الشعر الأموي
العصر الأموي (٤٠–١٣٢ﻫ/٦٦١–٧٥٠م) من أكثر العصور إثارةً وأهمية لناقد الشِّعر. كان الشعر الأموي، أكثرَ من شعرِ أيِّ عصر آخَر قبل العصور الحديثة، في تطوُّرٍ ديناميكي، وسجَّل، بشكل غير مباشر ومباشر، التغيراتِ الأكثرَ عمقًا في الحالة الرُّوحية في تلك الأوقات. وأحاط بهذه الفترة من التطور السريع فتراتٌ أكثر استقرارًا من الإبداع الشعري: من ناحية الشعر الجاهلي، ومن الأخرى الشعر العباسي؛ ولا شك في أنَّ الشعر الأموي ينبع من تراثٍ شعري قوي من الإنجاز الرفيع. يبدو أنَّ شِعر الأخطل (غياث بن غوث التغلبي، ت: ٩٢ﻫ/٧١٠م)، على سبيل المثال، انبثق من تراثٍ عميقِ الجذور، وتطوَّر إلى حدِّ الكمال على أيدي أجيالٍ من الشعراء. يعطي شِعر شاعر مثل القرشي عمر بن أبي ربيعة (٢٣–٩٣ﻫ/٦٤٣–٧١١م) انطباعًا مختلفًا. كتب شعرًا تجريبيًّا؛ انحرف في النبرة والتقنية عن الشِّعر السابق له، لكنْ رغم أنه لم يكتب على طرازِ التراث الجاهلي إلا أحيانًا؛ ظلَّ يبني على إنجازاتِ أسلافه، ويستفيد من قوة تقنياتهم ومرونتها.
يزخر الشعر الأموي بالتجريب. تمَّ استكشاف الكثير من أبعاد القصيدة. دخلت أمزجةٌ وتيمات جديدة، وتحوَّلت نُقط التأكيد، وظهرتْ من جديدٍ موتيفاتٌ قديمة، كثِّفت وخضعتْ للمبالغة أحيانًا. إنه عصرٌ حدثتْ فيه ثورةٌ تلقائية لا نظيرَ لها، زاخرة مع ذلك بنزعةٍ تقليدية مؤثِّرة.
(١) اعتقاد جديد
مع التغيرات الهائلة في كل جوانب المجتمع، كانت الحياة الداخلية للفرد تتغير. كان عصرَ القلَق. التدابير القمعية لوُلاةٍ مثلِ زياد بن أبيه والحجَّاج بن يوسف، الواليِيَيْن اللَّذَين حكما العراق في ٤٥–٦٠ﻫ/٦٦٥–٦٨٠م وفي ٧٥–٩٥ﻫ/٦٩٤–٧١٣م على التوالي، كانت قاسية على شعبٍ يعشق الحريةَ، لم يعتدْ على الحكومة المركزية وآلية الدولة. ما حدَثَ للشعب العربي كان يحدُث للمرة الأُولى في تاريخه. التعامل الوحشي مع أُسرة النبي، وخاصة مذبحة كربلاء للحسين ومجموعته الصغيرة (٦١ﻫ/٦٨٠م)، لا بد أنه كان صدمةً عميقة للعرب. ولا بد أن التفوق الاستبدادي لقريش كان مصدرًا لخيبة الأمل أيضًا؛ لأنَّ الإسلام وعَدَ بالمساواة والعدل بين الجميع، لكنْ باستثناء الخوارج، الذين لم تأخذ خيبة أملهم شكلًا صريحًا، وكانت في صورةِ ألمٍ داخلي تجلَّى في توتُّرٍ ميَّزَ ذلك العصر.
كان الصراع الأهلي سببًا للسخط العام، ونتيجةً له اضطر معظمُ الشعراء إلى اتخاذ جانب. وفي العراق خاصة، لم يكُن الشاعر يستطيع الانعزالَ عن الاضطراب الذي يحيط به من كلِّ الجوانب.
كان المجتمع الإسلامي في بداياته مُفعَمًا بالتوتر. كان تدرُّجٌ هرمي جديد ينبثق مختلفًا عن النظام القبلي القديم، وبسرعةٍ اكتسب مكانته مصدرًا للسُّلطة والثراء. كان المجتمع يسير بثباتٍ باتجاه طريقةٍ حضرية أكثر في الحياة. بدأ الناس يعتمدون أكثرَ وأكثر على الدولة، التي كان شعارها الخليفةَ وحاشيته.
التعطُّش الفُجائي لشعبٍ بدوي من خلال الفتوحات، إلى عالَمٍ مختلف تمامًا، تحت هذه الرايات المختلفة، تسبَّب أيضًا في نوعٍ من القلق. وتطلَّب الأمر أكثر من أربعة أجيال من الإسلام والتحضُّر لطمس تأثير أيام الجاهلية وطُرُق العرب، وجلْبِ مواقفَ مختلفةٍ بشكل أساسي، أكثر ملاءمةً لرُوح الإسلام.
ومع ذلك، كان المجتمع الأموي بعيدًا عن التجانس. كان بالأحرى كتلةً من الثقافات المتباينة. كانت ثقافات الفاتحين والمحتلِّين عاجزةً عن تغذية بعضها البعض فنيًّا بطريقةٍ تنتج أنواعًا جديدة من الشِّعر. وكان هذا بالأحرى زمنًا يحاول العرب فيه التخلص من ثقافةٍ تنشأ عن طريقتهم السابقة في الحياة. كانت عمليةً طويلة وصعبة شغلَت العصرَ الأمويَّ كلَّه تقريبًا.
وإضافةً إلى ذلك، كان هناك اختلافٌ ملحوظ في الرأي والمزاج والاهتمام بين مختلف مناطق الإمبراطورية الجديدة؛ لذا يعكس الشعر الأموي تنوعًا هائلًا في البيئات الإقليمية.
في العراق، تشكَّل السكان العرب في المدينتَين الجديدتَين، البصرة والكوفة، من الجنود وأُسَرهم، المجنَّدين من الكثير من القبائل العربية. وكان هناك أيضًا أعدادٌ كبيرة من السكَّان غير العرب، بعضهم من المزارِعين الأصليين في جنوب العراق، وآخَرون من الأَسرى الفُرس الذين جُلبوا بالآلاف.
كانت دمشق، على عكس الحاميتَين، أرضَ النظام والانضباط المدني. اعتاد السكان الأصليون اتباع القانون والنظام وطاعة الطبقة الحاكمة. كان معاوية أولَ الملوك المسلمين، رغم أنه لم يستخدم اللقب. وكان من أمهر العقول في الإسلام، عَرَف قيمة الحفاظ على واجهة حياة الأمراء، وحوَّل عاصمته مركزًا للسُّلطة والأبَّهة. أنشأ بلاطًا، برجالِ حاشية وشعراء، ومحاسبين وحرَّاس. وفي فترةِ حُكم معاوية رسخ المدح وظيفةً أساسية للشاعر، وكان يُكافَأ بسخاء.
مرةً أخرى، كان الحجاز مختلفًا. موطن قريش والأرستقراطية العربية، سكنها أبناء المهاجرين والأنصار وأحفادهم، وأعداد من المطالِبين بالخلافة. بعد فشل ثورة الزبير في ٧٣ﻫ/٦٩٢م، وتدمير الكعبة والمذابح التالية، كانت طاقة سكان الحضَر واهيةً، لكن من المؤكَّد أنها اتجهتْ لمُتَع الحياة. تدفَّقت الأموال على المنطقة، وتدفَّق العبيد بالآلاف. وجلبوا معهم فنونَهم وحِرَفهم. وفي المدينة ومكة والطائف وجدوا سكَّانًا من الحضر، مستعدِّين لاستيعاب مُتَع الحضارة والاستمتاع بها. أصبحت المدينة مركزًا للموضة والأناقة، والموسيقى والغناء. دخلت الموسيقى العربية نغماتٌ وموتيفاتٌ جديدة من فارس وبيزنطة، وشهدت تغيراتٍ مهمةً في تلك الفترة.
لكنْ إذا كان شبابُ الحجاز يتمتع بحياة المتعة؛ فإنَّ ذلك يعود إلى أنَّ طموحاتهم أُحبطت، وانحرفتْ تطلعاتهم السياسية. تحولوا، أو حُوِّلوا، من تقشُّف الدين إلى رفاهيةِ الكسل. في صحراء الحجاز ونَجْد، نجِدُ مشاعرَ الإحباط نفسها، لكنْ حيث إنَّ الحياة هناك لا يمكن أن تتكيف مع الصخب؛ طوَّر الرجالُ منظورًا ركَّز على إنكار الذات والهجران، عبَّر عنه شِعر الحنين والأسى. وهكذا تبدَّى قلق العصر في موقف الهروب من الواقع والانغماس في الذات. دمشق وحدها، بشِعرها الرسمي وشعراء بلاطها، تُحمَى إلى حدٍّ ما، من المزاج المتقلِّب المضطرب الذي يتَّسم به العصر.
(٢) الشعر في صدر الإسلام
قبل الانتقال إلى فحص الشعر الأموي وخصائصه الأساسية، ينبغي إلقاء نظرةٍ سريعة على المشهد الشعري في السنواتِ الأربعين التي تسبق العصر الأموي.
كان انشغال القرآن بالشِّعر سلبيًّا عمومًا؛ اتَّجه إلى التبرُّؤ من الاتهام الذي وجَّهتْه قريش المعادية، بأنَّ النبيَّ شاعر؛ لأن القرآن:
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (الشعراء: ٢٢٤–٢٢٧).
الاستثناء الذي تقدِّمه الآية الأخيرة، لا يستعيد للشِّعر كرامته الذي يفقدها في الآيات السابقة؛ لأنها تتضمَّن أنَّ الشِّعر الذي لا يلتزم بقضيةِ الإسلام ضالٌّ ومضلِّل. صدمتْ بالتأكيد الشعراءَ المسلمين الكبار في المدينة، الذين انطلقوا إلى النبي في كربٍ؛ بحثًا عن طمأنينة، لكنَّ هذا الموقف تجاه الشِّعر ساعَدَ في النهاية على خدمة هدفٍ آخَر للدين الجديد، لفَتَ أنظارَ المؤمنين بعيدًا عن أيِّ شيءٍ إلا القرآن والحديث الذي ينمو حوله.
كان النبي حسَّاسًا لعبقرية التعبير الأدبي، وكان هو نفسه بليغًا من طرازٍ رفيع. لكنه امتنع عادةً عن تكرار أبياتِ الشِّعر. لكنه اعترف بأهميته، واعتبره نشاطًا عليه أن يلتزم بصرامةٍ بقضية الإسلام. حين هاجَمَ شعراء قريش، من أمثال عبد الله بن الزِّبَعْرى وضِرار بن الخطَّاب وعمرو بن العاص وأبو سفيان بن الحارث، النبيَّ والإسلام؛ دعا النبي المسلمين الأوائل إلى محاربتهم بأسلحتهم. استجاب شعراء الخزرج في المدينة على الفور، واختار النبي حسَّانًا لهذه الغاية الخاصة لقدرته على تأليف هجاءٍ لاذع.
كان اهتمام الخلفاء الراشدين بالشِّعر أكثرَ من اهتمام النبي، وكانوا يناقشونه مع الآخَرين. عُرف عن عمرَ وعليٍّ خاصة اهتمامهما بالشعر، لكنَّ الشعر الذي فضلاه يجسِّد القِيَم النبيلة ويَعِظ أخلاقيًّا؛ طبقًا لتعاليم الإسلام.
كان الشعر تحت إشراف الدين والدولة. ممَّا أبرز المشاكل الفنية الصعبة التي تواجه الشعر في أزمنة التغيرات السريعة.
بدأ الإسلام دينًا متزمِّتًا، يؤكِّد على الوحي المنزَّل والامتثال للقواعد أكثرَ من الامتثال للحالات العاطفية. القيم التي دعا إليها الإسلام كانت جديدةً تقريبًا، مطعَّمةً بخلفية وثنية لم تُنبذ حتى بعد قرنٍ من الإسلام.
هكذا وقفت عوامل كثيرة ضد التطور الطبيعي للشعر. قطعت هذه الفترة خطَّ التطور الثابت للفن الشعري، ووُجد فاصلٌ بين عصرَين شعريَّين مزدهِرَين، الجاهلي والأموي، خلَقَ انقطاعًا كان صدمةً للموهبة الإبداعية العربية، وجعَلَها غيرَ واثقةٍ من قِيَمها ومفاهيمها الفنية وجذورها التقليدية.
هذه الواجهة الفنية البحتة للوضع الشعري للفترة الإسلامية، جانبٌ حظِيَ بأقلِّ اعتراف من النقَّاد ومؤرِّخي الأدب، لكن فقط بفهم ما حدَثَ للشعر مع ظهور الإسلام يمكن فهْمُ تطوره في العصر الأموي.
كان للوضع الشعري الذي وصفناه عدَّة نتائج مهمَّة؛ أولًا: قطعت استمرارية التراث الشعري. الاعتراف بأنه كان هناك انقطاعٌ لبعض أوجه الشعر، حيوي لفهم تطور فنِّ الشعر العربي. ثانيًا: التوقف في الإبداع، الذي يعترف به النقاد الكلاسيكيون والمحدثون في تلك الفترة، سَمحَ بهيمنة اللغة الحضرية للقرآن والأحاديث التي نَمتْ حوله، وترسيخ تفوُّق لغة قريش. التطور اللاحق لأسلوبٍ شعري في مدن الحجاز في العصر الأموي، أنتَجَ لغةً شعرية حضرية متمدِّنة مرنة جدًّا، وحثَّ على وجود شِعرٍ بسيط جدًّا بدا أحيانًا حواريًّا واستطراديًّا. ثالثًا: اتَّخذ الشِّعر وِجهةً جديدة، وارتبط بالدولة والإسلام، لكنْ لم يقدَّرْ له أن يتمسَّك بتفسيرِ المُثل الإسلامية في العصر الأموي. وأصبح الشعراء دعاةً للنظام السياسي، وصار المدح، الذي يُكتب غالبًا من أجل المكافأة، عبادةً، والتيمة الأكثر أهميةً في الشعر العربي.
لذا من المناسب وصف هذه الفترة بأنها فترةُ انقطاع من جانب، ومن الجانب الآخر فترةٌ لوضع أُسس نوعٍ جديد من الشعر.
(٣) إحياء الشعر في العصر الأموي
مع العصر الأموي تغيَّر الوضع الشِّعري فجأةً؛ اهتمَّ الأمويون، ببعض الاستثناء، بترسيخ دولةٍ ثيوقراطية. ونجحوا في الوصول للسُّلطة بالقوة، واضطروا للحفاظ عليها بكلِّ الوسائل المتوفرة، وأدركوا أنَّ الشِّعر يمكن أن يلعب دورًا دعائيًّا عظيمًا ويدعم سُلطتهم؛ لذا فتَحَ البلاط أبوابه لأفضل المواهب الشعرية، ورسخ المدح بثباتٍ جنسًا رئيسيًّا في شِعر تلك الفترة.
يتمثل حافزٌ رابع، وراء إحياء الشعر، في الحاجة إلى تسجيلِ نحوِ العربية الكلاسيكية. أصبحت مدينتا البصرة والكوفة بسرعة مركزَين مهمَّين للنحو واللغة، وشهِدَتا إحياءً هائلًا للاهتمام بالشعر الجاهلي. نشأتْ فئةٌ جديدة من الرواة الذين تمكنوا من حفظ آلاف الأبيات التي جمعوها من قبائل الصحراء.
الشعر الأُموي طبقًا لهذا، شعرُ الصراع والتناقض. وهو مهم للمؤرخ الأدبي والاجتماعي؛ لأنه قد يكون أصدقَ تعبيرٍ عن الوعي الداخلي للشعب العربي في القرن الأول من الإسلام. إن قراءة الشعر الأموي بوصفه تعبيرًا عن الظواهر السياسية والاجتماعية فقط؛ يعني إساءةَ فهمه وفهم العصر الذي ظَهرَ فيه.
مع فقدان القِيم المستقرة في الفن والحياة، ولدت حريةٌ فنية جديدة، وعكس فنَّ الشعر حركةُ الروح المحرَّرة من طريقةٍ راسخة في الحياة؛ حرية مؤلمة، لأنها لا تزال تتطلَّع إلى بؤرة في ذلك العصر. لم يعُد وثنيًّا، لكنَّه أيضًا لم يكُن إسلاميًّا بتلقائية تمامًا. لم يغير الإسلام رؤيةَ الشعراء للحياة والعالَم تمامًا. بالنسبة لمعظم هؤلاء الشعراء، كان الإسلام إطارًا اجتماعيًّا وسياسيًّا، لا خبرةً روحية عميقة. في العصر الأموي، تجلَّى هذا الوضع في شعر الهوى والمغامرة، شعر الأسى واليأس، شعر الصخب واللهو، شعر الفسق والهجاء. باستثناء الأخطل، انتهَت الرغبة في النظام والاتزان، وكانت واضحةً في الشعر الجاهلي. بالنسبة للمنظور، نشعر برغبةٍ غريزية في العراق والحجاز للتنفيس من خلال الشعر، والهروب من الحياة القاسية في العهد الجديد ومن توتُّر القمع وسفك الدماء.
كانت التناقضات والصراعات في هذه المرحلة من الحضارة الإسلامية؛ قادرةً على أن تُضفي على الشعر نوعًا من القوة والحماس. انطلق الشعر في حياةٍ نشطة، عاكسًا الحركات العميقة والقوية للعقل القومي. لا يبدو أنَّ الإنهاك، الذي جاء بعد المذابح والحروب الأهلية والقمع والأحكام العرفية، أثَّرَ على نشاط الناس الذي بدا أنه لا ينضب. كشف الشعر عن مرونةٍ لا تعرف الكلل. وتجلَّى النشاط في كلِّ مكان: في متابعة الصراع السياسي والصراع الديني، والفتوحات القومية والبحث عن اللذة والمتعة الحسية. كانت الطاقة الفائضة تُنفق في كل مكان. كانت طاقة أمة شابَّة ناشئة في لحظة اكتشاف الذات وتأكيدها.
وربما كان أعظمَ صراع في الشعر الأموي الصراعَ بين التقليد والتجديد. تعرَّض شعر الجاهلية وهو لا يزال في أوجِه للهجوم فجأةً، وعانى من انتكاسة. ثم استعاد في العصر الأموي أهميته لأسبابٍ لغوية. لكن الشعراء لم يستأنفوا التقاليد الشعرية الجاهلية.
كانت القصيدة الجاهلية الرائعة شبكةً واسعة ومتشابكة من الخبرات، لا مجموعة مواضيع متباينة. كانت تدمج العناصر الأساسية للحياة البدوية وتسمو بها وصولًا إلى العمومية. رغم أنَّ الصور والمواضيع كانت تؤخذ من حياة الصحراء ومشاهدها؛ فقد أضاءت الرؤية العامة للحياة والظروف الإنسانية القصائدَ ببراعة، ممَّا يفسر إلى حدٍّ بعيد التقدير والإعجاب الذي حظِيَ به الشعر الجاهلي، والحفاظ عليه عبر القرون. الكتَّاب الذين فهموا القصيدة الجاهلية وفسَّروها باعتبارها تمثِّل حرفيًّا الحياة في جوانبها الخارجية؛ أغفلوا السرَّ الحقيقي للأهمية الفنية لتلك القصيدة. فشلوا في إدراك الآثار الكامنة تحت هذه المنظومة الكاملة لصورةٍ شعرية للحياة، وكيف تمثل مقاربة لتأكيد الوجود البدوي وتوتره وكل الوجود الإنساني، بالدراما المستمرة عن الحياة والحب والموت، ومرور الزمن، وذبول الشباب، وحياة قاسية طوَّقتها حواجز هائلة من صحراء لا ترحم.
وسَّع شعراء الجاهلية جيلًا بعد جيل مجالَ الرؤية، وما كان ينبغي أن يكون في البداية تحديدًا تلقائيًّا للخبرة اليومية في الحياة البدوية؛ نما مع السنين ليرمز لشيءٍ أعظم. وكان هذا التطور نتيجةَ صقلٍ فني يتنامى، وتفسيرٍ تأملي للحياة.
وكانت رحلة الشاعر ضمن التيمات المهمة في الشعر الجاهلي، وكانت ترتبط بالكثير من الأخطار والتعب، وتقوده إلى شخصيةٍ رفيعة تعوِّض بالمال والهدايا كلَّ صراعاته المُنهِكة. وفيما بعد أصبح هذا إجراءً شعريًّا راسخًا في العصر الأموي. وبرز ذو الرُّمة في عصره، في أنه حافَظَ على التقاليد والتيمات السابقة وطوَّرها إلى درجةٍ رفيعة من البراعة الفنية.
ثانيًا: كانت هناك علاماتٌ على أنَّ هذه التقاليد صارت اصطلاحية ومجرَّد ديكور في شِعر شعراء الجاهلية. ونرى هذا، على سبيل المثال، في شعر حسان بن ثابت، وهو شاعرٌ من مدينةٍ يفوح من بكائه على المخيمات المتخيَّلة المهجورة رائحةُ التصنع.
حدَثَ الانفصال نفسه في العصر الأموي. قطعت فترة الخلفاء الراشدين التقاليد وحطَّمت استمراريتها. فَهمَ الشعراء الأمويون الكبار، مثل الفرزدق والأخطل وجرير، هذه التقاليد وحافظوا عليها في أبعادها الوصفية الخالصة فقط. راوَغَهم العمق والخصائص الضمنية والنمطية الأصلية في أفضل قصائد الجاهلية. وإضافةً إلى ذلك، وقف تغيُّر أساسي في المواقف الميتافيزيقية حاجزًا آخَر أمام استيعابِ هذه التقاليد وطبيعتها الميتافيزيقية. كانت الضرورة عمياءَ في المفهوم الوثني للحياة والموت؛ كانت حركة المصير عشوائية. لم يكُن هناك هدفٌ وراء عمَلِ القَدَر. مع الشعراء المسلمين، أصبحت الحياة بيَدِ الله. يشاءُ الله، طبقًا لمشيئته، أن يكون الإنسان أو لا يكون. كانت الحافة التراجيدية للقدر فظَّة، وتصبح الحياة والتراث المؤثِّر عرفًا مسطحًا.
(٤) المدح وظهور الأخطل
وجَّهت سياسات الدولة الكثيرَ من شِعر العصر الأموي، وشجَّع الخلفاء ووُلاتهم كتابةَ مدائح تساعد على تقوية الدولة وغرْسِ الرهبة والخشوع في النفوس تجاههم. كانت الطبقة الحاكمة الجديدة، تعتبر الشعراء دعاةً ومسلِّين. ومنذ ذلك الوقت، بدءُوا يرون الشِّعر مزيَّةً تتركز حول طبقتهم وتدعمها، لكنَّ هذا لم يمنع الشعراء من النَّظم أيضًا للجمهور الواسع للشِّعر، ونناقش هذا فيما بعد في هذا الفصل.
كان الهدف من المدح خلقَ صورةٍ للشخصيات المرموقة. وجد مفهوم النُّبل خصائص كثيرة، الأصل النبيل وتفوُّق شخصيةٍ تجسِّد الشجاعة والإحسان والرأفة والعظمة والحكمة؛ خصائص نموذجية للذِّكر موروثةٌ من الجاهلية، لكنها تكتسب بسرعةٍ أبعادًا جديدة في إطار الإسلام وعظمة المَلَكِيَّة الجديدة. وكانت الخصائص الجسدية، تعتبر نظائر للخصائص الروحية. وصارت النبرة الجديدة التي يخاطب بها الخلفاء شرطًا أساسيًّا. انتقد عبد الملك بن مروان البيتَ الشهير لجرير يهجو الأخطل:
أصبح المدح طريقةً يمكن للشاعر أن يكسب بها رزقه، لكنه لم يحمل الوصمة التي يحملها في العصور الحديثة. لم يشكَّ الرجال في حقِّ كبار القوم في تلقِّي التحية والثناء.
ضمْنَ الشعراء الكبار في العصر الأموي، ارتبَطَ اسمُ الأخطل بشكلٍ أقوى بالمدح الرسمي. وكان يسمَّى «شاعر بني أمية»، وحافَظَ على إخلاصٍ دائم للأُسرة الحاكمة، مادحًا الخلفاء من يزيدَ بن معاوية، الذي مدحه وهو لا يزال وليًّا للعهد، إلى الوليد بن عبد الملك، الذي سقطَت الدولة في عهده.
دخَلَ الأخطل بلاطَ بني أمية على يد كعب بن جُعيل، شاعر مسلم كبير من تغلب، قبيلة الأخطل. ثار غضب يزيد بن معاوية من الشاعر الأنصاري، عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، الذي كتب قصائد حُب في رملة، ابنة معاوية، ليزعج أباها وأُسرتها. هذا النوع من الشعر، الذي يتمُّ فيه التلميح إلى نساء الخصوم، استخدمه حسَّان نفسه قبل الإسلام في نزاعه مع قيس بن الخطيم، وهو شاعرٌ آخر من المدينة من قبيلة الأوس. بإلقاء الشكوك حول شرف المرأة، برهن الشاعر على عجز رجالها عن حمايتها. في هذه الحالة، طلَبَ يزيد من كعب بن جعيل أن يهجو الأنصار، فاعتذر كعب وقدم الأخطل بدلًا منه، الذي كان قد خَبرَ هجاءَه اللاذع بنفسه. كتب الأخطل هجائيةً قصيرة حادَّة عن الأنصار، قال فيها:
ذهب الأنصار إلى معاويةَ معترِضين، فوَعَدهم بقطعِ لسان الشاعر، لكنَّ يزيد تدخَّل لصالح الشاعر؛ فعفا معاوية عنه. واستمرَّت الصداقة بين يزيد والأخطل حتى وفاة يزيد.
كان الأخطل مسيحيًّا، وهذا مهم عند تحليل استخدامه للغة؛ لأنه لا يبدو أنَّه تأثَّر كثيرًا باللغة الأدبية المتغيِّرة التي قدَّمها القرآن. صحيحٌ أنه كثيرًا ما أورد كلماتٍ وصورًا من المعجم الإسلامي الجديد، واستفاد من الإشارات الإسلامية ليعزِّز أفكاره، لكنَّ هذا لا يشهد على معاصرةِ لغته الشِّعرية عمومًا. لغته الشعرية الأساسية، لا تزال لغةَ الجاهلية، ومرتبطةً بالتقاليد الشعرية الجاهلية.
لكنْ رغم استخدامه للتقاليد الشعرية الجاهلية بكثرة، يعكس استخدامه للتراث، في مستواه الأكثر عمقًا، قبضةً ضعيفة على أبعاده الأكثر رمزية. تبنَّى الموتيفات والصور القديمة دون أن يستطيع حقًّا استيعابَ الخبرة الفنية الكاملة. وهو أمرٌ لا يدعو للدهشة؛ لأنَّ خبرته كانت مختلفةً بشكلٍ قاطع. وكانت سياسات الدولة عنصرًا لا ينفصل عن شعره. وكان الوضع المزعزَع لقبيلته في العالم الإسلامي المزدهر؛ بؤرةً أخرى يدور حولها شِعره. وورَّطه هذا في شِعر من نوعٍ جديد ملتزم اجتماعيًا. في هذا الشعر لم تعُد تقاليد الجاهلية بقوتها البِكر مركزيةً في رؤية الشاعر للحياة. ولم يفشل الفنَّان في داخله في أن يفتتن بأفضلِ ما في الشعر القديم من الصور والوسائل الأسلوبية؛ لكنه، وقد فقد بعض مضامينه السابقة، أصبح وصفيًّا بدل أن يكون دلاليًّا.
هكذا، رغم الميل إلى استدعاء بعض الجوانب الشكلية والثابتة لتقاليد الجاهلية في فقراتٍ وصفيَّة؛ استمرت في هذا العصر في شِعر الأخطل وآخَرين، لم يتَّسم هذا الشِّعر بتماسُك القصيدة الجاهلية الرائعة باستثناءِ شِعر ذي الرُّمة (٧٧–١١٧ﻫ/٦٩٦–٧٣٥م). كتب شعراء كبار آخَرون، مثل جرير والفرزدق، قصائدَ مفكَّكة متعدِّدة المواضيع إلى حدٍّ كبير. ويحتوي الكثير من قصائدِ الفرزدق وجرير على موضوعَين أو أكثر غير مرتبطَين ظاهريًّا. وفي وقتٍ لاحق، تمَّ تصحيح هذا التفكُّك بقاعدة «حُسن التخلص»، أي ابتكار علاقاتٍ منطقية أو حتى عِلِّيَّة لصَهْر مختلف مواضيع القصائد متعدِّدة المواضيع في وحدة. وهذه العناصر المترابطة، لا نفتقدها دائمًا في شِعر الأخطل؛ لأنَّ إدراكه للشِّعر القديم كان شديدًا. وإضافةً إلى ذلك، يمكن للنقد الحديث غالبًا قراءة الروابط السيكولوجية في قصائدَ تبدو متعدِّدة المواضيع ومفكَّكة. وتمثِّل ذلك بشكلٍ مناسب إحدى القصائد المبكِّرة للأخطل، نظَمَها بعد الهروب من دمشق خوفًا من عقابِ معاوية. مقدمة القصيدة مستوحاةٌ من زيارة الشاعر لسعيد بن بنان، وقد غادَرَ موضعه قائلًا:
ليست إيماءةً غريبة، بل تعبيرًا عن كدرٍ حقيقي في رؤية الجمال والقبح يلتهمه، لكنَّ الشاعر لديه مخاوفُ أخرى في عقله، وفي القسم التالي الجديد يعترف بخوفه وقلَقِه:
ثم يأتي الوصف المعتاد للناقة، وبعد ذلك مباشرةً يتحدَّث عن محنته، والتهديدات التي تلقَّاها، والثقة التي يضعها في يزيد. ثم يأتي مشهدُ الجفاف؛ حيث تحتجُّ حتى الرمالُ، وطائرٌ يلفت الأنظار بقدرته على العثور على ما يبحث عنه. لا يستطيع العثور على ماء؛ فيهجر صغاره، وبيضها الذي فقس حديثًا لا يزال أصفرَ من المُحِّ. ثم فجأةً يبدأ الشاعر الحديث عن سِباق خيل يفوز فيه حصانُ يزيد؛ ممَّا يُشير بطريقةٍ مُلتفَّة أنَّ كفيله، يزيد، أحدُ الفائزين بالطبيعة ويُعتمد عليه عند الحاجة إلى مساعدة.
وهو مثالٌ مهم لمقاربته الذاتية للخبرة، واللامبالاة أحيانًا.
لم ينظم الأخطل مراثي. حين مات يزيد، راعيه الكبير، كانت قصيدته عن موته غيرَ مثيرة. وحتى حين مات ابنه، لم يكتب أيَّ شعر إحياءً لذكرى موته. كان اهتمامه الوحيد بالموضوع يكمن في انشغاله الدائم بضياع الشباب والقوة.
الأخطل أحد أهمِّ شعراء العربدة في الشِّعر العربي. رغم أنه تعلَّم بشكلٍ كبير على أعمال أسلافه الجاهليين، مثل الأعشى وامرئ القيس وحسَّان بن ثابت وعدي بن زيد، فإنَّ شِعره في الخمر أصيلٌ وعاطفي. لم يحقِّق التطور الذي حقَّقه أبو نواس بعد ذلك، لكنَّ أبا نواس يدين للأخطل بأغاني العربدة. تُصوَّر شخصيةُ الأخطل، في تحديده لتأثير الخمر على الشارب:
الوصف من أقوى نقاط الشاعر. يقدِّم صورًا دقيقة من الحياة، غالبًا ما يصوِّر مشاهد متحركة. ومن أمثلة الصور الأخيرة هجائيته لابن بدر الفزاري؛ حيث صوَّر القائد الهارب تصويرًا هزليًّا:
وفخامة الموسيقى في أشعاره، سمةٌ أخرى كبيرة من سمات الأخطل. هناك قوةٌ ذكرية في أشعاره تتجاوز قوة الفرزدق في قدرتها على الجمع بين المعنى وسيمفونية الأصوات، وهي خطابيةٌ أكثر منها غنائية. اختيار الكلمات يناسب تيماته الأساسية، المدح والهجاء والفخر، التي تتطلَّب نبرةً عالية ووحدةً إيقاعية مرتفعة. يختار عمومًا البحورَ الأطول، بالضبط مثل معاصِرَيه الكبيرَين، جرير والفرزدق. وكان الأخطل أكثر وعيًا بالوزن والقوة الرنَّانة من خفَّة الحركة.
(٥) الفرزدق وجرير
أو:
وهذا التغير، في أسوأ أشكاله، يُنتج تفاهةً وإسهابًا وترهُّلًا، مموَّهًا بكلماتٍ ضخمة غير مألوفة:
بناءٌ أخرقُ بالغ التعقيد. لا يكشف شِعره دائمًا عن اختيارٍ مناسب للمفردات؛ حيث تبدو الكلمةُ حتميةً، مثل:
في البيت التالي يستخدم ما لا يقلُّ عن ثلاث بِنًى:
شعر الفرزدق سجلٌ غني بأحداث عصره. وهو في هذا يتفوق على كل معاصريه. دخل معترك الحياة العامة بتصميم قوي وكان بصريًّا بارزًا، كوَّن أصدقاء (وأحيانًا أعداء) من الولاة الأمويين في المدينة. كان رجلًا طموحًا، فخورًا بقبيلته — تميم — وأبيه غالب وجَدِّه صعصعة، والاثنان معروفان بحُسن الضيافة والمروءة والسُّلطة في قبيلتهما. واعتبر نفسه مدافعًا عن شرف تميم في العالَم وسمعتها. عاش حياةً طويلة وزاخرة، وظلَّ يكتب الشِّعر حتى النهاية.
تبدو بقيَّة القصيدة، عن تيمةٍ سياسية، غير مرتبطة بالموضوع، لكنها في الحقيقة تؤكِّد الفرزدق متحدثًا باسمِ تميم العظيمة وتخلق تقابُلًا حادًّا مع عاشقٍ فاشل يعاني.
لم يكُن الفرزدق شاعرَ حنانٍ وعاطفة؛ لم يجرِّب الأسى الرومانسي الذي سيطر على معظم شِعر الحُب في العصر الأموي. كان الفرزدق شهوانيًّا، فاسقًا. وحَّد بين شهوات الجسد والإعجاب بالجمال، لكنَّ مشاعره لم تتَّحد بأيِّ تبجيلٍ للمرأة. استقبل موتَ زوجته، حدراء، بِبُرود؛ لأنَّ موت المرأة، في رأيه، أخفُّ فجيعةٍ يمكن تحمُّلها، لكنَّه حافَظَ على تبجيلٍ عميق للخصائص التقليدية لأخلاقيات المرأة.
كثيرًا ما تباهى بالنجاح في مغامراته مع متزوجاتٍ، لكنْ مرةً أخرى لا نجِدُ هنا معالجةً طريفة ودافئة كما في حكايات عمر بن أبي ربيعة عن مغامراته مع النساء.
مهَّد الفرزدق الطريق لصدق المشاعر، لكنَّ المشاعر التي عالجها حقًّا لم تكُن دائمًا عميقة جدًّا. كانت مشاعره تتضخم بالعظمة حين يتحدث عن مجدٍ شخصي أو قبَلي، أو يصوِّر مثل الرجولة في مدائحه. يمكن أن يحدث الشيءُ نفسه في هجائياته؛ حيث يستحضر أمثلةً سابقة لهذه المُثُل المتعلِّقة بالشرف والعظمة.
يوجِّه شعرَه غالبًا رأيٌ منطقي، ويستخدم أحيانًا كلماتٍ كثيرةً جدًّا، مسئولة عن الفحوى النثريِّ المرهق لشعره. في عصرٍ يلفت النظر بغلبة العاطفة في الشعر، قد تُفسَّر النزعة غير العاطفية عند الفرزدق بالحياة الفكرية في البصرة التي شارك فيها بحماس. لكننا نرى أن تحفُّظه وانعدام عاطفيته، وإحساسه العميق بقوته، ربما أثَّر على هذا أيضًا.
شعر الفرزدق اعترافيٌّ بصدق أكثر من شعر أيٍّ من معاصريه. كان يملك الشجاعة، على سبيل المثال، للاعتراف بذنبه:
نأسف لأنَّ الشاعر لم يكتب بمزيدٍ من التوهُّج. ومن الناحية الأخرى، وكان أسلوبه أقلَّ اتِّسامًا بالحمق العارض، ربما كانت عاطفته المقيَّدة ترياقًا مناسبًا للانطلاق المُفرِط للشِّعر في تلك الفترة.
يعتبر كثير من النقاد الفرزدقَ شاعرًا تقليديًّا، لكنَّ شِعره يكشف عن صراعٍ للابتعاد عن هذه التقاليد. فقدت الافتتاحياتُ في بعض قصائده ارتباطَها بالموضوع، وهي مجرد تقاليد لا يتعامل الشاعر معها بجديَّة. ترى الاستخدامات نفسها ذات الصبغة التقليدية في أشعار الفرزدق عن الحصان والناقة. هذا الانحراف عن الاستخدام الجاهلي مهم جدًّا لدراسة الشعر الأموي؛ لأنه يشير إلى ميلِ هذا الشِّعر للصراع باتجاه الحقيقة والصِّدق كما تنعكس في خبرةِ عصرٍ مختلف، حيث يعيش معظم الشعراء في المدن.
بينما يكشف شعر الفرزدق عن شخصيةٍ قوية ومحددة جيدًا، وتفاصيل أحداث حياته، يكشف شعر جرير بن عطية (٣٣–١١٤ﻫ/٦٥٣–٧٣٢م) عن شخصية متناقضة ولا يقدِّم إلا خطوطًا عريضة لتاريخه الشخصي. يحاول شعره، رغم بساطته الواضحة، توحيد العناصر المتصارعة، ومن الصعب تسوية تلك المتناقضات في كلٍّ واحدٍ متَّسق. كان جرير في الوقت نفسه هجَّاء لاذعًا هجا أكثر من أربعين شاعرًا من عصره، معرِّضًا إيَّاهم (وأحيانًا نساءهم) لأبشع هجماتٍ يمكن تصوُّرها، وغنائيًّا مصقولًا قدَّم شعر الحُب عنده نموذجًا لامرأة ذات حساسية رقيقة. يوضع شعره عن الحُب والمرأة بين أرقى شِعر الحُب في العصر الأموي.
يمكن من قراءة شعره الكشف عن بعض الحقائق بشأن رحلاته، والخلفاء الذين زارهم، وكبار المسئولين الذين عرفهم، وسجنه في المدينة، ومشاجراته، وموت زوجته وبعض أبنائه، وتفاصيل أخرى، لكن رغم هذه التلميحات المتناثرة لحياته الشخصية، من الصعب اكتشاف اهتماماته وطموحاته الحقيقية. اهتمَّ بالفخر والتناحر القبلي، لكن القبيلة التي مجَّد شرَفَها لم تكُن عشيرته، كليب، ولم تكُن حتى قبيلته، تميم (المُضَرية)، بل قيس عيلان المضرية.
شِعر الحُب الذي استهلَّ به جرير قصائده لافتٌ برقته وعذوبته، لكنه اعترف بأنه لم يقع في الحُب قَط، وهو تصريح يمكن أن نصدِّقه؛ لأنَّ الشعر، رغم رقته وحزنه أحيانًا، يفتقر إلى الفتنة العاطفية. وعرَفَه معاصروه رجلًا تقيًّا، ويقال إنه لم يكُن يتحدث إلى أحدٍ بعد الفجر، وكان يقضي الوقت حتى شروق الشمس في التأمل وربما في قراءة القرآن. ومع ذلك، لم يكتب شعرًا دينيًّا، وهجائياته، كما ذكرنا من قبل، لم تكن قاسيةً ولاذعة فقط، كانت خَشِنةً بشكلٍ لا ديني. ورغم التفاخر المستهتر في هجائياته، تئنُّ بعض مدائحه تضرُّعًا من أجل المكافأة. لم يحقِّق قَط المكانة الاجتماعية والسياسية التي حقَّقها الفرزدق. انحدر من أصلٍ متواضع إلى حدٍّ ما، ويبدو أنه عانى أحيانًا من الفقر. لم يكن أبوه يتمتع بالثراء أو المكانة في عشيرته، كليب، وكانت لا تتمتع بالمكانة الرفيعة لبعض الأفرع الأخرى من تميم. تزوج من عدَّة نساء، ولدْنَ له دستةَ أبناء، وكان لديه بعض الجواري، لكن لا يوجد تلميحٌ، في شعره أو في القصص التي حُكيت عنه، إلى شهوانيةٍ أو انشغال عميق بالنساء. يبدو أنه لم يُنِر رؤيته للحياة والعالَم إلا طموحه في أن يكون شاعرًا عظيمًا.
مادحًا الخليفة وليد بن عبد الملك، قال:
في هذه الأبيات، تتغيَّر نبرته في البيت نفسه، بحيث يمكن ألَّا نضع فاصلةً فقط، بل نضع أيضًا فاصلةً منقوطة ونقطة. وهذا معتادٌ تمامًا مع أسلوبِ جرير وأيضًا شعراء آخرين مثل عمر بن أبي ربيعة، كما نرى بعد ذلك. ومع ذلك، كان عمَرُ شاعرَ مدينة، بينما أقام جريرٌ في صحراء اليمامة حتى تجاوز الخامسة والثلاثين. وذهب إلى البصرة ربما في ٧١ﻫ/٦٩٠م، حين أصرَّت قبيلته على قدومه ليتحدى الفرزدق على أرضه. وإنجازه اللغوي لافتٌ جدًّا لتحقيق هذا الغرض.
أصداء الشعراء الآخرين في شعر جرير، أقلُّ ممَّا في شِعر الأخطل أو حتى الفرزدق. قراءة جرير تعني قراءةَ عصرٍ جديد. وإضافةً إلى ذلك، يكشف جرير عن غريزته الشعرية الأصيلة بحقيقة أنه، على ما يبدو، لم يهتمَّ كثيرًا بالأبحاث اللغوية في البصرة. الاهتمام الشعري الذي قاده بشكلٍ طبيعي إلى استخدام الأسلوب المعاصر أبعَدَه أيضًا عن الاهتمامات غيرِ الشعرية بشكلٍ أساسي.
الصراع بين اللغتين جلَبَ إلى بعضِ شِعر الفرزدق أسلوبًا معقدًا وغريبًا، وهو ما يغيب عن شعر جرير. ينساب أسلوبه في كلِّ الأحوال تقريبًا بسلاسةٍ واتساق. مقاربته هادئة وتخلو، على ما يبدو، من التروِّي. يصِفُه معظم النقاد بأنه «تلقائي»، لكنَّ هذا يحجب اختيارًا دقيقًا للكلمات واهتمامًا خفيًّا بنقاء اللغة وتأثيرها الشعري. تنبثق التلقائية الأساسية في شِعره من حساسيته الشديدة لموسيقى الكلمات والعبارات، ويعتمد في تدفُّقه الموسيقي على حروف العلَّة وتكرار كلماتٍ مفردة وعباراتٍ أكثر ممَّا يعتمد على السجع والجناس.
يعاد تأكيد المقدمات التقليدية في شعر جرير بموتيفاتٍ جاهلية، ترتبط بالأطلال والحُب. قد تكون المقدمات الطللية أحيانًا معقدةً جدًّا ورمزيةً بشكلٍ فعَّال فيما يتعلَّق بالمرور المؤلِم للزمن:
الوصف التقليدي للناقة محدودٌ جدًّا. كثيرًا ما يهمل جريرٌ هذا الجزءَ من التقاليد. وحتى حين يكتب عنه، يقتصد في تناوله في غالبًا. تُبعد نقاطٌ جديدة بالتأكيد انتباه هذا الشاعرِ عن انشغالٍ حقيقي بتقليدٍ يفقد أهميتَه بالنسبة لشعراء المدن في العصر الأموي. انتقاله من موضوعٍ إلى آخَر فُجائيٌّ غالبًا وغيرُ مترابِط، وهو شهادةٌ على حقيقةِ أنَّ الشعر الأموي لا يزال بريئًا من القواعد واللوائح التي أعاقت الشِّعر في عصرٍ لاحق.
(٦) عصر الهجاء
كانت النقائض فنًّا راسخًا من الجاهلية، وكانت تُستخدم في المنازعات الشخصية والقبَلية. في صدر الإسلام، أصبحت مهمَّةً بوصفها ردودًا حاسمة للشعراء المسلمين على الشعراء الوثنيين من قريش. واكتسبت في العصر الأموي أهميةً اجتماعية جديدة، جعلتْها وسيطًا للتعليقِ أكثرَ أهميةً بكثير.
ولا تتَّفق التواريخ الأدبية حول أسباب دخول الأخطل الخلافَ إلى جانب الفرزدق. كثيرًا ما كانت تغلب، قبيلة الشاعر، في حربٍ مع قيس، وكان جريرٌ يمجِّدهم. ويُحتمل أنَّ العِداء بين القبلتَين تسبَّب في النزاع بين الشاعرَين. ويحتمل أيضًا أنَّ تفضيل الأخطلِ لشِعر الفرزدق، كان حافزًا حقيقيًّا للنزاع. على أيَّة حال، لم ينتهِ النزاعُ إلا بموت الأخطل. ويبدو أن جريرًا لم يكُن يحمل المشاعر المتناقضة نفسها للأخطل، كما كان يحملها للفرزدق، وحين مات الأخطل هجاه بشراسة.
كان جريرٌ هدفًا لكثيرٍ من الهجَّائين الأُمويين. وربما لا يكون من قبيل الصدفة أنَّ هجائيات جرير كانت عمومًا أكثرَ شعبية، وكانت تنتشر بسرعةٍ أكبر بين الناس.
تاريخ الكثير من القبائل العربية الأكثر أهميةً ومعاركها؛ يمكن إعادةُ صياغته من هذه القصائد. محتواها الاجتماعي والسياسي ثريٌّ جدًّا. وهي في ذلك استمرارٌ صادق لهجائيات الجاهلية ولقصائد التفاخر. ومع ذلك، طوِّرت التقنية فنيًّا إلى درجةٍ كبيرة. اعتقد جرير أنَّ الهجاء ينبغي أن يكون مرِحًا، وكانت هجائياته وفيةً لنظريته، رغم ميلها إلى البذاءة والفظاظة.
لم يلتزم الهجَّاءُون الأمويون ﺑ «الحقيقة» في الرذائل التي كشفوها. استغلُّوا في معظم الأحيان إشاعةً، أو حادثةً تافهة رُويت عن خصمهم أو قبيلته، وضخَّموها بشكلٍ غريب، وأضْفَوا عليها تفسيرًا بذيئًا أو على الأقلِّ مُهينًا. حقيقةُ أنَّ جَد الفرزدق كان لديه عبيد يعملون حدَّادين؛ استخدمها جريرٌ ذريعةً ليَصِف العائلة النبيلة التي ينتمي إليها الفرزدق ﺑ «عائلة الحدَّادين»، وهي طبقةٌ دُنيا في الجزيرة العربية. وكانت جِعْثِن — أخت الفرزدق، المعروفة بشخصيتها الطيبة — ضحيةً حادثة أخرى. وكان الفرزدق قد خاطَبَ فتاةً من قبيلة أخرى؛ فانتقمتْ بإرسال أحد رجالها، الذي فاجَأَ جِعْثِن ولَمسَ كتفها بشكلٍ مُهين. قضى جريرٌ حياته يصِفُ في قصيدةٍ بعد الأخرى العربدة الشهوانية لجِعْثِن. وأحيانًا يبتكر الشاعر اتهامًا يعرف الجميع أنَّه ملفَّق، كما حين اتَّهم الفرزدق جريرًا بمضاجعة الموتى. مثل هذا الهجاء القائم على الكذب، يفقد تأثيره الحقيقي بوصفه هجاءً، ويصبح سخريةً كوميدية. كان الفرزدق يرتعب موتًا من أيَّة شائعةٍ جديدة تشاع عنه قد يستغلُّها جرير، مروِّج الفضائح. وكانت حياة جرير، من الناحية الأخرى، لا تجذب مروِّجي الشائعات. كانت حياةً هادئة ورتيبة إلى حدٍّ ما؛ لذا كان الفرزدق يبتكر شائعاتٍ مثلَ تلك التي ذكرناها عن مضاجعةِ الموتى أو اللواط، أو يعيِّر جريرًا بأصوله المتواضعة. لم يستغلَّ الفرزدق التذبذبَ السياسي لجريرٍ من الأمويين إلى الزبيريين، ثم إلى الأمويين بعد القضاء على ابن الزبير. لُغز دعْمِه لقبيلة قيس، التي لم تكُن قبيلته، دفعَت الفرزدقَ إلى اتهامه بالحصول على أموالٍ منهم، لكنَّها لم تُستغلَّ كما ينبغي.
كان الفُحش نادرًا في الجاهلية. وفي صدر الإسلام نظَمَ الراجز الشهير الأغلب العجلي (ت: ٢١ﻫ/٧٤٢م) قصائدَ فحشاء. صبَّ حسان بن ثابت، هاجيًا قريش، أبشع اتهامات الزنا على هند بنتِ عُتبة، أم معاوية، وأخرياتٍ من قريش، لكنَّ شهوانية المرأة كما تصوِّرها الهجائيات الأموية، أكثرُ غرابةً بكثير، وتتكرَّر بتصميمٍ أكبر. تفتقر إلى رُوح الدعابة، لكنْ لا بد أنها لاقت قبولًا حسنًا من الجماهير الأموية.
لم تتحقَّق وحدة الشكل والمحتوى قَط بشكلٍ أكثر نجاحًا ممَّا تحققتْ في هجائيات العصر الأموي، المكتوبة بالشكل الكلاسيكي من شطرَين وقافية موحَّدة. تقسيم البيت إلى شطرَين متساويَين — أو شِبه متساويَين، مع وقفةٍ في نهاية كلٍّ منهما (إجبارية في نهاية الشطر الثاني) — يقدِّم مجالًا لتشكيل سلاسلَ متتابعةٍ من جملٍ قصيرة تُلائم الهجاءَ بأفضلِ ما يكون. وكثيرًا ما تقسَّم هذه الجمل بنيويًّا طبقًا لطول كلِّ شطر. الجمل متوازنة، ويتحقَّق تصريحٌ كامل في كلِّ بيتٍ من شطرَين. ترنُّ القافية، وهي عمومًا ذاتُ طبيعةٍ رنَّانة، بصوتٍ مرتفع في نهاية البيت، ضامنةً ذِروة نهائية للتصريح. النتيجةُ عادةً وحدةٌ دقيقة، ساخرة غالبًا.
تكمن قوة هذه الهجائيات في صُورها. رغم فجاجتها غالبًا، قد تكون حيَّة وهزلية. تُعطيها بساطتها المتعمَّدة تأثيرًا فوريًّا؛ لأنها توصل الملامح البارزة بسرعةٍ إلى الأذن. يقول العباس بن يزيد الكندي راثيًا جرير:
يقول جرير هاجيًا قبيلة تَيم:
(٧) الشِّعر الأيديولوجي
وفي الثاني: كان هناك شعر الفِرَق الدينية والسياسية، الشيعة والخوارج والزبيريين وغيرهم. وكان هذا عادةً شعرًا أيديولوجيًّا، يستجيب للأحداث ويعكس المواقف الخُلُقية والعاطفية وأحيانًا الفكرية لزعمائها. والأكثر أهمية أنه الشعر الذي عالج موضوعًا ومواقف جديدة. لم يرتبط بالتقاليد الشعرية للعصر السابق. ولأنه يعكس آراء وخبراتٍ جديدةً ترتبط مباشرة بالأحداث الجارية؛ استخدم في الجزء الأكبر منه لغةَ العصر، لغة تتميز عمومًا بالحيوية والبساطة، والمباشَرة، باستثناء بعض الطُّرق الملتوية للشيعة.
شعر الخوارج (باستثناء شعر الطِّرماح) خالٍ بشكلٍ لافت من الارتباط بالتقاليد الشعرية السابقة. عاش الخوارج مع الخطر وقاتلوا بشجاعة وتصميم. كانوا انفعاليين في معتقداتهم وعبَّروا عن آرائهم بحرارة وحماس. تركَّز شِعرهم على مدح الشجاعة والتقوى، وعبَّر عن رغبةٍ عميقة في الموت من أجل القضية والفوز بالنعيم الأبدي.
ربما تكون هاشميات الكميت أهمَّ أشعاره، وهي قصائدُ كُتبت في مدحِ بني هاشم، أُسرة النبي. في هذه القصائد، وبعضها طويلٌ جدًّا، يوحِّد الكُميت بين الفكر والعاطفة، يهيمن كلٌّ منهما بدوره. ويحاول أحيانًا الجدل بشأن قضية الهاشميين ويبرهن على حقِّهم في الخلافة بلغةٍ منطقية. في هذه القصائد، أو القِطَع، قد تكون لغته سطحيةً ونثرية، لكنْ حتى في هذه القِطَع قد يندفع ببيانٍ عاطفي عن ولائه وإخلاصه للهاشميين:
قبل أبي نواس بزمنٍ طويل، اعترض الكُميت على تقاليد الصحراء ونسيب الشِّعر المبكِّر:
(٨) الرجز الأموي
كان الرجز قبل الإسلام والعصر الأموي يُكتب في شطرٍ واحد من ثلاث تفعيلات. التفعيلة الأساسية في الرجز –°–°– –° (مستفعلن)، لكنها قد تخضع لبعض التغييرات بالحذف. ويمكن أيضًا أن تصبح التفعيلة الأخيرة في الشطر فعولن (– –°–°) أو مفعولن (–°–°–°)، ممَّا يمنح هذا البحر تنوعًا شيقًا من التأثيرات الإيقاعية والموسيقية. كان كلُّ شطر في الرجز الجاهلي والأموي مقفًّى، وكانت تُستخدم قافيةٌ واحدة مستمرَّة في كلِّ الأرجوزة. وكان تكرار القافية في نهاية كلِّ شطر يعني وجود توقُّف إلزامي محدَّد في نهاية كل ثلاث تفعيلات. ممَّا أعطى هذا البحر طبيعةً مميزة جدًّا. وأعطاه أيضًا طبيعته المحدَّدة وصعوبته الرئيسية. ما دام تمَّ الالتزام بهذا الترتيب الاصطناعي؛ كانت الصعوبة لا يمكن تجاوزها، وكان هذا من الأسباب وراء استمرار تمييز هذا البحر عن الأشعار الأخرى في تلك الفترة. القافية المستمرة في نهاية كلِّ شطر تقسِّم المؤلَّف إلى وحداتٍ قصيرة، مستقلة تركيبيًّا عادة.
يصِلُ أبو النجم العجلي في بعض أراجيزه القصيرة إلى تمثيلٍ هزلي، وبالأحرى سوقي، للحياة والعقلية الأموية. في الأرجوزة التالية يتحدث عن ابنته ظلَّامة:
(٩) عصر الإيروسية
بالانتقال إلى الحجاز، ندخل عالمًا جديدًا من الإبداع الشعري؛ حيث دارت المساهمة الرئيسية لشعراء الحجاز حول النساء والحُب. حلَّل الكتاب العرب المحدثون شعر الغزل الأموي في الحجاز مراتٍ ومرات، لكنَّ معظم هذه التفسيرات تقدِّم تفسيرًا اجتماعيًّا وسياسيًّا خالصًا لهذا الشعر، مقلِّصة أسباب ظهوره إلى التأكيد البسيط على عُقم المنطقة سياسيًّا، واستمتاعها بالثراء والترف والاستفادة من صحوة مهمَّة في الموسيقى والغناء.
لكن هناك اعتبارات أخرى يجب وضعها في الحسبان. لم يكُن شعراء الغزل في الحجاز معاصرين تمامًا. عاش أوائلهم، مثل عروة بن حزام (ت: ٣٠ﻫ/٦٥٠م)، وقيس بن الملوح، المعروف بالمجنون (ت: ٦٨ﻫ/٦٨٨م)، وقيس بن ذريح (ت: ٦٨ﻫ/٦٨٨م)، في الأيام الأكثر اضطرابًا في السياسة الحجازية.
لكن تركيز شعر الغزل في الحجاز، يبقى ظاهرةً ينبغي تفسيرها. يمكن القيام بذلك بتناول العديد من سماته البارزة؛ أولًا: كان الحجاز اجتماعيًّا منطقةً مستقرة تمامًا. وكان، بالمقارنة، خاليًا من الانشغال المباشر للقبائل التي تؤكِّد وضْعَها ومكانتها في الأوساط الجديدة، كما كانت الحال في العراق وبلاد فارس ومحيط دمشق. كان الحجاز يتمتع بفراغٍ أكثر من الأقاليم الجديدة، ويستطيع أن يحول انتباهه إلى الشِّعر في موضوع الحُب والنساء بشكلٍ أكثر سعادة.
ثالثًا: مهَد المجتمع الحضري لفترةٍ طويلة أرضًا خصبة للفنون الحضرية من الغناء وكتابة الأغاني. ويمكن رؤية الشعراء الأمويين في كل المناطق — باستثناء ذي الرُّمة وآخَرين — يكتبون للاستهلاك الفوري نوعًا من التسلية.
رابعًا: لدينا احتمال ظهور موضة شعرية شاعت. ولأنها تستعصي على التصنيف المنطقي؛ يتغاضى عنها أحيانًا نقَّاد يسعون لتوزيع شروطٍ اجتماعية وسياسية واقتصادية على كلِّ موضةٍ أدبية، لكنَّ الموضة بها عنصرُ تميُّز، يُكتشف بالصدفة ويتجاوز الظروف البيئية والتاريخية.
لا يمكن أن تفشل قراءة مكثفة للأدب الغرامي الحجازي في تأكيد فكرة «الموضة»، المسئولة جزئيًّا عن التطور السريع لشعر الحُب الأموي وجنسٍ أدبي عن قصص الحُب. تحكي هذه القصص عن عشَّاقٍ فاشلين أحبُّوا حتى الموت، يتميزون بالوفاء والإخلاص والتضحية بالذات. ورغم أنَّ أصل هذه الحكاية والشِّعر الذي يصاحبها يكمن في عصور الجاهلية مع شعراء مثل المرقِّش الأكبر، عوف بن سعد (ت: ٥٥٠م)، والمرقِّش الأصغر، ربيعة بن سفيان (ت: ٥٧٠م)؛ لم يصل هذا الجنس الأدبي ذروته إلا في العصر الأموي، وأصبحت قصص مجنون ليلى والعشَّاق العذريين أسطورة. وهكذا من المناسب الاعتقاد بأنَّ ظهور قصصٍ مثل قصة المجنون، رغم اعتمادها على تقاليد موجودة، بدأتْ موضةً لجنس أدبي عن أدب الحُب، وثبت أنه شعبي جدًّا. وينبغي أن يكون ظهور شاعر مثل عمر بن أبي ربيعة؛ قد بدأ أيضًا موضةً لشخصيةٍ تُشبه دون جوان كما يعبِّر عنها الشعر الشعبي لمدن الحجاز. ولذا يبدو أنَّ الانشغال بتيمة الحُب في أدب الحجاز؛ يرجع إلى عواملَ عديدة، ليست كلُّها ذات أساسٍ اجتماعي.
كان النوعان نتيجةَ الحافزِ نفسه: الحاجة للهروب، والإثارة التي وجهتْ رُوح العصر. تناقضات العصر التي اتضحت في كل مكانٍ؛ يمثِّلها الدور المزدوج لمدينةٍ مثلِ المدينة، وكانت مركزًا للغناء والدراسات الدينية في الوقت نفسه.
انتهك شِعرُ عمرَ بنِ أبي ربيعة حدودَ التابوهات الاجتماعية. ومع التهكُّم المرِح، استهان بطقوس حياة المسلمين، جاعلًا من الحجِّ السنوي للأماكن المقدَّسة في مكةَ والمدينة مناسبةً للعبث والمتعة، وهو يتقرب للنساء القادمات للحج من العراق ودمشق ومن الحجاز نفسه. في متابعته لنساءِ أشراف قريش؛ يطارد نساء بتابوه يتصل بأسمائهن. سار على درب امرئ القيس الذي يلاحق النساء، وتجاوَزَه بالتركيز المطلَق على دوره، وبموقفٍ أكثر رعونة. وحذا شعراءُ آخرون حذوَه. عبَّر كلُّ ما في شِعرهم عن نوعٍ جديد من الحرية. تربَّى عمر على يدي أمِّه الأرملة، وكانت متساهلةً تبيع العطور؛ لذا سنحتْ له وهو صبي فرصةُ مقابلةِ نساءِ الطبقة العليا ومراقبةِ سلوكهن. ذكَرَ في شِعره أكثرَ من أربعين امرأة موضوعًا للحُب. وهناك غيابٌ لافت للتراجيديا في شعره. لم يكن تمرده هروبًا سلبيًّا إلى الكآبة، لكنه هروب باللامبالاة وانحرافٌ أرعنُ عن المبادئ الاجتماعية.
لا يوجد في شِعر عمر أيُّ تضارب أو صراع حقيقي. لم يكُن قَط شعرَ الأزمة أو المواقف المتطرفة، كان بحثًا دائمًا عن الجمال وأُلفة الحُب. الكثير من قصائده حكاياتٌ نرجسية عن الجاذبية «المُميتة» للشاعر للجنس الآخَر، والكثير من شِعره أغنيةٌ للثناء على الذات. بعض قصائده تكرارٌ لحواراتِ الحُب بينه وبين إحدى نسائه، أو محادثاتٌ بين النساء. لا تتَّسم بالعمق أو الحرارة. يحوم هو ونساؤه على حدود الحُب، ولا يعبرونها قَط إلى اكتشافٍ حقيقي للعاطفة. شخصيته الجذَّابة ومهارته الشِّعرية وسطوة فنِّه تُنقذ شِعره من أن يكون مجرَّد انغماسٍ في تفاهات حُب نساءٍ متعدِّدات وسخافاته. في موقفه رقَّة، رغم أنها نادرًا ما تكون حارَّة، تجعل المرأةَ بطلةَ اللحظة، تحت أمرِ قلبها وتصرُّفها.
الخدمة التي قدَّمها عمر للأسلوب الشعري في تلك الفترة لا تقدَّر. من المناسب اعتبارُ شِعره أفضلَ مثالٍ في عصره للغة المعاصرة. يمكن استخدام المحاكاة الساخرة لثرثرة المرأة دليلًا لعلماء اللغة، بوصفها مثالًا لكيفية تناول القرشيِّين للخطاب. في معظم شِعره، الارتباط بأسلوب الشعر الجاهلي ليس واضحًا، لكنه في بعض القصائد — حيث يحاول تقليد تأثير الأسلوب الجاهلي — يكون واضحًا وجليًّا.
القصيدة بسيطة وعابثة، ونموذج لمحاكاة عمر بمهارةٍ لحديث النساء، وانهماكه النرجسي في الذات. الدماثة التي تسود القصيدة تعوض جزئيًّا انعدام العمق والعاطفة. ورغم أنها ليست سرديةً بشكلٍ كامل مثل بعض قصائده الأخرى الرائية عن نُعْم؛ يؤكِّد استخدام المحادثة الوحدةُ العضوية التي توجد في الكثير من القصائد الأخرى المماثِلة.
ورغم أنَّ عمر يستطيع حين يرغب في تقليد النسيب الجاهلي، أن يفعل ذلك بمهارة؛ يغيب هذا الاستهلال عن معظم شعره. بجانب الارتباط باللغة وبناء الجملة، يقطع الكثيرَ من الروابط مع القصيدة الجاهلية. إنَّ شعره أفضلُ مثال للتغير الذي حدث في بنيةِ القصيدة الأموية ولغتها ونغمتها وموقفها وتيمتها. وفي هذا يمثِّل شعر عمر تطورًا رئيسيًّا في الشعر الأموي.
لشعر عبيد الله بن قيس الرقيات مجالٌ أكثر تنوعًا من شعر عمر. وحيث إنه تدخَّل في السياسية؛ فإنه يفتح نافذةً على بعض التاريخ السياسي لتلك الفترة. يتمتَّع أسلوبه بقدْرٍ كبير من الصفاء، لكن هناك أيضًا نوعيةٌ نادرة من اللهو، ومهارة في التوزيع الموسيقي واختيار القافية، ينبغي أن تُعتبر من تطورات العصر. استخدم أيضًا اللغةَ المعاصِرة؛ رغمَ أنه لا يعطينا، كما يفعل عمر، اللغةَ المتداوَلة في شكلها المفرط؛ لأن عمر كان يحاكي بسخريةٍ حديثَ النساء، وخطابهنَّ أقلُّ بلاغةً من خِطاب الرجال. البائية الفاتنة للرُّقيَّات عن أم البنين، زوجة الوليد بن عبد الملك، التي سعى فيها إلى أن يزعج حماها، الخليفة عبد الملك، ربما تكون أشهرَ قصائده. اللهو المؤذي في نبرتها، وحميميةُ مقاربتها، والكياسة التي يوجِّه بها الشاعر الإهانةَ للأُسرة الأموية دون أن يجرح شرفَ أم البنين؛ يجعل من هذه القصيدة نموذجًا جيدًا للمزاح الحجازي وإجلال شخصية المرأة وجمالها. يخطو الرقيات خطوةً هائلة بعيدًا عن الخبث السوقي للهجائيات العراقية، التي تُهين الرجال بتوجيه أبشع التُّهم لنسائهم. يقول إنَّ أم البنين زارتْه في نومه:
يحكى أن أم البنين أُعجبت بالقصيدة وتدخَّلت بعد ذلك لصالح الشاعر وأقنعَت الخليفة بالعفو عنه.
وُضع نمطُ شِعرِ الحُب العذري وحكاية الحُب مبكِّرًا في عصور الجاهلية. وكان أولُ شاعر حُب عذري في العصر الأموي عروةَ بن حزام، وتضع قصته الغرامية التراجيدية نمطًا للعديد من قصص الحُب في العصر الأموي. أحبَّ عفراء ابنة عمه، لكنَّ عمَّه أصرَّ على مهرٍ كبير وذهب المحبُّ الشاب يبحث عن ثروة. وعاد ليجد أباها قد زوَّجها من رجلٍ آخر. هنا بدأت الخبرة المبرحة لحُب من طرفٍ واحد. عروة، مثل الكثيرين من العشَّاق المحبَطين في القصص الغرامية الأموية، يعتلُّ ويموت من الحُب. معظم هذه القصص قصصُ مواقفَ متطرِّفة. الاعتلال والجنون، والهيام في الصحراء، والاستغراق الكامل في عملية إعداد المسرح، والألم والدموع وهذيان القلب، والموت غالبًا، سماتٌ معتادة. يُنسب الكثير من هذه القصص إلى بَنِي عُذْرة، قبيلة جميل، التي كانت تعيش في وادي القرى، في الحجاز، بين الشام والمدينة، لكن انضمَّ لكورس المنكوبين عشَّاق وشعراء من كثير من القبائل الأخرى. من المستحيل ربْطُ ظهور هذه الموجة الجارفة من حكايات الحُب وشِعر الحُب بالموقف السياسي في صحراء الحجاز، أو في الصحراء العربية عمومًا؛ حيث ظَهرَ الشاعران المحبَّان يزيد بن الطَّثرية وذو الرُّمة.
كمٌّ من قصته (وقصص أخرى مماثِلة) حقيقيٌّ، وكمٌّ من عمل الرواة؛ لا يهمُّنا. توضِّح هذه القصص الاهتمام بالمأزق التراجيدي.
إذا كان المجتمع يتحكم في حياة المحبين؛ فقد كانوا، والشعر الذي كتبه جميل، رغم ذلك خارج المجتمع. إنَّ القصص الغرامية الأموية كلَّها ضد المجتمع، نقدٌ للمعايير الاجتماعية، وتعبيرٌ عن التطلع للحرية الفردية، لكنَّ هذا الرفض للمجتمع جزئي فقط. لا نقابل في أيٍّ من هذه القصص انحرافًا جذريًّا، مثل محاولة قتل الخصم، أو الهروب مع الحبيبة، أو — من جانب الفتاة — رفضًا قاطعًا للزواج من شخصٍ آخر. حتى في قصة قيس بن ذَريح، الذي تزوَّج من لُبنى، نرى أنَّ المجتمع، كما يمثِّله الأبُ المسيطر، ينتهك قدسية الزواج ويفرض طلاقَ العقيم من خلال الزوجة المحبَّة. إذعانُ الفتاة بشكلٍ مُحزِن، والدور السلبي الذي تلعبه، لا يتغيَّر. قلما قامت بعملٍ بإرادتها، مثل لقاءِ حبيبها، وتفعله سرًّا. برهنت مبادئ الشرف في هذه القصص على أنها أقوى من الحُب والحياة. لا شكَّ أنَّ الأمَّة في العصر الأموي كانت تبني بنيةً للحكايات الرومانسية، في حدودِ ما يرجُح أن تسمح به معاييرها وأخلاقها. توقَّعت مستقبلًا قمعيًّا أكثرَ للمحبِّين العرب، وخاصة المرأة العربية. الفردية الرائعة — للكثير من بطلات الخوارج، مثل النَّوار، زوجة الفرزدق؛ أو عائشة، زوجة النبي — غائبةٌ بشكلٍ لافت من هذه القصص؛ حيث المرأة مجرد مستقبِلة للحُب. تعِدُ ولا تَفِي أبدًا؛ تحبُّ، ولا تعطي أبدًا في هذا الأدب.
لكنَّ هناك جانبًا مشرِقًا لهذه القصة. تصبح بثينةُ المثَلَ الأعلى للأنوثة. الزمن لا يمكن أن يمسَّها، أو يمسَّ جمالها، وتغير إدراكها. القصيدة القصيرة التالية من أبدع قصائد الحُب في العربية. في نبرتها وموقفها تشير إلى حساسيةٍ جديدة لخبرةٍ غرامية:
يمكن أن نجادل بأنَّ تحول الحبيبة إلى مثال للأنوثة تمرُّدٌ ضدَّ تعدُّد الزوجات، وضدَّ مبدأ اتخاذ محظيَّات، وضدَّ رفض الرهبنة كما نصَّ الإسلام. لا شيء في الإسلام (باستثناء صورة مريم العذراء) يسمح بتقديس المرأة، لكنْ فجأةً تأتي أمثلةُ العُذرية والعفَّة لتملأ الشعر العذري في تلك الفترة. وجد الشعراء في هذا النوع من تمجيد المرأة وسيلةً جاهزة وسهلة للجمع بين الحسِّي والرُّوحي، وإشباع بحث العصر عن الحسي بدون انتهاكٍ خطير لقِيَمه الخُلقية. هؤلاء البطلات كنَّ وراء شعرٍ يُقيم جسرًا بين الإنساني والإلهي.
في الشِّعر العذري كلِّه، التأكيدُ على انطلاق العاطفة أكثرُ من التأكيد على الصورة وعظمةِ الموسيقى والصفاء، على عكس الإيقاعات القوية المرِحة المستخدمة في الكثير من شِعر الحُب في مدن الحجاز. وربما نُظم هذا الشعر ليصاحب الحكاية، لا الموسيقى، رغم أنَّ الكثير منه تمَّ غناؤه أيضًا. استخدام اللغة في هذا الشعر بسيطٌ ومباشِر وواضح، لكنها تبدو لغةَ بدوِ الحجاز لا لغة المدن؛ لأنَّ لها، رغم أنها مبسَّطة ومتطوِّرة، نمطًا مختلفًا في الخطاب، وهي أقلُّ سلاسةً وصقلًا.
(١٠) شاعر كبير من العصر الأموي
قابَلَ ذو الرُّمة ميَّةَ وهما في بداية الشباب، ومن جانبه كان حبًّا من أول نظرة. كانت من بني مِنقَر، فرع من تميم. توجد حكاياتٌ كثيرة عن علاقتهما، لكنَّ ما يتعلق بمناقشتنا أنه لم يتزوجها قَط؛ لأنَّ أباها زوجها من أحد أبناء عمِّها. وتقول القصة إنَّ زوج ميَّة أرغمها على إهانة الشاعر. جُرِح ذو الرُّمة جرحًا عميقًا، ويقال إنه قابَلَ خرقاء بعد ذلك، ووقَعَ في حبِّها، أو كتَبَ شِعر غزلٍ فيها لمجرد أن يغيظ ميَّة.
من مادةٍ محدودة جدًّا خلَقَ عالَمًا بثراءٍ هائل وأعماقٍ قوية؛ لأنه استوعب المادة بكلِّ أبعادها: غير المباشرة، والرمزية، وفيما يتعلق بالمزاج؛ واستثمر فيها حياتها واستمرارها، بالتوازي مع الخبرة الإنسانية.
شعر ذي الرُّمة أرقى استمرار في العصر الأموي لتراث الشعر الجاهلي، مكتملٌ إلى أقصى حد وساطع بالاهتمام الخاص لهذا الشاعر الكبير ونظرته. وهو أيضًا شاهِدٌ على عمق الشعر الجاهلي وقدرته على الإيحاء وتيماته النمطية القديمة الطقسية. رمز الشعر الجاهلي للحياة ومثَّلها مجزَّأة. كانت الأطلال مفكِّرات الصحراء؛ وكان البكاء على العصر القديم بكاءً على النهاية الحتمية للحياة؛ يمثِّل طيفُ الحبيبة بحثَ الإنسان عن الجمال والاتحاد من خلال الحُب، بالضبط كما كانت رحلة الصحراء بحثًا عن الخصوبة وتحقيق المثالي. كانت الناقة والحصان رمزَين لسعي الإنسان لفتح ما يحيط به، وترمز الصحراء نفسها لاتساع الحياة ومشاقِّها وغدرها. ليست هناك موتيفةٌ أو تيمةٌ واحدة في شِعر ذي الرُّمة لا يوجد لها نظير في الشعر الجاهلي، لكنه يعطيها بُعدَين جديدَين؛ الأول: هناك استحواذٌ يسود شِعرَه وهو يكرِّر التيمات الشعائرية في أشكالٍ أُعيد ابتكارها، ليصبح اشتمالها على رؤية عامة جزءًا من خبرة المستمع أو القارئ. الثاني: قلقه العميق، المنعكس في رؤيته القطبية الرائعة والمأساوية للحياة. من ناحية، هناك الجمال الذي يستحيل الوصول إليه، جمال ميَّة وخرقاء، والظِّباء والرمال الذهبية اللتَين تقارنان بها؛ وروعة الثبات والسعي الدائم وتمثله الناقة التي لا تعرف التعب أبدًا. ومن الناحية الأخرى، تتربص المأساة، مختلطة بالعظَمة، في كلِّ موضع في الرحلة حيث كلُّ المخلوقات في الصحراء تلهث وتصارع من أجل الوجود تحت لهيب الشمس. الحيوانات دائخةٌ من الشمس، أو مرتعِبة من المطر، أو تُصطاد وتُطارَد؛ بقاؤها على قيد الحياة وجهٌ للفشل في تحقيق الهدف. للرحلة في الصحراء استمراريةٌ رائعة، تشير إلى التساؤل الداخلي والبحث عن هدف مجهول. هذه الصورة لعالَم عند نقطةِ انكسار، رمزٌ لخبرة الشاعر في الحُب والحياة العامة، والكثير من القصائد مخصَّصة بالكامل للرحلة الرمزية لرجلٍ في براري الحياة.
يسود شعرَه حنينٌ بالِغ العمق، يبدو أنه موجَّه لطيفِ امرأة، لكنَّه أساسًا حنينٌ يتوق للوصول لشيء ربما لا يفطن إليه الشاعر نفسه. يزخر شعره بحُب الحياة والبراءة، التي تقف مقابل الإهانات المدمِّرة لهجَّائي البصرة.
مات ذو الرُّمة مبكِّرًا في الأربعين. براعته شاعرًا لم تُكتشف إلا الآن على أيدي نقَّاد طليعيِّين يمكن أن يتناولوا شِعره بأدواتِ النقد الحديث. ربما كانت صعوبة لغته عائقًا أمام اكتشافه، لكن العقبة الرئيسية تنبع من نقطتَين: أولًا من أنَّ شعره ممتلِئ بمضامينَ دقيقة، وبنظامٍ عامٍّ متميِّز يستعصي على النقاد. ثانيًا: لفهم إنجاز ذي الرُّمة، ينبغي تطوير رؤيةٍ جديدة للشعر الجاهلي، رؤية استوعبت في هذا الشعر أكثرَ من سلسلة من التعبيرات المتباينة المحدودة للحياة الجسدية والخبرة العملية. الموقف الدلالي الضمني لهذا الشعر، وقدرته على إنتاج تفسير عام للوجود الإنساني من محدودية حياة الصحراء، لم يكتشفه العلماء الكلاسيكيون أو كثير من النقَّاد المحدثين. مؤخرًا، مع ذلك، تتطور نظرة جديدة للشعر الجاهلي. شعر ذي الرمة، كما لاحظنا من قبل، عنصرٌ من العناصر الأساسية التي تجلب الأبعاد العامة الإشارية للشعر الجاهلي إلى بؤرةٍ كاملة. إنجازه الانتصارُ النهائي لأجيالٍ من شعراء الصحراء كانوا يعيشون ويصارعون في حدود الصحراء الواسعة الغادرة التي لا تنضب.
قبل أن ينتهي العصر الأموي تمامًا، تجلَّى أول مثال متفوِّق للعبقرية الفارسية في الشعر العربي في بشَّار بن بُرد (٩٥–١٦٧ﻫ/٧١٣–٧٨٣م)، الذي عكست تجاربه التأثير الهائل للحياة الفكرية والأدبية في العراق في تلك الفترة. ومع ذلك، تنتمي دراسة شعره للعصر العباسي الأول؛ لأنه ينتمي حقًّا لتلك الفترة نتيجة المزاج والموقف والأسلوب وبناء الجملة وتنوع التيمات.
التجارب الشعرية في العصر الأموي، أكثر تنوعًا ممَّا في أيِّ عصرٍ آخَر قبل العصر الحديث، وضَعَت الأساس لشِعرٍ جديد، انعكاسًا للحياة في العالَم الإسلامي. كانت المهمَّة الرئيسية للشعر الأموي تحقيقَ مستوًى من الاتساق مع هذه الحياة. يتميَّز بتلقائيةٍ وحريَّة هائلتَين. عمومًا، يثير الشعر الأموي الكثير من النقاط المهمة لناقد يبحث عن أمثلة للعلاقة بين الفن والمجتمع، بين الشعر والتراث. طوال هذا الفصل قدَّمنا محاولةً لملاحظة تأثير المجتمع الأموي على الشِّعر، وناقشنا العلاقة الأساسية بين الشعراء الأمويين البارزين والتراث الجاهلي. والأهم أنَّ هذا الفصل حاوَلَ دراسةَ تطور اللغة الشعرية في تلك الفترة التي شهدت تغيُّرًا هائلًا في كلِّ ميادين الحياة، لافتًا الانتباه بشكلٍ خاص لتأثير التحضُّر على اللغة الشعرية والصراع بين الميل إلى هذه اللغة لتعكس خطابَ العصر ومحاولتها إشباعَ احتياجات علماء اللغة لتوثيق اللغة، كما كانت قبل التوسُّع الكبير خارج الجزيرة العربية.