هدفًا في ذاتها، كما في الأبيات الافتتاحية للنصيحة التي تقدِّمها سُبَيعَة بنتُ الأحبِّ لابنها خالد:٣٨
أَبُنيَّ لا تَظلمْ بمكَّـ
ـةَ لا الصغيرَ ولا الكبيرْ
واحفظْ محارِمَها بُنيَّ
ولا يَغرَّنْكَ الغَرورْ
إذا اعتبرنا الفخر كيانًا منفصلًا عن المديح (يوجَّه الأخير في معظم الحالات إلى راعٍ يتوقع منه الشاعر جائزةً عادة)، يكون عدد الأغراض الرئيسية التي تُكرَّس لها القصيدة كليًّا أو جزئيًّا سبعة: الغزل، والوصف، والمديح أو المدح، والفخر، والهجاء، والرثاء، والحكمة، واضعين في الاعتبار أنَّ كلَّ هذه الأغراض، أو بعضها، قد تتواجد معًا في القصيدة نفسها، ونحاول تناولها منفصلةً بهدف التحليل فقط.
أدَّى اجتماع الوزن والقافية إلى ثلاثِ مجموعات من الأنماط الإيقاعية، يمكن أن تصنَّف إلى «عظيمة» و«وسطى» و«دنيا».٣٩ يقال لنا إنه حين ألَّف مطرود الخزاعيُّ قطعةً من الرجز في رثاء نوفلِ بن عبدِ مَنَاف: «يا ليلةً هيَّجْتِ ليلاتي»؛ قال له علماء قريش: «لو كان أفحلَ ممَّا قلتَ كان أحسن.»٤٠ وهكذا ألَّف مرثيَّته العظيمة من بحر البسيط، على القافية نفسها «اتِي»، التي اكتسبتْ هذه المرَّة وزنًا أكبر والنغمة الإيقاعية الطنَّانة للبسيط. يمكن للنمط الأوسط أن يصبح عظيمًا، كما في معلقة الحارث؛ وزنها ليس من الثمانية العِظام؛ ثلاثة من الطويل، واثنَين من البسيط، والوافر، واثنَين من الكامل. حتى بعض البحور «الدنيا» يمكن أن ترقى إلى العُظمى، كما في إحدى قصائد الأعشى، في مجزوءِ الكامل.٤١ لم يكُن من الشائع بين الشعراء الكِبار في الجاهلية استخدامُ الأنماط الوسطى، لكنها كانت شائعةً بين الشعراء الصِّغار، وخاصة في مدينتَي المدينة والحيرة. الأعشى الكبير استثناءٌ يُثبت القاعدة؛ فقد كان شاعرًا متجوِّلًا ومتسوِّلًا، وهو الذي قال: ٤٢
وقد طُفْتُ للمالِ آفَاقَه
عُمانَ، فحِمْصَ، فأُورِيشَلِمْ
أتيْتُ النجاشيَّ في أرضه
وأرضَ النبيطِ وأرضَ العجَمْ

كانت الأنماط «الدنيا» أو القصيرة، تُستخدم غالبًا للغناء في الأعراس والمناسبات المماثلة، كما قد يستنتج من نصٍّ من حديث النبي، على سبيل المثال، أغنيةُ العُرس:

أتيناكُم أتيناكُم
فحيُّونا نحيِّيكُمْ٤٣

وحديث الرُّبيع بنتِ معوِّذ بن عفراء، وفيه يسجَّل أن بعض بناتها غنَّينَ وتباهَينَ، كما كانت — ولا تزال — الطريقة التقليدية عند العرب في أغاني الأفراح:

«وفينا نبيٌّ يعلَمُ ما يكون في غدٍ.»

وحينها وبَّخهنَّ النبي محمد قائلًا لا يعلم الغيب إلا الله.٤٤

بعض هذه الأنماط «الدنيا»، يبدو أنها نُسيت تمامًا بحلول عصر العروضيِّ الخليل، كما قد يُستنتج من ندرة الأمثلة القديمة التي توضِّح أشكالها الإيقاعية المتنوِّعة.

القصيدة، سواءٌ كانت من الأنماط «العظيمة» أو «المتوسطة» أو «الدنيا» في الإيقاع والوزن، ينبغي أن يتصوَّرها الشاعر وحدةً واحدة. يحدِّد طول نفَسه أو قِصَره، أن تكون أبياتها كثيرةً أو قليلة. ونادرًا ما يصِلُ الإيجاز، رغم تقديره، قمَّةً بحيث يكون مؤثرًا حقًّا. المصطلح العربي «نفَس» وصفٌ مناسب جدًّا للوحدة المطلوب وجودها بين العنصر الأساسي لسمات القصيدة والإيقاع الكامن والإيقاع المعلن والأغنية والمعنى. الجهد المطلوب من الشاعر لتحقيق هذا كله، في الوقت نفسه، جهدٌ فائق. ومن هنا جاء الإيمان بشيطان الشِّعر، أو الإلهام، كما نسمِّي المصطلح الآن. وكان يُعتقد أنَّ الشعراء الكبار في الجاهلية تلهمهم الشياطين مباشرة. حسَّان، قبل اعتناق الإسلام، تفاخَرَ بأنَّه كان مدعومًا من أطفال الشيطان: «أقول تارةً، ويقول تارة.» وطبقًا لمَا تقوله عائشة، كان شيطانُه يُدعَى جُهُنَّام أو جهنم. يصِفُ سُوَيد بن أبي كاهلٍ صاحبه بأنه «سريع [بشكلٍ شيطاني].»٤٥ ومع ظهور الإسلام، (يقال لنا) إنَّ حسَّان وُهِب ملاكًا يساعده بدلًا من صاحبه القديم الذي كان من نسل الشيطان.٤٦ تخلَّى لبيد، وهو من شعراء المعلَّقات، عن مهنة الشِّعر وتحوَّل إلى تعلُّم القرآن. وكعب بن زهير لم يؤلِّف شعرًا له أهميةٌ بعدَ قصيدته «بانتْ سعاد» في مديح النبي؛ آخر المدائح بأسلوب الجاهلية.
لكنَّ شياطين الشِّعر عاودَت الظهور بعد ذلك، في أثناء الخلافة، واستأنفتْ وظيفتها في إلهام شعراء المديح والهجاء. وإن يكن من المفترَض هذه المرة أنها تخدم تحت راية الإسلام، فإنها احتفظت بالكثير من مُثُلها القبَلية البريَّة، النقيضة لرُوح الإسلام، لكن بما يتَّفق مع السياسة الأموية والعربية. ويقال لنا إنَّ الفرزدق زعَمَ أن أنصاره من الجنِّ، ساعدوه في تأليف قصيدته الفائية الطويلة، ردًّا على تحدِّي شابٍّ من المدينة.٤٧ ويقال إنَّ جريرًا استخدم غرفةً. اعتاد أن يجلس على سطح منزلٍ في حيِّ بني يَرْبُوع في الكوفة؛ ليكون وحده، ليكتب هجائيةً في الشاعر الراعي النُّمَيري. وسمعتْه عجوز يغمغم، وحين حدَّقتْ ناحيةَ الدَّرَج رأتْه يزحف عاريًا في سريره، فنزلت وأخبرت نزلاء المنزل أن ضيفهم مجنون. فقالوا: «اذهبي لطِيَّتك؛ نحن أعلمُ به وبما يمارس.» وعند الفجر سمعوه يكبِّر في نشوةِ انتصار؛ لأنه نظَمَ ثمانين بيتًا. وحين أنهى القصيدةَ قال: «أخزيتُه وربِّ الكعبة.»٤٨ من الواضح أنَّ شيطان جرير رُوِّض طبقًا لمبادئ الإسلام، رغم أنَّ جريرًا نفسه كان إلى حدٍّ بعيد ألذعَ الهجَّائين في العصر الأموي.

(٦) شكل القصيدة ونمطها

القصيدة، في جوهرها، موجَّهةٌ من الشاعر لمستمِعيه مباشرةً، مستخدمًا صوتَ المتكلِّم، ولا يختبئ خلفَ شخصياتٍ خيالية. ما يقوله يعكس خلاصةَ الحكمة ونقاءَ التفكير وعمْقَ المشاعر العاطفية، المستنبطة من الأحداث والخبرات الخاصة، وأيضًا من أبعاد الخلفية البصرية والاجتماعية التي يَفترِض أنَّ مستمعيه يعرفونها، وسوف يزوِّدهم بها راويه (رُواته). إنها حكايةٌ طويلة، مطلوبةٌ أحيانًا، وتُقدَّم عن طريق الشرح، ولا تنتمي إلى عالَم الشِّعر، بل إلى عالَم النثر. الشعر السرديُّ الذي يظهر في النصوص النثرية، يعتبر عمومًا من تلفيق الرواة، وليس مساهمةً أصيلة للشعراء المنسوبِ إليهم. ونتيجةً لهذا انتقَدَ ابنُ سلَّام ابنَ إسحاق؛ متَّهمًا إيَّاه بإفساد الشِّعر بالاستشهاد بهذا الشِّعر السردي، الذي وضعه الرواة، كما لو كان قصائدَ حقيقية. ورفض قبولَ اعتذارِ الأخير بأنه ليس متخصِّصًا في الشِّعر.٤٩
ينبغي ألَّا يسمَّى أسلوبُ القصيدة وشكلُها «شعرًا غنائيًّا»، كما يسمِّيه الآن كثيرٌ من الدارسين العرب. ونشأ هذا التصوُّر الخاطئ عن التصنيف الغربي المقبول للشِّعر إلى ثلاث فئاتٍ متميِّزة: الغنائي والدرامي والملحمي. وحيث إنَّ الشِّعر العربي القديم لم يعرف المسرحيات الشعرية أو القصائد السردية الطويلة، افتُرِض أنَّ الشعر العربي كلَّه غنائي. يمكن أن يكون التقسيم غير موائمٍ للشعر العربي؛ لأنه يعتمد أساسًا على مادةٍ مستمدَّة من الأشكال الأدبية اليونانية الكلاسيكية. تكون القصيدة أحيانًا ذاتَ طبيعةٍ مثيرة للجدل (كما في معلقة الحارث)، أو أحيانًا ذات طبيعة خطابية (كما في معلقة عمرو) أو ملحمية (كما في معلقة عنترة)، أو قد تحتوي على تناولٍ رفيع للحكمة (كما في حالة زهير)، لكن القصيدة حقًّا تمثِّل فئةً في ذاتها.
ويبدو أنَّه كانت هناك أنماطٌ كثيرة للقصيدة في تاريخها المبكِّر، برَزَ في النهاية نمطٌ واحد منها واتُّبع عمومًا. ومن بعض هذه الأنماط المبكِّرة، بقي بعضها في صورةِ أشكالٍ نادرة أو خاصة. المرثيةُ شكلٌ خاص، رغم أنَّ بعض المراثي لشعراء هُذيل وغيرهم تبدأ بالأسلوب النموذجي، لكنَّ هناك شكلًا خاصًّا آخر هو قصيدةُ الوصية، التي تقدِّم النصيحة أو الحكمة في أقوالٍ مأثورة تُعرف بالوصية. ويبدو أن الشعراء القدامى، استخدموا شكلَين منها وسيلةً للأغراض الأخرى للقصيدة. على سبيل المثال قصيدة ابن جناب الكلبي، التي يستشهد بها ابن سلَّام،٥٠ واستخدم فيها نمط الوصية لتطوير غرضَي الاعتذار والفخر، وفي بعض قصائد عَديِّ بن زيد، وفيها استخدم المَرثَاة ليجسِّد الحكمة والتأملات الحزينة.٥١ ويبدو أن نمط المرأة السليطة، باعتبارها قوةً تُثني الرجالَ عن مسار الشرف والمروءة، ارتبَطَ أساسًا بالقصائد التي كان غرضُها خُلقيًّا. لورقة بن نوفل القرشي قصيدةٌ من هذا النوع موجَّهة إلى «زوجتَيه» (رغم أنه كانت له زوجةٌ واحدة، لكن بالعُرف الشِّعري تعامل معها باعتبارها اثنتَين نتيجةَ نوباتِ غضبها!) اللَّتَين طلبتا منه الطلاق.٥٢ هذه التِّيمة عن المرأة السليطة، يبدو أنها امتُصَّت بعد ذلك في تيمة المرأة اللائمة، التي تظهر كثيرًا جدًّا في النسيب.٥٣
يتكون النمط النموذجي للقصيدة من ثلاثة أقسام: النسيب، و«التخلُّص» ويأتي في شكل رحلة بالجَمَل، والقسم الأخير — جسد القصيدة — ويتناول غرضَ القصيدة، لكنَّ هذا النمط له أنواعٌ كثيرة. وقد يُهمَل التخلُّص تمامًا، ويسمَّى هذا «اقتضابًا»، كما في بعض قصائد زُهير.٥٤ ويُستبدَل بالنسيب أحيانًا التأملُ في الحياة والموت، كما في بعض مدائح الأعشى.٥٥ ونادرًا ما يُهمل تمامًا، كما في هجاء النابغة لزُرْعة،٥٦ ومديح الأعشى لشُرَيح بن حصان،٥٧ ولامية العرب، القصيدة الشهيرة للشَّنْفَرى.٥٨ وأحيانًا يتغيَّر ترتيب أقسامِ النمط أو تُعدَّل، كما في قصيدة امرئ القيس «أحارِ بنَ عمرٍو»، التي تبدأ بالغرض، الفخر، وتتحوَّل إلى ذِكر الحنين للحبيبة،٥٩ وضاديَّته التي تبدأ بالتيمة النهائية لمعلقته، وتتحول للتيمة التي تسبقها، منتهيةً بأقوالٍ مأثورة عن مصير الإنسان.٦٠ ورغم هذا التنوع، فإن النمط الرئيسي للقصيدة موحَّد، طبقًا للشكل الذي بيَّنه ابن قتيبة في تحليله الرائع للرثاء القديم.٦١

(٧) النسيب

تشير كلماتُ النَّسيب والتَّشْبِيب والغَزَل كلُّها، إلى التلميح الغرامي للمرأة، لكن كلمة النَّسيب، تُستخدم للإشارة إلى الاستهلال الغرامي التقليدي للقصيدة والتيمات التمهيدية المماثِلة، التي تعالج ذكريات الحنين للشباب، والأيام الغابرة، والديار النائية. وتستخدم كلمةُ الغزَل لكلِّ التيمات المعنيَّة بالحُب وتقدير المرأة. وتستخدم كلمة التشبيب أحيانًا مرادِفًا للنسيب، لكنْ في معظم الأحيان للإشارة إلى حُب شخصٍ معيَّن.
الهدف من النسيب، هو في الوقت ذاته، التعبير في البيت الأول عن مؤشِّرٍ لآفاقِ القصيدة، بالإشارة رمزيًّا إلى رُوحها وغرضها الأساسي، واستدعاء العنصر المُرتبِط ارتباطًا قويًّا بالحنين. التأثير المزدوج لاستدعاء الشعور بالحنين، والإيماء إلى غرض القصيدة ورُوحها، متلازمان؛ ولهذا يقول ابن رشيق مَن يضرب على الوتر الصحيح في النسيب «فقَدْ وَلجَ من الباب، ووضَعَ رِجله في الرِّكَاب.»٦٢ على سبيل المثال، يبدأ النابغة إحدى قصائده في مدح النعمان، ملك الحيرة،٦٣ الذي عاد إليه بعد جفوةٍ طويلة، بمناجاةٍ لحبيبةٍ اسمها ميَّة.٦٤ (وكان اسم حبيبةٍ في وصفه للمتجرِّدة.) ويقال إنَّ ميَّة كانت سببَ سوء التفاهم بين الشاعر والملك في المقام الأول. تقع دارها في العلياءِ والسند. ثم يقول النابغة إنَّ هذه الدار «أقوتْ وطالَ عليها سالفُ الأبدِ». وهكذا يكون البيت الأول من النسيب في هذه القصيدة، رمزًا للغرض الذي ينوي الشاعرُ تناولَه. يبدأ النسيب في معلقة الحارث، وغرضها الرئيسي تحدِّي بني تغْلِب ورفْضُ مزاعمهم، ﺑ:
آذنتْنا ببَيْنِها أسماءُ
رُبَّ ثاوٍ يُملُّ منه الثَّواءُ
أسماء، الحبيبة هنا، هي أيضًا رمزٌ لبني تغلب، قبيلة مُعادِية. يقال غالبًا إنَّ الحبيبة تنتمي لقبيلةٍ معادية، وهكذا تقوم بدورٍ مُزدوجٍ لشخصيةٍ يُبحَث عنها، لكنها أيضًا تُرفَض بكبرياء حين تتضخم متطلباتها. يبدأ عمرو بن كلثوم، خصم الحارث وزعيم بني تَغْلِب، معلقته بالدعوة لاحتساءِ الخمر في الصباح. توجد تِيمة الشراب في قسم الفخر من القصيدة أكثرَ بكثيرٍ ممَّا توجد في النسيب، لكنْ عمرو هنا يبدأ في البيت الأول من النسيب بهذا الرمز، ويشير إلى الغرض؛ الفخر والاستهتار:
ألَّا هُبي بصَحنكِ فاصبَحِينَا
ولا تُبقي خمورَ الأنْدَرِينَا
تُمنَح حبيبته، موصوفةً بعد ذلك في النسيب، أبعادًا هائلة. الباب أضيق بكثيرٍ من أن يمرِّر عجيزتها، وساقاها عمودان من الرخام والخلخال يرنُّ بصخبٍ. وبعد ذلك يفتخر عمرٌو بقبيلته:٦٥
إذا بَلغَ الفِطامَ لنا صبيٌّ
تخرُّ له الجبابرُ ساجدينَا

•••

حُدَيَّا الناسِ كلِّهِمُ جميعًا
مقارعةً بَنِيهِم عن بَنِينَا

•••

ملأنا البرَّ حتى ضاق عنَّا
وظهْرَ البحرِ نملؤُهُ سَفينَا

•••

وأنَّا الشاربون الماء صفوًا
ويشرب غيرُنا كدِرًا وطِينَا
(W. S. Blunt)٦٦

يبدأ المثقِّب العبديُّ قصيدته الشهيرة بنبرةِ توقٍ، وتهديدٍ بالرفض بمخاطبةِ فاطمةَ، حبيبته:

أفاطمُ قبلَ بينكِ متِّعينِي
ومنعُكِ ما سألتُكِ أنْ تَبِينِي
فَلا تَعِدي مَواعِدَ كاذِباتٍ
تمرُّ بها رياحُ الصيفِ دُونِي
فإنِّي لوْ تخالِفُني شِمالي
خلافَكِ ما وصَلتُ بها يَمينِي
إذن لَقَطَعتُها ولَقُلتُ: بِينِي
كذلكَ أجْتَوي مَن يَجتَوِينِي
(C. J. Lyall)
وتنتهي القصيدة بنبرةِ التَّوق والتهديد نفْسِها؛ الشاعر مخاطبًا صديقه وراعيه عمرَو بن هند مَلِك الحيرة:
وإلَّا فاطَّرحني واتَّخذني
عدُوًّا أَتَّقيكَ وتَتَّقيني
وما أَدري إذا يَمَّمتُ وَجهًا
أُريدُ الخَيرَ أَيُّهُما يَليني
أَأَلخَيرُ الذي أنا أَبْتَغيهِ
أَمِ الشَّرُّ الذي هو يَبْتَغينِي
(C. J. Lyall)٦٧
يستهلُّ زهير معلقته بسؤالٍ يتضمَّن صعوبةَ التعرُّف على أطلال دارِ أمِّ أَوفَى: «أمن أمِّ أَوفَى دِمنَةٌ؟» وهذا السؤال يقِّدم النبرة الرئيسية الخفيَّة للغرض الرئيسي لقصيدته، وتحديدًا الاهتمام بالحالة المجهولة لبني غطفان، بعد حروبهم الأهلية في دَاحِس والغبراء.

ويستهلُّ عنترةُ معلقته بسؤالَين:

هل غادَرَ الشعراءُ من متردَّم؟
أم هل عرفتَ الدارَ بعد توهُّمِ؟٦٨
قصيدةُ عنترة قصيدةُ اعتراضٍ وفخر، يُنقل بتواضعٍ وكرم. الأسلوب الذي يبدأ به القصيدةَ مؤشِّرٌ على غرضه وأسلوبِ نهجه. وأمثلة التمهيد للموضوع الرئيسي للقصيدة بالنسيب كثيرة.
ونسعى الآن لمناقشة بعض التيمات المتكرِّرة كثيرًا في النسيب، وهي تيماتٌ تُستخدم لخلْقِ جوٍّ من الحنين.
أُولى تيمات النسيب التلميحُ للدار. حنينُ الشاعر واشتياقه لموضع منزله قدَرٌ أزليٌّ للشاعر. وهو، في المفهوم العربي، بدويٌّ هائمٌ دائمًا. ذِكر الدار، أو أي شيء يرتبط بها، يثير ذكرياتِ الحبيب وساعاتِ السعادة في الماضي. يحرِّك قلبَ الشاعر أيُّ شيءٍ يذكِّره بها: اسم بلد، كُثبانه الرملية، هِضابه، النجوم التي تحدِّد للمسافر الطريقَ إليه، الرياح والنسائم التي تهبُّ إليه أو منه، الخِيام، الموقِد، الأوتاد التي تُربَط فيها الحيواناتُ، كوم من الرَّماد، الروابي الصغيرة التي تحمي الخيمة من الفيضان وما شابه. وقد يستخدم الشاعر كلمةَ «دار» رمزًا للحبيبة، أو رمزًا لنفسه. وقد يرى نفسه طلَلًا؛ قال امرؤ القيس في افتتاحيةٍ شهيرة:٦٩
ألَا عِم صباحًا أيها الطَّللُ البالي
وهل يعِمَنْ مَن كان في العُصُرِ الخالي

نعرف أنَّ امرأ القيس يعني نفسه هنا؛ لأنه يقول بعد ذلك في هذه القصيدة:

ألَا إنني بالٍ على جملٍ بالٍ
يقود بنا بالٍ ويَتْبَعُنا بالِ

قد يرى الشاعر في أطلالِ مخيَّمٍ قديم، يتعرَّف عليه بالكاد، رمزًا لسعادته وماضي أيام الشباب، كما في [قصيدة] امرئ القيس:

وتحسبُ سَلمَى لا تزالُ كعهدِنا
بِوَادِي الخُزَامَى أو على رَأسِ أَوعَالِ
لياليَ سَلمَى، إذ تُرِيكَ مُنَصَّبًا
وجِيدًا كجِيدِ الرِّئمِ ليس بمِعْطَالِ

وأحيانًا يشبَّه الشاعر وماضيه برماد المواقد القديمة، كما في افتتاحيةِ قصيدة طَرَفَة:

أشَجَاكَ الرَّبعُ أم قِدَمُهْ
أم رَمادٌ دارِسٌ حُمَمُهْ
يرى الشَّمَّاخُ الغطفاني حجارةَ الموقد جاراتٍ من الصخر. الحجر الثالث في الموقد نتوءٌ صخريٌّ على جانبِ التلِّ، مع إرثٍ من رَمادٍ بلونِ حمامة. وطوَّر الشعراء بعد ذلك تِيمة الرَّماد وحجارة المواقد إلى أبعادٍ مجردة تقريبًا، يحسب أنَّ الرماد ترعاه أحيانًا ثلاثُ نوق، أو تنوح عليه، أو كتكوت يُحتضر تحيط به حماماتٌ تنوح أسًى.٧٠
تلعب النار نفسها دورًا مهمًّا في موتيفة الحنين في النسيب. يميز الكتَّاب مختلف النيران التي يشعلها العرب في الليل: نيران المخيمات، ونيران الكرم، ومنارات الحرب، إلخ. وتعتبر نيران المخيمات أكثرها أهمية؛ لأن الحبيبات أو جواريهنَّ يشعلْنَها. ولأنَّ الروائح الطيبة ترتبط عادةً بالجنس اللذيذ؛ زعم الشعراء أنَّ نيران الحبيبات كانت تحترق بالصبر والصندل والأخشاب الأخرى طيِّبة الرائحة. قال عَديُّ بن زيد الحيريُّ:
يا لُبَينَى أوقِدِي النَّارا
إنَّ مَن تهوينَ قد حارا
رُب نارٍ بتُّ أرمقها
تقضم الهنديَّ والغارا
عندها ظبيٌّ يورِّثها
عاقدٌ في الخصر زُنَّارا٧١
أضفى العرب على النار التي توقدها الحبيبة صفاتٍ صوفيةً وروحيةً حتى قبل الإسلام. ارتبطت النار في أذهان العرب بالربِّ والقُوى الخارقة. كان هناك الكثير من المظاهر التي تُشبه اللهب في الليل، ربما نتيجة الطبيعة البركانية لبعض أجزاء شبه الجزيرة العربية ونتيجة تسرُّب الغازات المشتعلة، التي نسبها العرب للغيلان والجن. ويقال إنَّ اليمن كانت فيها نارٌ خرجت من كهفٍ وكانت تُعبَد، ويحتكم الناسُ إليها في نِزاعاتهم.٧٢ يقول الحارث في معلقته إنَّ نار سيدته هند أُشعلت منذ زمنٍ بعيد على تلٍّ من أجله ليرى،٧٣ وتقول قصيدةٌ شهيرة للنابغة:٧٤
ألمحةٌ من سَنا برقٍ رأى بصري
أم وجهُ نُعْمٍ بدا لي أم سَنا نارِ؟
بل وجهُ نُعْمٍ بدا والليلُ معتكِرٌ
فَلَاحَ من بين أثوابٍ وأستارِ

يشبهِّ امرؤ القيس الجمالَ المشتعِلَ لحِضْنِ محبوبته سَلمَى بحرقِ الفحم:

كأنَّ على لبَّاتِها جمْرَ مُصطَلٍ
أصاب غضًى جَزْلًا وكُفَّ بأجزَالِ
وهبَّتْ له ريحٌ بمُختَلَفِ الصُّوَى
صبًا وشمالٌ في منازلِ قُفَّالِ
… … … … …
… … … … …
تَنَوَّرْتُها من أَذْرُعَاتَ وأهلُها
بيثربَ أدنى دارِها نظرٌ عالِ
نظرْتُ إليها والنجوم كأنَّها
مصابيحُ رُهبانٍ تُشَبُّ لقُفَّالِ

طبيعة النار الموصوفة هنا روحيةٌ صوفية تتدرج من الفيزيائي والملموس إلى البعيد الذي لا يمكن الوصول إليه. يصِفُ الشمَّاخُ نارَ ليلاه قائلًا:

فما كادتْ ولو رَفَعوا سَنَاها
ليُبصِرَ ضوءَها إلا البصيرُ٧٥

وتوجد صورةٌ لهذه الإضاءة الروحية، مماثلةٌ على مستوى المفهوم، في قصائدَ كثيرة، كما في معلقة امرئ القيس:

تُضيء الظَّلام بالعِشاء كأنَّها
منارةُ مُمْسَى راهبٍ مُتبَتِّلِ
البرق تيمةٌ مهمَّة في النسيب، يُثير الشوق والحنين؛ لأنَّ يبرق، بصرف النظر عن موقعه في السماء، من آفاقِ الحبيبة. يلتقي الأحباب في مواسم الأمطار والرعي. وهو موسم الصيد وسِباق الخيل والقتال أيضًا. نشبَت حربُ دَاحِس والغَبْراء بين عشائر غطَفَان العَبْسيِّ وذُبيَان نتيجةَ شِجَارٍ على سِباق خيل، ونشبَت الحرب بين تَغلِب وبَكْر نتيجةَ نِزاعٍ على الرعي؛ لذا كان لتيمة البرق مجالٌ واسع من التداعي، لا يقتصر على النسيب وحده. توجد في معلقة امرئ القيس في القِسم الأخير، وأيضًا في لاميةِ لَبِيد، «ألَمْ تُلمِمْ»٧٦ وضادية امرئ القيس، «أعِنِّي على بَرقٍ»؛٧٧ وبداية حائية عبيد بن الأبرص، «هبَّتْ تَلُومُ»،٧٨ ورائية النابغة، «عُوجُوا فَحَيُّوا». ونتناول تِيمةَ البرق فيما بعدُ، ضمنَ التيمات الوصفية الأخرى.
وترتبط تيمة الليل بتيمة البرق، وإذا كانت الأخيرة رمزَ الأمل والثناء؛ فإنَّ الأُولى رمزُ الحذرِ واليأس. قد تبدأ القصائد التي تتناول الأمور الشخصية أو القبلية أو الثأر نسيبها، أو جزءًا منه، بالتلميح لليل، أو الأرق، أو النجوم أو التحديق في النجوم. يبدأ المُهَلْهِل التَّغلِبيُّ ثأريَّته الشهيرة:
ألَيلَتَنا بِذِي حُسُمٍ أَنِيرِي
إذا أنتِ انقضيتِ فلا تَحُورِي٧٩

ثم يتحوَّل إلى وصفِ النجوم، التي ترمز لتَوقِه لقُدُوم الصباح، ليقوم بغارةٍ للانتقام من الأعداء. وتبدأ قصيدة الأسود بن يَعْفُر التي يشكو فيها من الشيخوخة والعمى ﺑ:

نامَ الخَليُّ وما أُحسُّ رُقادِي٨٠

العاطفة نفسها في قصيدة الأعشى، التي يكافئ فيها المحلَّق على طِيب معاملتِه له:

أَرِقتُ وما هذا السُّهَادُ المُؤرِّقُ
وما بيَ من سُقمٍ وما بيَ مَعْشَقُ٨١
تحكي حكايةٌ عن الأعشى أنَّه زار ملكَ الفُرس، وتُرجمت للأخير بعضُ أشعاره، ومن بينها البيت السابق، فقال الملك: «إذا سَهرَ ولم يكُن عاشقًا أو سقيمًا؛ فهو إذن لصٌّ.» تبدأ قصيدة النابغة في مدح الحارث ملك الغساسنة بذكر النجوم والهموم:
كِلِينِي لهَمٍّ، يا أميمةُ، ناصِبِ
وليلٍ أُقاسيه بطيءِ الكواكبِ
تطاوَلَ حتى قُلتُ ليس بمُنقضٍ
وليس الذي يرعى النجومَ بِآئِبِ
وصدرٍ أراحَ الليلُ عازبَ همِّه
تضاعَفَ فيه الحُزنُ من كلِّ جانبِ٨٢

تبدو هذه الافتتاحية غريبةً في قصيدة مديح، لكنَّ شِجار النابغة مع ملك الحيرة، الذي استبدل به هنا ملك الغساسنة، السوري، سببٌ حقيقي لقلقه. هروبه إلى كنف الأخير شكلٌ من أشكال البحث عن سلوى. توجد تيمة الليل والمخاوف مرةً أخرى في قصيدةٍ شهيرة للنابغة في الاعتذار لملك الحيرة بعد عودته إليه:

فإنَّك كالليلِ الذي هو مُدرِكي
وإن خِلْتُ أنَّ المُنتأى عنك واسعُ٨٣
في هذه القصيدة يشبِّه حالته الذهنية، حين سمِعَ بغضبِ راعيه، ملك الحيرة، برجلٍ لدغه ثُعبان ويقضي ليله مُؤرَّقًا.٨٤
توجد تيمة الليل عادةً في بداية النسيب، مستدعيةً الحنين، لكنها قد توجد أيضًا في الأقسام الأخرى من القصيدة. الأبيات الشهيرة لامرئ القيس،٨٥ في معلقته، تأتي في الوسط، لكنَّها ترتبط بشكلٍ ما بالنمط المعقَّد لهذه القصيدة الخاصة.
ثمَّة تيمةٌ ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالليل، وهي «طيفُ» الحبيبة (الطيف أو طيف الخيال). وقد توجد في استهلال النسيب، كما في أبيات المُرقِّش الأصغَر:
أمِنْ بِنْتِ عَجْلانَ الخَيالُ المُطَرَّحُ
أَلَمَّ ورَحْلِي ساقِطٌ مُتَزَحْزِحُ
فلمَّا انْتَبَهْتُ بالخَيالِ ورَاعَنِي
إذا هُوَ رَحْلِي والبِلادُ تَوَضَّحُ
(C. J. Lyall)٨٦
وتوجد أيضًا في افتتاحية قصيدة لتأبَّطَ شرًّا في المفضليات:
يا عيدُ ما لكَ من شوقٍ وإِيرَاقِ
ومَرِّ طيفٍ على الأهوال طرَّاقِ
يَسْري على الأينِ والحيَّاتِ مُحتَفِيًا
نفسي فِداؤُكَ من سارٍ على ساقِ
إنِّي إذا خُلَّةٌ ضنَّت بِنَائلِها
وأمسَكتْ بضعيفِ الوصلِ أحذَاقِ
نجوتُ منها نجاتي من بَجيلةَ إذْ
ألقيتُ ليلةَ خبتِ الرَّهط أَرواقِي٨٧
قد توجد أيضًا تيمة «الطيف» في الأقسام الأخرى من القصيدة، لكنها ترتبط غالبًا بشعر الغزل، رغم أنها تظهر أحيانًا في الرثاء. يتمُّ تناول «الرحيل»، الذي يشكِّل تيمة من التيمات الرئيسية للنسيب، بطرقٍ متنوعة، وليس هناك نوعٌ بدون أهميةٍ رمزية. يبدأ الشاعر، على سبيل المثال، بصرخةٍ مدوِّية مثل: «رحَلتْ سُعَادُ!» وما يليها يشير إلى طبيعة مزاج الشاعر وغرضه. ربما يواصل ليقول: «انقطَعَ وِصَالُها.» أو «ترَكَتْني أسيرًا.» أو «لم تودِّعْني.» ويرتبط كلُّ تأكيدٍ بالهدف الرئيسي للشاعر. الأبيات الافتتاحية من هذا النوع مؤشِّرٌ غالبًا لمزاج البطولة أو الكرم، سواءٌ كان الغرضُ المديحَ أو الفخر أو الهجاء. ثمَّة موتيفةُ «رحيلٍ» متكرِّرة وهي القافلة الراحلة، وهي حتمًا مؤشِّرٌ على بعض الصراع، الشخصي أو القَبَلي، المرتبط بغرض القصيدة، كما في معلقتَي زُهير والحارث، ورائية امرئ القيس في رحلته إلى بيزنطة، ونونية المُثقِّب، وفيها يصِفُ القافلة الراحلة لسفره الدَّءُوب بحثًا عن المجهول. القافلة عن بُعْد تشبه النخيل أو الدَّوم، أو السفن في البحر. وأحيانًا قد يستطرد الشاعر ليصف السُّفُن أو النخيل، كما في معلقة طَرَفة:
كأنَّ حُدُوجَ المالكيَّةِ غُدْوَةً
خلايا سَفينٍ بالنَّواصِفِ من دَدِ
عَدَولِيَّةٌ أو من سفينِ ابنِ يامنٍ
يجُورُ بها الملَّاحُ طَورًا ويَهتدِي
يشُقُّ حَبابَ الماءِ حَيزُومُها …٨٨
… … … … …

ورائيَّة امرئ القيس:

فشَبَّهْتُهم بالآلِ لمَّا تكمَّشُوا
حدائقَ دَومٍ أو سفينًا مقَيَّرا٨٩

لكن حدائق النخيل ترتبط أكثر بتيمة «الدموع»، وهي نفسها غالبًا فرعٌ من «رحيل» الحبيبة، أو القافلة. «دموع» النسيب تتدفَّق وتُشبَّه بقِربة مياه تنضح. تؤدي القِربة إلى أنينِ جملِ الري، دافعًا الساقية لتروي بستان النخيل، رمزًا للشاعر نفسه الذي سحقتْه أعباءُ الرحيل. يرمز بستان النخيل للحبيبة؛ لأن المرأة الجميلة توصف غالبًا بأنها حديقة. يقدِّم زهير في قافيَّتِه وصفًا حيًّا لناقةٍ تسحب ماءً من بئر لريِّ بستانِ النخيل:

وخلْفَها سائقٌ يحدو إذا خَشِيتْ
منهُ اللَّحاقَ تمدُّ الصُّلبَ والعُنُقَا
وقابلٍ يتغنَّى كلما قدَرَتْ
على العَرَاقَى يداه قائمًا دَفَقَا
يُحيلُ في جدولٍ تحبو ضفادِعُه
حبْوَ الجوارِي ترى في مائه نُطُقَا
يخرُجنَ من شَرَبَاتٍ ماؤُها طَحِلٌ
على الجُذُوعِ يخَفنَ الغمَّ والغَرَقَا٩٠

انتُقِد زهير لأنَّه يتحدَّث عن ضفادعَ غارقةٍ — كائنات برمائية — لكنَّ نيته الحقيقية أنْ يُلمح إلى قلقه، غارقًا في الدموع.

التيمة الرئيسية للنسيب، بالطبع، الحبيبة ذاتها، لكنَّ شخصية الحبيبة تُمزج غالبًا بتيمات حُب المرأة وتقديرها، وهي مناقشة تؤجَّل إلى مناقشة موتيفة الغزل، لكن ينبغي ملاحظة أن قصيدة امرئ القيس تُرَى، بين المعلقات، باعتبارها تحتوي على أفضل نسيب، ويعتبر «قفا نَبْكِ» أروع استهلال للشعراء القدامى:
قِفَا نَبْكِ من ذِكرَى حبيبٍ ومنزلِ
بسِقْطِ اللِّوَى بين الدَّخُولِ فحَومَلِ٩١

يعجب النقَّاد بهذا البيت؛ لأنَّ امرأ القيس يتوقَّف عند آثارِ مكانِ مخيَّمٍ سابق، طالبًا من صديقَيه أن يفعلا مثله، للبكاء عليها، تسيطر عليهم ذكرياتُ المكان والحبيب. ثم يذكُر أسماءَ ثلاثةِ مواضع، مستدعيًا مزيدًا من ذكريات الحنين بهذه الوسيلة.

(٨) التخلُّص

يشكِّل التخلُّص القسمَ الثاني من القصيدة، وفيه يشقُّ الشاعر طريقَهُ خارج النسيب باتجاه غرض قصيدته. وقد يتحقَّق هذا بوصف راحلته ورحلة الوصول للحبيبة في مكانٍ بعيد حيث توجد، أو يعزِّي نفسه وينساها في متابعةِ غرضٍ آخرَ خطير، أو يهجُرها كما هجرتْه. من بين المعلقات السبع، يوجد تخلُّصٌ من هذا النوع في أربع فقط. ينحر امرؤ القيس في معلقته ناقته؛ ليُقيم وليمةً بلحمها للعذارى اللائي يقابلهنَّ عند البئر في دارةِ جُلْجُل. وهذا عملٌ رمزي لاستسلامه تمامًا للجنس الرائع، وهو أيضًا أداة لتجنُّب الرحلة التقليدية. ينتقل زهير مباشرةً من وصفِ قافلةِ سفَرِ حبيبته إلى مدح رُعاتِه. حبيبة عمرٍو على وشكِ الرحيل، رمز أعدائه؛ لذا لا يجِدُ صعوبةً في التحوُّل منها إلى مخاطبتهم:٩٢
تذكَّرتُ الصِّبا واشتقْتُ لمَّا
رأيتُ حُمُولَها أُصُلًا حُدِينَا
فأعرَضَت اليمامةُ واشمَخَرَّتْ
كأسيافٍ بأَيدِي مُصلِتِينَا

•••

أبا هندٍ فلا تَعجَلْ علينا
وأنظِرْنا نُخبِّرْكَ اليقينَا
بأنَّا نُورِدُ الراياتِ بِيضًا
ونُصدِرهنَّ حُمرًا قد رَوِينَا٩٣

تناول عنترةُ والحارث الرحلةَ التقليدية بإيجاز، عنترةُ فارسٌ في المقام الأول:

تُمسي وتُصبح فوقَ ظَهر حَشِيَّةٍ
وأَبيتُ فوقَ سَراةِ أدهَمَ مُلجَمِ٩٤

الناقة التي يذكرها في قصيدته ناقةٌ يودُّ امتلاكها؛ ليلحق بقافلة حبيبته. ويعالج عنترة هذه التيمة بإيجاز، مستخدمًا أكليشيهات معتادَة في وصفه، موضحًا التعاطف الحقيقي للناقة فقط حين تُرهق ويغمرها العرَق، مثله:

برَكَتْ على جنْبِ الرِّداعِ كأنما
برَكَتْ على قَصبٍ أجشَّ مُهضَّمِ
وكأنَّ رُبًّا أو كُحَيلًا مُعْقَدًا
حشَّ الوقودُ به جوانبَ قُمقمِ
ينباعُ من ذِفرَى غضُوبٍ جَسْرةٍ
زيَّافةٍ مثلَ الفَنيقِ المُكدَمِ٩٥

يزعم الحارث أنه يُلقي بهمومه في الرحلة، ولا يبقى أسيرًا لها مثل ناقةٍ أُصيبتْ بالعمى وقُيِّدت قُربَ قبر سيدها الراحل لتموت جوعًا وعطشًا. وكان يعتقد أن الميت يمتطيها في العالم الآخر. ثم يتحول إلى غرضه: الرد على تحدِّي خصمه عمرو بن كلثوم.

تعالج معلقتان فقط من بين المعلقات الناقةَ والرحلة بإسهاب، وإن يكن بطريقتَين مختلفتَين؛ وكلٌّ منهما تعتبر نموذجًا في معالجة هذه التيمة. يبدأ طرَفَة:

وإنِّي لأُمضِي الهمَّ عند احتِضَارِه
بعَوجَاءَ مِرقَالٍ تَروحُ وتَغتَدِي
(A. J. Arberry)

ثم يأتي وصفٌ تفصيلي للحيوان نفسه، فيه تستخدم التشبيهات لمامًا، وحين توجد تكون جذَّابة وفي محلِّها. سنامُ الناقة يُشبه قنطرةً رومية من القرميد، ويشبه شَعر ذيلها ريشَ جناحَي نسر، الحركات الرشيقة لذيلها تُشبه حركاتِ جاريةٍ تحرِّك ذيلَ تنُّورتها أمام سيدها في حفلِ شراب. يصِفُ طرَفَةُ ناقته محدِّقة في المرعى، تخبُّ بسرعة والسراب يتلألأ أمامها، وتُواصل أو تقف ساكنةً. ويتجاوز أيضًا الوصف البسيط للتفاصيل التشريحية. ضلوعها مثلُ ألواحٍ عريضة من الخشب. وعنقها من فقراتٍ مرتَّبة جيدًا. جُمْجُمتها مثل السِّندان، وعِظام فكَّيها تلتقي في نقطةٍ مثل حافة قِرطاس. يشبه تجويفَا عينَيها صخرةً في جبلٍ، بها شقٌّ يحفظ المياه. من أبيات القصيدة التي تبلغ مائةً وخمسةَ أبيات، توصف الناقةُ فيما لا يقلُّ عن ثمانيةٍ وعشرين بيتًا. ناقةُ طرَفَة شابَّةٌ متهوِّرة تتمتَّع بالحيوية مثل حبيبته، التي يشبِّهها بغزالةٍ صغيرة تندفع بين أغصانِ شجرةِ أراك، مثل فتاة تغنِّي بيُسْرٍ وفتنة كلما طلَبَ رفاقها السكارى ذلك. ثم يقول طرَفَة:

على مِثلها أَمضِي إذا قال صاحِبِي
ألَا ليتَنِي أفديكَ منها وأفتَدِي
وجاشتْ إليه النفسُ خوفًا وخَالَه
مُصابًا ولو أمسى على غيرِ مَرصَدِ
إذا القوم قالوا مَنْ فتًى؟ خِلتُ أنني
عُنيتُ فلَمْ أكسَلْ ولم أتبلَّدِ
أحلْتُ عليها بالقطيعِ فأجذَمَتْ
وقَدْ خبَّ آلُ الأمْعَزِ المُتوقِّدِ
فذالَتْ كما ذالَتْ وليدةُ مجلسٍ
تُري ربَّها أذيالَ سَحْلٍ مُمدَّدِ
ولستُ بحلَّالِ التِّلاع مخافةً
ولكنْ متى يسترفِدِ القومُ أرْفِدِ

ثم يواصل طرَفَة تيمته الرئيسية؛ التحدي الشخصي، والتمرد، والتبرير، والفخر:

ألَا أيُّهذا اللَّائِمِي أحضُرَ الوَغَى
وأن أشهَدَ اللَّذات، هل أنت مُخلِدِي
فإنْ كنتَ لا تَسْطِيعُ دفْعَ منيَّتِي
فدَعْني أُبادِرْها بما ملكتْ يدي
ولولا ثلاثٌ هنَّ من عيشةِ الفتى
وجدِّك لم أحفَلْ متى قام عُوَّدِي
فمنهنَّ سَبْقي العاذلاتِ بشَربةٍ
كُميتٍ متى ما تُعْلَ بالماءِ تُزبِدِ
وكرِّي إذا نادى المُضافُ مُحنَّبًا
كَسِيدِ الغضَا، نبَّهْتَه، المُتَورِّدِ
وتقصيرُ يومِ الدَّجْنِ والدَّجْنُ مُعجِبٌ
ببَهكَنَةٍ تحتَ الطِّرافِ المُعمَّدِ
يوجد النمط الثاني لرحلة التخلُّص الانتقالي في معلقةِ لبيد. إنه يقطع حبلَ الودِّ مع حبيبةِ نسيبه انتقامًا لإعراضها عنه، ويعزِّي نفسه بالسفر على راحلة رشيقة سعيًا وراء هدفٍ أكثر أهمية. ناقته سريعة مثل سحابة سفكتْ أمطارَها، تدفعها ريحُ الجنوب، أو رشيقةٌ مثل حمارٍ وحشي. ثم يستطرد لبيد ليصف الحمار الوحشي ورفيقته، كيف كانا في البداية يرعيان في مرجٍ غني، وكيف جريا بحثًا عن الماء حين جفَّ المرعى وهبَّت رياح الصيف الحارِّ. ارتفع الرماد خلف خُطَاهما كدُخانٍ يرتفع من نار. وصلا إلى بِركة:
فتوسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ وصَدَّعا
مَسجُورةً مُتجاوِرًا قُلَّامُها
محفوفةً وسطَ اليَراعِ يُظِلُّها
مِنه مُصرَّعُ غابةٍ وقِيامُها
(A. J. Arberry)٩٦

يشبِّه لبيد راحلته بمَهًا فقدتْ صغيرها بين وحوشٍ مفترسة. هبط الليل عليها، سمعتْ أصواتَ الرجال بعيدةً، وبحثتْ عن ملجأ في أجَمَةٍ قديمةٍ ذابلةٍ على كثيبٍ رملي. سقطت قطرات المطر على ظَهْرها، لامعةً مثل اللآلئ المتناثرة من خيطٍ ممزَّق. وفي الصباح جاء الصيَّادون بكلابِ الصيد. قتَلَت المها كلبَين وهربتْ مسرِعةً:

فبِتْلك إذْ رَقَصَ اللوامعُ بالضُّحى
واجتَابَ أرديةَ السَّرابِ إكَامُها
أَقضِي اللُّبانَةَ …٩٧
ثم يتحوَّل لبيد إلى لومِ حبيبته نَوَار لسماحها له بالذهاب بعيدًا؛ لأنها، كما يؤكِّد، الخاسرة. ثم يغنِّي مفتخرًا بنفسه. في نمطٍ تخلُّص لبيد في الكثير من القصائد، الحمارُ الوحشي مع رفيقته والمها تيمتان متكرِّرتان. وأيضًا تيمة النعامة، متذكِّرةً بَيضَها تجري مسرعةً لتصل إليه قبل حلول الظَّلام. ويبدو أحيانًا أنَّ وصفَ هذه الحيوانات الصحراوية الغرضُ الرئيسي للقصيدة، ويقدِّم التلميح للناقة فقط أداةً لذِكْرها. وكثيرًا ما يوصف الصيَّاد بقوسه وسِهامه في السياق نفسه. في ميمية٩٨ ربيعةَ بنِ مَقرُومٍ، المُسمَّى قيسًا، والد عمرو، الذي يسعى إلى حمارٍ وحشي ورفاقُه الثلاثة، لكنَّه يُخطِئ. في زائية٩٩ الشمَّاخ يسمَّى الصيادُ عامرًا، من بني محارب.

يظهر النسر والحمامة في وصف الفرس، التي كثيرًا ما تظهر في تيمتَي الصيد والفروسية. وهما يشكِّلان جزءًا من موتيفات القصيدة، نادرًا ما يأتي جزءًا من التخلُّص، لكنْ يبدو أنَّ كلَّ هذه التيمات الوصفية، لها أصلٌ في الدين قبل الإسلام. لاحَظَ الجاحظُ أنَّ في قصائد المديح والفخر وما شابه تهرُبُ الحيواناتُ المصيدةُ ويفشل الصيَّاد في أخذها. ويحدُث في المراثي، من الناحية الأخرى، العكس. يعزِّي مالكُ بن خالد ميَّةَ في فقْدِ أبنائها وإخوتها:

يا ميَّ إن سِباعَ الأرضِ هالكةٌ
والعُفْرُ والعِينُ والأَرْءَامُ والناسُ
يا ميَّ لن يُعجِزَ الأيامَ ذو خدَمٍ
بمُشْمَخِرٍّ به الظَّيَّانُ والآسُ
في رأسِ شاهقةٍ أُنْبُوبُها خَصِرٌ
دونَ السَّماءِ لها في الجوِّ قُرْنَاسُ
من فوقِهِ أنْسُرٌ سُودٌ وأغرِبَةٌ
وتحتَه أعنُزٌ كُلْفٌ وأتْيَاسُ١٠٠
لأبي ذُؤَيب الهذلي مرثيَّةٌ شهيرة تبدأ بوصف حمارٍ وحشي ورفيقاته الأربع.١٠١ مستهدفًا إيَّاها، يُصيبهم الصيَّاد واحدةً واحدة:
فرَمَى فألحَقَ صاعديًّا مِطْحَرًا
بالكَشْحِ فاشتملتْ عليه الأضلُعُ
فأبدَّهُنَّ حُتُوفَهنَّ فهاربٌ
بِذَمَائِهِ أو بارِكٌ مُتَجَعجِعُ
(C. J. Lyall)

ويلي ذلك وصف المها: مها شابة قوية، في البداية تعقَّبتْها كلاب الصيد وهاجمتها، ثم يظهر صاحبها بقوسه وسِهامه:

فرمى ليُنقذ فرَّها فهوى له
سهمٌ فأنفَذَ طُرَّتَيه المِنزَعُ
فكَبَا كما يكبُو فَنيقٌ تارِزٌ
بالخبْتِ إلا أنَّه هو أبْرَعُ
(C. J. Lyall)

الآن يأتي بطلان: واحدٌ بكامل دروعه — خوذة وواقٍ ودرع طويل — على حصانٍ ضخم. والآخر جريءٌ لا يعرف الخوفَ على صهوةِ فرسٍ رشيقة وخفيفة. مع كلٍّ منهما سيفٌ حاد، ورمحٌ بشفرةٍ تسطع مثل اللَّهب. طعَنَ كلٌّ منهما الآخر طعنةً قاتلة.

وكِلاهما قد عاش عِيشةَ ماجدٍ
وجَنَى العَلاءَ لَوَ انَّ شيئًا ينفَعُ
تتكرَّر أوصافُ الحيوانات والنباتات العربية، بما فيها الذئاب والأسود، وأوصاف الظواهر المُناخية في هذا القِسم الخاص بالتخلُّص، وأيضًا أوصاف السُّفن والبحر.١٠٢

(٩) الغرض

تعبِّر رحلة التخلُّص عن محاولةِ البحث عن تحرُّر من العاطفة القوية للنسيب. ترمز «الرحلة»، مصوِّرة الراحلة والصحراء والتواصل التعاطفي مع أبعاد ظواهر الطبيعة، إلى سعي الشاعر للتحوُّل من مِزاجٍ انطوائي إلى مزاجٍ انبساطي. يقود مسار الرحلة إلى الغرض، ومعه يأتي الإحساس النهائي بالارتياح.
في المقام الأول، تأتي تِيمة الغزل، مَعنيَّة بالحُب الحقيقي، وحكايات المغامرات الغرامية، وتقدير جمال المرأة، وخبرة الحُب. كثيرًا ما تستخدم الموتيفة التقليدية للنسيب في القصيدة، أداةً للغزل؛ وتتضافر أحيانًا التيمات التقليدية للنسيب مع تيمات الغزل، كما لاحظنا. والسبب في ذلك أنَّ العرب تقليديًّا غيورون على نسائهم. وقد ينشب أحيانًا شِجار قبلي لمجرد ذِكر اسم امرأة؛ لذا كان اللجوء إلى الأسماء المستعارة واستخدامها في النسيب وسيطًا لنقل مشاعر الشاعر في الحُب؛ لأن الحكايات الغرامية في النسيب تُعتبر مُختلَقة. وهكذا، للمفارقة، رغم أن النسيب ليس إلا المرحلة التمهيدية للقصيدة يقود إلى الغرض برحلة التخلُّص؛ فإنه أيضًا أداةٌ للتيمة المذكورة، ينبغي أن يحدُث نتيجةَ خبرةِ حُبٍّ حقيقية. وهكذا قد تجسِّد قصيدةُ المديح تيمتَين: تيمة تهتمُّ اهتمامًا أصيلًا بالحُب، والأخرى بالراعي الذي توجَّه إليه القصيدة، وأحيانًا أيضًا قد يسعى رجلٌ — يفترض أنه تجاوز سنَّ العبث، أو بالنسبة له يُعتبر إظهارُ الغرام غيرَ لائق — إلى حجْبِ مشاعره خلفَ تقاليد النسيب، مثل بيت زهير «وقال العَذَارَى إنَّما أنتَ عَمُّنا». افتتاحية زهير في المعلقة باسم السيدة أمِّ أَوفَى، وإشاراته إليها بالاسم المستعار سَلمَى في لاميَّته «صَحا القلبُ»١٠٣ في الحقيقة وضعٌ مُصطنَع. وكان النابغة شخصيةً مرموقة ومحترمةً في بني ذُبيان، وظهرتْ قدرته اللافتة شاعرًا، كما يقال، بعد أن تجاوز عامه الأربعين؛ ولذا وصف بالنابغة.١٠٤ وفي قصيدةٍ بمناسبة الحج — وفيه يراعي الرجال، في مكانته ووضعه، طقوسَ العفَّة والتقشُّف بصرامة — يُخفي خبرةً أصيلة لمغازلةٍ قصيرة وراءَ شاشة النسيب.
إحدى بَليٍّ وما هام الفؤادُ بها
إلا السَّفاهَ وإلا ذِكرةً حُلُمَا
ليستْ من السُّود أعقابًا إذا انصرفَتْ
ولا تبيعُ بجَنبِي نخلةَ البُرَما
غرَّاءُ أكملُ مَن يَمشِي على قدَمٍ
حُسنًا وأملَحُ مَن حاورْتَه الكَلِما
قالت: أراك أخَا رحْلٍ وراحلةٍ
تغشى متالفَ لن يُنظِرنَك الهَرَما
حيَّاك ربي فإنَّا لا يحِلُّ لنا
لهوُ النِّساء وإنَّ الدِّين قد عَزَمَا
مُشمِّرين على خُوصٍ مُزمَّمَةٍ
نرجو الإلهَ ونرجو البِرَّ والطُّعَمَا
هلَّا سألتِ بني ذُبيان: ما حسبي؟
إذا الدُّخانُ تغَشَّى الأشمَطَ البَرَما
كادتْ تُساقِطُني رَحْلِي ومِيثَرَتِي
بذِي المَجازِ ولم تُحسِسْ به نِعَمَا
من قولِ حِرميَّةٍ قالت وقد ظَعَنوا:
هل في مُخِفِّيكُمُ مَن يشتري أَدَمَا؟١٠٥
لكنْ هناك قصائد كثيرةٌ مكرَّسة، جزئيًّا أو كليًّا، للحُب والغزل. سواءٌ بعد أبيات النسيب مباشرةً أو غير ذلك. وهنا أيضًا لم يُخفِ بعض الشعراء الاسمَ الحقيقي للحبيبة؛ لأن بعض الجماعات العربية يبدو أنها فضَّلت هذه الممارسة، معتبرين أن ذلك يضفي مكانةً على المرأة الجميلة. يبدو أنَّ عمر بن أبي ربيعة وشعراء الغزل بعد ذلك في العصر الأموي؛ تأثَّروا بهذه الممارسة لبعض شعراء يثرب في هذا الصَّدد. إن أنواع الغزل وأصنافه كثيرةٌ جدًّا، ومتشابكة جدًّا، ونختار هنا أربعةَ أجناسٍ مُمثَّلة فقط. وهي شعر الحُب الحقيقي، وشعر المغامرات الغرامية، وشعر اللذة الشهوانية، ووصف الجمال والحسن الأنثوي. مرةً أخرى، قد توجد الأجناس الأربعة في سياقٍ واحد. وصف الجمال والحسن الأنثوي، لا ينفصل تقريبًا عن أيَّة تيمةٍ للحُب. وتقدير المرأة ينبغي أن يأتي أولًا!

من شعر النابغة والمثقِّب والشمَّاخ وكثير غيرهم، نعرف أن العربيات قبل الإسلام كنَّ يرتدينَ خمارًا أو حجابًا، لكنَّ الخمار في حالات الغزل والمداعبة قد يُخلع؛ ولولا ذلك ما حدَّثنا الشعراء عن جمال أسنانِ الفتاة وجِيدها. انتهزتْ سُميَّة الحادرةِ فرصةَ التجمُّع؛ لتأتي للوداع في يومِ رحيل القافلة، لتكشف عن جمالها:

وتصدَّفتْ حتى استَبَتْكَ بواضحٍ
صلْتٍ كمنتصِبِ الغَزال الأتلَعِ
وبمُقلتَي حوراء تحسِبُ طرْفَها
وسنَانَ حُرَّةِ مُستهَلِّ الأدمُعِ
وإذا تُنازِعُكَ الحديثَ رأيتَها
حسَنًا تبسُّمُها لذيذَ المَكرَعِ١٠٦

يقول الشمَّاخ إنَّه من المعتاد أن تخلَعَ الجميلاتُ الخمارَ؛ ليُعْلن عن جمالهنَّ:

لها شرَقٌ من زعفرانٍ وعنبرٍ
أطارتْ من الحُسنِ الرِّداءَ المُحبَّرَا١٠٧

يخبرنا المثقِّب في نونيته بأنَّ فتيات القافلة الراحلة كشفنَ عن بعض ملامحهن الجميلة وأخفينَ أخرى. ونرى أحيانًا الحليَّ الذهبية على صدورهن العاجية:

ظهرنَ بكِلَّةٍ وسدَلنَ أخرى
وثقَّبنَ الوَصاوِصَ للعُيونِ
عَلَونَ رُباوَةً وهبطنَ غَيبًا
فلَمْ يَرجِعنَ قائلةً لحِينِ
فقلتُ لبعضِهنَّ وشُدَّ رَحلِي
لهَاجِرةٍ نَصبتُ لها جَبينِي١٠٨

الحديث مع النساء حلوٌ كالعسل، ساحرٌ كالمفاتن السحرية أو خدع الصيَّادين. والحبيبة أحيانًا خجولةٌ ومتواضعة:

قطَعتُ بفَتلاءِ اليدَينِ ذريعةٍ
يغُولُ البلادَ سَومُها وبَرِيدُها
فبتُّ وباتتْ كالنَّعامةِ ناقتِي
وباتتْ عليها صَفْنَتِي وقُتُودُها

•••

على طُرقٍ عند الأراكةِ رِبَّةٍ
تُؤَازِي شَرِيمَ البحرِ وهو قَعِيدُها
كأنَّ جَنِيبًا عند مَعقِدِ غَرْزِها
تُزاوِلُه عن نَفْسه ويُريدُها

•••

فنَهنَهْتُ منها والمَناسِمُ تَرتَمِي
بمَعزَاءَ شتَّى لا يُردُّ عَنُودُها
وأيقنْتُ، إن شاء الإلهُ، بأنَّه
سَيَبْلغُني أجلادُها وقَصيدُها
(C. J. Lyall، الترجمة بتصرُّف)١٠٩

تردِّد العربُ، بارعين وفنَّانين في الكلمات، بين مثالَين للجمال الأنثوي: الأول التقدير الجمالي لوسامة الأنثى، والثاني المتعة الجنسية. ويمثِّل الأولَ بشكلٍ جيد بيتُ امرئ القيس:

إلى مِثلها يرنو الحليمُ صَبابةً
إذا ما اسبَكرَّتْ بين دِرعٍ ومِجْوَلِ١١٠
والمثال الثاني في بيته في رائية «أحارِ بنَ عمرٍو»:
بَرَهرَهةٌ رُؤدَة رَخْصةٌ
كخَرعُوبَةِ البَانةِ المُنفطِرْ١١١
يقول كعب بن زهير في قصيدته «بانتْ سعادُ»:
وما سعادُ غداةَ البَينِ إذ رحلوا
إلا أغنُّ غضيضُ الطَّرْف مَكحُولُ
هيفاءُ مقبِلةً، عجزاءُ مدبِرةً،
لا يُشتكى قِصَرٌ منها، ولا طولُ
تجلو عوارضَ ذي ظَلمٍ إذا ابتسَمَتْ
كأنَّه مُنْهَلٌ بالرَّاحِ مَعْلُولُ
لكنَّها خُلَّةٌ قد سِيطَ من دَمِها
فجْعٌ، ووَلْعٌ، وإخلافٌ، وتبديلُ
فما تدومُ على حالٍ تكون بها
كما تلوَّنَ في أثوابِها الغُولُ١١٢

ويقول علقمةُ عن محبوبته سَلمَى:

يحملنَ أُترُجَّةً نضْخُ العبيرِ بها
كأنَّ تَطْيَابَها في الأنْفِ مشمُومُ

•••

صِفرُ الوِشَاحَينِ مِلءُ الدِّرعِ خَرعَبَةٌ
كأنَّها رشَأٌ في البيت مَلزُومُ١١٣
كان الشعراء العرب أحيانًا مستهترين في وصفِ جسد الأنثى عاريًا من الرأس إلى القَدَم، كما في متجرِّدة النابغة. ويقال إنَّ صديقه وراعيه، النعمان اللخمي، ملك الحيرة، طلَبَ منه أن يصِفَ ملكته متجرِّدةً من الثياب — ومن هنا جاء لقبها «المتجرِّدة»:
قامتْ تَراءَى بين سِجفَي كِلَّةٍ
كالشمسِ يومَ طُلوعِها بالأسعُدِ
أو درَّةٍ صدَفيَّةٍ غواصُها
بهِجٌ متى يرَها يُهِلَّ ويسجُدِ
أو دُميةٍ من مَرمَرٍ مرفوعةٍ
بُنِيتْ بآجُرٍّ، تُشادُ، وقَرْمَدِ
سقَطَ النَّصيفُ ولم ترِدْ إسقاطَهُ
فتناولتْه واتَّقَتْنا باليَدِ

•••

لو أنَّها عرضَتْ لأشمَطِ راهبٍ
عبَدَ الإلهَ، صرُورةٍ، مُتعبِّدِ
لرَنَا لبهجَتِها وحُسنِ حديثِها
ولخَالَه رَشَدًا وإن لم يَرشُدِ

•••

وبفاحمٍ رَجْلٍ، أثيثٍ نَبتُه،
كالكرمِ مَالَ على الدِّعامِ المُسنَدِ١١٤

ويقال إنَّ الشاعر المُنخَّل اليَشكُري، وكان يحبُّ المتجرِّدة سرًّا فغار عند سماع وصف النابغة، أدخل في عقل النعمان أنَّ النابغة على علاقةِ حُب معها؛ وعندها غادر الشاعر بحكمةٍ بلاطَ الحيرة، وبحث عن الحظوة لدى منافسه ملكِ الغساسنة السوري. وحين اكتشَفَ النعمان علاقةَ المُنخَّل قتله واستقبل النابغة مرةً أخرى في بلاطه. وفي هذه المناسبة مدَحَه الشاعر بقصيدته الشهيرة.

وعن المتجرِّدة قال المُنخَّل:

ولقد دخلْتُ على الفتا
ةِ الخدرَ في اليومِ المطيرِ
الكاعِبِ الخنساءِ تر
فُلُ في الدمَقْسِ وفي الحريرِ
دافعتُها فتدافعتْ
مَشي القطاةِ إلى الغديرِ
ولثمتُها فتنفَّستْ
كتنفُّسِ الظبيِ البهيرِ
ورنتْ وقالت يا منخَّـ
ـلُ هل لجسمِكَ من فتورِ
ما مسَّ جسمي غيرُ حُبِّـ
ـكِ فاهدئي عنِّي وسيري
وأحبُّها وتحبُّني
ويحبُّ ناقَتَها بعيري١١٥

ويتأسَّس شِعرُ المغامرة الغرامية على نمطِ امرئ القيس في المعلقة واللامية. في المعلقة، يزور الفتاة في مخيَّم عشيرتها، غيرَ عابئٍ بأهلها الذين سيقتلونه لا محالة:

تجاوزْتُ أحراسًا وأهوالَ معشرٍ
عليَّ حِراصٍ لو يشِرُّون مَقتَلي
إذا ما الثُّريَّا في السماء تعرَّضتْ
تعرُّضَ أثناءِ الوِشاحِ المُفصَّلِ
فجِئتُ وقد نضَّتْ لنومٍ ثيابَها
لدى السِّتر إلا لِبسةَ المُتَفضِّل
فقالت: يمينَ اللهِ ما لكَ حِيلةٌ
وما إنْ أرى عنكَ العَمَايَةَ تَنجَلِي
خرجتُ بها تمشي تجرُّ وراءَنا
على أثَرَينَا ذيلَ مِرطٍ مُرحَّلِ
فلما أجَزْنَا ساحةَ الحيِّ وانتَحَى
بنا بطنُ حِقفٍ ذي رُكامٍ عقَنْقَلِ
إذا الْتفتَتْ نحوي تضوَّعَ رِيحُها
نسيمَ الصَّبَا جاءتْ برَيَّا القَرَنفُل
إذا قلتُ هاتِي نوِّلِينِي تمايَلَت
عليَّ هضيمَ الكَشْحِ رَيَّا المُخَلْخَل
مُهَفْهَفةٌ بيضاءُ غيرُ مُفَاضَةٍ
تَرَائبُها مصقولةٌ كالسَّجَنْجَلِ
… … … … …
… … … … …
تصُدُّ وتُبدِي عن أسيلٍ وتتَّقِي
بناظرةٍ من وحشِ وجْرَةَ مُطفِلِ
… … … … …
… … … … …
وفرعٍ يُغَشِّي المَتْنَ أسودَ فاحِمٍ
أثيثٍ كقِنوِ النَّخلةِ المُتَعَثْكِلِ
… … … … …
… … … … …
تُضِيءُ الظَّلام بالعِشَاءِ كأنَّها
منارةُ مُمسَى راهبٍ مُتبتِّلِ
… … … … …
… … … … …
إلى مِثلِها يرنُو الحليمُ صَبَابةً
… … … … … …
(W. S. Blunt)١١٦

في اللامية يزور امرؤ القيس حبيبته ورجالُ العشيرة مستيقِظون، لكنَّ زوجها نام بسرعةٍ واستغرق في الشَّخير:

فقالت سَبَاكَ اللهُ إنَّك فَاضِحِي
ألستَ ترى السُّمَّار والناسَ أحوالي

•••

حلفتُ لها بالله حَلفةَ فاجرٍ
لَناموا فما إن من حديثٍ ولا صَالِ
فقلتُ يمينَ الله أبرحُ قاعدًا
ولو قطَّعوا رأسي لديكِ وأوصالي

•••

وصِرنا إلى الحُسنى ورقَّ كلامُنا
ورُضْتُ فذَلَّتْ صَعبةً أيَّ إذلالِ
فأصبحتُ معشوقًا وأصبح بَعْلُها
عليه القَتَامُ سيئَ الظنِّ والبالِ
يغط غطيط البَكْرِ شُدَّ خِناقُه
ليَقتُلني والمرءُ ليس بقتَّالِ
أيَقتُلني والمَشْرَفيُّ مُضاجِعي
ومسنونةٌ زُرْقٌ كأنيابِ أغوالِ١١٧

كانت مقاربةُ امرئ القيس لأمورِ التودُّد للنساء كما تتجلَّى في هذه الأمثلة؛ مقاربةَ تفاخُرٍ ومنافسةٍ قوية، مع قسوتها في التغلُّب على كل العقبات. وتم احتقار الغزوات السهلة وإهمالها. قال عروة بن الورد، وكان عاشقًا وشاعرًا:

يصدُّ القلبَ عن المتهاونة، ويطارد المصونةَ الخجلى المراوِغة.١١٨

وفي العصر الأموي، قلَّد شعراء الغزل من أمثال عمر بن أبي ربيعة امرأ القيس وشعراء الجاهلية، ولم يدخُل شِعرهم ابتكارٌ حقيقي، لكنَّهم أضافوا لمسةً من البراعة.

تطورت المسرَّات الغرامية فرعًا من الصداقة. نقرأ في معلقة امرئ القيس نفسها:

ويوم دخلتُ الخِدْرَ، خِدرَ عُنَيزَة
فقالت لكَ الويلاتُ إنك مُرجِلي
تقول وقد مال الغبيطُ بنا معًا
عَقَرتَ بَعِيري يا امرأ القيسِ فانزِلِ
فقلتُ لها سيري وأرخِي زِمامَه
ولا تُبعِديني من جَناكِ المُعللِ
فمثلكِ حُبْلَى قد طرقتُ ومُرضعًا
فألهَيتُها عن ذي تمائمَ مُغْيَلِ
إذا ما بكى من خلفها انحرفتْ له
بشقٍّ وشقٌّ عندنا لم يُحوَّلِ
ويومًا على ظَهرِ الكثيبِ تعذَّرتْ
عليَّ وآلتْ حَلفةً لم تحلَّلِ

لكنَّ امرأ القيس نفسه، كان لديه عنصرٌ من الحنين صبَغَ حتى الفقرات الخليعة في شعره بمسحةِ حُزن. يبدو أنَّ معظم ما بقي من شِعره، وخاصة القصائد الطويلة الشهيرة، ألِّف في فترةِ فشله وبحثه عن دعمٍ في بلاد غريبة. غنَّى الذكريات الطيبة، وهي تزداد بُعدًا، للعزاء والهروب.

حمَّلَ الأعشى، الذي سافر خارج الجزيرة العربية على نطاق واسع، غزَلَ امرئ القيس مغامرًا أكثر، ضافيًا عليه عنصرًا من التطور والتظاهر بالإلمام بالطُّرق الأجنبية المتحضِّرة التي يجهلها البدو وسكَّان الواحات. والشعراء يتفاخرون بشراء خمورٍ أجنبية، متخلِّين عن نُوقهم مقابل قنينةٍ من الخمر، دافعين قطعةً ذهبية مقابل كأسٍ يشربونه في بعلبك أو دمشق أو قَاصِرين، تفاخر أيضًا بالاستمتاع بالمحظيات في البلاد الأجنبية:

ومنْ كلِّ بيضاءَ مَمكُورةٍ
لها بَشَرٌ نَاصِعٌ كَاللَّبَنْ
عريضةُ بُوصٍ إذا أدبرَتْ
هَضيمُ الحَشَا شَخْتةُ المُحتَضَنْ١١٩

اكتسب الرسول في النسيب التقليدي، وهو عادةً جاريةُ الشاعر، في شعر الأعشى شخصية القوَّاد أو القوَّادة:

فَبَعَثْتُ جِنَيًّا لنا
يأتي برَجْعِ حديثها
فمشى، ولمْ يخشَ الأنيـ
ـسَ فزارها وخلا بها
فتنازعا سرَّ الحديـ
ـثِ، فأنكرتْ، فنَزَا بها
عَضْبُ اللِّسَانِ مُتَقِّنٌ
فطِنٌ لمَا يُعنَى بها
صَنَعٌ بلِينِ حديثها
فدنتْ عُرَى أسبابها
قالتْ قَضيتَ قضيةً
عدلًا لنا يُرضَى بها
فأرادها كيفَ الدُّخو
ل وكيف ما يُؤتَى لها
في قُبةٍ حَمْرَاءَ زَيَّـ
ـنَهَا ائْتِلاقُ طِبَابِهَا
وَدَنَا تَسَمُّعُهُ إلى
مَا قَالَ، إذْ أوْصَى بِهَا
إنَّ الفتاةَ صغيرةٌ
غِرٌّ فلا يُسدَى بِها
واعلمْ بأنِّي لمْ أُكلِّـ
ـمْ مِثْلَهَا، بِصِعَابِهَا
إنِّي أخافُ الصُّرمَ منـ
ـهَا أوْ شَحِيجَ غُرَابِهَا
فدخلتُ، إذْ نامَ الرَّقيـ
ـبُ، فَبِتُّ دُونَ ثِيَابِهَا
حَتى إذا مَا اسْتَرْسَلَتْ
مِنْ شِدَّةٍ لِلِعَابِهَا
قسَّمتُها قِسمينِ كـ
ـلَّ مُوَجَّهٍ يُرْمَى بِهَا
فثنيتُ جِيدَ غريرةٍ
ولمَستُ بطْنَ حِقابِها
كَالحُقَّةِ الصَّفْرَاءِ صَا
كَ عبيرُها بمَلابِها
وإذا لنا تَامورةٌ
مَرْفُوعَةٌ لِشَرَابِهَا١٢٠

ولم يكن هدفُ الأعشى ببساطة التفاخرَ بالمآثر الغرامية، بل تسلية مستمعيه البدو وإمتاعهم، لكن رغم استمتاع بعضهم، كان آخرون يغارون بالضرورة من فُجُوره الصريح. ومثَّل هؤلاء الغيورون أيضًا موضوعًا للمزاح:

لَهَا مَلِكٌ كانَ يَخْشَى القِرَافَ
إذا خالطَ الظَّنُّ منهُ الضَّميرا
إذا نزلَ الحيُّ حلَّ الجَحِيشَ
شقيًّا غويًّا مبينًا غيُورا
يقولُ لعبدَيهِ حُثَّا النَّجا
وغُضَّا مِنَ الطَّرفِ عَنَّا وسِيرَا
فليس بمُرعٍ على صاحبٍ
وليس بمانِعِه أنْ تَحُورَا
وَلَيْسَ بِمَانِعِهَا بَابَهَا
ولا مُسْتَطِيعٍ بِهَا أنْ يَطِيرَا١٢١
على النقيض من روح الدعابة عند الأعشى، والرومانسية التي تتَّسم بالروح الرياضية عند امرئ القيس، كان هناك شعراء العاطفة، وقد رفع بعضهم الحُب إلى آفاق سامية للبسالة والنُّبل، وابتُليت قلوبُ بعضهم بالحُب، وأُربِك بعضهم تمامًا. وقد يؤخذ عنترة بن شداد مثالًا للنوع الأول. وُلِد عبدًا، وأمُّه جارية اسمها زبيبة، «سوداء الجبين»، «والشعر منها مثلُ حبِّ الفلفلِ.» جعله حُبُّه لعبلةَ يطمح للمجد ويتميَّز مقاتلًا شجاعًا وباسلًا. ذات يومٍ، هاجم المُغِيرون أهلَه، بني عبس، قال له والده (وقد رفض من قبل أن يعتبره في منزلةِ ابنٍ حُر): «كرَّ!» فقال عنترة: «العبدُ لا يُحسِن الكرَّ، إنما يُحسِن الحِلابَ والصرَّ.» فقال: «كرَّ وأنت حر.» فكَرَّ.١٢٢ مع الحرية جاء الاعتراف. وبسرعةٍ تميَّز بأنه أشجعُ مقاتلي العشيرة، وحين تحدَّاه المنافسون الغيورون لمنافسةٍ شعرية، مفترضين أنه، لأنَّ أصله عبدٌ، سيكون عَييًّا في أساليب قصيدةِ الفخر، قبل تحدِّيهم برائعته الشهيرة، معلَّقته. وكانت عبلةُ مصدرَ إلهامه:
إنْ تُغدِفي دوني القِناع فإنني
طَبٌّ بأخذِ الفارس المُستَلئِم
… … … … …
… … … … …
ولقد نزلْتِ فلا تظُنِّي غيرَهُ
منِّي بمنزلةِ المحبِّ المكرَمِ
… … … … …
… … … … …
عُلِّقتُها عرَضًا وأقتل قومَها
زعمًا وربِّ البيتِ ليس بمَزعَمِ
عروة بن الورد مثالٌ للنوع الثاني، مَن ابتُليت قلوبهم بالحُب.١٢٣ رفيقًا لعنترة من رجال القبيلة، اشتُهر ببسالته، وشِعره ودعمه المثالي ورعاية المتشرِّدين الشُّجعان الذين طردتْهم قبائلهم. سلَّحهم وحارب معهم جنبًا إلى جنب. حظيتْ سلمى من بني كنانة، وقد سباها في إحدى غاراته، بحبِّه واتَّخذها زوجة. وبعد سبعة عشر عامًا، وهما في الطريق إلى مكة، موطنها الأصلي، يعبُران سوق بني النضير اليهود، خدعتْه ذات ليلة وهو سكران، بأن يخيِّرها بين أن تبقى معه أو تلتحق بعشيرتها، وكان بعضهم في السوق. ولم يتوقَّع أن تفضِّل عليه أحدًا، لكنها أعلنتْ، مما أثار غمَّه، في صباح اليوم التالي في السوق، رغم أنه أفضلُ الرجال، فإنها لا يمكن أن تفضِّله على عشيرتها؛ لأنها تكره نساء قبيلته اللائي لم يتوقَّفن عن وصفها بسبيَّة عروة:
ذكرْتُ منازلًا من أمِّ وهب
محلَّ الحيِّ أسفلَ ذي النقيرِ
وآخَرُ مَعهدٍ من أمِّ وهب
مُعرَّسُنا فُويقَ بَني النَّضِيرِ
وقالت ما تشاء؟ قال ألهو
إلى الإصباحِ آثِرَ ذِي أثِيرِ
بآنسةِ الحديثِ رُضَابُ فِيهَا
بُعَيد النومِ كالعِنبِ العَصِيرِ
سَقَونِي النَّسءَ ثم تَكَنَّفُونِي
عُدَاةَ اللهِ من كذِبٍ وزُورِ١٢٤
الإشارة هنا إلى رجالِ عشيرة سلمى، الذين حدَّد لهم أن تبقى معه تلك الليلة وتعلن موقفها في الصباح. المرقش الأصغر١٢٥ مثال للنوع الثالث، أربكه الحُب تمامًا. كان ينتمي لعائلة من الشعراء الكبار منهم طرَفَة وعمرو بن قميئة والمتلمِّس والمرقِّش الأكبر. وكان يحبُّ فاطمة، ابنة المنذر اللخمي، ملك الحيرة. كان المرقش من أكثر الرجال وسامةً في الوجه والشَّعْر. اعتادت فاطمة أن تجلس على أسوار قصرها تتفحَّص الناس، لتختار شخصًا مناسبًا لها من بينهم، كما كانت عادة بعض النبيلات العربيات. وكانت لها جاريةٌ اسمها بنت عَجْلان (أي «بنت الرَّجُل السريع»، وربما كان لقبًا يشير إلى قدراتها بوصفها قوَّادة)، وقد اعتادت أن تجلب لها الشباب الذين يروقون لها. وعندما قويت العلاقة بين فاطمة والمرقش، ارتاب صديق للأخير اسمه عمرو بن جناب، وكان يشبهه في الطلعة وكانت بينهما رابطةٌ لا تخفى على أحد، وطلَبَ أن يُقدَّم للأميرة وربما أمتعها مثل صديقه. اعتقدا أنَّ فاطمة في الظَّلام لن تستطيع التعرُّف على الاختلاف بينهما للتشابه الشديد بينهما، لكن كثرة شَعر جسد عمرو كانت واضحةً لها، وأُبعِد المرقش عن بوَّابة حبيبته، ولم يدخلها ثانية قَط. فَقَدَ فطنتَه تمامًا وبحث عن العزاء في الشِّعر والترحال. تستشهد «المفضليات» بقصيدةٍ كاملة لهذا الشَّقاء. تبدأ بالنسيب التقليدي المعتاد، ملمِّحة إلى حبيبةٍ رمزية، بدوية من بني بكر، وليست أميرة،١٢٦ ثم ينتقل إلى التيمة الحقيقية:
وإنِّي لأَستَحيي فُطَيمةَ جائعًا
خَميصًا، وأَستَحيِي فُطَيمةَ طَاعِمَا
وإني لأَستَحيِيكِ والخَرقُ بيننا
مخافةَ أنْ تَلقَي أخًا ليَ صَارِمَا
وإني وإنْ كَلَّتْ قَلُوصِي لَرَاجِمٌ
بها وبِنَفْسِي، يا فُطَيمَ، المَرَاجِمَا

•••

ألَا يا اسْلمي بالكوكبِ الطَّلقِ فاطِمَا
وإنْ لم يكُن صَرفُ النَّوَى مُتلائِمَا
ألَا يا اسْلمي ثُم اعْلَمِي أنَّ حاجتي
إليكِ، فرُدِّي من نوالِكِ فاطِمَا
أفاطمَ لو أنَّ النساءَ ببلدةٍ
وأنتِ بأُخرَى لاتَّبعتُكِ هائِمَا
متى ما يشأْ ذو الوُدِّ يَصرِمْ خليلَهُ
ويَعْبَدْ عليه لا محالةَ ظالِمَا
وآلَى جَنابٌ حِلْفةً فأطَعْتَهُ
فنفسكَ وَلِّ اللَّومَ إنْ كنتَ لائِمَا

•••

فمَن يَلقَ خيرًا يَحمَدِ الناسُ أمرَهُ
ومَن يَغوِ لا يَعدَمْ على الغيِّ لائِمَا
ألَمْ ترَ أنَّ المرءَ يَجذِمُ كفَّهُ
ويَجشَمُ من لومِ الصديقِ المَجَاشِمَا
أمِنْ حُلمٍ أصبحْتَ تنكُتُ واجِمَا
وقد تعتري الأحلامُ مَن كان نائِمَا

وكان المرقِّش الأكبر أيضًا مُحبًّا أربَكَه الهوى، كما قد نرى في أبيات طرَفَة:

وقد ذهبتْ سلمى بعقلكَ كلِّه
فهل غيرُ صيدٍ أحرزتْه حبائلُه
كما أحرزتْ أسماءُ قلبَ مُرقِّشٍ
بحُبٍّ كلمعِ البرقِ لاحتْ مخايِلُه
وأنكَحَ أسماءَ المُراديَّ، يبتغي
بذلك عوفٌ أن تُصابَ مقاتِلُه
فلمَّا رأى أنْ لا قرارَ يقِرُّه
وأنَّ هوى أسماءَ لا بدَّ قاتِلُه
ترحَّل من أرضِ العراقِ مرقِّشٌ
على طرَبٍ، تهوي سِراعًا رَواحِلُه
إلى السَّرْوِ، أرضٌ ساقَهُ نحوَها الهَوَى
ولم يَدرِ أنَّ الموتَ بالسَّروِ غائِلُه

•••

لعَمْري، لموتٌ لا عقوبةَ بعدَهُ
لِذِي البَثِّ أشْفَى من هوًى لا يُزَايلُه
فوَجْدي بسَلْمَى مثلُ وجدِ مرقِّشٍ
بأسماءَ، إذْ لا تَستَفيقُ عَوَاذِلُه
قضى نَحْبَه، وجدًا عليها مرقِّشٌ
وعُلِّقْتُ من سَلمَى خَبالًا أُمَاطِلُه١٢٧

أصبحتْ قصةُ المرقِّش نموذجًا لكلِّ الحكايات العربية التالية عن الحُب المُحبَط، مثل حكاية عروة وعفراء وحكاية قيس وليلى في العصر الأُموي. واستمرَّت نُسَخ من هذه القصص تُحكَى لقرون حتى بين شعوبٍ مختلفةٍ تأثَّرت بالتقاليد العربية، في كثير من البلاد، كما حدث، على سبيل المثال، في قصةِ تاجوج ومحرق الحمراني، قبيلةٌ عربية سودانية ترجع أصولها إلى الحجاز.

(١٠) المدح والهجاء

كانت هناك، على وجه العموم، ثلاثُ فئات من المدح: فئة مستوحاة من عاطفةٍ أصيلة، وأخرى ممَّا قد يسمَّى زهوًا اجتماعيًّا، وثالثة بغرض الارتزاق من الدعاية. وقد تظهر الفئات الثلاث كلُّها أحيانًا في قصيدةٍ واحدة، حيث تكون العاطفة الأصلية صادقة. المدح الذي يعبِّر عن العرفان الشخصي هو العنصرُ الأكثرُ تكرارًا في الفئة الأُولى، كما في كلِّ مدائح امرئ القيس، وقِطَعه القصيرة في المدح، كما في مديح سعد بن الضباب وبني تيم الذين يسمِّيهم «مصابيح الظلام»، وقد صار اسمهم بين العرب.١٢٨ وكان مدحُ بِشْر بن أبي خازم لأوس بن لأمٍ من هذه الفئة. حين أسَرَ أوسٌ بِشرًا في معركةٍ، وكان أوسٌ يريد قتله لأنَّه هجاه. نصحتْه سعدى أم أوس بحكمةٍ أن يُبقي على حياته ويعيده إلى أهله بهدايا ليكسب ثناءه؛ لأنه شاعرٌ مشهور.١٢٩ وقد يُرَى المثال الثالث في أشعار أميَّة بن أبي الصلت الثقفي في الثناء على كرمِ عبد اللهِ بنِ جُدْعَان، أحد سادةِ قريش قبل الإسلام، الذي عامل الشاعرَ معاملةً كريمة.
له داعٍ بمكةَ مُشمَعلٌّ
وآخر فوق كعبتها يُنادي
إلى رُدحٍ من الشيزى مِلاءٍ
لُبابَ البُرِّ يُلبكُ بالشِّهادِ١٣٠

الفئة الثانية من شِعر المديح تُشبه، إلى حدٍّ ما، شعرَ الحُب المُستوحَى من روح الشهامة. قد يسافر الشاعر إلى بلاط أمير في دمشق أو الحيرة أو اليمن أو إلى خِيام زعيمٍ قبلي مشهور، ويؤلِّف شعرًا في مدحه، ويحصل على جائزته، ثم يعود إلى أهله ليتباهى بنجاحه. ولا ينبغي الخلط بين شعر التباهي هذا والمديح الاحترافي، رغم أنه يمكن القول بأن الأخير تطوَّر منه إلى حد ما. على سبيل المثال، زار حسان بن ثابت بلاطَ جبلة بن الأيهم، ملك الغساسنة، وكان قريبَه من بعيد، في دمشق، لترسيخ مكانته بين رفاقه من رجال القبائل في يثرب. تقول الخُرافة إنَّ حسانًا والنابغة وعلقمة الْتقوا في بلاط الغساسنة وحصل حسانٌ على الجائزة الأُولى على شِعره في المديح. ورغم أنه يقال إن حسان قد بلغ الستين حين هاجر النبيُّ محمد من مكة إلى يثرب، لا يمكن أن يكون قد خاض منافسةً شعرية مع علقمة، الذي كان معاصرًا لامرئ القيس. قال حسان في مديحه لملك الغساسنة:

أولادُ جَفنَةَ عند قبرِ أبيهمُ
قبرِ ابنِ ماريةَ الكريمِ المُفضِلِ
يُسقَون من وردِ البريصِ عليهم
كأسًا يصفِّق بالرحيقِ السَّلسلِ
يُغشونَ حتى ما تهرُّ كِلابهم
لا يسألون عن السوادِ المُقبلِ
بيضُ الوجوهِ كريمةٌ أحسابُهم
شمُّ الأنوفِ من الطرازِ الأولِ١٣١

المسيَّب بن عَلَس، خال الأعشى، سافر بطريقةٍ مماثلة إلى زعيم بني تميم، القعقاع، ليمدحه بعينيَّته:

فلَأُهدِيَنَّ مَعَ الرِّياحِ قَصيدَةً
مِنِّي مُغَلغَلَةً إِلى القَعقاعِ
تَرِدُ المِياهَ فَما تَزالُ غَريبَةً
في القَومِ بَينَ تَمَثُّلٍ وَسَماعِ
وَلَأَنتَ أَجوَدُ مِن خَليجٍ مُفعَمٍ
مُتَراكِمِ الآذِيِّ ذي دُفَّاعِ
وَكَأَنَّ بُلقَ الخَيلِ في حافاتِهِ
يَرمي بِهِنَّ دَوالِيَ الزُّرَّاعِ
وَلَأَنتَ أَشجَعُ في الأَعادي كُلِّها
مِن مُخدِرٍ لَيثٍ مُعيدِ وِقاعِ١٣٢
ينشأ المديح الاحترافي أحيانًا من إعجابٍ شخصي حقيقي وتعلُّق بالشخص، وأحيانًا من دوافع سياسية، ويكون أحيانًا مهنة للتكسُّب. يقال إنَّ زهيرَ بن أبي سُلمى كان معجَبًا بعمقِ بالأدوار التي لعبها هَرِم بن سِنان والحارث بن أوفى، اللَّذين دفعا ديةَ نزاعٍ قبلي، وكانت ثلاثة آلافِ جمَلٍ في ثلاثِ سنوات. ومدح زهيرُ هذَين الرجلَين في المعلَّقة. ويستهلُّها بنسيبٍ رائع يصفُ قافلةَ أم أوفى، ثم يتحوَّل مباشرةً إلى مساعي هرم والحارث. من بُعْدٍ شكلي، تحلُّ أسفارهما لتحقيق هذا الغرض محلَّ رحلة التخلُّص التقليدي. لكنَّ مدح هذين الزعيمين عرَضي بالنسبة لغرض القصيدة، وهو التحذير من الحرب وحثُّ العشائر الغسانيَّة المتناحرة على الوفاء السريع بعهودها وتجنُّب الغدر:
فلا تكتمُنَّ الله ما في صدُورِكم
ليخفى ومهما يُكتَمِ اللهُ يعلمِ
يؤخَّرْ فيوضعْ في كتابٍ فيُدَّخرْ
ليومِ الحساب أو يعجَّلْ فيُنقَمِ
(A. J. Arberry)١٣٣

تنتهي المعلَّقة بسلسلةٍ من المقولات الخُلُقية. يسود في القصيدة كلِّها جوٌّ من الحركة الرقيقة البطيئة تقريبًا، من وصف قافلة الهوادج الحمراء التي تتحرك ببطء بالجميلات، بتلميحٍ موجَز لحشود الحُجَّاج التي تتحرك ببطءٍ حول الكعبة، ومشهد مئات الجِمال، كبيرة وصغيرة، تظهر من ممرَّات الهِضاب، إلى وصف طواحين الحرب الثقيلة التي تطحن وتسحق. ويلي ذلك غدرُ حسين بن ضَمضَام، وإعلان الشاعر بأنه سَئمَ أعباءَ الحياة. وكلُّ هذا منسجمٌ مع جوِّ المفاوضات الطويلة، التي وضعت في النهاية نهايةً للصراع المميت:

وكَائِنْ ترى من صامتٍ لك مُعجِبٍ
زيادتُهُ أو نقصُه في التكلُّمِ
ومَن لا يزَلْ يسترحلُ الناسَ نفسَه
ولا يُعفِها يومًا من الذلِّ يندمِ

وفي نهاية القصيدة يقول زهير لرُعاته:

سألنا فأعطيتُم وعُدْنَا فعدتُمُ
ومَن يُكثِر التسآلَ يومًا سيُحرمِ١٣٤
كان زهير مؤيِّدًا للقيم الخُلُقية، وممثِّلًا للتوحيد العربي قبل الإسلام. في إحدى قصائده الشهيرة الموجَّهة إلى هَرِم، راعيه طوال حياته، يقول ثناءً على عشيرته، التي ينتمي إليها الحارث أيضًا، شريك هرم في المفاوضات:١٣٥
وفيهم مقاماتٌ حِسانٌ وجوهُهم
وأنديةٌ ينتابها القولُ والفعلُ
على مُكثِريهم رزقُ مَن يعتريهمُ
وعند المقلِّين السماحةُ والبذلُ
[إذا جئتَهم ألفيتَ حولَ بيوتِهم
مجالسَ قد يُشفَى بأحلامها الجَهلُ]
وإنْ قام فيهم حاملٌ قال قاعدٌ
رَشَدتَ فلا غُرمٌ عليك ولا خَذلُ
سعى بَعدَهم قومٌ لكي يُدركوهُمُ
فلَمْ يفعلوا ولم يُليمُوا ولم يألوا
فما يكُ من خيرٍ أتوه فإنما
توارثه آباءُ آبائهم قبلُ
وهل ينبِتُ الخَطِّيَّ إلا وشيجُهُ
وتُغرَسُ إلا في منابتِهَا النَّخلُ

فضَّلَ عمرُ بن الخطاب، ثاني الخلفاء الراشدين، زهيرًا على كلِّ شعراء الجاهلية؛ لأنه كان لا يتتبع حُوشي الكلام ولا يمتدح أحدًا إلا بما فيه.

واشتُهر النابغة بمديحه لملك الغساسنة واعتذاره للملك الحارث. مثل زهير، كان مناصِرًا للمبادئ الخُلُقية القبلية، لكنَّ أسلوبه يتمتَّع بلمسةٍ شخصية أكثر وبتلقائية. يقول في مديحه:

وثقْتُ له بالنصر إذ قيل قد غزتْ
كتائبُ من غسَّانَ غيرُ أشائبِ

•••

إذا ما غَزَوا بالجيش حلَّق فوقَهُم
عصائبُ طيرٍ تهتدي بعصائبِ
يصاحبْنَهُم حتى يُغِرْنَ مُغارَهم
من الضارياتِ بالدماء الدَّوارِبِ
تراهُنَّ خلفَ القومِ خُزْرًا عيونُها
جلوسَ الشُّيوخِ في ثيابِّ المَرانِبِ
جوانحَ قد أيقنَّ أنَّ قبيلَه
إذا ما الْتقى الجمعانِ أولُ غالِبِ١٣٦
قصائد النابغة في الاعتذار تهتمُّ غالبًا بمدحِ راعيه النُّعمان، والهجوم على أعدائه أكثر ممَّا تهتمُّ بالإعلان ببساطة عن براءة الشاعر من التُّهم الموجَّهة إليه. وهذه التيمة الأخيرة، على الرغم من أهميتها بوصفها غرضًا رئيسيًّا في كلِّ هذه القصائد، تعالج غالبًا وكأنها استمرارٌ للنسيب في العينية١٣٧ واستطرادٌ مقتضَب من المديح في الدالية:
ما قلْتُ من سيِّئٍ مما أُتيْتَ به
إذن فلا رفعتْ سوطي إليَّ يدي
… … … … …
… … … … …
إذن فعاقبني ربي معاقبةً
قرَّتْ بها عينُ مَن يأتيك بالفندِ١٣٨

بائية علقمة الموَّجهة إلى الحارث بن أبي شَمِر الغسَّاني، مثال للمديح السياسي. ثمَّة مثالٌ آخر وهو مديح عَبِيد بن الأبرص لحُجْر، والد امرئ القيس، الذي كان ملِكًا مستبدًّا عامل بني أسد، أهل عَبِيد، بوحشيةٍ فظيعة. وهكذا سعى عَبِيد لاسترضائه بالثناء عليه؛ وبمجرد القيام بذلك خطط عَبِيد ورجال بني أسد لاغتياله ونفَّذوه. قال عَبِيد:

يا عينُ فابكي ما بني
أسدٍ فهُم أهلُ الندامةْ
… … … … …
… … … … …
حِلًّا، أبيت اللعن حِـ
ـلًّا إنَّ فيما قلْتَ آمةْ
… … … … …
… … … … …
إمَّا تركْتَ، تركْتَ عفـ
ـوًا أو قتلْتَ فلا ملامةْ
أنت المليكُ عليهمُ
وهمُ العبيدُ إلى القيامةْ
(C. J. Lyall)١٣٩

لكن هذا لم يمنعه فيما بعد من الردِّ على تحدِّي امرئ القيس، حين سعى الأخير للانتقام من بني أسدٍ لمقتل والده:

يا ذا المخُوِّفُنا بقتْـ
ـل أبيه إذلالًا وحَيْنَا
… … … … …
… … … … …
نحن الأُلى جمِّعْ جمو
عًا ثم وجِّههمْ إلينَا
… … … … …
… … … … …
نحمي حقيقتنا وبعـ
ـضُ القومِ يسقُطُ بينَ بَينَا
(C. J. Lyall)١٤٠
يقال إنَّ عمل المدَّاح المحترف بوصفه داعيةً ظهَرَ في المرحلة الأخيرة من العصر الجاهلي.١٤١ ويقال إنَّ النابغة فقَدَ بعض مكانته القبلية بين أهله، بني ذبيان؛ لأنَّه قبل هدايا الملوك على مدائحه، لكن حقيقة تكريمه في عكاظ توحي بالعكس. يشير بيته:
وعيَّرتني بنو ذبيانَ خَشْيَتَه
وهل عليَّ بأنْ أخشاكَ من عارِ؟

إلى بعضِ الرفض لدوافع مدحه، وليس إلى حقيقة تقديمه قصائد مديح لملك. ويبدو أن مكانة الأعشى ترجع إلى اعتباره داعيةً محترفًا متجوِّلًا ومادحًا، يتنقَّل من راعٍ إلى آخر، مقدِّمًا نفسه وسيطًا ومقيِّمًا لأهمية العرب الكبار في عصره على ضوء المدونة القبلية.

في منافرة بين متنافسَين من بني عامر، هما علقمة بن عُلاثة وعامر بن طُفيل، منَحَ وقوفُ الأعشى بجانب الأخير مكانةً أعظم. سمِعَ الأعشى عن منافرتهما وتنافُسهما، وذهَبَ أولًا إلى علقمةَ وطلب منه، لاختباره، أن يُجيره؛ فاستجاب علقمةُ بسهولة. ثم سأله الأعشى إن كان يمكن أن يحميه حتى من الموت؛ فاعترف علقمةُ إنه لا يستطيع ذلك. فتركه الأعشى، وذهَبَ إلى عامرٍ وطلب منه مثلَ ما طلب من الأول. وحين عرض عامرٌ أن يُجيره حتى من الموت، سأله: وكيف تُجيرني من الموت؟ فقال عامر: إن متَّ في جواري بعثتُ إلى أهلك الدية. فقرَّر الأعشى دعمَ موقفِ عامر، وأثنى عليه، وهجا علقمة. ويقال إنه فيما بعد، حين صار عامرٌ عدوًّا للنبيِّ وأعلن نيته في أن يقوِّمه واعتنق علقمة الإسلام، ساءت سمعة هذه القصيدة وتجنَّب الناسُ روايتها أو الاقتباس منها،١٤٢ لكنْ يبدو أنَّ الاقتباس الشهير لعليٍّ منها وهو يقارن خلافته بخلافة عمر، يدحض ذلك:
شتَّان ما يومي على كورِها
ويومُ حيَّانَ أخي جابرِ١٤٣

ومات الأعشى دون أن يعتنق الإسلام في سنة ٦ﻫ/٦٢٧م، عجوزًا جدًّا. وكان ينوي أن يذهب إلى المدينة ويقدِّم للنبي قصيدة مديحٍ يعتذر فيها له على النحو:

نبيٌّ يرى ما لا ترون وذِكرُهُ
أغارَ لعَمري في البلادِ وأَنْجَدَا

قابله بعضُ سادةِ قريش في الطريق، وعرضوا عليه مائةَ جمَلٍ وطلبوا منه أن يؤجِّل رحلته إلى المدينة إلى العام التالي. فقَبِل لكنَّه مات قبل نهاية تلك السنة. وهذه الحكاية منمَّقةٌ بقصة أنَّ القرشيِّين حذَّروا الأعشى من أنَّ محمدًا لن يسمح له بشُرب الخمر؛ لكنَّ تحريم الخمر جاء بعد عامَين من موتِ الأعشى. وفيما يلي أمثلة للمدائح الاحترافية للأعشى. في قصيدة يعظِّم فيها ملكَ اليمن قيس بن مَعْدِيكَرِب، يقول:

تقول ابنتي حين جدَّ الرحيلُ
أَرانا سَواءً ومَن قد يَتِمْ
أبانا فلا رِمتَ من عندنا
فإنَّا بخيرٍ إذا لم تَرِمْ
… … … … …
… … … … …
أَرانا إذا أضمرتْكَ البلا
دُ نُجْفَى وتُقطعُ منَّا الرَّحِمْ
أفي الطَّوفِ خِفتِ عليَّ الرَّدى
وكم من رَدٍ أهلَه لم يَرِمْ
إلى المرءِ قيسٍ أُطيلُ السُّرى
وآخُذُ من كُلِّ حَيٍّ عُصُمْ
وما مُزبِدٌ من خليجِ الفُرا
تِ جَونٌ غَوَارِبُه تَلتَطِمْ
يكبُّ الخليَّةَ ذاتَ القِلا
عِ قد كاد جُؤْجُؤُهَا يَنحطِمْ
تَكَأْكأَ ملَّاحُها وسطَهَا
من الخوفِ كَوْثَلَها يَلتَزِمْ
بأجودَ منه بمَاعُونِه
إذا ما سماؤُهُمُ لمْ تَغِمْ١٤٤

وفي قصيدته عن الحكم بين عامر وعلقمة يقول:

عَلقَمَ، لا لستَ إلى عامرِ
الناقِضِ الأوتارِ والواتِرِ
واللابسِ الخيلَ بخيلٍ إذا
ثارَ غُبارُ الكبَّةِ الثائرِ
سُدْتَ بني الأحوصِ لم تَعْدُهُم
وعامرٌ ساد بني عامِرِ
ساد وألفى قومَه سادةً
وكابرًا سادُوكَ عن كابِرِ
… … … … …
… … … … …
إنَّ الذي فيهِ تمارَيتُمَا
بُيِّنَ للسامعِ والآثِرِ
حكَّمتُمُوني فقَضَى بينَكُم
أبلجُ مثلُ القمرِ الباهِرِ
لا يأخُذ الرِّشوةَ في حُكمِهِ
ولا يُبالي غبَنَ الخاسِرِ١٤٥

أكسبَت الأعشى شهرته وسمعته بوصفه مدَّاحًا قبليًّا وداعيةً لقبَ «صنَّاجة العرب». واقتفى المدَّاحون التالون خُطاه، من الحطيئة، وهو أحد تلاميذه، وصولًا إلى القمة في العصر العباسي في شِعر أبي الطيب المتنبي.

(١١) الهجاء

قد يكون الهجاء ضمنيًّا (أي بدون تحديد اسمِ المهجوِّ) أو صريحًا (أي مرتبطًا باسم شخص). ومن أمثلة الأول قطعةُ امرئ القيس الموجَّهة إلى امرأةٍ اسمها هند:

يا هندُ لا تنكحي بُوهةً
عليه عَقيقَتُهُ أحسَبَا
مرسَّعةً بين أرساغِهِ
به عَسَمٌ يبتغي أرنَبَا
ليجعَلَ في كفِّه كَعْبَها
حِذَارَ المنيَّةِ أن يَعْطَبَا
ولستُ بخِزْرَافَةٍ في القُعُودِ
ولستُ بِطَيَّاخةٍ أخْدَبَا١٤٦

ثمَّة مثالٌ آخر، وهو بيتُ عنترة:

نُبِّئْتُ عَمْرًا غيرَ شاكرِ نعمتي
والكفرُ مَخبَثةٌ لنفسِ المُنعمِ

ثمَّة مثالٌ آخر في أبيات ذي الإصبع:

لي ابنُ عمٍّ على ما كان من خُلُقٍ
مختلفانِ فَأقْلِيهِ ويَقْلِيني
أزرى بنا أنَّنا شَالَتْ نعامتنا
فخالني دُونه وخِلْتُهُ دُونِي

•••

لاهِ ابنُ عمِّك لا أفضَلْتَ في حسَبٍ
عنِّي ولا أنت ديَّاني فتَخْزُونِي
ولا تقوتُ عِيالِي يومَ مَسغَبَةٍ
ولا بنفسكَ في العزَّاء تَكفيني
إني لعَمْرِك ما بابي بذي غلقٍ
على الصديق ولا خيري بممنونِ
ولا لساني على الأدنى بمنطلِقٍ
بالفاحشات ولا فتكي بمأمونِ
… … … … …
… … … … …
عنِّي إليكَ فما أمي براعيةٍ
ترعى المَخاضَ وما رأيي بمغبونِ
كلُّ امرئٍ راجعٌ يومًا لشِيمته
وإن تخالَقَ أخلاقًا إلى حينِ
(C. J. Lyall)١٤٧
عمرٌو هنا اسمٌ مستعارٌ لزعيمٍ أو أكثر من زعماء الفريق المُعارِض لبَنِي عدوان، كما لاحظ ليال.١٤٨ كان ذو الإصبع زعيمًا لبني عدوان لوقتٍ طويل، لكنه حين شاخ، تم التشكيك في سُلطته وحدَثَ انشقاقٌ عليه بعد ذلك، وعن هذا يقول:
عَذِيرَ الحَيِّ من عَدوا
نَ كانوا حَيَّةَ الأرضِ
بَغَى بعضُهُمُ بعضًا
فلَمْ يُبقُوا على بعضِ١٤٩

قصيدة الحارث بن وعلة، التي يعترف فيها بجُبنه بأسفٍ:

فدًى لكُمَا رَجْلَيَّ أمي وخالتي
غداةَ الكُلَابِ إذ تُحَزُّ الدَّوابِرُ

•••

كأنَّا وقد حالتْ حُذُنَّةُ دوننا
نعامٌ تلاه فارسٌ متواتِرُ١٥٠

إنها شكلٌ دقيق من الهجاء الضمني الموجَّه ضدَّ بني الحارث وزعيمهم عبْدِ يَغُوثَ، الذي كان قائدَ تلك المعركة. حين أسَرَه بنو تيم، ألَّف مرثيةً يرثي فيها نفسه قال فيها:

جزى اللهُ قومي بالكُلابِ مَلامةً
صَريحَهُم والآخَرِينَ المَوَالِيَا
ولو شئتُ نجَّتْني من الخيلِ نَهْدةٌ
ترى خلْفَها الحُوَّ الجِيادَ تَوالِيَا
ولكنَّني أحمِي ذِمارَ أبيكُمُ
وكانَ الرِّماحُ يختطِفْنَ المُحَامِيَا

•••

أحقًّا عبادَ اللهِ أنْ لسْتُ سامعًا
نشيدَ الرُّعاءِ المُعْزِبينَ المَتَاليَا
وتضحَكُ منِّي شيخَةٌ عبشَمِيَّةٌ
كأنْ لم ترى قبلي أسيرًا يمَانِيَا١٥١

ونعرف أنَّ قصيدة الحارث ردٌّ على قصيدةِ عبْدِ يَغُوثَ؛ لأنَّ قصيدةَ الأول تشير إلى امرأةٍ عجوز من عبد شمس (عشيرة من مُضَر):

ولا تكُ لي حدَّادةٌ مُضَريَّةٌ
… … … … … …
لم يجرؤ الحارث على مهاجمة عبْدِ يَغُوثَ صراحةً؛ لأنَّه قُتِل وهو في أسْرِ رجال تيم.١٥٢

في الهجاء الصريح يشار بوضوحٍ إلى هوية المهجوِّ، أو اسمه، كما على سبيل المثال في أبياتِ عنترة من معلقته:

ولقد خشيْتُ أن أموت ولم تدُرْ
للحرب دائرةٌ على ابنَي ضَمْضَمِ
الشَّاتِمَي عِرْضِي ولم أشْتُمْهُما
والناذرَين إذا لَمَ القَهُمَا دَمِي
إنْ يفعلا فلقَدْ تركتُ أباهما
جَزَرًا لخَامِعةٍ ونَسْرٍ قَشْعمِ١٥٣

ثمَّة مثالٌ آخر، وهو قصيدةٌ قصيرة وجَدَها أهلُ قريشٍ مكتوبةً ذات صباحٍ على جدار دارِ الندوة:

أَلْهَى قُصَيًّا عَنِ المَجدِ الأَساطيرُ
ورَشوَةٌ مِثلَ ما تُرشَى السَّفَاسيرُ
وَأَكلُها اللَّحمَ بَحتًا لا خَليطَ لَهُ
وَقَولُها رَحَلَت عِيرٌ أتَتْ عِيرُ١٥٤
اتَّهم عبدَ الله بنَ الزِّبَعْرَى السَّهمي، إحدى عشائر قُصَي المتنافسة، بتأليف هذا الهجاء، لكنْ لولا حكمةُ بعض سادة قُصَي لقُتل، وبدأتْ سلسلةٌ من الثأر بعد ذلك.١٥٥

وكانت قصة طرَفَة بن العبد تراجيديَّة؛ لأنه وهو لا يزال شابًّا، هجا طاغيةَ الحيرة، عمرو بن هند، وأخاه قابوسًا، قائلًا:

فليت لنا مكانَ المَلْكِ عمرٍو
رَغُوثًا حولَ قُبَّتنا تَخُورُ
… … … … …
… … … … …
لعَمرك إنَّ قابوس بن هندٍ
لَيَخلطُ مُلكَه نُوكٌ كثيرُ
لنا يومٌ وللكِرْوَانِ يومٌ
تَطيرُ البائساتُ ولا نطيرُ١٥٦

بعد ذلك ذهَبَ طرَفَة، بصحبةِ خاله المتلمِّس، بحماقةٍ إلى بلاط عمرٍو في الحيرة، على عادة الشعراء. أخبرهما، عمرو الذي لم ينسَ ولم يسامح، بمكرٍ أنَّ عاملَه على البحرين، أقرب إلى ديارهم من الحيرة، سيقدِّم لهما الهدايا. وأعطى كلًّا منهما رسالةً تحتوي، كما قال لهما، على أوامرَ بهذا الشأن، وكانت الرسالتان تحتويان على حُكمٍ بإعدامهما، ولم يكُن أحدٌ منهما يعرف القراءة. طلَبَ المتلمِّس لحُسنِ حظِّه من صبيٍّ في الحيرة أن يقرأ رسالته، وباكتشافه محتواها الحقيقي حذَّر طرَفَة الذي رفَضَ نصيحته وذهب إلى البحرين، حيث لاقى الموت. ونتيجةَ هذه النهاية التراجيدية المبكِّرة سمِّي طرَفَة «الفتى القتيل».

كان طرَفَة من بني بكر، وكان المقدَّر أن ينتقم لاحقًا لموته زعيمُ قبيلةِ بني تَغلِب المُنافِسة، عمرو بن كلثوم. في تجمُّع قبلي في خيمةِ عمرو بن هند في الحيرة، طلبت أمُّ الملك، هند، من ليلى، ابنةِ الزعيم الكبير لتَغلِب وشاعرها، المُهَلهِل، وأم عمرو بن كلثوم، أن تقوم بخدمتها. وحين ألحَّت هند في طلبها، قالت ليلى: «لتقُمْ صاحبةُ الحاجة إلى حاجتها.» لكن هند استمرَّت تطلب منها أن تخدمها. فصرختْ ليلى: «وا ذُلَّاه … يا لتَغلِب.» وحين سمِعَ عمرٌو، ابنها، صرخَتَها؛ قبض على سيفٍ معلَّق في سقف الخيمة وسلَّه وقطَعَ رأسَ الملك. ثم هاجم رجاله خيمةَ الملك ونهبوها. ويبدو أنَّ بعض أبياتِ مُعلَّقة عمرٍو تُشير إلى هذا الحادث:

بأيِّ مشيئةٍ عمرَو بنَ هندٍ
نكون لقَيْلِكُم فيها قَطِينَا
بأيِّ مشيئةٍ عمرَو بنَ هندٍ
نُطيعُ بنا الوشاةَ وتَزْدَرينَا
تَهَدَّدْنَا وأَوعِدْنا رُويدًا
متى كنَّا لأمِّك مَقْتَوِينَا
(A. J. Arberry)١٥٧

وطبقًا لرأي ابنِ رشيق، الهجاء الضمني أكثر تأثيرًا؛ لأنَّه يثير الفضولَ بشأن هوية المهجوِّ. وهذا صحيحٌ عمومًا، لكنْ على العكس أحيانًا، يمكن أن يكون الصريحُ أكثرَ تأثيرًا، وخاصة حين يكون الهدف التشهيرَ بالمهجوِّ بذِكر هُويته علانيةً. ويعتمد معيار نجاح الهجائية أساسًا على مادته وعلى التوازُن الذي يثيره بين العناصر الشخصية والعامة للهجاء. والتالي اقتبسه قُدامة نموذجًا للهجاء الكامل:

إنْ يَغدرُوا أو يَفجُرُوا
أو يَبخَلُوا لا يَحفِلُوا
يَغْدُوا عليكَ مُرجِّليـ
ـنَ كأنَّهم لم يَفعَلُوا١٥٨

وقد يأتي الهجاء جزءًا من المديح، وأيضًا جزءًا من الفخر، بهدف وضعِ نمطٍ من التضاد. وقد يحدُث هذا بشكلٍ ضمني؛ أي بتضمينِ أنَّ الآخرين ليسوا مثل الممدوح، كما في ثناءِ زهير على هَرِم بنِ سنان:

إنْ تَلقَ يومًا، على عِلَّاته، هَرِمًا
تَلقَ السماحةَ منه والندى خُلُقَا

•••

هذا وليس كمَن يعيا بخُطَّته
وسطَ النَّدِيِّ إذا ما ناطقٌ نطقَا١٥٩

أو كما يقول طرَفَة في الفخر:

فإن متُّ فانعيني بما أنا أهلُه
وشُقِّي عليَّ الجَيبَ يا ابنة مَعبدِ
ولا تجعليني كامرئٍ ليس همُّه
كهمِّي ولا يُغني غَنائي ومَشهدي
بطيءٍ على الجُلَّى، سريعٍ إلى الخنى
ذلولٍ بأجماعِ الرجال مُلهَّدِ١٦٠
ومن أمثلة الهجاء الصريح مقابلةُ امرئ القيس بين سعد بن الضباب، الذي يثني عليه، وهانئ بن مسعود، الذي ينتقده:
لَعَمرِي لَقَوْمٌ قد نَرَى أمسِ فيهِمُ
مرابطَ للأمهار والعَكَرِ الدَّثِرْ
أحَبُّ إلَيْنَا من أُنَاسٍ بِقُنَّةٍ
يَرُوحَ عَلى آثَارِ شَائِهِمُ النَّمِرْ
يُفاكِهنا سعدٌ ويغدو لجَمْعنا
بمَثْنى الزِّقَاقِ المُتْرَعَاتِ وبالجُزُرْ
لَعَمرِي لسعدٌ حيث حلَّتْ دِيارُهُ
أحبُّ إلينا منكَ فَا فرَسٍ حَمِرْ١٦١

هذا التضادُّ بين المديح والهجاء يُعتبر ضمن أكثر أشكال الهجاء تأثيرًا. وكثيرًا ما يُستخدم في قصائد المعارك والفتن القبلية، كما في معلقة الحارث:

أيَّمَا خُطَّةٍ أَرَدتُم فأَدَّو
هَا إِلَينَا تُشفَى بِهَا الأَمْلاءُ
… … … … …
… … … … …
هَل عَلِمتُم أَيَّامَ يُنتَهَبُ النَّا
سُ غِوَارًا لِكُلِّ حَيٍّ عُواءُ
إِذ رَفَعنَا الجِمَالَ مِن سَعَفِ البَحـ
ـرَينِ سَيرًا حَتَّى نَهَاهَا الحِسَاءُ
ثُمَّ مِلنَا عَلَى تَمِيمٍ فَأَحرَمـ
ـنَا وفِينَا بَنَاتُ قَومٍ إِمَاءُ
… … … … …
… … … … …
وَثَمَانُونَ مِن تَمِيمٍ بِأَيدِيـ
ـهِمْ رِمَاحٌ صُدُورُهُنَّ القَضَاءُ١٦٢
كثيرًا ما أدَّى شعر القبائل المتنافسة إلى تنافُسٍ بين الناطقين باسم العشائر. وكلما كان الكلام أعظم قُدِّر أكثر، لكنَّ الانفعالات المتوترة أحيانًا أدَّت إلى لغةٍ مسيئة، كما، على سبيل المثال، في نقيضةِ عامر الخصفي على قصيدة الحسين بن الحُمَام.١٦٣ وفي مناظرةِ امرئ القيس وعَبِيد، رغم شدَّة العَداء، لم تهبط اللغة إلى الإساءة.١٦٤
حين ردَّ الشاعران كلٌّ منهما على الآخر بحزمٍ واندفاع، عادةً بالوزن والقافية نفسها، مثل هذه القصيدة تسمَّى «نقيضة». زادت شعبيةُ فنِّ النقائض في العصر الإسلامي، رغم أنه اشتُهر قبل الإسلام بفترةٍ طويلة. لم تكُن اللغة الفظَّة لجرير والفرزدق مجهولةً للشعراء قبل الإسلام. وحتى زهير الذي اشتُهر بتحفُّظه ونقاء معجمه استخدمها حين لم يبالِ الحارثُ بن ورقة بتهديده بأنه سوف يهجوه إذا لم يردَّ له عبده ياسر.١٦٥ تجنَّب زهير استخدام المفردات الشائعة المُبتذَلة، واستبدل بها كلماتٍ نادرةَ الاستخدام:
ولولا عَسْبُه لردَدْتُمُوه
وشرُّ مَنيحةٍ عسْبٌ مُعارُ
إذا جَمَحتْ نساؤكُمُ إليهِ
أشظَّ كأنَّه مسَدٌ مُغَارُ١٦٦

استُخدِمتْ لغةٌ بذيئة لتدمير سمعة المهجوِّ بالتأكيد على الخصائص البهيمية الأساسية بالإشارة إلى أعضاء وظائفه الطبيعية من الإخراج والتبول، ويُفترَض أنه رجع إلى طبيعته الأدنى بانتهاك المدونة الخلقية المقبولة.

وأحيانًا تأخُذ حربٌ من الكلمات في شعر الهجاء طبيعةً وديَّة، كما في نقائض أبي المُثَلَّم الهُذَلي وصخْرِ الغيِّ الهُذَلي.١٦٧ وحين مات الأخير نظَمَ أبو المثلَّم مرثيةً مؤثرة يبكي فيها موتَ رفيق السِّجال، ويستهلها ﺑ:
لو كان للدَّهر مالٌ عند مُتْلِدِه
لكان للدَّهر صخْرٌ مالَ قُنْيانِ١٦٨
وأحيانًا يدخل عنصرٌ كوميدي الهجاءَ؛ لتسلية المستمع على حساب المهجوِّ. استخدم قيسُ بنُ عَيْزَارةَ الهُذَلي في الهجاء بينه وبين تأبَّطَ شرًّا، أسلوبًا ساخرًا،١٦٩ على طراز المرثية الشهيرة لأبي يَغُوثَ الحارثيِّ عن نفسه، قائلًا إنَّ امرأةً من القبيلة المعادية سخرتْ منه حين رأته أسيرًا. وكان بنو فَهْمٍ، عشيرة تأبَّطَ شرًّا، قد أسروا قيسًا. ويخطب قائلًا إنَّ بني فهْمٍ أجمعوا، كما قال كلٌّ منهم للآخر، على قتله مباشرةً دون تأخير. وهكذا حاول أن يشتري حياته بفِديةٍ كبيرة من الإبل والأغنام. لعب تأبَّطَ شرًّا، يلقبه الشاعر بشعل، وزوجته أم جندب، دورًا بارزًا في المساومة:
وقالوا لنا البَلهاءُ أولَ سُؤلةٍ
وأعراسُها واللهُ عنِّي يدافِعُ
وقد أمَرَتْ بي ربَّتي أمُّ جُنْدَبٍ
لأُقتَلَ لا يَسمَعْ بذلك سامِعُ
تقول اقتلوا قيسًا وحُزُّوا لسانَه
بحَسْبِهمُ أن يَقْطَع الرأسَ قاطِعُ
ويأمُر بي شَعْلٌ لأُقتَلَ مُقْتلًا
فقلْتُ لشَعلٍ بئسَ ما أنت شافِعُ
ويصدقُ شَعْلٌ من فِدائي بكرَّةٍ
كأنَّك تُعطي من قلاصِ ابنِ جامِعِ

استمرَّ أسلوب الدعابة البدوية الساخرة طوال العصر الأموي. استخدم جُبَيْهاء، شاعر بدوي أموي من الحجاز، أسلوبًا مماثلًا في هجاء شاعر من تيم زعم أنه اقترض منه عنزةً حلوبًا ولم يُعِدْها. وصَفَ جبيهاءُ ساخرًا عنزته وكأنَّه يصِفُ ناقةً حلوبًا أصيلة:

لجاءتْ أمامَ الحالبَينِ وضرعها
أمام صِفَاقَيها مُبِدٌّ مُكاوِحُ١٧٠

والبيت الأول من قصيدةِ جبيهاء:

أمَولَى بني تَيْمٍ ألسْتَ مؤدِّيًا
مَنِيحَتَنا فيما تُؤَدَّى المَنائحُ

ردَّ التيمي، مغيظًا من مغالاة جبيهاء، على الوزن والقافية نفسها:

بلى سأُؤَدِّيها إليكَ ذَمِيمةً
فتنكحها إنْ أعوزتْكَ المَناكِحُ١٧١
كان الأعشى، وكان يُسعَى إليه من أجل مدائحه المحترفة، بالمِثل مرهوبًا لقدرته الهائلة هجَّاءً. ومن القصائد الثلاث التي أُضيفت للمعلقات السبعِ لاميَّتُه. وتشمل تيماتها البارزة هجومًا على يزيد الشيباني:
أبلِغْ يزيدَ بني شَيبانَ مألُكَةً
أبا ثُبَيتٍ أمَا تنفكُّ تَأتكِلُ
ألسْتَ مُنتَهيًا عن نحْتِ أثْلَتِنَا
ولسْتَ ضائرَها ما أطَّتِ الإبِلُ
كنَاطِحٍ صخرةً يومًا ليُوهِنَهَا
فلم يَضِرْهَا وأَوهَى قَرنَه الوَعِلُ١٧٢
صار الحُطَيئة العبسيُّ، شاعر وراوية زُهير وزميلٌ للأعشى في دعمِ قضية عامرِ بن الطُّفيل ضدَّ علقمةَ بنِ عُلاثة، أفظعَ هجَّاء في بداياتِ الخلافة، وخاصة في خلافة عمر. وله ندينُ بظهور القصيدة كما طوَّرها بعد ذلك جرير ومعاصِرُوه الأمويون.
هناك شكلٌ من الاعتراض والتبرير يُعرف بالعتاب، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بفنِّ الهجاء. ويُستوحى من الغضب نتيجةَ الإحساس بالظلم أو الإهانة من قريب أو صديق أو راعٍ. ويهدف إلى تصحيحِ الخطأ، لا قطْعِ الروابط بين الشاعر وموضوع عتابه، لكنَّه يقترب أحيانًا من حافة الهجاء، إذا كان الشاعر لا يمكن أن يصلح بطريقةٍ أخرى. ومن أمثلة العتاب اعتراضُ طرَفَة على ابنِ عمِّه مالك، في المعلقة، الأبيات ٦٨، ٧٠، ٧٨:
… … … … … …
متى أدنُ منهُ ينأَ عنِّي ويَبعُدِ

•••

وأيْأسَنِي من كلِّ خيرٍ طلبتُهُ
كأنَّا وضعناهُ على رمْسِ مُلحَدِ

•••

وظُلمُ ذوي القُربَى أشدُّ مضاضةً
على المرءِ من وقْعِ الحُسامِ المُهنَّدِ

اللَّحد المشار إليه حفرةٌ مستطيلة في جانب القبر تُحفر في القاع وتُوضع فيها الجثَّة.

(١٢) الفخر

يوجد الفخر في كلِّ المعلَّقات باستثناءِ معلقة زُهير، التي تهتمُّ أكثر بالحكمة، وفيها يُعلن الشاعر سأَمَه من أعباءِ الحياة الطويلة. وقد يكون الفخر شخصيًّا أو قبليًّا. وقد يتكوَّن الفخر الشخصيُّ من الذكريات والتأمُّلات، كما في شعر امرئ القيس. تُحدِّثنا معلقته عن فروسيته ومآثره في الصيد، وأيضًا عن خبرته بالحياة القاسية الصعبة للمنبوذين من القبائل، الذين عاش بينهم فترة: كمْ من قِرَبٍ حملتُ على كتفي … من وادٍ قفْرٍ عبرتُ، حيث عوى ذئب … وحين عوى رددتُ عليه: «إن شَأْنَنَا قَلِيلُ الغِنَى …»١٧٣

وفي لاميته يقول:

فلو أنَّ ما أسعى لأدنى معيشةٍ
كفاني، ولم أطلُبْ، قليلٌ من المالِ
ولكنَّما أسعى لمجدٍ مُوثَّلِ
وقد يُدركُ المجدَ المُوثَّلَ أمثالي
وما المرءُ ما دامتْ حُشَاشةُ نفسِهِ
بمُدرِكِ أطرافِ الخُطوبِ ولا آلي١٧٤

وفي الرائية يناجي صديقه، بائسًا من طول الرحلة إلى بيزنطة:

بكى صاحبي لمَّا رأى الدربَ دُونَهُ
وأيقن أنَّا لاحِقانِ بقَيصَرَا
فقلْتُ له لا تبْكِ عينُكَ إنما
نحاولُ مُلكًا أو نموتَ فنُعذَرا١٧٥

ويقول في نونيته:

فإمَّا تَرَينِي في رِحَالةِ جابرٍ
على حرجٍ كالقَرِّ تخفِقُ أكفاني
فيا رُبَّ مكروبٍ كرَرْتُ وراءَهُ
وعانٍ فككْتُ الغُلَّ عنه ففدَّانِي١٧٦

استنفد امرؤ القيس تقريبًا كلَّ تيمات الفخر في تأمُّلاته في السيرة الذاتية والذكريات.

وقد يوجد الفخر الشخصي تعبيرًا عن الفردية المتمردة، كما في معلقة طرَفَة:
وما زال تَشْرابي الخُمورَ ولذَّتي
وبيعي وإنفاقي طَريفي ومُتلَدي
إلى أن تحامتْني العشيرةُ كلُّها
وأفرِدْتُ إفرادَ البعيرِ المعبَّدِ
… … … … …
… … … … …
أنا الرجلُ الضَّربُ الذي تعرفونهُ
خَشاشٌ كرأسِ الحيَّةِ المتوقِّدِ
(A. J. Arberry)١٧٧

وفي لامية الشَّنْفَرى:

أقيموا بَني أمِّي صدورَ مطيِّكُم
فإني إلى قومٍ سِواكُم لأَمْيَلُ
… … … … …
… … … … …
ولي دُونكم أهلونَ، سِيدٌ عملَّسٌ
وأَرقَطُ زُهلُولٌ وعَرفاءُ جَيئَلُ
هُمُ الرَّهطُ، لا مُستودَعَ السرِّ ذائعٌ
لدَيهِمْ ولا الجاني بما جرَّ يُخذَلُ
وكلٌّ أبيٌّ باسلٌ غيرَ أنني
إذا عرضتْ أُولَى الطَّرائدِ أبسَلُ
إذا مُدتِ الأيدي إلى الزادِ لم أكُن
بأعجَلِهم إذْ أجشَعُ القوم أعجَلُ١٧٨
وقد يُستوحى الفخر الشخصي من الاعتراض، كما في معلقة عنترة:
فإذا شربْتُ فإنني مستهلِكٌ
مالي، وعِرضي وافرٌ لم يُكلَمِ
وإذا صحوتُ فما أقصِّرُ عن ندًى
وكما علمْتِ شمائلي وتكرُّمي
… … … … …
… … … … …
لمَّا رأيتُ القومَ أقبَلَ جمْعُهُم
يتذامَرُون كرَرْتُ غيرَ مُذمَّمِ
… … … … …
… … … … …
ولقد حفِظْتُ وصاةَ عمِّي بالضُّحى
إذ تقلِصُ الشَّفتانِ عن وضَحِ الفمِ
في حَومةِ الموتِ التي لا تَشتكي
غمراتِها الأبطالُ غيرَ تَغَمغُمِ
إذ يتَّقون بيَ الأسنَّةَ لم أَخِمْ
عنها ولو أنِّي تضايَقَ مُقْدَمِي
… … … … …
… … … … …
ولقد شَفَى نفسي وأبرَأَ سُقْمَها
قِيلُ الفوارِسِ: وَيكَ عنترَ أَقدِمِ١٧٩

اعترافُ سادة قبيلة عنترة به، كانت اللحظةَ الفارقة في حياته وتشكِّل التيمة الرئيسية لفخره، موحِّدةً العناصرَ الشخصية والقبلية؛ لأنه اعتُرِف، نتيجةَ إنكار الذات في معركةٍ في سبيل القبيلة، بأنَّه جديرٌ بأن يُوضع ضمنَ محاربيها البارزين.

ويمثَّل النمط المعياري للفخر الشخصي في أفضل أشكاله، في معلقة لبيد؛ حيث يؤسِّس إحساس الشاعر بالانتماء لعشيرةٍ نبيلة شعورَه العميقَ بالرضا عن الذات، ويُلهمه الفخر:١٨٠
إنَّا إذا التقَتِ المجَامِعُ لم يَزَلْ
منَّا لِزَازُ عظيمةٍ جَشَّامُها
ومُقسِّمٌ يعطي العشيرةَ حقَّها
ومُغَذمِرٌ لِحُقُوقِها هَضَّامُها
من مَعشَرٍ سنَّتْ لهم آباؤهُم
ولكلِّ قومٍ سُنَّةٌ وإمَامُها
فاقنعْ بما قسَمَ المَليكُ فإنما
قسَمَ الخلائقَ بيننا علَّامُها
(A. J. Arberry, adapted)١٨١
وحيث إنَّ تفوُّقَ عشيرته — في جوهره — هبةٌ من الله، وإن كانت أعمال العشيرة تبرِّره. وهكذا أيضًا تفوُّقه، هبةٌ من الله. إنَّه مُنتشٍ؛ لأنَّ أعماله تَعرِض تفوُّقه، حيث تتَّفق مع المدونة الخُلُقية القبلية. ألَا يتحمَّل مشقَّاتِ السَّفر ويقوم بواجباته مقاتِلًا، من قبيلِ المراقبة من مكانٍ خطير ليحذِّر رجالَ القبيلة من المُغيرين؟ إنَّه يشارك في المقامرة المعروفة بالمَيسِر الذي يُنظَّم لإطعام الفقراء، وضيافة رِفاقه المُنعِمين. يحدِّثنا لبيد عن فروسيته ودفاعه عن العشيرة:
ولقد حَميتُ الحيَّ تحمِلُ شِكَّتي
فُرُطٌ وِشاحِي إذ غَدوتُ لجَامُها
… … … … …
… … … … …
وكثيرةٍ غُرَباؤها مَجهُولةٍ
تُرجَى نوافِلُها ويُخشَى ذَامُها
… … … … …
… … … … …
أنكرْتُ باطلَها وبُؤْتُ بحقِّها
عندي ولم يَفخَر عليَّ كِرامُها١٨٢
وقد حرَّم الإسلامُ بعضَ الفضائل والممارسات التي يقدِّرها لبيدٌ وفقًا للمدونة القبليَّة أيامَ الوثنية؛ عادات من قبيل الانخراط في شرب الخمر ولعب الميسر. واعتبر هذا اللهو مجرَّدَ غُرورٍ وتفاخُر. ينتقد القرآن الرَّجُل الذي يغترُّ بنفسه حين يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ.١٨٣
يمكن رؤيةُ نمطِ الفخر في معلقة لبيد في عينيَّة الحادرة،١٨٤ وميمية ربيعة بن مقروم،١٨٥ ورائية ثعلبة بن صعير،١٨٦ وغيرها كثير، حيث يتشابك الفخر القَبَلي بالفخر الشخصي.
ونَقِي بآمِنِ مَالِنَا أحسابَنا
ونُجِرُّ في الهَيْجا الرماحَ ونَدَّعِي١٨٧

وكثيرًا ما يكون الفخرُ القَبَلي الغرضَ الوحيد للقصيدة، دون أن يمتزج به أيُّ فخرٍ شخصي. وأفضل الأمثلة في معلقتَي الحارث وعمرو بن كلثوم. يتماهى عمرٌو تمامًا مع بَني تَغلِب، ويصبح صوتُه الصوتَ المُضَخم لشخصيتهم الجمعيَّة، مُغنيًا، مثل الكورس، ثناءً على بسالتهم وبأسهم:

وكنَّا الأيمنين إذا الْتَقَينَا
وكان الأيسرين بنو أَبينَا
فصالوا صَولةً فيمَنْ يَلِيهِم
وصُلنا صولةً فيمَن يَلِينَا
فآبُوا بالنِّهابِ وبالسَّبايَا
وأُبْنَا بالملوكِ مُصفَّدينَا
… … … … …
… … … … …
على آثَارِنا بِيضٌ حِسانٌ
نحاذرُ أنْ تُقسَّمَ أو تَهُونَا
… … … … …
… … … … …
يَقُتنَ جِيادَنا ويقُلْنَ لستُم
بُعُولتَنَا إذا لم تَمنَعُونا
إذا لم نَحمِهِنَّ فلا بَقينَا
لشيءٍ بَعدَهنَّ ولا حَيِينَا١٨٨

وعلى عكس عمرو بن كلثوم، لم يكُن الحارث تجسيدًا لقبيلته، بل ناطقًا باسمها؛ طرَحَ قضيتها مفنِّدًا حُججَ أعدائها بثبات. يقول بنبرةٍ ساخرة لبني تَغلِب:

وأتانا من الحوادث والأنْـ
ـبَاءِ خطبٌ نُعنَى بهِ ونُساءُ
إنَّ إخواننا الأراقِمَ يغْلُو
نَ علينا في قِيلِهِمْ إحْفَاءُ
يَخلِطُون البريءَ منَّا بذي الذنْـ
ـبِ ولا يَنفعُ الخَليَّ الخَلَاءُ
… … … … …
… … … … …
واذكروا حِلفَ ذِي المجازِ وما قُدِّ
مَ فيهِ العُهودُ والكُفَلاءُ
… … … … …
… … … … …
إنْ نَبشْتُمْ ما بين مِلحَةَ فالصَّا
قِبِ فيهِ الأمواتُ والأحياءُ
… … … … …
… … … … …
أو سَكَتُّم عنَّا فكنَّا كمَنْ أغْـ
ـمَضَ عينًا في جَفْنِها الأقْذَاءُ١٨٩

ثم تحوَّلَ الحارثُ إلى المعارك التي فاز فيها أهلُهُ ضدَّ بَنِي تَغلِب وقبائل أخرى.

وطبقًا للرواة، كان أبرصَ أو مصابًا بمرضٍ جِلدي مشوِّه، وحين وقَفَ ليتكلَّم نيابةً عن قبيلته أمام ملك الحيرة، وُضِعتْ بينهما سبعُ ستائر، لحماية الملك من العَدْوَى. توكَّأ الحارثُ على قوسه مُفعمًا بالغضب والتحدي، وارتجَلَ معلقته الشهيرة، فتغلَّبَ الإعجابُ على الملك وترَكَ عرشه، وجلَسَ على الأرض واقترب أكثر من الشاعر. وتدريجيًّا أمر برفع الستائر حتى لم يعُدْ بينهما شيء. وهو يتكلَّم اخترَقَ نصْلُ رمحِ الحارث كفَّه بدونِ أن يُدرك. وتأثَّر الملك حتى جاء حُكمه لصالح الحارثِ وقبيلته. وكان انتصارهم في هذه المناسبة هائلًا.

(١٣) الرثاء

يمكن أن يدَّعي كلٌّ من الرجال والنساء تمثيلَ الرثاء. «ينبغي أن تبكي المرأة»؛ تندُبُ المَوتَى من ذويها كما هي الحال في كلِّ البلاد، وكانت تعبِّر عن أساها في الجزيرة العربية قبل الإسلام بالغناء والرقص. وقد تضرب نفسها بشكلٍ إيقاعي بهراواتٍ جِلدية، كما يُذكر في الكثير من قصائد الهُذَليِّين. أحيانًا تمزِّق عنقَ عباءتها، وأحيانًا تواجِهُه أخريات ويضربن أنفُسهنَّ بأيديهنَّ بشكلٍ إيقاعي، كما يذكُر كعبُ بن زُهير في لاميته «بانتْ سُعادُ». واشتهرتْ بعضُ المتفجِّعات بمراثيهنَّ، مثل أم سُليك بن السُّلكة، التي ندبتْه:
أمريضٌ لم تُعَدْ
أمْ عَدوٌّ خَتَلكْ
أم تولَّى بك ما
غالَ في الدَّهرِ السُّلَكْ
والمنايا رصَدٌ
للفتى حيث سَلَكْ١٩٠

قتَلَ نَمِرانِ عَمرًا ذا الكَلْب الهُذَليَّ في غارةٍ وهو نائم. وادَّعى بنو فَهمٍ قتلَه انتقامًا، ودعموا زعمهم بحقيقةِ أنَّهم عثروا على جَعْبة سِهامه. رَثَتْه أخته جنوبُ:

كلُّ امرئ بطَوَالِ العيشِ مَكذوبُ
وكلَّ مَن غالَبَ الأيامَ مَغلوبُ
وكلُّ مَن حجَّ بيتَ الله من رَجلٍ
مُودٍ فمُدركُه الشُّبانُ والشِّيبُ
وكلُّ حيٍّ وإنْ طالت سلامتُهُ
يومًا طريقُهُمُ في الشرِّ دُعبُوبُ
بَينَا الفتى ناعمٌ راضٍ بعِيشتِهِ
سِيقَ لهُ من نَوادِي الشرِّ شُؤبُوبُ
… … … … …
… … … … …
أبلغْ هُذيلًا وأبلغ مَن يبلِّغُها
عنِّي حديثًا وبعضُ القولِ تكذيبُ
بأنَّ ذا الكلبِ عَمرًا خيرُهمْ حَسَبًا
ببطنِ شَرْيانَ يَعوي عندَه الذِّيبُ
الطاعنُ الطعنةَ النجلاءَ يُتبِعُها
مُثْعَنْجِرٌ من دماءِ الجوفِ أُثعُوبُ
تمشي النُّسورُ إليه وهْيَ لاهيةٌ
مشيَ العَذارَى عليهنَّ الجَلابِيبُ
المُخرِجُ الكاعِبَ الحسناءَ مُذعِنةً
في السَّبي ينفَحُ من أَرْدَانِها الطِّيبُ
فلن تَرَوا مثل عمرٍو ما خطَتْ قدَمٌ
وما استحَنَّتْ إلى أوطانِها النِّيبُ١٩١

وكان على جنوبَ أنْ تصدِّق في النهاية قصةَ موتِ أخيها، لم يُقتل في معركة، بل الْتَهَمه حيوانٌ مفترس.

سألتُ بعمرٍو أخي صَحبَهُ
فأفظعني حينَ ردُّوا السُّؤالا
فقالوا أُتيحَ له نائمًا
أعزُّ السِّباع عليه أحالا
أُتيحَ له نَمِرَا أجْبُلٍ
فنالا لعَمرُك منه مَنالا
أُتيحا لوقتِ حمامِ المَنونِ
فنالا لعَمرُكَ منه ونالا
فأقسمْتُ يا عمرُو لو نبَّهاكَ
إذن نبَّها منك أمرًا عُضالا
إذن نبَّها ليثَ عِرِّيسَةٍ
مفيدًا مُفِيتًا نُفُوسًا ومَالا
هِزَبْرًا فَرُوسًا لأعدائه
هصورًا إذا لقِيَ القِرْنَ صَالا
هُمَا معْ تصرُّفِ ريبِ المَنُونِ
من الأرضِ رُكنًا ثَبيتًا أَمَالا
… … … … …
… … … … …
وقالوا قتلناه في غَارةٍ
بآيَةِ ما أنْ وَرِثنا النِّبالا
فهلَّا إذن قبلَ ريبِ المَنُون
فقَدْ كان رَجْلًا وكنتُمْ رِجالا
وقد علمتْ فهمُ عندَ اللقاءِ
بأنَّهمُ لكَ كانوا نِفالا
كأنَّهمُ لم يُحِسُّوا بِهِ
فيُخْلُوا النساءَ له والحِجالا
[ولم ينزلوا بمحولِ السِّنين
به فيكونوا عليه عِيالا]
وقد علم الضيفُ والمُجْتَدون
إذا اغبرَّ أُفْقٌ وهبَّتْ شَمالا
وخلَّتْ عنَ اولادِها المُرضعاتُ
ولمْ ترَ عينٌ لمُزنٍ بِلالا
بأنَّك كنتَ الربيعَ المُغيثَ
لمَن يعتريك وكنتَ الثِّمالا
[وخرقٍ تجاوزتَ مجهولَهُ
بوَجناءَ حرْفٍ تشَكَّى الكَلالا]
فكنتَ النهارَ به شمسَهُ
وكنتَ دُجى الليلِ فيهِ هِلالا١٩٢
صَارَت الخَنساء،١٩٣ بنت عمرو بن الشريد السلمي، شاعرةً مشهورة قبل الإسلام مباشرة. واعتنقَت الإسلامَ بعد ذلك، وذهبت إلى المدينة مع جماعةٍ من أهلها لمقابلة النبيِّ لتقديم تعهُّدهم له. وأُعجب النبيُّ بشِعرها وطلَبَ منها أن تُعيدَ عدَّة أبياتٍ مرةً ومرة. ولاحظت عائشة، زوجة النبي، أن الخنساء لا تزال ترتدي ثيابَ الحِداد على نمط الجاهلية رغمَ اعتناقها الإسلام، وسألتها عن ذلك. فقالت لعائشة إنها أقسمتْ بألَّا تغيِّر ملابسَ الحداد وفاءً لذِكرى أخوَيْها، معاوية وصخر. قُتِل معاوية، الأخ الشقيق للخنساء، على يدِ بني مرَّة وهو في غارةٍ قبلية ضدهم. ونظَمَت مراثيَ رائعةً عنه:
فبعدَ ابنِ عمرٍو منَ آلِ الشَّرِيدِ
… … … …
فآليتُ آسَى على هالكٍ
وأسألُ باكيةً ما لها١٩٤

لكنْ كان مقدَّرًا للخنساء أن تبكي ابنًا آخر لعمرو بن الشريد، أخاها غير الشقيق، صخر، الذي خلَفَ معاويةَ زعيمًا للعشيرة ومات بعد ذلك متأثِّرًا بجُرحٍ أصابه في غارةٍ قبليَّة. واشتهرَت الخنساء بمراثيها لصخر بوصفها أعظمَ شاعرةٍ قبل الإسلام. كان صخر عطوفًا على الخنساء، وكان زوجها مقامرًا ومبذِّرًا، وكلما ذهبت إليه طلبًا للمساعدة يقسِّم ما لديه من قطعان الأغنام والإبل نصفَين ويعطيها النصفَ الأفضل. وبَّختْه زوجته ذات يوم على تبذيره قائلةً إنَّ بعض الأغنام أو الماعز معونةٌ كافية بالنسبة لها، فقال لها صخر في بحر الرجز:

واللهِ لا أمنَحُها شِرَارَها
ولو هَلَكتُ مزَّقَتْ خِمَارَها
وجعَلَتْ من شَعَرٍ صِدَارَها

قالت الخنساء في إحدى مراثيها لصخر:

لا تَسمَنُ الدهرَ في أرضٍ وإن رتعتْ
فإنما هي تحنانٌ وتسجارُ
ترتعُ ما رتعتْ حتى إذا ادَّكرتْ
فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ
… … … … …
… … … … …
يومًا بأوجدَ منِّي يومَ فارَقَني
صخرٌ وللدهرِ إحلالٌ وإمرارُ
يا صخرُ ورَّادَ ماءٍ قد تناذَرَهُ
أهلُ المواردِ ما في وِردِه عَارُ
مَشَى السَّبَنْتَى إلى هيجاءَ مُضلِعَةٍ
لها سلاحانِ: أنيابٌ وأظفارُ
حمَّالُ ألويةٍ، هبَّاطُ أوديةٍ
شهَّادُ أنديةٍ للجيشِ جرَّارُ
وإنَّ صخرًا لَوَالِينا وسيِّدُنا
وإنَّ صخرًا إذا نشتُو لنحَّارُ
وإنَّ صخرًا لتأتمُّ الهداة به
كأنَّه علَمٌ في رأسِهِ نَارُ١٩٥
لم يقلِّد الخنساءَ فقط في الفترات التالية شواعرُ مثل ليلى الأخيلية وليلى بنت طَرِيف، لكن بعض ناظمي المراثي أيضًا من الرجال اتبعوا أسلوبها في التعبير الطَّلق عن أساها إلى جانب الثناء على الميت. وكان منهم صخرُ الغي، يرثي ابنه تليد،١٩٦ ورثاه بدوره أبو المثلَّم:
آبي الهضيمةِ نابٍ بالعظيمةِ مِتْـ
ـلافُ الكريمةِ لا سِقطٌ ولا وَانِي
حامِي الحقيقةِ نسَّالُ الوديقةِ مِعْـ
ـتاقُ الوسيقةِ جَلْدٌ غيرُ ثُنْيانِ١٩٧
لكنَّ معظمَ القصائد التي نظَمَها رجالٌ؛ تشبه قصيدة المديح في النمط العام. بعض قصائد الرثاء — رغم ندرة ذلك — تُستهلُّ حتى بالنسيب، كما في مرثية دُريد بن الصِّمَّة لأخيه١٩٨ وبعضِ شِعر الهُذليين.١٩٩ وفيها تعتبر تِيمة أسى الانفصال عن الحبيبة كارثةً أقلَّ شأنًا، تسبق التيمة الأكثر قسوة للانفصال بالموت عن الأقارب أو الأصدقاء أو الرُّعاة. في بعض قصائدِ الرثاء تحلُّ مكانَ حبيبة النسيب إحدى أقاربِ الشاعر معنيَّة بفجيعته.
تنسجم المراثي التي نظمها الشعراء الرجال مع شعر المديح التقليدي بالتأكيد، على أن الفقيد الْتزم بالمدونةِ الخُلُقية للمجتمع العربي ويستحقُّ الرثاء. إنهم يميلون إلى أن يكونوا أقلَّ اهتمامًا بالتعبير الطلق المباشر عن الأسى. تعتبر عينية أوسِ بن حجر في رثاء راعيه العطوف فَضَالة من أفضلِ المراثي قبل الإسلام:
أيتها النفسُ أَجمِلي جَزَعَا
إنَّ الذي تَحذَرين قد وَقَعَا
إنَّ الذي جمَعَ السماحةَ والنَّـ
ـجدةَ والحزمَ والقُوى جمعَا
الألمعيُّ الذي يظنُّ بكَ الظَّـ
ـنَّ كأنْ قد رأى وقد سَمِعَا
… … … … …
… … … … …
ليبكِكَ الشُّربُ والمدامةُ والـ
ـفتيانُ طرًّا وطامعٌ طَمعَا
وذاتُ هدْمٍ عَارٍ نَوَاشِرها
تُصمِتُ بالماءِ تَولَبًا جَدعَا٢٠٠

تتمتع عينية متمِّم بن نُويرة بروحِ الجاهلية وقِيَمها:

وإنْ تلقَهُ في الشَّرب لا تَلقَ فاحشًا
على الكأسِ ذا قَاذُورةٍ مُتَزَبِّعَا
… … … … …
… … … … …
وإنْ شهِدَ الأيسارُ لم يُلفَ مالكٌ
على الفَرثِ يحمِي اللَّحمَ أنْ يتمزَّعَا
قُتل أخو الشاعر، مالك، في حروب الرِّدة.٢٠١ وكثيرًا ما يزخر شعر الرثاء بالتأمُّل في الحياة والموت ممَّا يؤدِّي إلى النطق بكلماتِ الحكمة (القول المأثور)،٢٠٢ كما على سبيل المثال في عينيَّة أبي ذؤيب:
وإذا المنيةُ أنشبتْ أظفَارَهَا
ألفيتَ كلَّ تميمةٍ لا تَنفعُ
… … … … …
… … … … …
والنفسُ راغبةٌ إذا رغَّبْتَها
وإذا تُردُّ إلى قليلٍ تَقنعُ٢٠٣

ويقول لبيدٌ في بيتٍ من مراثيه:

ألا كلُّ شيءٍ ما خَلَا اللهَ باطلُ
وكلُّ نعيمٍ لا مَحالةَ زائلُ٢٠٤

وفي موضعٍ آخَر:

وما المالُ والأهلُونَ إلا وديعةٌ
ولا بدَّ يومًا أن تُرَدَّ الودائعُ٢٠٥
وكثيرًا ما عالج الشعراء الهُذَليُّون عُرضةَ كلِّ شيءٍ حي للموت، بما فيها الكائنات التي تبدو خالدةً كالحمار الوحشي والماعز الجبلي والنسر.٢٠٦ يستهلُّ لبيدٌ مرثيته لأخيه أرْبَدَ على النحو التالي:
بُلينا وما تَبلَى النجومُ الطوالِعُ
وتبقى الجبالُ بَعدَنا والمصانعُ٢٠٧
وقد ينظم الشاعر رثاءً مشفِقًا على نفسه تحسُّبًا للموت. وكثيرًا ما تُستخدَم هذه القصائد أدواتٍ للحكمة، سواء بالمعنى التقليدي الضيِّق أو بمعنًى تأمُّليٍّ أكثر عمقًا وصِدقًا. بُكائية عَبْد يَغُوثَ، التي يزعم فيها أنَّه الْتزم بالمدوَّنة الخُلُقيَّة، مثالٌ للنوع الأول.٢٠٨ ويمكن رؤية أمثلةِ النوع الأخير في قصائد امرئ القيس، متأمِّلًا أيامَه الأخيرة التعيسة، حين هُزِم وافتقر ومرضَ وصار بلا أصدقاء تقريبًا:
فلو أنَّها نفسٌ تموت جميعةً
ولكنَّها نفسٌ تَساقَطُ أنْفُسَا٢٠٩

وأيضًا:

أبعدَ الحارثِ الملكِ بنِ عمرٍو
له مُلك العراق إلى عُمَانِ
مُجاوَرةً بَنِي شَمَجَى بنِ جَرْمٍ
هوانًا ما أُتيحَ من الهَوَانِ
ويَمنحُها بَنُو شَمَجَى بنِ جَرْمٍ
مَعِيزَهُمُ حَنَانَكَ ذا الحَنَانِ٢١٠

وفي إحدى أقصرِ قِطَعه يقول:

أبعدَ الحارثِ الملكِ بنِ عمرٍو
وبعدَ الخيرِ حُجْرٍ ذي القِبابِ
أُرجِّي من صروفِ الدهرِ لِينًا
ولم تَغفَل عن الصُّمِّ الهِضابِ٢١١

وكان الممزِّقُ العبدي، ابن أخت المثقِّب، من أوائل الشعراء الذين استهجنوا الدنيويَّ، ويخوضون في التفكير في الموت:

هل للفتى من بناتِّ الدهرِ من واقِ
أم هل له من حِمامِ الموتِ من راقِ
قد رجَّلوني وما رُجِّلْتُ من شَعَثٍ
وألبسوني ثيابًا غيرَ أَخلاقِ
ورَفَعُوني وقالوا: أيُّمَا رجُلٍ
وأدرجُونِي كأنِّي طَيُّ مِخراقِ
وأرسلوا فِتيةً من خيرهم حَسَبًا
ليُسنِدُوا في ضريحِ التُّربِ أطباقِي
هوِّنْ عليكَ ولا تَولَعْ بإشفاقِ
فإنَّما مالُنا للوارثِ الباقِي٢١٢
التباكي على الذات، بتركيزٍ خاص على كيفية إعداد الجثَّة للدفن في القبر، صارت بعد ذلك تِيمةً شائعة بين شعراء الزهد والتصوف في العصر الأموي، وتبقي حيةً حتى في الشعر الديني المنظوم باللهجات العربية العامية حتى الآن.
نظَمَ عديُّ بن زيدٍ الحارثيُّ٢١٣ عدَّة قصائدَ أسهب فيها في التفكير في الموت والطبيعة الفانية لمتاع الدنيا، وأشهرها رائيته «أَرَاوحٌ مودَّعٌ أم بُكورُ» التي صارتْ نموذجًا للكثير من الأعمال التالية. كان عديٌّ ينتمي لعشيرةٍ من بَني تميمٍ يسمون العباد؛ لأنهم اعتنقوا المسيحية. وكان مفضَّلًا لدى النعمان الأصغر، ملك الحيرة، لكنه فقَدَ الحظوة عنده بعد ذلك، وسجنه لفترةٍ طويلة وفي النهاية أمر بإعدامه. ويحكي لنا عديٌّ كيف أنَّ النعمان الأكبر، ملك الحيرة، اعتنق المسيحية وهجر كلَّ أبَّهة الدنيا ليصبح ناسكًا:
وتأمَّلْ ربَّ الخَوَرْنَقِ إذْ أشْـ
ـرَفَ يومًا وللهدى تفكيرُ
سرَّهُ مالُه وكثرة ما يَمْـ
ـلكُ والبحرُ معرِضًا والسديرُ
فارعَوَى قلبُهُ وقال وما غِبْـ
ـطَةُ حيٍّ إلى المماتِ يسيرُ
ثم بعدَ الفلاحِ والمُلكِ والإمَّـ
ـةِ وَارَتْهُمْ هناك القُبورُ
ثم أضْحَوا كأنَّهُم ورَقٌ جَـ
ـفَّ فأَلوَتْ بهِ الصَّبَا والدَّبُورُ٢١٤
كثيرًا ما تناولت قصائد الوصايا مقاربةَ الموت ورثاءَ الذات، كما في لامية عبدِ قَيس بن خُفاف الموجَّهةِ إلى ابنه:
أجُبَيلُ إنَّ أباكَ كارِبُ يومِهِ
فإذا دُعيْتَ إلى العظائمِ فاعجَلِ٢١٥

وكما في وصية ذي الإصبع لابنه أسيد:

أَأسيدُ إنْ مالًا ملكْـ
ـتَ فسِرْ بهِ سَيرًا جميلا
آخِ الكِرامَ إن استطعْـ
ـتَ إلى إخائهِمُ سبيلا
واشربْ بكأسِهِمُ وإنْ
شربوا به السُّمَّ الثَّميلا٢١٦
وقد يوجد شعرُ الحكمة غير مرتبط برثاء الذات، متناثرًا في مختلف تيمات القصيدة، كما في معلقة طرَفَة، أو ممتزجًا بالغرض، كما في معلَّقة زهير (وفيها تشكِّل الحكمة الجزءَ النهائيَّ من القصيدة)، أو غرضًا في ذاته كما في البائية المدهِشة لعَبِيد بن الأبرص، التي تعتبر من المعلقات العشر. تبدأ بالنسيب مثل قصيدة المديح، وتنتهي برحلة الجَمَل، تليها تِيمةُ فروسية تُشبَّه فيها سرعةُ فرَسِ الشاعر بسرعةِ النسر وضحيته المحكوم عليها. توجد التيمة الرئيسية للحكمة في المنتصف بشكلٍ يختلف عن النمط المألوف للقصيدة:
أفلِحْ بما شئْتَ فقَدْ يُدرَكُ بالضَّـ
ـعفِ وقَدْ يُخدَعُ الأريبُ
لا يعِظُ الناسُ مَن لا يعِظِ الدَّ
هرُ ولا ينفعُ التَّلبِيبُ
… … … … …
… … … … …
ساعِدْ بأرضٍ إن كنتَ فيها
ولا تقُلْ: إنني غريبُ
… … … … …
… … … … …
مَن يسألِ الناسَ يحرموه
وسائلُ اللهِ لا يَخيبُ
باللهِ يدركُ كلَّ خيرٍ
والقولُ في بعضه تلغِيبُ
واللهُ ليس له شريكٌ
علَّام ما أخفَتِ القلوبُ
… … … … …
… … … … …
والمرءُ ما عاش في تكذيبٍ
طولُ العيشِ له تعذيبُ٢١٧
عمَّر عَبِيد طويلًا. وكان النعمان ملكُ الحيرة يحتفل بيومَين خاصَّين في العام: يوم النعيم وفيه يكافئ أول مَن يقابله في الصباح، ويوم البؤس وفيه يأمر بقتل أول مَن يقابله في الصباح. وكان من سوء حظ عبيد أنه قابله يومَ البؤس. تشابُه بعضِ الرؤى التي تعبِّر عنها هذه القصيدة مع المعتقدات الإسلامية؛ اعتبره بعضُ الكتَّاب المعاصرين دليلًا على الانتحال؛٢١٨ وهو ما لا يؤيِّده كاتبُ هذه السطور.

(١٤) الوصف

يدلُّ الوصف على مجموعةٍ من الشعر الوصفي، تتراوح من تعداد بسيط للخصائص، كما في صورة زهير لذَكَرِ النعام:
كأنَّ الرَّحلَ منها فوقَ صَعْلٍ
من الظِّلمانِ جُؤجُؤهُ هَواءُ
أصَكُّ مُصَلَّمُ الأُذنَينِ أَجْنَى
لهُ بالسِّيِّ تَنُّومٌ وآءُ٢١٩

وتشبيهٍ بسيط كما في قول الأعشى:

… … … … … …
هيفاءَ مثلَ المُهرةِ الضَّامِرِ٢٢٠

إلى استعارةٍ معقَّدة كما في وصفِ زهير:

[صحا القلبُ عن سَلْمى] وأقصَرَ باطِلُه
وعُرِّيَ أفراسُ الصِّبا ورواحِلُه٢٢١

ويشمل الوصفُ المجاز أيضًا؛ كما في وصف لبيد لمنظر الصحراء بعد المطر:

فعَلا فروعُ الأيهُقَانِ وأطْفَلَتْ
بالجَلْهَتَينِ ظِباؤها ونعامُها
والعينُ ساكنةٌ على أطلائها
عُوذًا تأجَّلُ بالفَضاءِ بِهامُها٢٢٢

وأيضًا في وصف العاصفة في الأبيات الأخيرة من معلقة امرئ القيس:

أحارِ ترى بَرقًا أُريكَ وميضَهُ
كلمعِ اليدَينِ في حَبيٍّ مُكلَّلِ
… … … … …
… … … … …
على قَطَنٍ بالشَّيمِ أيمَنُ صَوبِهِ
وأيسَرُهُ على السِّتارِ فيذبُلِ
وأضحى يسُحُّ الماءَ عن كلِّ فيقةٍ
يكبُّ على الأذقانِ دوحَ الكَنَهْبَلِ
… … … … …
… … … … …
كأنَّ ثَبيرًا في عَرانِينِ وبلِهِ
كبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ
كأنَّ ذُرَى رأس المُجَيمرِ غُدوَةً
من السَّيلِ والأغثَاءِ فِلكَةُ مِغزَلِ
… … … … …
… … … … …
كأنَّ مَكاكِيَّ الجِواءِ غُدَيَّةً
صُبِحنَ سُلافًا من رحيقٍ مُفَلفَلِ
(A. J. Arberry)
كان العربُ شغوفين بالوصف، يستعرضون فيه مهارتهم في الشعر وبراعة لغتهم، معبِّرين عن شعورٍ أصيل بالقرب من الطبيعة، كما قد نرى في وصف الحيوانات والنباتات، وجمال مشاهد الغروب، والسطوع البديع للصباحات الصافية، والصخور الهائلة ومنحدرات جبالهم، والعواصف المُمطِرة وسلاسل الوديان:
يمدُّه كلُّ وادٍ مترعٍ لجِبٍ
فيه ركامٌ من اليَنْبُوتِ والخَضَدِ٢٢٣

والقمر والنجوم والبحر العظيم الذي يحيط بشبه الجزيرة العربية تقريبًا:

… … … … … …
تدوم البحارُ فوقَها وتَمُوجُ٢٢٤

والأغنام والإبل والجياد والماشية مع:

تَرَاها كأذْنَابِ الحَسيلِ صَوادِرًا
وقد نهِلَتْ من الدِّماءِ وعَلَّتِ٢٢٥

والحقول والسواقي ترويها، وبساتين النخيل:

سوامِقَ جبَّارٍ أثيثٍ فروعُهُ
وعالَينَ قِنوانًا من البُسرِ أحْمَرا٢٢٦

وبساتين الكروم والمروج تُنعشها الأمطار دون توقف:

جادَتْ عليها كل عينٍ ثرَّةٍ
فتركن كلَّ حديقةٍ كالدرهمِ٢٢٧
تحتوي معلقة امرئ القيس على أكثر من سبعين موضوعًا وصفيًّا. يبدأ الشاعر بوصف بقايا الدار. ثم تكشف ذاكرته تدريجيًّا في البداية صورةً لجَمال أم الحويرث وأم الرباب، يضوع منهما المِسك، وعطورهما تشبه نسمةً لطيفة من الشرق، تحمل رائحةَ القرنفل. ثم تأتي حادثةُ البِركة حين نحَرَ بَعيره للعذارى اللائي يلهينَ عندها، ورحلته في الهودج نفسه مع عُنيزة، وتيمة الحب ووصف الحبيبة التي «تضيء الظلام بالعشاء». ويعيد التفكيرُ في الظَّلام امرأ القيس لحالته التي تتَّسم بالفشل واليأس. يتأمل الثريَّا والنجوم والليل المُظلِم كموجِ البحر. ويستدعي التفكيرُ في الصباح ذكرياتِ شبابه المبكِّر، حين كان يستيقظ قبل الفجر، والطيور لا تزال في أوكارها، وينطلق فوق حصانٍ شجاع نبيل:
مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معًا
كجُلمُودِ صخرٍ حطَّه السيلُ من علِ
… … … … …
… … … … …
له أيْطلَا ظَبيٍ وسَاقَا نعامةٍ
وإرخاءُ سِرحانٍ وتقريبُ تَتْفُلِ

ثم تأتي تيمةُ الصيد وغزالةٌ بعيدة تُشبِه قلادةً من حبَّات العقيق تتزين بها شابَّةٌ أصيلة. تومض ذكريات شباب الشاعر وصباه وسطَ صورِ الحصان المُنطلِق، وطبخِ اللحوم في قدورٍ وعلى أسياخِ الشِّواء؛ وفرس تهزُّ رأسها، جميلةً تُرى:

… … … … …
كلَمعِ اليدينِ في حَبِيٍّ مكلَّلِ

تُنير هذه الذكريات قلبَ الشاعر. يرى ومضَ البرقِ من بعيد. ثم يأتي وصفُ انهمارِ السَّحاب. في صباح اليوم التالي، تغنِّي الطيور مرحًا. وفي المساء، يتلاشى المرح؛ تتناثر جثثُ حيوانات الصحراء هنا وهناك بين تيارات الفيضان المتدفِّقة، وبالمثل تقتلع النباتات البصلية. وحتى بقايا الدار التي تثير ذكريات الشاعر وتجعله يذرف الدموع، لم تعُد هناك. معلقة امرئ القيس سيمفونيةٌ لأنماطِ الوصف.

تخصَّصَ بعضُ الشعراء في مجالات معيَّنة من الوصف، مثل أبي ذؤيب الإيادي وطُفيل الغَنوي، وبرزا في وصفِ الجِياد. وكرَّس أوس بن حجر، وهو أحد الشعراء الكبار، لاميَّتَه الشهيرة كلَّها تقريبًا، «صَحَا قَلبُه»،٢٢٨ لوصفِ الأسلحة؛ وكانت نموذجًا لكثير من الشعراء. ونسخ مُزَرِّد بن ضرار صياغةَ بيتها الأول في البيت الأول من لاميته عن تِيمةٍ مُماثِلة،٢٢٩ واستخدَمَ أخوه الشمَّاخ وصْفَها للقوس نموذجًا بشكلٍ أكثرَ مهارةً في علاج الموضوع نفسه في زائيَّته.٢٣٠

استخدَمَ الشعراء العرب، في شغَفِهم بالوصفِ، الاستطرادَ وسيلةً للانغماس في الوصف. وصفُ الشمَّاخ للقوَّاس مثالٌ لذلك، مع أنَّ غرضه الأساسي رحلةُ الحمار الوحشي. يتجنَّب الحمارُ مكانَ الإرواء في ذي الشريعة من أجلِ القوَّاس الهائل، عامر، الذي لا يُخطئ قَط:

… … … … …
كأنَّ الذي يَرمي من الوحشِ تارِزُ

ويستطرد الشمَّاخُ ليقارن مهارةَ صانعِ السِّهام بمهارةِ صانعِ الأقواس:

تخيَّرها القواسُ من فرعِ ضَالَةٍ
لها شذَبٌ من دُونها وحَواجزُ
نمَتْ في مَكانٍ كنَّها فاستَوَتْ بهِ
فما دُونها من غِيلِها مُتَلاحِزُ
فما زال يَنجُو كلَّ رطبٍ ويابسٍ
ويَنغَلُّ حتى نالها وهو بارِزُ
فأنْحَى عليها ذاتَ حدٍّ غرابُها
عدوٌّ لأوساطِ العِضَاهِ مُشارِزُ
فلمَّا اطمأنَّتْ في يَدَيهِ رأى غنًى
أحاط به وازوَرَّ عمَّن يُحاوِزُ
فمَظَّعَها عامَين ماءَ لِحائها
ويَنْظُرُ منها أيَّها هو غَامِزُ
أقام الثِّقافُ والطريدةُ دَرْءَها
كما قوَّمَت ضِغنَ الشُّموسِ المَهامِزُ
فَوَافَى بها أهلَ المواسِمِ فانبَرَى
لها بيِّعٌ يُغلِي بها السَّومَ رائزُ

عرض المشتري على القوَّاس بضائعَ غاليةً، مثل [الإزار] الشَّرعَبِيِّ والملابس المقلَّمة بالأحمر والأخضر، أو ثماني أُوقياتٍ من الذَّهَب الخالص، وتسعين درهمًا من الفضَّة:

فظَلَّ يُناجي نفسَهُ وأميرَها
أيأتي الذي يُعطَى بها أم يُجاوِزُ
فقالوا له بايعْ أخاكَ ولا يكُن
لك اليومَ عن ربحٍ من البيع لاهِزُ
فلمَّا شَرَاهَا فاضتِ العينُ عَبْرةً
… … … … … …

وأحيانًا قد يمضي الشاعر أبعدَ من ذلك ويستطرد، حتى من استطرادٍ في توضيحِ وصفه، كما في وصف عنترةَ للدَّبابير التي تزنُّ، في جزءٍ من الصورة التي يرسمها للمَرجِ العطر، الروائح الطيِّبة له تُشبِه الفمَ المعطَّر لحبيبته عبلة:

غرِدًا يسِنُّ ذراعَه بذراعِه
فِعلَ المُكِبِّ على الزِّنادِ الأجْذَمِ٢٣١
وكما في وصفه للعبدِ الأسْوَدِ الطويل ذي الأذنِ المصلومة وجلد الغَنَم على كتفه٢٣٢؛ وهو استطراد عن تيمة النعام، وهي ذاتها استطراد عن تيمة الراحلة.

التشبيه «الممتدُّ»، وفيه يتمُّ التركيز على تفاصيله، أكثر ممَّا يتمُّ على المفهوم الذي يقدِّم التشبيه. كثيرًا ما يوجد أداةً للاستطراد الوصفي، على سبيل المثال، في حالة القَطَا، مُسرِعَة للهروبِ من طائرٍ مفترس، ويشبِّه بها زهير حِصانَه السريع:

كأنَّها من قَطَا الأجْبَابِ حلَّاها
وِردٌ وأفْرَدَ عنها أُختَهَا الشَّرَكُ
… … … … …
… … … … …
أهْوَى لها أسْفَعُ الخدَّينِ مُطَّرِقٌ
ريشَ القوادمِ لم يُنصَبْ لها الشَّبَكُ
لا شيءَ أسرعُ منها وهْيَ طيِّبةٌ
نفسًا بما سوف يُنْجِيها وتَتَّرِكُ
دونَ السماءِ وفوقَ الأرضِ قَدْرَهُمَا
عندَ الذُّنابَى فلا فوتٌ ولا درَكُ
عندَ الذُّنابَى لها صوتٌ وأزمَلَةٌ
يكادُ يَخطَفُها طَورًا وتَهتَلِكُ
حتى إذا ما هوَتْ كفُّ الغلامِ لها
طارتْ وفي كفِّهِ من رِيشِهَا بِتَكُ
ثمَّ استمرَّتْ إلى الوادي فألْجَأهَا
… … … … …٢٣٣

ثمَّة حالةٌ أخرى، وهي خواص اللؤلؤ الذي يصِفُ المسيَّبُ بنُ علَسٍ (خالُ الأعشى) لؤلؤه الذي حصَلَ عليه بعد رحلةٍ محفوفة بالمخاطر، يشبه ملكية، حبيبة الشاعر، في جلالها وإشراقها:

صُلبُ الفُؤادِ رَئيسَ أَربَعَةٍ
مُتَخالِفي الأَلوانِ وَالنَّجرِ
فَتَنازَعوا حَتَّى إِذا اجتَمَعوا
أَلقَوا إِلَيهِ مَقالِدَ الأَمرِ
وَغَلَت بِهِم سَجحاءُ جارِيَةٌ
تَهوي بِهِم في لجَّةِ البَحرِ
حَتَّى إِذا ما ساءَ ظَنُّهُمُ
وَمَضى بِهِم شَهرٌ إِلى شَهرِ
أَلقى مَراسِيَهُ بِتَهلُكَةٍ
ثَبَتَت مَراسيها فَما تَجري
فَانصَبَّ أَسقَفُ رَأسُهُ لَبِدٌ
نُزِعَت رَباعيتاهُ لِلصَبرِ
أَشْفَى يَمُجُّ الزَّيتَ مُلتَمِسٌ
ظَمآنُ مُلتَهِبٌ مِنَ الفَقرِ
قَتَلَت أَباهُ فَقالَ أَتبَعُهُ
أَو أَستَفيدُ رَغيبَةَ الدَّهرِ
نَصَفَ النَّهارُ، الماءُ غامِرُهُ
وَرَفيقُهُ بالغَيبِ لا يَدري
فَأَصابَ مُنيَتَهُ فَجاءَ بِها
صَدَفِيَّةً كَمُضيئَةِ الجَمرِ
يُعطى بها ثمَنًا ويَمنعُها
ويقول صاحبُها: ألَا تشري؟٢٣٤

بالنسبة لأبي ذؤيب؛ حديث حبيبته يشبِه طعمَ العسل:

وما ضرَبٌ بيضاءُ يأوي مليكُها٢٣٥
إلى طُنُفٍ أعيا بِراقٍ ونازلِ
تُهالُ العُقابُ أن تمرَّ بِرَيْدِهِ
وتَرمِي دروءٌ دونه بالأجادلِ
تَنَمَّى بها اليَعْسُوبُ حتى أقرَّها
إلى مألفٍ رحبِ المباءةِ عاسِلِ
فلو كان حبلٌ من ثمانين قامةً
وتسعين باعًا نالها بالأنامِلِ
تدلَّى عليها بالحِبالِ مُوثَّقًا
شديدُ الوَصَاة نابلٌ وابنُ نابلِ
إذا لسَعَتْه النَّحلُ لم يرجُ لسعَها
وخالفها في بيتِ نُوبٍ عواملِ٢٣٦

تمنح تيمة الكرم أحيانًا للشعراء فُرصًا لاستطراداتٍ وصفية في مشاهدِ المجاعة، كما في بيت ابن البرصاء:

إذا المِرضِعُ العوجاءُ بالليل عزَّها
على ثَديِها ذُو وَدعَتَين لَهُوجُ٢٣٧

أو الأحوال المُناخية السيئة، كما في أبياتِ ابن الأهتم:

ومُسْتَنبحٍ … … …
… … … … … …
يعالجُ عِرنينًا من الليلِ باردًا
تلفُّ رياحٌ ثَوبَهُ وبُرُوقُ
تألَّقُ في عينٍ من المُزنِ وادِقٍ
… … … … …
أضفْتُ فلمْ أُفْحِشْ عليهِ … …٢٣٨
… … … …

أو مشاهد عاديَّة من الحياة اليومية، كما في وصفه لذبحِ جمَلٍ:

وقام إليها الجَازِرَانِ فأوفَدَا
يُطيرانِ عنها الجِلدَ وهْيَ تَفوقُ٢٣٩

ووَصْف الطَّبخِ:

وإذا العَذارَى بالدُّخان تقنَّعتْ
واستعجلتْ نَصبَ القُدورِ فملَّتِ٢٤٠

والإشارة إلى العادات المتعلِّقة باقتراضِ قُدورِ الطبخ في أوقات الشدَّة:

فلا تسأليني واسألي عن خَليقَتِي
إذا ردَّ عافي القِدرِ مَن يَستعيرُها
وكانوا قُعودًا حولها يرقُبونها
وكانت فتاةُ الحيِّ ممَّن يُنيرُها
(C. J. Lyall، بتصرف)٢٤١

وقد تعرض تيمات السفر وصف المَشاقِّ، مثل شُرب المياه المالحة وتناوُل الطعام الخَشِن الذي أعِدَّ على عجَلٍ، وصُحبة الحيوانات البريَّة، كما في بيتَي المرقِّش الأكبر:

ولمَّا أضَأْنا النَّار عند شِوائنا
عَرَانا عليها أطلسُ اللونِ بائسُ
نبذْتُ إليه حُزَّةً من شِوائنا
حَياءً، وما فُحشِي على مَن أُجالسُ٢٤٢

أو المخاطر، كما في الخبرة المُفزِعة لأبي زبيد الطائي حين هاجمه أسد:

فباتوا يُدلِجون وبات يَسْري
بصيرٌ بالدُّجى هادٍ هَمُوسُ
… … … … …
… … … … …
إلى أنْ عرَّسوا وأغبَّ عنهم
قريبًا ما يحَسُّ له حَسيسُ
خلا أنَّ العتاق من المطايا
حَسَسن به فهُنَّ إليه شُوسُ
فلمَّا أنْ رآهم قد تَدَانوا
أتاهم وسطَ رَحلِهم يَميسُ
فثار الزاجرون فزادَ منهم
تِقِرَّابًا وواجَهَهُ ضَبيسُ
بنصلِ السيفِ ليس له مِجنٌّ
… … … …
فيضربُ بالشِّمالِ إلى حَشاهُ
وقد نَادَى وأخلَفَهُ الأنيسُ
… … … … …
… … … … …
فخرَّ السيفُ واختلفتْ يداه
وكان بنفسِهِ وُقِيَتْ نفوسُ
وطَارَ القومُ شتَّى والمَطايا
وغُودِرَ في مَكرِّهِم الرَّسيسُ
… … … … …
… … … … …
كأنَّ بنحرهِ وبمَنكِبَيهِ
عَبيرًا باتَ تَعبَؤُهُ عَروسُ٢٤٣
ويبدو أنَّ أبا زبيد ميَّالٌ للمروع. في إحدى سينيَّاته يصِفُ اللحظاتِ الأخيرةَ لرجلٍ جريح على النحو التالي:
تذبُّ عنه كفٌّ بها رمَقٌ
طيرًا عُكُوفًا كزُوَّرِ العُرُسِ
عمَّا قليلٍ علونَ جُثَّته
فهُنَّ من والغٍ ومنتهِسِ٢٤٤

في المقابل تقدِّم تيمةُ الخمر فُرصًا لوصفٍ أكثر مرحًا:

في فتيةٍ كسيوفِ الهندِ … …
… … … … … …
نازعتُهُمْ قُضُبَ الرَّيحَانِ مُتَّكئ
وقهوةً مزَّةً رَاوُوقُهَا خَضِلُ٢٤٥
كان يمكن شراءُ الخمر بصوفِ سنةٍ أو بناقة؛٢٤٦ وكانت الأنواع الجيدة المستورَدة من أماكنَ بعيدة، مثل عانة وصريفين وسوريا والعراق، بأثمانٍ مرتفِعة. يحدثنا أبو ذؤيب عن الخمر الواردة من سوريا لتُباع في موسمِ الحجِّ في أسواقٍ مثل سوق عكاظ بالقرب من الطائف:
توصَّلُ بالرُّكبان حينًا وتُؤْلِفُ الـ
ـجِوارَ ويُغشِيها الأمانَ رِبابُها
فما برحت في الناس حتى تبيَّنتْ
ثقيفًا بزَيزاءَ الأَشَاءِ قِبابُها٢٤٧

كان ابن بُجرَة، خمَّار من الطائف، يكيل سلعةً نفيسة جدًّا في إناءٍ صغير. يقول أبو ذؤيب عن حبيبته، التي فمها خمرٌ مُسكِرة:

ولو أنَّ ما عندَ ابنِ بُجرَةَ عندَهَا
من الخمرِ لم تبلُلْ لهاتِي بنَاطِلِ٢٤٨

وأوصاف ليالي الصخب كما في معلقة طرَفَة:

نداماي بِيضٌ كالنجومِ وقَينَةٌ
تروحُ علينا بين بُرْدٍ ومُجسَدِ
رحيبٌ قِطابُ الجَيبِ منها رفيقةٌ
بجَسِّ النَّدامَى بضَّةُ المتجَرَّدِ
(A. J. Arberry)٢٤٩
وكانت التجمُّعات السعيدة كما في ميمية علقمة [ابن عبدة]،٢٥٠ توضَّح بوصفٍ تفصيلي متميِّز للخمر وجلسات الشُّرب:
كأسُ عزيزٍ من الأعناب عتَّقها
لبعض أحيانِها حانيَّةٌ حُومُ
تشفي الصُّداعَ ولا يُؤذيكَ صَالِبُها
ولا يُخالطها في الرأسِ تَدوِيمُ
عانيَّةٌ قَرقَفٌ لم تُطلَّعْ سَنةً
يَجُنُّها مُدمَجٌ بالطِّينِ مَختُومُ
ظلَّت تَرَقرَقُ في النَّاجُودِ يَصْفِقُها
وليدُ أعجَمَ بالكَتَّانِ مَفدُومُ
كأنَّ إبريقَهُم ظبيٌ على شرَفٍ
مُفدَّمٌ بِسَبَا الكَتَّانِ مَرثُومُ
أبيَضُ أبرَزَهُ للضِّحِّ راقِبُهُ
مُقلَّدٌ قُضُبَ الرَّيحانِ مَفغُومُ

(من المستحيل تقريبًا نقلُ التورية المزدوجة للبيتِ قبل الأخير، وفيه يعني «الظبي» الحبيبة أيضًا التي صبغَت أنفها بمسحوقِ تجميلٍ أحمر؛ ويشير نزيفُ الأنفِ إلى هذا، وأيضًا إلى النبيذِ الأحمر الذي يُصبُّ من الإبريق.)

وبعد ذلك يعترف بالأعشى أستاذًا لهذه التيمة:

فقمنا، ولمَّا يصِحْ دِيكُنا،
إلى جَوْنَةٍ عِنْدَ حَدَّادِهَا
تنخَّلَها من بِكارِ القِطافِ
أُزَيرِقُ آمِنُ إكْسَادِها
فَقُلْنَا لَهُ: هَذِهِ هَاتِهَا،
بأَدماءَ في حبلِ مُقتادِهَا
فَقَالَ: تَزِيدُونَني تِسْعَةً،
وليستْ بعَدلٍ لأنْدَادِها
فَقُلْتُ لمِنْصَفِنَا: أعْطِهِ،
فلمَّا رأى حضْرَ شُهَّادِها
أضَاءَ مِظَلَّتهُ بالسِّرَاجِ،
وَاللَّيلُ غَامِرُ جُدَّادِهَا
دراهمُنا كلُّها جيدٌ
فلا تَحبَسَنَّا بتَنْقَادِهَا٢٥١

وكثيرًا ما تحوَّل شعراء البادية إلى تيمة الخمر بارتباطهم بالتطور الرائع للحضارات المجاورة في سوريا أو العراق أو بلاد فارس، وتعريف مستمعيهم ببعض جوانبها:

وكأسٍ قد شَرِبْتُ ببَعلَبَكٍّ
وأخرى في دِمَشقَ وقاصِرِينَا
(R. A. Nicholson)٢٥٢
أغلَقَ تحريمُ الإسلامِ للخمر هذه الصفحةَ من الشعر لبعض الوقت. يقول أبو خِراشٍ الهُذليُّ، وكأنَّه يندبُ كلَّ عصرِ الجاهلية:
فليس كعهدِ الدارِ يا أمَّ ثابتٍ
ولكنْ أحاطتْ بالرِّقابِ السَّلاسِلُ
وعاد الفتى كالشيخِ ليس بفاعِلٍ
سوى الحقِّ شيئًا واستراح العواذِلُ٢٥٣
اللامية الشهيرة لعبدة بن الطبيب،٢٥٤ يقابل مشاقَّ السفر، مثل شُرب الماء القذِر:
كأنَّه في دلاء القوم إذ نَهَزوا
حَمٌّ على وَدَكٍ في القِدرِ مَجمُولُ

وتناوُل لحمٍ غير ناضج:

وردًا وأشقَرَ لم يُنْهِئْهُ طَابِخُهُ
ما غيَّرَ الغَليُّ منهُ فَهْوَ مَأكُولُ
ثُمَّتَ قُمْنا إلى جُرْدٍ مُسَوَّمةٍ
أعْرَافُهنَّ لأيدِينا مَنَادِيلُ

يقابلها مع متع الشراب، مثل:

حتى اتَّكأنَا على فُرشٍ يُزيِّنها
من جَيِّد الرَّقْمِ أزواجٌ تَهَاويلُ
في كعبةٍ شَادَها بَانٍ وزينها
فيها ذُبالٌ يُضِيءُ الليلَ مَفتُولُ
… … … … …
… … … … …
والكوبُ ملآنُ طافٍ فوقَه زَبَدٌ
وطابَقُ الكبشِ في السَّفُّودِ مَخلُولُ
يسعى به مِنصَفٌ عَجلانُ مُنتَطِقٌ
فوقَ الخُوانِ وفي الصَّاعِ التَّوابِيلُ
… … … … …
… … … … …
تُذري حواشِيَهُ جَيدَاءُ آنِسةٌ
في صَونها لسَماعِ الشَّربِ تَرتِيلُ
تغدو علينا تُلَهِّينا ونُصْفِدُها
تُلقَى البُرُودُ عليها والسَّرابِيلُ
وربما كانت هذه اللامية تاريخيًّا القصيدةَ الأخيرةَ من نوعها. وحين قُرئت للخليفة عمر عبَّر عن إعجابه بشطرٍ واحد:
… … … … …
والعيشُ شحٌّ وإشْفاقٌ وتأمِيلُ
وبصرفِ النَّظر عن كون انتباه الشاعر مركَّزًا (مباشرة أو بأداةٍ استطرادية) على موضوعٍ معين؛ كثيرًا ما يوجد الوصف نتيجةً ثانوية لتشبيه، كما في تشبيه ثعلبةَ بنِ صُعَير لراحلته:
تُضحِي إذا دقَّ المَطِيُّ كأنَّها
فَدَنُ ابنِ حيَّةَ شَادَهُ بالآجُرِ٢٥٥

وكما في استعارة زهير يخاطب شخصًا يتهمه بأنه على وشكِ الشروع في الغدر:

تُلَجلِجُ مُضغةً فيها أنيضٌ
أصَلَّتْ فهْيَ تحتَ الكشحِ داءُ٢٥٦

وكثيرًا يؤدي التشبيه القصير الواضح، خاصة، بشكلٍ متعمَّد أو غير متعمد إلى تفاصيلَ وصفيةٍ ثانوية، منها نعرف الكثيرَ عن الحياة اليومية للعرب القدماء. ويمكن اتخاذ ما يلي أمثلة:

كعَقْرِ الهَاجِريِّ٢٥٧ إذا ابتَنَاهُ
بأشباهٍ حُذِينَ على مثالِ
(لبيد)٢٥٨
جُنُوحَ الهالكيِّ على يديهِ
مُكِبًّا يَجتلِي نُقَبَ النِّصالِ
(لبيد)
كأنَّ محطًّا من يدي حارثيةٍ
… … … … … … …
(النمر بن تولب)
… … … … …
وأكرُعُهُ وشْيُ البُرُودِ من الخَالِ
(امرؤ القيس)٢٥٩
يشقُّ حَبابَ الماءِ حَيزُومُها بها
كما قسَمَ التُّربَ المُفايلُ باليَدِ
(طرَفَة)٢٦٠
… … … … …
والنُّؤيُ كالحَوضِ بالمَظلومةِ الجَلَدِ
(النابغة)٢٦١
… … … …
كَذِي العُرِّ يُكْوَى غيرُهُ وَهْوَ راتِعُ
(النابغة)٢٦٢
وكأنَّهُنَّ رِبابةٌ وكأنَّهُ
يَسَرٌ يُفيضُ على القِداحِ ويَصدَعُ
(أبو ذؤيب)٢٦٣
… … … …
نزولَ اليَمَانِي ذِي العياب المُخَوَّلِ
(امرؤ القيس)٢٦٤
فبَنَتْ عليه مع الظَّلامِ خِبَاءَها
كالأحْمَسِيَّة في النَّصيفِ الحَاسِرِ
(ثعلبة بن صغير)٢٦٥
تبدَّتْ لنا كالشمسِ تحتَ غَمامةٍ
بدا حاجبٌ منها وضنَّتْ بحاجِبِ
(قيس بن الخطيم)٢٦٦
وعينٌ كمِرآةِ الصَّناعِ تُديرُها
لمَحْجَرها من النَّصيفِ المُنقَّبِ
(امرؤ القيس)٢٦٧
نفى الذمَّ عن آلِ المُحلَّقِ جَفْنةٌ
كجَابيةِ السِّيحِ العراقيِّ تفْهَقُ
(الأعشى)٢٦٨
… كما رقَّشَ العُنوانَ في الرَّقِّ كاتبُ
(الأخنس بن شهاب)٢٦٩

زخر الوصف قبل الإسلام بالحيوية والواقعية. في فترةٍ تالية، حلَّ مكانَ هذه العناصر زخرفةٌ رائعة بعيدة المنال. فُضِّلت العينات الباروكية، مثل تشبيه أوراق الدفلى الحمراء، تهتزُّ جَيئةً وذهابًا، براياتٍ من العقيق على رماح من الزمرد. ومع ذلك، استمرَّت نماذجُ الوصف قبل الإسلام من وقتٍ لآخر، مصدرًا لإلهام الكثير من الشعراء الكِبار.

(١٥) الوحدة الكلية للقصيدة

ويفترض هنا أن نقدِّم توضيحًا لمَا قد يسمَّى الوحدة الكلية للقصيدة. ويقصد بها التفاعل المتكامل المتَّسق بين عناصر الرمزية والحنين والترتيب الشكلي، المتأصِّل في النمط المعياري للقصيدة بتعديلاتها المتنوِّعة، والعناصر الشعرية الأخرى المهمَّة مثل الإيقاع والأسلوب والرؤية التنبُّؤيَّة والشعور. اختيرتْ بائية علقمة٢٧٠ لأنَّها مثالٌ كامل لنمطِ المديح ووحدتها الكلية، رغم أنَّ الترجمة وحدها لا يمكن أن تفي بعبقريةِ لغتها والمهارة الشعرية المُدهِشة لأناسٍ كان أدبهم شفهيًّا بالأساس. كان علقمةُ (ربما أصغر) معاصرٍ لامرئ القيس (القرن السادس م). وكان ينتمي لقبيلة بني تميم، وكانت تعيش بين شرق نَجْد والربع الخالي والعراق. نُظِمت البائية بغرضِ الإفراج عن شَأْس، أخي علقمة، وأَسرى آخرين من بني تميم أسَرَهم الحارث، ملك الغساسنة، بعد انتصاره في ٥٥٤م على المُنذر ملك الحيرة، الذي هُزم في معركة عين أباغ. نذكر فيما يلي ترجمةً كاملة للبائية، مقسَّمة طبقًا للأقسام الثلاثة للنمط التقليدي، مع الإشارة في كلِّ حالةٍ إلى كيفية ارتباط كلِّ قسمٍ بالقسم التالي له.
جدول : تحليل بائية علقمة، المفضليات، ٧٦٢–٧٩٦، الترجمة، ٣٢٩–٣٣١
رقم البيت الأبيات التيمة التعليق
١

طحا بك قلبٌ في الحِسانِ طَرُوبُ

 بُعَيدَ الشَّبابِ عصرَ حانَ مَشِيبُ

النسيب بيتٌ افتتاحي، نبرةٌ بارزة، دعوةٌ للتعاطف.
٢

يكلِّفني ليلى وقد شطَّ وَلْيُها

 وعادَت عَوادٍ بينَنَا وخُطُوبُ

الحبيبة، رمزٌ لاستحالة الوصول.

٣

منعَّمةٌ ما يُستطاع كِلامُها

 على بابها من أنْ تُزارَ رَقيبُ

٤

إذا غابَ عنها البَعلُ لم تُفشِ سِرَّه

 وتُرضِي إيابَ البعلِ حين يَئُوبُ

٥

فلا تَعْدِلي بَينِي وبينَ مُغَمَّرٍ

 سَقَتْكِ رَوَايا المُزنِ حينَ تَصُوبُ

مخاطبة الحبيبة، وجزئيًّا مخاطبة الحارثِ ملك الغساسنة، أيضًا.
٦

سَقاكَ يَمانٍ ذو حَبيٍّ وعارضٍ

 تَرُوحُ به جُنْحَ العَشيِّ جَنوبُ

٧

وما أنتَ أمْ مَا ذِكْرُها رَبَعيَّةٌ

 يُخَطُّ لها من ثَرْمَدَاءَ قَلِيبُ

مقابلةٌ بين الحياة البدوية للشاعر، وحياة ليلى الأكثر استقرارًا في الواحة، وتوفُّر المياه باستمرار.
٨

فإنْ تسألوني بالنساءِ فإنني

 بصيرٌ بأدْوَاءِ النِّساءِ طبيبُ

معالجةٌ برُوحِ الدعابة لموضوع المرأة تحسِّن الحالةَ المزاجيَّة، وتعِدُّ للتخلُّص.
٩

إذا شابَ رأسُ المرء أو قلَّ مالُهُ

 فليس له في وُدِّهنَّ نَصيبُ

حكمة.
١٠

يُرِدنَ ثراءَ المالِ حيثُ عَلِمنَهُ

 وشَرخُ الشَّبابِ عندَهنَّ عَجيبُ

١١

فدَعْها وسَلِّ الهمَّ عنكَ بجَسْرةٍ

 كهمِّكَ، فيها بالرِّدافِ خَبِيبُ

بداية التخلُّص.
١٢

إلى الحارثِ الوهَّابِ أعمَلتُ ناقَتِي

 لِكَلْكَلِهَا والقُصْرَيَيْنِ وَجِيبُ

التخلُّص مؤشرٌ تمهيديٌّ للغرض. مقابل الحبيبة يرمز الملك الكريم لأملِ الشاعر في النجاح.
١٣

وناجيةٍ أَفنَى ركيبَ ضُلوعِها

 وحارِكَها تَهَجُّرٌ فدُءُوبُ

يرمز الجمل لهمَّة الشاعر وتحمُّله.
١٤

وتصبحُ عن غبِّ السُّرى وكأنَّها

 مولَّعةٌ تَخشَى القنيصَ شَبُوبُ

تشبيهٌ شكلي يوجد عادةً مع الاستطراد الوصفي.
١٥

تَعَفَّقَ بالأرطَى لها وأرادَهَا

 رجالٌ فبذَّتْ نَبْلَهُم، وكَليبُ

يرمز الهروب من الظبية والتغلب على العقبات في طريقها إلى الأمل في النجاح.
١٦

لتُبلغني دارُ امرئٍ كان نائيًا

 فقَدْ قرَّبتْني من نداكَ قَرُوبُ

١٧

إليكَ أبيتَ اللَّعنَ كان وَجِيفُها

 بمشتبهاتٍ هولُهنَّ رهيبُ

١٨

هداني إليكَ الفَرقدانِ ولاحِبٌ

 لهُ فوقَ أصواءِ المِتانِ عُلُوبُ

يخبر هذا البيت بمخاطرِ رحلة الشاعر وحيدًا وبائسًا ويمثِّل نداءً للتعاطف.
١٩

بها جِيَفُ الحَسْرَى، فأمَّا عِظامُها

 فبِيضٌ، وأمَّا جِلدُها فصَليبُ

٢٠

تُرادُ على دِمنِ الحِياضِ فإنْ تعَفْ

 فإنَّ المُندَّى رحلةٌ فرُكوبُ

٢١

فلا تحرِمَنِّي نائلًا عن جَنابةٍ

 فإني امرؤٌ وسطَ القِبابِ غريبُ

ربطٌ رائع بالغرض التالي. قارن مطالبةَ الشاعر، غريبًا، بكرمِ الضيافة بسعيه عن الحظوة لدى الحبيبة (البيت ٥).
٢٢

وأنت امرؤٌ أفضَتْ إليكَ أمانتِي

 وقَبلَكَ ربَّتْني فضِعْتُ رَبُوبُ

الغرض البيت الافتتاحي للغرض.
٢٣

فأدَّتْ بنو كعبِ بنِ عوفٍ رَبِيبَها

 وغُودِرَ في بعضِ الجُنودِ رَبيبُ

كان الملك الحارث ابنًا بالتبنِّي لبَنِي كعب، المنتصِرين، وكان الملك المنذر ابنًا بالتبنِّي لبَني تميم، قبيلة الشاعر.
٢٤

فواللهِ لولا فارسُ الجَونِ منهمُ

 لآبوا خَزَايا، والإيابُ حَبيبُ

الملك الحارث، البطل، في المقدمة يحيط به رجاله؛ تمهيدٌ رائع لطلب الشاعر بإطلاقِ سراح أخيه وبقيَّة الأسرى. الفخر القبلي لتميم وذكرى الولاء للمنذر، راعيه الراحل.
٢٥

تقدِّمُه حتى تغِيبَ حُجُولُه

 وأنتَ لِبيضِ الدَّارِعينَ ضَرُوبُ

إشادةٌ ببسالةِ البطل.
٢٦

مُظاهِرُ سِربالَيْ حديدٍ، عليهما

 عقيلَا سيوفٍ مِخْذَمٌ ورَسوبُ

لاحظ الاستخدام المتكرِّر للمثنى للتأثير الشعري.
٢٧

فقاتَلْتَهم حتى اتَّقوكَ بكَبشِهِم

 وقد حانَ من شمسِ النهارِ غُروبُ

رثاءٌ ضمني لهزيمة قومه، متذكِّرًا قدرتهم على التحمُّل.
٢٨

تَخَشْخَشُ أبدانُ الحديدِ عليهمُ

 كما خَشْخَشتْ يُبسَ الحِصادِ جَنوبُ

هنا يستخدم النصُّ العربي الجناسَ مع استخدام الحروف ش، س، ص؛ لينقل صوتَ خشخشة الدروع.
٢٩

وقاتَلَ من غسَّانَ أهلُ حِفَاظِها

 وهِنْبٌ وقَاسٌ جالَدَتْ وشَبيبُ

الثناء على قبائل الأعداء؛ لكسب التعاطف والدعم.
٣٠

كأنَّ رجالَ الأوس تحت لَبَانِهِ

 وما جَمَعَتْ جَلٌّ معًا وعَتيبُ

٣١

رَغَا فوقَهُم سَقْبُ السَّماءِ، فدَاحِضٌ

 بشِكَّتِهِ لم يُستلَبْ وسَليبُ

الإشارة إلى قصةِ ثمود. جاء النبي صالحٌ بمعجزة، بناقة وراءها عِجلها. وحين قُتلا، رغمَ تحذيرِ صالحً، دار عِجلها ثلاثَ مرَّات. وبعد ثلاثة أيام، تمَّ تدمير ثمود.
٣٢

كأنهُمُ صابتْ عليهِم سَحَابةٌ

 صواعقُها لطَيرهنَّ دَبيبُ

٣٣

فلَمْ تَنجُ إلا شِطْبةٌ بلِجامِهَا

 وإلا طِمِرٌّ كالقناةِ نَجيبُ

٣٤

وإلا كَميٌّ ذو حِفاظٍ كأنَّه

 بما ابتلَّ من حدِّ الظُّبَاتِ خَضيبُ

هنا في النص العربي، ينقل التناوب بين الحروف الساكنة وحروف العلة صوتَ تصادُم الأسلحة.
٣٥

وأنت الذي آثارُهُ في عدوِّه

 من البُؤسِ والنُّعْمَى لهنَّ نُدوبُ

يكشف الشاعر غرضَه الرئيسي من القصيدة بمهارة في النهاية. أُعجِبَ الملكُ الحارث بالثناء، حتى إنه حين سمِعَ الشاعرَ يطلب منه ذَنُوبًا (دلو) قال: «نعم، وأذنبة.»
٣٦

وفي كلِّ حيٍّ قد خبَطْتَ بنِعمةٍ

 فحُقَّ لشَأسٍ من نَداكَ ذَنُوبُ

٣٧

وما مِثلُه في الناس إلا أسيرُهُ

 مُدَانٍ، ولا دَانٍ لذاكَ قريبُ

(١٦) ملحق أ. ف. ل. بيستون

(١٦-١) الشعراء والقبائل قبل الإسلام

كلماتٌ قليلة مطلوبة عن تقسيم القبائل وتوزيع البدو قبل الإسلام، حيث ينعكس موطن الشاعر إلى حدٍّ ما في شِعره. قلبُ شِبه الجزيرة العربية الهضبةُ المرتفعة لنَجْد. يحدُّها من الغرب الحجاز، سلسلةُ جبالٍ عالية٢٧١ على الجانب الغربي من شبه الجزيرة، وتمتدُّ جنوبًا إلى حدود اليمن لتشكِّل عسير. وجنوبًا يفصل نَجْد عن حضْرَمَوت امتدادٌ صحراوي رملي هائل غير مأهول تقريبًا، يُعرف بالربع الخالي. وشرقًا تفصل سلسلة جبل طويق نَجْد عن الساحل الشرقي. وباتجاه الشمال تمتدُّ الوديان الكبيرة إلى صحراء الشام، لكنْ توجد منطقة من الجبال المعزولة، تُعرف اليوم باسم جبل شمَّر، يمكن أن تُعتبر بشكلٍ تقريبي حدودَ نَجْد. وبعضُ أهم القبائل في هذه المناطق هي:
  • عَبْس: انظُرْ غَطَفان.
  • عامِر: انظُرْ هَوازِن.
  • أَسَد: في شمالِ شرقِ نَجْد، وجنوبِ شرقِ جبل شمر. وكان امرؤ القيس ابنَ مَلكِ أَسَد، رغم أنَّه يشار إليه عادةً بالكِنديِّ (انظُرْ ما يلي). ثمَّة شاعرٌ أسديٌّ آخَر مشهور هو عَبيدُ بنُ الأبرص.
  • أَزْد: موقِعُها عسير؛ وينتمي إليها الشَّنفَرى، الذي تعكس لاميَّتُه الشهيرة مَشهَدًا جبليًّا، يختلف تمامًا عن مشهد وِديان نَجْد.
  • بَكْر: مجموعةٌ قَبَليَّة كبيرة، كان مقرُّها ما هو الآن شمال شرقِ المملكة العربية السعودية، أيْ شمال شرق الرياض. ومن شعراء بَكْر المشهورين: طرَفَة والأعشى والحارث بن حِلِّزة.
  • ذُبيان: انظُرْ هَوازِن.
  • غَطَفان: اتحادٌ قَبَليٌّ يمتدُّ عبْرَ نَجْد إلى شرقِ المدينة. ويشمل عَبْس ومنها عنترة؛ وذُبيان وينتمي إليها أشهرُ شاعرٍ من ثلاثة شعراء يُعرفون بالنابغة؛ ومُزَينة، ومنهم زُهير.
  • هوازن: اتحادٌ قَبَليٌّ يمتدُّ عبْرَ نَجْد باتجاه جنوبِ غَطَفان. وتشمل بَنِي عامِر، ومنهم لَبِيد.
  • هُذيل: جنوب الحجاز؛ اشتهروا بمجموعةِ أشعارهم القَبَليَّة، رغم عدم تصنيف أيِّ شاعرٍ منهم ضمنَ شعراء الصفِّ الأول.
  • كِنْدة: اتحادٌ قَبَليٌّ، بلغ قمَّة قوَّته في القرنَين الثالث والرابع م، ويبدو أنَّه كان يضمُّ معظمَ قبائلِ نَجْد، من أسَدٍ في الشمال إلى حدودِ اليَّمن؛ لكنَّ تأثيرها بدأ في الانكماش قبل الإسلام بقرنٍ أو نحو ذلك.
  • مُضَر: تجمُّعٌ لقبائلِ شمالِ الجزيرة العربية.
  • مُزَينَة: انظُرْ غَطَفان.
  • رَبيعَة: تجمُّع القبائل الجنوبية.
  • تَغلِب: ترتبط ارتباطًا وثيقًا ببَكْر، وتسكن شمالَها، وعمرو بن كلثومٍ تَغلِبيٌّ.
  • طَيِّء: في منطقةِ جبلِ شمر.

(١٦-٢) مشكلة المعلَّقات

تقدِّم مجموعة القصائد الجاهلية التي تعرف معًا بالمعلقات مشكلتَين، واحدة تتعلَّق بالاسم نفسه، والأخرى تمتدُّ إلى محتوى المجموعة.

يتعلَّم كلُّ تلميذٍ عربي أنَّ هذا الاسم أُطلق على هذه القصائد؛ لأنه كان هناك تقليد في مكة قبل الإسلام لتقدير القصائد الفائزة في المنافسات الشِّعرية التي تعقد في سوق عكاظ بأن تُكتب وتعلَّق في الكعبة. ومن المؤكَّد أنَّ هذه الحكاية ملفَّقة، اختُرعت لتفسِّر الاسم على أساس المعنى الأكثر شيوعًا للكلمة. كما وضَّح نولدكه Nöldeke٢٧٢ وآخرون، هناك الكثير من المصادر المبكِّرة التي زوَّدتْنا بوصف تفصيلي جدًّا للحياة في مكة في شباب النبي، ولا يحتوي أيٌّ منها على أيِّ تلميحٍ لعادةٍ من هذا النوع.
وإضافةً إلى ذلك، لم يُعثَر على الاسم قَط في أيَّة وثيقة قبل مُنعطف القرن الثالث-الرابع/التاسع-العاشر، حين ظهَرَ أول مرة في مختارات بعنوان «جمهرة أشعار العرب» وتحتوي على ثمانٍ وأربعين قصيدةً مرتَّبة في سبعِ مجموعات. المجموعة الأولى تحت اسم « المعلقات» وهي المجموعة التي تعنينا؛ وأُعطيَت المجموعات الأخرى أسماءً مثل «المُجَمهَرات» و«المُنتَقَيات»، و«المُذْهَبَات». وبعد ذلك بوقتٍ قصير، يزوِّدنا على بن محمد النحاس (ت: ٣٣٧ﻫ/٩٤٩م) بأول تلميحٍ لقصةِ أنَّ هذه القصائد كانت «معلَّقة» في الكعبة؛ لكنَّه يُضيف في الوقت ذاته أنَّ القصة تلفيقٌ لا يشير إليه أيُّ مصدرٍ قديم. وفي ضوء هذا، لا يمكن إعطاء أيَّة مصداقية لكاتبٍ بعد ذلك بكثير، عبد القادر البغدادي (ت: ١٠٩٣ﻫ/١٦٨٢م)، الذي يضع على لسان الخليفة الأموي معاوية (٤١–٦٠ﻫ/٦٦١–٦٨٠م) ملاحظةً، عن قصيدتَين، بأنهما «كانتا معلَّقتَين في الكعبةِ دَهرًا».٢٧٣
باستبعاد هذا التفسير الشائع للاسم يبقى تفسيرٌ، باعتباره الأرجَح من عدَّة تفسيراتٍ مطروحة، وهو تفسير يدعمه س. ج. ليال٢٧٤ ونيكلسون٢٧٥ بأنَّ الكلمة تعني «النفيس المقدَّر»، وهي مشتقَّة من كلمة «عِلْق» أي «سلعة نفيسة». وقد يكون الاسم من ابتكارِ جامِعِ «الجَمهَرة» جزءًا من مخطَّطه العام لتسمية أقسامِ الكتاب.
يشير الكُتَّاب قبل «الجمهرة» إلى هذه المجموعة من القصائد ﺑ «القصائد السَّبع»؛ لكنْ من الواضح أنه كان هناك شكٌّ بشأن تحديد القصائد التي تشملها هذه المجموعة بدِقَّة. وتضمُّ القائمة التي تقبل عادةً قصائد لامرئ القيس وطرَفَة وزهير ولبيد وعنترة وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة، لكنَّ «الجمهرة» يستشهد بأبي عبيدة (ت: ٢١٠ﻫ/٨٢٥م) قائلًا بأنَّ أكبر الشعراء في العصر القديم هم من سبَقَ ذِكرهم، بحذفِ عنترةَ والحارث وإضافةِ النابغة والأعشى بدلًا منهما، مع إضافة: «فمَن زعَمَ أنَّ في السبعة شيئًا لأحدٍ غيرهم؛ فقَدْ أخطأ وخالف ما أجمَعَ عليه أهلُ العلم والمعرفة.» ومع ذلك يتبنَّى «الجمهرة» موقفًا غامضًا؛ حيث يُسقِط قسمُه الأول قصيدةَ الحارث ويشمل كلَّ قصائد الثمانية الآخرين الذين ذكرناهم. يشرح النحاس التسعَ كلَّها. بعد ذلك بوقتٍ ما، كتب أبو زكريا يحيى التبريزي (ت: ٥٠٣ﻫ/١١٠٩م) شرحًا لعشر قصائد،٢٧٦ وهي تحديدًا التسعُ السابق ذِكرها مع قصيدةِ عَبيد بن الأبرص، وهي في «الجمهرة» القصيدةُ الأولى في القسم الثاني وهو بعنوان «المُجَمهَرات»، رغم أنَّ الناقد الشهير جدًّا ابن قتيبة (ت: ٢٧٦ﻫ/٨٨٩م) أشار إلى أنَّها «إحدى السبع».٢٧٧ ويعترف التبريزي نفسه فقط بالقائمة المقبولة الآن بوصفها تشكِّل «السبع»؛ حيث إنه كتب في مقدمته أنه يتناول «القصائد السبع مع قصيدتَين للنابغة والأعشى اللَّتَين أضافهما للسبع أبو جعفر أحمد بن محمد النحوي بن إسماعيل النحوي، وقصيدةً لعَبيد ليُكمل العشر». وتَطبعُ بعضُ الطبعات الحديثة العشرَ كلَّها تحت عنوان «المعلقات العشر»، رغم أنَّ من الواضح ممَّا قيل أنه لا يوجد مصدرٌ قديم قبل العشر كلِّها باعتبارها تنتمي للمجموعة المتميِّزة؛ احتوتْ ببساطةٍ على قوائمَ فردية مختلفة للقصائد التي تشكِّلها. ثمَّة تعقيدٌ إضافي يتمثَّل في الإشارة المربِكة لابن خلدون٢٧٨ إلى امرئ القيس والنابغة وزُهير وعنترةَ وطرَفَة وعلقمةَ والأعشى «وغيرهم من أصحاب المعلقات التسع»؛ ما يعنيه بالعبارة الأخيرة غامض، وخاصة أنَّه لا يبدو أنَّه يوجد في أيِّ مكانٍ آخر أيَّةُ إشارةٍ إلى علقمةَ بوصفه من أصحاب المعلقات.
ينسب النَّحاسُ المبادرةَ في جمعِ سبعٍ من أروع قصائد الجاهلية إلى حمَّاد الراوية (ت: ١٥٥ﻫ/٧٧٢م)، وهو ما يقبله معظم مؤرِّخي الأدب. لكنَّ م. ج. كيستر٢٧٩ قدَّم دليلًا من مخطوطةٍ غير منشورة لكتاب «المنثور والمنظوم» لأحمد بن أبي طاهر طيفور (ت: ٢٨٠ﻫ/٨٩٣م)، تميل لاقتراحِ نوعٍ ما من مجموعةٍ أعدَّها الخليفة معاوية ونقَّحها عبد الملك (٦٥–٨٦ه/٦٨٥–٧٠٥م)؛ ويخلص كيستر إلى ما يلي: «يعود الفضلُ إلى حمَّاد في نقلِ القصائد الجاهلية السبع المستمدَّة من مجموعةِ معاوية، وأنَّه أهمَلَ مجموعةَ عبد الملك. ونسَبَ التراث الأدبي التالي الاختيارَ إلى حمَّاد.»
١  الجُمَحي، الطبقات، ٢٢.
٢  [مصطفى] السقَّا، مختار [الشعر الجاهلي]، ج٢، ٢٩٤.
٣  ابن إسحاق، السيرة، ج١، ٥٢-٥٣. قارن Guillaume, Life, 36-37.
٤  ليال Lyall، المفضليات، ١، ٧١٦، ٧١٧، رقم ١٠٨، البيتان ٤، ٩.
٥  المعلقة، البيتان ٣-٤، شرح التبريزي، ص٣٠.
٦  السكري، الشرح، ج١، ٢٩٥، البيت ٣.
٧  الأصفهاني، الأغاني، القاهرة، ج١٤، ص٤٢.
٨  الأصفهاني، الأغاني، ليدن، ج٢١، ١٧٣.
٩  قارن ابن رشيق، العمدة، ج١، ٩٦.
١٠  السقا، مختار، ج١، ٧٩ وما بعدها، الأبيات ١-٢، ٨-٩.
١١  المصدر نفسه، ١٣٦، البيت ١٤.
١٢  المصدر السابق، ٢٣١–٢٣٤، الأبيات ٢٦-٢٧، ٢٩–٣٢، ٥٩، ترجمها Lyall, Arabian Poetry, 112–115.
١٣  السقا، مختار، ج١، ٣٧٦، البيتان، ٤٨، ٥١.
١٤  الأصفهاني، الأغاني، ١٠٥.
١٥  الجمحي، الطبقات، ٢٣-٢٤؛ ابن رشيق، العمدة، ج١، ١٠٩–١١٢.
١٦  المبرد، الكامل، ج٢، ٥٤٨-٥٤٩.
١٧  السكري، الشرح، ج٢، ٨٤٦.
١٨  المصدر السابق، ج١، ٤٦٢.
١٩  ابن إسحاق، السيرة، ٦٧١؛ Guillaume, Life, 451.
٢٠  ابن الأثير، النهاية، القاهرة، ١٨٩٣-١٨٩٤م، ج٢، ٦٧.
٢١  النهاية، ج٣، ٢٣٨.
٢٢  مبارك، النثر، ج١، ١٨.
٢٣  راجع ما سبق، الفصل الأول، «البحور العربية».
٢٤  المقدمة، ج١، ٢٥٢.
٢٥  التوحيدي، الإمتاع، ج١، ٨١-٨٢.
٢٦  ابن قتيبة، الشعر، ليدن، ج١، ٢٠؛ قارن Gaudefroy-Demombynes, Introduction, 13 ff.
٢٧  أبو تمام، ديوان الحماسة، ج٣، ٨٣؛ Freytag, Hamasae, II, 506.
٢٨  المعري، رسالة الغفران، ٣٥٧-٣٥٨.
٢٩  المصدر السابق، ٣١٨؛ قارن ابن رشيق، العمدة، ج١، ١٧٨–١٨٢.
٣٠  أبو تمام، ديوان الحماسة، ج٤، ١٧٣.
٣١  الأصفهاني، الأغاني، ج١٤، ٩٥؛ قارن الطوسي، الشرح، ٣٤٣.
٣٢  ابن إسحاق، السيرة، ٨٠٥-٨٠٦؛ Guillaume, Life, 542-543.
٣٣  الجمحي، الطبقات، ٢٣-٢٤.
٣٤  السقا، مختار الشعر الجاهلي، ج١، ٣٠٨–٣٢٣.
٣٥  التبريزي: شرح القصائد العشر، ٥٣–٦٦.
٣٦  مختار الشعر الجاهلي، ج١، ٢٢٧–٢٣٥.
٣٧  راجع ابن قتيبة، الشعر، ليدن، ٤١.
٣٨  السيرة، ١٦؛ Guillaume, Life, 9؛ ويسمِّيها البعضُ بنت الأجبِّ؛ قارن السهيلي، الروض، ج١، ١٧٩.
٣٩  الطيب، المرشد، ج١، ٧٤، ٢٠٥، ٢٦٤، ٣٥٦، ٣٨٤.
٤٠  السيرة، ٨٩؛ Guillaume, Life, 60، عن «فحل».
٤١  مختار الشعر الجاهلي، ج٢، ١٧٧–١٨٤.
٤٢  الأعشى، الديوان، ٦، ٣٣.
٤٣  راجع: ابن حجر، الفتح، القاهرة، ١٣٧٨ﻫ، ج٢، ٥١.
٤٤  المصدر نفسه، ج١١، ١٠٨.
٤٥  ليال، المفضليات، ١، ٤٠٨، رقم ٤٠، البيت ١٠٤، الترجمة، ج٢، ١٤٨ [البيت في المفضليات:
وأَتانِي صَاحِبٌ ذُو غَيِّثٍ
زَفَيَانٌ عند إنفادِ القُرَعْ
وكلمة زفيان تعني: الخفيف السريع (المترجم)].
٤٦  الأصفهاني، الأغاني، ج٤، ٦. رُوح القُدُس لا يزال يؤيِّدك ما كافحتَ عن الله … ورسول الله.
٤٧  المصدر السابق، ج١٩، ٣٨ وما يليها.
٤٨  المصدر السابق، ج٧، ٥٠.
٤٩  الجُمَحي، الطبقات، ٨-٩.
٥٠  المصدر السابق، ٣٠–٣٢.
٥١  قارن المعري، رسالة الغفران، سهيلي، الروض، ج١، ٣٣٢.
٥٢  الطيب، المرشد، ج٣، ١١٠٦، ١١٢٤–١١٢٩.
٥٣  مزيد من الأمثلة في المختار، ٦٩، ٨٥؛ والمفضليات، ١، ٢٥، رقم ٤؛ الترجمة، ٧.
٥٤  المختار، ج١، ٢٥٨–٢٦٣، ٢٢٩–٢٣٠.
٥٥  المصدر نفسه، ج٢، ٢٣٨–٢٤٠، ٢٤٠-٢٤١.
٥٦  المصدر نفسه، ج١، ١٦٥–١٦٩ [وزُرْعة هو عامرُ بن الطُّفيل (المترجم)].
٥٧  المصدر نفسه، ج٢، ١٩٦–١٩٩.
٥٨  المصدر نفسه، ج٢، ٥٩٧–٦٠٩.
٥٩  المصدر نفسه، ج١، ١١٤–١٢١.
٦٠  المصدر نفسه، ج١، ٦٢–٦٥. وهذه السمة لإتمام القصيدة بفقرة مأثورةٍ من «مقطعٍ قصير»؛ صارتْ مُعتادَةً جدًّا في نهاية القرن السادس الميلادي. (المحرِّرون)
٦١  ابن قتيبة، الشعر، ٢٠–٢٢.
٦٢  ابن رشيق، العمدة، ج١، ٢٠٦.
٦٣  المختار، ج١، ١٤٩.
٦٤  المصدر نفسه، ج١، ١٨٣.
٦٥  التبريزي، الشرح، ١٢٢، البيت ٧٩؛ ١٢٤، البيت ٩٤؛ ١١٥، البيت ٤٢؛ ص١٢٤، البيت ٩٥ [الأبيات بترتيبِ وجودها في النص ٩٤، ٤٢، ٩٥، ٧٩ (المترجم)].
٦٦  Blunt, Golden Odes, 41 and 45.
٦٧  ليال، المفضليات، ١، ٥٧٤–٥٨٨، رقم ٧٦؛ الترجمة ٢٢٨–٢٣٢، الأبيات ١–٤، ٤١–٤٤.
٦٨  Arberry, Seven Odes, 179.
٦٩  الديوان، ٢٧–٢٨، ٣٨٠.
٧٠  الديوان، ٨٦.
٧١  الأصفهاني، ج٢، ٣٩.
٧٢  ابن إسحاق، السيرة، ١٧؛ Guillaume, Life, 10؛ يبدو أنَّ النصَّ يتضمَّن شكلًا من البِشْعَة — اختبار النار — كما تُعرف في شبه الجزيرة العربية الآن.
٧٣  التبريزي، الشرح، ١٢٦، البيت ٦.
٧٤  الطيب، المرشد، ج١، ٣٩٠-٣٩١.
٧٥  الديوان، ٣٤.
٧٦  السقا، مختار، ج٢، ٤٦٢–٤٧١.
٧٧  المصدر نفسه، ج١، ٦٢.
٧٨  المصدر نفسه، ج٢، ٢٦–٢٩.
٧٩  القالي، الأمالي، ج٢، ١٣٠–١٣٤.
٨٠  ليال Lyall، المفضليات، ١، رقم ٤٤، الترجمة، ١٦١–١٦٦.
٨١  المختار، ج٢، ٢٢٥.
٨٢  المصدر نفسه، ج١، ١٥٩-١٦٠.
٨٣  المصدر نفسه، ج١، ١٥٨، البيت ٢٨.
٨٤  المصدر نفسه، ج١، ١٥٨، البيت ١٢.
٨٥  المصدر نفسه، ج١، ٢٩، البيت ٤٦.
٨٦  المفضليات، ١، ٤٩٤، رقم ٤؛ الترجمة، ١٨٦–١٨٨، البيتان ٣-٤.
٨٧  المصدر نفسه، ١، ٢، رقم ١.
٨٨  التبريزي، الشرح، ٣٠، البيت ٣.
٨٩  المختار، ج١، ٥٢.
٩٠  المصدر نفسه، ج١، ٢٤٦–٢٥٠، الأبيات ١٠–١٦؛ قارن الشيباني، الشرح، ٣٩-٤١.
٩١  هذا البيت مثيرٌ للقرَّاء العرب، ومن المستحيل تمامًا نقلُ نبرته للقرَّاء الأوروبيين. (المحرِّرون)
٩٢  التبريزي، الشرح، ١١١.
٩٣  المصدر نفسه، ١١١ وما يليها، الأبيات، ١٥، ١٦، ٢٠، ٢١. المعنى المجازي للبيت الأخير أنَّ الرايات تؤخذ إلى الماء وتُعاد (مثل الإبل)، لكنْ لا يمكن نقله في الترجمة. (المحرِّرون)
٩٤  المصدر نفسه، ٩٥، البيت ٢٠.
٩٥  المصدر نفسه، ٩١، البيت ٣٢، يقال إنَّ الشاعر كان زنجيًّا.
٩٦  Arberry, Odes, 144.
٩٧  التبريزي، الشرح، ٨١، البيت ٥٣.
٩٨  ليال، المفضليات، ١، ٣٥٨، رقم ٣٣، المترجم ١٣١–١٣٦.
٩٩  الديوان، ٤٦؛ قارن السمعاني، الأنساب.
١٠٠  السكري، الشرح، ج١، ٤٣٩-٤٤٠.
١٠١  المصدر السابق، ج١، ٤١؛ المفضليات، ١، ٨٧٠، رقم ١٢٦، الترجمة ٣٥٥–٣٦٢، الأبيات ٣٣-٣٤، ٤٦-٤٧، ٦٣.
١٠٢  قارن الوصف؛ ابن رشيق، العمدة، ج١، ٢١٦–٢٤١.
١٠٣  السقا، مختار، ج١، ٢٣٦.
١٠٤  Nicholson, Literary History, 121: «تُطلَق كلمةُ النابغة على شاعرٍ تظهر عبقريَّته ببطء؛ لكنها في النهاية تندفع بحيوية وغزارة» (نبغ).
١٠٥  النابغة، الديوان، ٨١، الأبيات ٢–٨، ١٤-١٥.
١٠٦  ليال، المفضليات، ١، ٥٢-٥٣، رقم ٨؛ الترجمة ١٦–٢٠، الأبيات ٣–٥.
١٠٧  الديوان، ٢٩.
١٠٨  المفضليات، ١، ٥٧٨–٥٨١، الأبيات ١١، ١٧، ١٨؛ الترجمة ٢٢٨-٢٢٩، البيتان ١٧، ١٨ فقط (اللون الفاتح، العاج، إشارة إلى ولادة أرستقراطي.) (المحرِّرون)
١٠٩  المصدر نفسه، ١، ٢٠٠، رقم ٢٠، الأبيات ٦-٧، ٩-١٠، ١٢-١٣؛ الترجمة ٦٩-٧٠.
١١٠  التبريزي، الشرح، البيت ٤٠.
١١١  انظر الهامش ٦٠.
١١٢  كعب بن زهير، الديوان، ٣ وما يليها، الأبيات ٢، ٣، ٤، ٨، ٩.
١١٣  ليال، المفضليات، ١، ٧٩٠–٧٩٧، رقم ١٢٠، البيتان ٦، ١٣؛ الترجمة ٣٣٤-٣٣٥.
١١٤  المختار، ج١، ١٨٤–١٨٧، الأبيات ١٤، ١٥، ١٦، ١٧، ٢٦، ٢٧، ٢٩.
١١٥  الأغاني، ج١٨، ١٥٤؛ أبو تمام، الحماسة، ج١، ٢١٥.
١١٦  Blunt, Golden Odes, 5 and 6.
١١٧  الديوان، ٣١ وما يليها.
١١٨  لم أعثُر على بيتٍ لعروة بهذا المعنى بعد الرجوع إلى ثلاثة تحقيقاتٍ لديوانه، بما فيها التحقيق المشار إليه في المراجع. (المترجم)
١١٩  الأعشى، الديوان، ١٥.
١٢٠  المصدر نفسه، ١٧٦، ١٧٧.
١٢١  المصدر نفسه، ٦٨، الأبيات ١١–١٥.
١٢٢  الأغاني، ج٧، ١٤٢.
١٢٣  المصدر نفسه، ج٢، ١٩٠–١٩٧؛ Arberry, Odes, 181.
١٢٤  الأغاني، ج٢، ١٩٢؛ الديوان، ٥٥ وما يليها.
١٢٥  المفضليات، ١، ٤٩٨-٤٩٩، رقم ٥٤.
١٢٦  المصدر نفسه، ١، ٥٠١، رقم ٥٤؛ الترجمة، ١٨٩-١٩٠، الأبيات ١٢–١٤، ١٥–١٩، ٢٠–٢٢.
١٢٧  المختار، ج١، ٣٥٥-٣٥٦، الأبيات ١٣–١٨، ٢١–٢٣.
١٢٨  امرؤ القيس، الديوان، ١٤١.
١٢٩  ابن قتيبة، الشعر، ليدن، ١٤٥–١٤٧.
١٣٠  Schulthess, Umajja, 19.
١٣١  حسان، الديوان، ٧٤-٧٥، رقم ١٣، الأبيات ١١–١٣، ١٥؛ الأغاني، ج١٤، ٢.
١٣٢  الأعشى، الديوان، ٣٥٤، رقم ١١، الأبيات ١٥-١٦، ٢٠–٢٢.
١٣٣  التبريزي، شرح المعلقات، ٥٩، البيتان ٢٧-٢٨؛ Arberry,Odes, 115.
١٣٤  لا تظهر هذه الأبيات في التبريزي وفي بعض طبعات الديوان على الأقل. (المحرِّرون)
١٣٥  الشيباني، الشعر، ١١٣–١١٥؛ الخط منطقة في الخليج تُعرف بهذا الاسم حتى اليوم. (المحرِّرون)
١٣٦  المختار الشعر الجاهلي، ج١، ١٦٠، الأبيات ٨، ١٠–١٣.
١٣٧  المصدر نفسه، ج١، ١٥٥ وما يليها.
١٣٨  المصدر نفسه، ج١، ١٥٤، البيتان ٣٩، ٤١.
١٣٩  ليال، الديوان، النص، ٧٧، الترجمة ٦١، رقم ٢٩، الأبيات ١، ٤، ١٠-١١.
١٤٠  المصدر نفسه، الترجمة، ٢٨، رقم ٧، الأبيات ١، ١٢، ٥.
١٤١  قارن ابن رشيق، العمدة، ١، ٨٠ وما يليها.
١٤٢  البغدادي، خزانة الأدب، ٣، ٣٦٦.
١٤٣  الأعشى، الديوان، ١٠٨.
١٤٤  المصدر نفسه، ٣٣، الأبيات ٥١٥٢، ٥٤٥٥ [الأبيات الخمسة الأخيرة لا يشير إليها الهامش. (المترجم)]
١٤٥  المصدر نفسه، ١٠٥، الأبيات ١٥–١٨، ٢١–٢٣.
١٤٦  مختار الشعر الجاهلي، ج١، ٩٩، الأبيات ١–٤ [الإشارة إلى رقم الصفحة خطأ. (المترجم)]
١٤٧  المفضليات، ٣٢١، رقم ٣١، الأبيات ١، ٢، ٤–٧، ٩، ١٠.
١٤٨  المفضليات، ٣٢١–٣٢٣، رقم ٣١؛ الترجمة، ٢، ١١٤.
١٤٩  الأغاني، 3، 2.
١٥٠  المفضليات، ٣٢٧، رقم ٣٢؛ الترجمة، ٢، ١١٧، البيتان ١، ٤.
١٥١  المصدر نفسه، ١، ٣١٦، رقم ٣٠، الأبيات ٥–٧، ١١-١٢؛ الترجمة، ١١٢.
١٥٢  تيم من المجموعة القبلية لتميم، وهي نفسها من سلالةِ مُضَر (شمال الجزيرة العربية).
١٥٣  المختار، ج١، ٣٨٠، الأبيات ٨٣–٨٥.
١٥٤  تعتبر التجارة مهينةً من قِبَل معظم أهل القبائل. (المحرِّرون)
١٥٥  الجمحي، طبقات الشعراء، ١٩٦-١٩٧.
١٥٦  الشنتمري، الديوان، ١٠١ وما يليها.
١٥٧  التبريزي، الشرح، ١١٧، البيت ٨؛ Arberry, Odes, 206.
١٥٨  ابن قدامة، نقد الشعر، ٥٦؛ بونِبَكر، كتاب نقد الشعر، ٤٥؛ قارن سيبويه، كتاب، ١، ٤٤٦.
١٥٩  المختار، ج١، ٢٥٠ وما يليها، البيتان ٢٩، ٣٢.
١٦٠  المصدر نفسه، ١، ٣٢١-٢٣٢، الأبيات ٩٦–٩٨.
١٦١  المصدر نفسه، ١، ٨٩-٩٠، الأبيات ١٤–١٧.
١٦٢  التبريزي، الشرح، ١٣١-١٣٢، ١٣٦، الأبيات ٢٧، ٣٢–٣٤، ٥٢.
١٦٣  قارن المفضليات، ١٠٠ وما يليها، رقم ١٢، ٣٥ وما يليها؛ ٦٢٤، رقم ٩١؛ الترجمة ٢٥٧.
١٦٤  المختار، ١، ٩٣ وما يليها؛ ٢، ٨٧ وما يليها.
١٦٥  المصدر نفسه، ١، ٢٥٤، البيت ٢٨.
١٦٦  المصدر نفسه، ١، ٢٥٢، البيتان ٢-٣.
١٦٧  السكري، الشرح، ١، ٢٦٢–٢٨٣.
١٦٨  المصدر نفسه، ١، ٢٨٤.
١٦٩  المصدر نفسه، ٢، ٥٨٩ وما يليها.
١٧٠  المفضليات، ١، ٣٣١، الأبيات ١–٥؛ ٢، ١١٩.
١٧١  المصدر نفسه، ١، ٣٣٥.
١٧٢  شرح التبريزي، ١٤٩، الأبيات ٤٤–٤٦.
١٧٣  شرح التبريزي، ٢١، الأبيات ٤٩-٥٢.
١٧٤  المختار، ٤٢-٤٣، الأبيات ٥٢–٥٤.
١٧٥  المصدر نفسه، ١، ٥٨، البيتان ٣٤-٣٥.
١٧٦  المصدر نفسه، ١، ٧٤، البيتان ٦-٧.
١٧٧  المصدر نفسه، ١، ٣١٦، البيتان ٥٣-٥٤؛ الشرح، ٤٢، البيت ٥١، ٤٨، البيت ٨٢؛ Arberry, Odes, 86, 88.
١٧٨  الشَّنْفَرى، اللامية، الأبيات ١، ٥–٨؛ مختار الشعر الجاهلي، الجزء ٢، ١٩٧.
١٧٩  المصدر نفسه، ٣٧٥–٣٧٩، الأبيات ٤٤-٤٥، ٧٢، ٦٩–٧١، ٧٨.
١٨٠  المصدر نفسه، ٢، ٣٩٨-٣٩٩؛ شرح التبريزي، ٨٧ وما يليها.
١٨١  Arberry, Odes, 147.
١٨٢  شرح التبريزي، ٨٣ وما يليها، الأبيات ٦٣، ٧٠، ٧٢.
١٨٣  القرآن، ٩٠، ٦-٧.
١٨٤  المفضليات، ١، ٤٨، رقم ٨؛ الترجمة ١٦ وما يليها.
١٨٥  المصدر نفسه، ١، ٣٥٥، رقم ٣٨؛ الترجمة ١٣١ وما يليها.
١٨٦  المصدر نفسه، ١، ٢٥٥، رقم ٢٤؛ الترجمة ٨٦ وما يليها.
١٨٧  المصدر السابق، ١، ٥٧، رقم ٨؛ الترجمة ١٧٠ [البيت للحادرة (المترجم)].
١٨٨  المختار، ٢، ٣٧١-٣٧٢، الأبيات ٦٤–٦٦، ٨٣، ٨٨-٨٩.
١٨٩  المصدر نفسه، ٢، ٣٤١ وما يليها، الأبيات ١٥-١٧، ٤١، ٢٨، ٣٠.
١٩٠  Freytag, Hamasae, I, 414 ff.
١٩١  السكري، الشرح، ٢، ٥٧٨ وما يليها.
١٩٢  المصدر نفسه، ٢، ٥٨٣.
١٩٣  قارن الأغاني، ج١٣، ١٣٧.
١٩٤  الخنساء، الديوان، ١٢٠، البيتان ٢-٣.
١٩٥  الديوان، ٤٨-٤٩. يضع العرب الجِلدَ المحشوَّ للعِجل الميت للأمِّ لمواساتها، ومثل هذا الجِلد المحشوِّ يسمَّى tulchan. في اسكتلندا. قارن الديوان، ٣٠، للاطلاع على قصيدةٍ أخرى للخنساء في التِّيمة نفْسِها.
١٩٦  السكري، الشرح، ١، ٢٩٣.
١٩٧  المصدر نفسه، ١، ٢٨٤.
١٩٨  قارن ابن رشيق، العمدة، ٢، ١٥١-١٥٢.
١٩٩  السكري، الشرح، ٢، ٩١٦.
٢٠٠  القالي، الأمالي، الجزء ٣، ٣٥-٣٦، الأبيات ١–٣، ١٠ [والبيت ١١ (المترجم)].
٢٠١  المفضليات، ٥٢٩ وما يليها، رقم ٦٧، البيتان ٧، ١٦؛ الترجمة ٢٠٧-٢٠٨.
٢٠٢  القول المأثور أو sententia أداةٌ مفضَّلة في كلِّ الآداب قبل الحديثة. تزودنا مصر القديمة وبلاد ما بين النهرين بمجموعاتٍ من هذه الأقوال، وثمَّة عيِّنة من مجموعةٍ مألوفة للجمهور الإنجليزي لسليمان الحكيم في العهد القديم. القول المأثور بطبيعته بديهيٌّ في محتواه، وكثيرًا ما يبدو للذائقة الحديثة عاديًّا؛ ويكتسب قيمته الأدبية من الشكل الرائع والدقيق للتعبير عنه، وهو شيء قد لا تحافظ عليه الترجمة. القول المأثور لشكسبير «تفقد القرض غالبًا والصديق oan oft loseth both itself and friend». عاديٌّ في محتواه، وقد يميل كاتبٌ من القرن العشرين إلى تجنُّبه؛ لكنْ في السياق الشكسبيري شكله البارع يجعله مقبولًا. ولبعض الأقوال العربية المأثورة الخاصيَّةُ نفسها.
٢٠٣  المفضليات، ٨٥٥، ٨٥٧، رقم ١٢٦، البيتان ٩، ١٣؛ الترجمة ٣٥٦.
٢٠٤  المختار، ج٢، ٤٨٣؛ ابن إسحاق، السيرة، ٢٨٣-٢٨٤؛ Guillaume, Life, 169.
٢٠٥  المختار، ج٢، ٤١٣.
٢٠٦  السكري، الشرح، ٢٤٥-٢٥٥، ٤٣٩.
٢٠٧  الطوسي، شرح ديوان لبيد، ١٦٨.
٢٠٨  المفضليات، ١، ٣١٥–٣٢٠، رقم ٣٠؛ الترجمة، ١١٤.
٢٠٩  المختار، ج١، ٨٦، البيت ١١.
٢١٠  المصدر نفسه، ج١، ١٠٩.
٢١١  المصدر نفسه، ١، ٨٠-[٨١ (المترجم)]، البيت ١٠ [والبيت ١١ (المترجم)].
٢١٢  المفضليات، ١، ٦٠٠ وما يليها، رقم ٨٠؛ الترجمة، ٢٣٨-٢٣٩.
٢١٣  قارن الأغاني، ٢، ١٨ وما يليها.
٢١٤  عدي، الديوان، ٨٦–٩٠.
٢١٥  المفضليات، ١، ٧٥٠، رقم ١١٦، الترجمة ٣٢٢.
٢١٦  الأغاني، ج٣، ٩. التلميح في البيت الأخير عادة إلى الحرب. (المحرِّرون)
٢١٧  التبريزي، الشرح، ١٦١. وما يليها، الأبيات ٢١، ٢٢، ٢٤، ١٨، ٢٩، ٢٠، ٢٦.
٢١٨  قارن عبيد، الديوان، ١٣.
٢١٩  المختار، ١، ٢٦٨، البيتان ١٥، ١٦ [الظليم ذَكَرُ النَّعامِ، والجمعُ ظِلْمان (المترجم)].
٢٢٠  المصدر السابق، ٢، ١٦٨.
٢٢١  المصدر السابق، ١، ٢٤٠، البيت ١.
٢٢٢  شرح التبريزي، ٦٨، البيتان ٦، ٧؛ المختار، ٢، ٣٨٣-٣٨٤؛ Arberry, Odes, 66.
٢٢٣  المختار، ج١، ١٥٤، البيت ٤٦.
٢٢٤  السكري، الشرح، ج١، ١٣٤ [والشطر لأبي ذؤيب (المترجم)].
٢٢٥  المفضليات، ١، ٢٠٥، رقم ٢٠؛ الترجمة ٧٠ [والبيت للشنفرى (المترجم)].
٢٢٦  المختار، ج١، ٥٣، البيت ٦.
٢٢٧  المصدر السابق، ١، ٣٧١، البيت ٢٠.
٢٢٨  الديوان، ٨٢.
٢٢٩  المفضليات، ١، ١٦٠، رقم ١٧؛ الترجمة، ٥٧.
٢٣٠  الديوان، ٤٦–٤٩.
٢٣١  المختار، ج١، ٣٧٢، البيت ٢٣.
٢٣٢  المصدر نفسه، ج١، ٢٧٣، البيت ٣١ [الصواب ص٣٧٣ (المترجم)].
٢٣٣  المصدر نفسه، ج١، ٢٥٢-٢٥٣، الأبيات ١٣، ١٥–٢٠.
٢٣٤  الأعشى، الديوان، ٣٥٢، الأبيات ٤–١٤.
٢٣٥  يعتبر العرب، مثلهم مثل الإغريق والرومان، ملكةَ النحل ذَكَرًا. (المحرِّرون)
٢٣٦  السكري، الشرح، ج١، ١٤٢–١٤٤، من الواضح أنَّ السكري، الشارح، لم يكُن يعرف أنَّ «نُوب» تعني «النحل»، وارتبَكَ بوضوحٍ بشأنِ البيت الأخير. (المحرِّرون)
٢٣٧  المفضليات، ١، ٣٤٠، رقم ٢٤ [الصواب رقم ٣٤ (المترجم)]؛ الترجمة ١٢٢.
٢٣٨  المصدر نفسه، ١، ٢٤٧، رقم ٢٣؛ الترجمة، ٨٤، الأبيات ٧–١٠.
٢٣٩  المصدر نفسه، ١، ٢٥٢، رقم ٢٣، البيت ١٥؛ الترجمة، ٨٤.
٢٤٠  Freytag, Hamasae, 1, 276.
٢٤١  المفضليات، ١، ٣٤٨-٣٤٩، رقم ٣٤، البيتان ٣-٤؛ الترجمة ١٢٧-١٢٨ [شعر عوف بن الأحوص (المترجم)].
٢٤٢  المصدر السابق، ١، ٤٦٦، رقم ٤٧، البيتان ١٢-١٣؛ الترجمة ١٧٢.
٢٤٣  الطائي، الديوان، ٦١-٦٢.
٢٤٤  الطائي، الديوان، ١٠٦-١٠٧.
٢٤٥  المختار، ج٢، ١٠١.
٢٤٦  القالي، الأمالي، ١، ١٥٠-١٥١.
٢٤٧  السكري، الشرح، ج١، ٤٦-٤٧، البيتان ١٠-١١.
٢٤٨  المصدر نفسه، ج١، ١٤٦، البيت ٢١.
٢٤٩  Arberry, Odesy, 85 ff.
٢٥٠  المفضليات، ٨١٢ وما يليها، ١٢٠، البيت ٤٠ وما يليه.
٢٥١  المختار، ج٢، ١١٢-١١٣، ١١٧.
٢٥٢  من معلقة عمرو بن كلثوم، Nicholson, Literary History, 111.
٢٥٣  ابن إسحاق، السيرة، ٨٦٧؛ Guillaume, Life, 779.
٢٥٤  المفضليات، ١، ٢٦٨–٢٩٤، رقم ٢٦، الأبيات ٤٦، ٥٠-٥١، ٧٠-٧١، ٧٦-٧٧، ٨٠-٨١.
٢٥٥  المفضليات، ١، ٢٥٦، رقم ٢٦؛ الترجمة، ٨٧، البيت ٨.
٢٥٦  المختار، ١، ٢٧٣,
٢٥٧  المصدر نفسه، ٢، ٤٦٤. يقال إنَّ الهاجريَّ نسبةٌ إلى مكانٍ اسمه هجر.
٢٥٨  المصدر نفسه، ٢، ٤٦٥ [البيت الأول ٤٦٤، والبيت الثاني ٤٦٥ (المترجم)].
٢٥٩  المصدر نفسه، ١، ٤٢.
٢٦٠  المصدر السابق، ١، ٣٠٩. الفيال: لعبةٌ كان يلعبها أطفالُ عرب البادية، وفيها يدفن المُفايلُ شيئًا في التراب، ثم يقسمه قسمين ويسأل رفيقه عن الشيء المخبَّأ في أيِّ قِسمٍ صار، وعلى رفيقه أن يخمِّن.
٢٦١  المصدر نفسه، ١، ١٥١.
٢٦٢  المصدر نفسه، ١، ١٥٨.
٢٦٣  السكري، الشرح، ١، ١٨.
٢٦٤  المختار، ج١، ٣٣.
٢٦٥  المفضليات، ١، ٢٥٩، رقم ٢٤؛ الترجمة ٨٧. الأحمَسيُّ: عضوٌ من حُمْس قريش.
٢٦٦  المختار، ج٢، ٥٥٨.
٢٦٧  المصدر نفسه، ج١، ٤٧.
٢٦٨  المصدر نفسه، ج٢، ٢٣٢.
٢٦٩  المفضليات، ١، ٤١.
٢٧٠  المصدر نفسه، ١، ٧٦٥؛ قارن المختار، ١، ٤١٤–٤٢٠؛ البائية بشرح عبد الله الطيب، بيروت، ١٩٦٩م.
٢٧١  تعني كلمة الحجاز نفسها «الحاجز»، واستُخدمت أصلًا لسلسلةِ جبال، رغم أنَّ الجغرافيين يضمُّون دائما للحجاز وِديان ساحلِ البحر الأحمر.
٢٧٢  Beitrdge, introd., xvii-xxiii.
٢٧٣  يستشهد بها الأسد في «مصادر الشعر الجاهلي»، ١٧١، مسبوقةً بكلماتٍ حذِرة: «إذا صحَّ.» [الإشارة على لسان معاوية إلى قصيدتَي عمرو بن كلثوم والحارث بن حلِّزة (المترجم)].
٢٧٤  Ancient Arabian Poetry, introd., xliv.
٢٧٥  Literary History, Cambridge 1930, 101.
٢٧٦  Commentary on ten ancient Arabic poems, ed. Lyall, Calcutta 1894, repr. 1965.
٢٧٧  الشعر، ١٤٤.
٢٧٨  المقدمة، ج٦، ٥٨.
٢٧٩  Odes, 27–36.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥