الموسيقى والشعر
إنَّ العلاقة بين الموسيقى والشِّعر، بصرف النظر عن الاهتمام الحقيقي، بالغةُ الأهمية بسبب احتمالٍ نوقش كثيرًا بأنَّ الموسيقى (والموسيقيين) ربما ساهمتْ بشكلٍ كبير في التطور الذي حدث في شعر الحجاز في القرن الأول/السابع، لكنَّ طبيعة العلاقة لا يسهل تحديدها بدقَّة، وبعض المشاكل التي تثيرها مستعصيةٌ جدًّا على الحلِّ. تختلف بدايات الشِّعر العربي والموسيقى، موضوعَين للبحث العلمي، اختلافًا جذريًّا، وخاصة لأنه لا يوجد في الموسيقى ما يقارَن بالمجموعة الشعرية الهائلة التي حُفظت لنا. أول عيِّنة من التدوين الموسيقي قد يُعتقد أنَّها تقدِّم وصفًا دقيقًا إلى حدٍّ ما لأغنيةٍ، كما تحققت في الأداء تعود لفترةٍ متأخِّرة، سنة ٧٠٠ﻫ/١٣٠٠م تقريبًا، تمثِّل مؤلَّفًا من القرن السابع/الثالث عشر. وهي، إضافةً إلى ذلك، مثالٌ فريد.
إن بعث اللغة الموسيقية المبكِّرة من الموادِّ المحدودة المتوفِّرة؛ مستحيلٌ تمامًا. قد نقترح موازيًا أدبيًّا إعادةَ بناءِ شِعرٍ مبكِّر من الكثير من الأشكال اللاحقة، قائمة على النظر في مصادر متنوعة باعتبارها إشاراتٍ حاسمةً؛ مثل: الجاحظ، وابن قتيبة، وسير الشعراء في «كتاب الأغاني» (عمل شهير للأصفهاني من القرن الرابع/العاشر)، وأطروحة أو اثنتين تقنيَّتَين في العَروض والبلاغة، لكن باستبعاد كلِّ أمثلة الشعر. عمومًا، تميل مناقشات الموسيقى للاتجاه النظري (تبلغ ذِروتها في تجريدٍ مشكوك أحيانًا في مواءمته للممارسة) أو الاجتماعي حين تتناول مؤديًا ووسطه. من الأطروحات النظرية الحقيقية، يمكن استنباط وصفٍ تخطيطي رفيع للأنماط والإيقاعات التي تحكم البِنى الصوتية الحقيقية، ومعرفة شيء عن أشكال التأليف والتقنيات الصوتية والآلاتية؛ بينما يمكن الحصول على معلوماتٍ قيِّمة، من أعمال ذات طبيعة أكثر عمومية، عن سير حيوات الكثير من أبرز الموسيقيين؛ ونلقي، إضافةً إلى ذلك، نظرةً عميقة على مختلف وظائف الموسيقى في المجتمع، والتغيرات في الموقف تجاهها، لكنْ من العبث التظاهر بأنَّ هذا كلَّه يمثِّل أكثر من مادةٍ أساسية، وصف للمسرح والممثِّلين وليس للمسرحية. ومن المؤكَّد أنَّ القضية الخاصة بالعلاقة بين الشعر والموسيقى، التي كان يغنَّى بصحبتها؛ تتَّضح فقط بطريقةٍ متقطعة.
(١) المصادر
-
الجاحظ (ت: ٢٥٥ﻫ/٨٦٩م): كتاب القِيَان.
-
الكِندي (ت: ٢٦٠ﻫ/٨٧٤م): رسالة في خبر صناعة التأليف.
-
ابن أبي الدنيا (ت: ٢٨١ﻫ/٨٩٤م): ذمُّ الملاهي.
-
المفضل بن سلمة (ت: ٢٩٠ﻫ/٩٠٣م تقريبًا): كتاب العود والملاهي.
-
ابن خرداذبة (ت: ٣٠٠ﻫ/٩١١م تقريبًا): مختار من كتاب اللهو والملاهي.
-
ابن المنجِّم (ت: ٣٠١ﻫ/٩١٢م): رسالة في الموسيقى.
-
ابن عبد ربه (ت: ٣٢٨ﻫ/٩٤٠م): كتاب العقد الفريد.
-
الفارابي (ت: ٣٣٩ﻫ/٩٥٠م تقريبًا): كتاب الموسيقى الكبير.
-
الأصفهاني (ت: ٣٥٦ﻫ/٩٦٧م): كتاب الأغاني.
(٢) العصر الجاهلي
لا تزال النصوص السابقة، بكلِّ عيوبها، تُعتبر المصدر الرئيسي لتلك الفترة. لإكمالها يمكن الاعتماد على إشاراتٍ للموسيقى في الشعر وأدلةٍ لغوية، لكن بينما تحظى الأُولى باهتمامٍ كبير، الأخيرةُ ضئيلةُ الأهمية في الموضوع الذي نناقشه؛ لا تشير إلى أكثر من أصلٍ سامي مشترك للقليل من المصطلحات العامة الأساسية، والانتشار المبكِّر لأنواعٍ معيَّنة من الآلات بين الشعوب السامية. ولا يمكن البحث عن فائدةٍ كبيرة من البقايا الأثرية أو الفنية، التي ثبت غالبًا أنها المصادرُ الأكثر أهميةً في التاريخ الموسيقي المبكِّر لكلِّ الحضارات الأخرى.
(٢-١) الشعر الجاهلي
يوجد المحصول الأغنى لهذه الأسماء في ديوان ميمون بن قيس (الأعشى). هنا يشار إلى أسماء عديدة لآلاتٍ من أصلٍ فارسي، وتقدَّم تلميحاتٌ — ربما سمة فارسية أخرى — لموسيقيِّين ذكور. وإضافةً إلى ذلك، إذا قبلنا التحديدَ المنسوب لأبي عبيدة (ت: ٢٠٩ﻫ/٨٢٤-٨٢٥م)، بأنَّ هريرة مغنية؛ فإنَّ في معلقة الأعشى (التي مطلعها «ودِّع هريرةَ») تمنَح التيمة الشعرية عن جاريةٍ المعالجةَ الأوسع والأوضح، لكنَّ الموسيقى لا تذكُر في أيِّ موضع؛ الفقرة التي نحن بصددها بالأساس استكشافٌ بديع، واستغلالٌ للموتيفات المعيارية والتقنيات الشكلية، المرتبطة بالوصف الجسدي، في سياقٍ معيَّن لشعر الحُب. وفرضيَّة أنَّ المرأة التي توصف بهذا الشكل متدنِّيةُ المكانة (وأخلاقها موضع شك)، تعني أنها قد تُعتبر أيضًا تنوُّعًا لمحاكاةٍ ساخرة جزئيًّا على أعرافٍ موجودة. لتحديد المرأة المصوَّرة بأنَّها قَينة أهميةٌ أدبية بدقَّةٍ، لا أهمية موسيقية.
(٢-٢) الموسيقى والشعر
(٣) القرن الأول من الإسلام
(٣-١) التطورات العامة
أدَّى انتشار الهيمنة العربية خارج حدود شبه الجزيرة لمزيدٍ من الاتصال المباشر مع الثقافات الرفيعة للأقاليم البيزنطية والفارسية السابقة؛ مباشَرةً أو من خلال الأسرى الذين أُرسِلوا إلى الحجاز. من الاثنَين ثبَتَ أنَّ التأثير الفارسي كان الأقوى بكثير، وكان «نشيط» رمزَه في مراحله المبكِّرة، ويقال لنا إنَّ أغانيه انتشرتْ جدًّا، حتى إنَّ الموسيقيين العرب البارزين اضطروا للتعلُّم منه. هناك نقص محزِن في المعلومات الحقيقية عن الخصائص الموسيقية للأغاني الفارسية، ولا توجد إشارةٌ تحدِّد إن كانت مجرَّد موضة دخيلة، أم كان لها تأثيرٌ أكثرُ ديمومةً على الممارسة الحجازية. وتبدو الفرضيةُ الأخيرة مرجَّحةً أكثر، لكنْ من المستحيل تحديد طبيعة التأثير ومداه. ربما ورَدَت المادة الأكثر أهميةً بهذا الصدد في تقاريرَ عن المسار المهني لاثنَين من أشهر الموسيقيين الأمويين، ابن مسجح (ت: ٩٦ﻫ/٧١٥م تقريبًا) وابن مُحْرِز (ت: ٩٦ﻫ/٧١٥م تقريبًا)، ويعود الفضل للاثنَين في دمج عناصرَ مكتسَبةٍ في رحلاتهما الكثيرة في الأقاليم البيزنطية أو الفارسية السابقة في لغتهما الموسيقية. قد لا يكون سرد معين صحيحًا تاريخيًّا من كل الجوانب؛ ومن المؤكَّد تقريبًا أنه ليس صحيحًا بشأن الاثنَين، لكن ربما يعتبر واقعيًّا، حتى إنه يعترف بأهمية التأثيرات الخارجية، ويؤكِّد في الوقت ذاته على الاستقلال الأساسي والمرونة في اللغة الموسيقية العربية، التي لم تكُن تستعير دون تمييز، بل كانت ترفض ما لا يُستوعب بسهولة.
(٣-٢) الموسيقى والشعر
هناك مؤشرات أخرى، ربما أكثر وضوحًا، عن زيادة استقلالية الموسيقى مقابل الشعر، أو التأكيد أكثر عليها، لكنَّ هذا لا يعني أنَّ العلاقة بين الاثنَين تآكلتْ بشكلٍ خطير أو تقلَّصت بحالٍ من الأحوال؛ الكتالوج الموجز لابن سريج عن الفضائل التي يجب توافرها في مغنٍّ جيد تعطي قيمةً مناسبة لتصحيح نُطق الشعر، وفي العصر العباسي لا تزال البنية الداخلية للأغنية تناقَشُ بمصطلحاتٍ مستمدَّة من عِلم العَروض؛ بحيث يُفترض أنَّ صياغة اللَّحن تقيَّم على الأقلِّ جزئيًّا في ضوءِ مواءمتها للتقسيمات الطبيعية للشِّعر. ورغم ذلك، كانت وحدة اللحن تمتدُّ من بيتٍ إلى اثنين، ممَّا يوحي بعلاقة أقلَّ صلابةً بين وحدة اللَّحن ووحدة الشعر، وفي الأولى القدرة على تنظيم بِنًى أكثر امتدادًا. ويبدو أن الموسيقي أيضًا يعالِج، أحيانًا، نصَّه بشكلٍ أكثر مهارة. وبصرف النظر عن التغيُّر أو الكبح المتوقَّع للمواد المنفِّرة لجمهورٍ معين؛ نجِدُ أمثلةً لأبياتٍ مأخوذة من أجزاءٍ مختلفة من قصيدة، أو كلمات خضعتْ للتغيير، أو لبيتٍ أُدرج من مصدرٍ مختلف، لكن لا ينبغي إعطاءُ قيمةٍ كبيرة لهذا؛ يوجد تنوُّعٌ لافتٌ في الصياغة وترتيب الأبيات بين الروايات المختلفة لكثيرٍ من الشعر المبكِّر، وهو أمرٌ متوقَّع في تراثٍ لا يزال شفهيًّا إلى حد ما؛ ولذا قد يُشكُّ فيما إن كان هناك أيُّ شذوذٍ أو تطرُّف في الهوى الظاهر للموسيقي، رغم أنَّه من المفيد المقابلة بين الممارسة الأُمويَّة في هذا الصدد والمواقف المحافِظة بصرامة لإسحاق الموصلي (١٥٠–٢٣٥ﻫ/٧٦٧–٨٥٠م)، الذي حاول الحفاظ على الشرعيَّة الموسيقية الأُموية ضدَّ هجمات معاصِريه.
ربما تأثَّر أيضًا التوازن بين الموسيقى والشعر بدقَّة بالتغير في العلاقة بين الصوت والأدوات المصاحبة. بينما لا تزال الأخيرة تابعةً اكتسبت أهمية أكبر، وأصبح المعيار تدريجيًّا بالنسبة للمغني أن يصاحبه العُود (ومن قبل ربما استُخدم، إذا استُخدم أيُّ شيء، آلةٌ إيقاعية، الرِّق عادةً). وامتدادًا لهذه الممارسة، تطور دليل آخر على استقلال الموسيقى: المقدمة الآلاتية، بنية لحنية أصبحت في زمن الفارابي (ت: ٣٣٩ﻫ/٩٥٠م)، إن لم يكُن قبلَه، آلاتية خالصة في المفهوم.
الصقل المتنامي لتقنية الآلات، كان يناظره — على ما يبدو — براعةٌ متزايدة في التقنية الصوتية. لم يتمَّ الانتباه فقط إلى التنوع في إنتاج الصوت والجرس — رغم أنَّ المصطلحات المستخدمة ليست واضحةً دائمًا لسوء الحظ، وهي سَمعية وانطباعية وليست لفظية — لكن تمَّ الانتباه أيضًا إلى الخصائص الصوتية، بحيث اعتُبر الشعر بمعنًى ما مادةً خامًا، وعلى المغني أن يعالج النسيج الصوتي له بأفضل وجه؛ لذا عليه الاهتمام بتأكيد جمال الكلمات وتعزيزه؛ وفي الوقت ذاته، للمفارقة، خفض قيمة تأثير معناها باستخدامها أداةً لإبراز تأثيرات موسيقية محددة. ولتحقيق الهدف الأخير، يمكن أن تخضع الكلمات أحيانًا لبعض التعديل (ويشمل حتى تغيُّر القافية في مثال سجَّله «الأغاني»). ومع ذلك، من الطبيعي أن يحدث هذا على مستوًى ما تحت المورفيم، ويشمل غالبًا أساليبَ مختلفة (تشمل تكرار المقطع) لتمديد حروف العلَّة.
تتَّضح الطبيعة الوظيفية لتقييم الموسيقي للخصائص الصوتية للشِّعر بتحليل الفارابي، وهو مستقلٌّ تمامًا عن تراث سيبويه، النحوي الشهير من القرن الثاني/الثامن. هنا تقسَّم الأصوات أولًا إلى صوائت، بأقسامٍ فرعية تشمل الحركات وحروف العلَّة والإدغام؛ وثانيًا إلى صوامت. ثم من الواضح أن تقسَّم الأخيرة، طبقًا لمعايير موسيقية، إلى الممتدة وغير الممتدة؛ وتقسَّم الممتدة أكثر على أساسٍ جمالي إلى لينةٍ وأنفية (ل، م، ن) من ناحية، ومن الناحية الأخرى إلى ذلك الذي يُعتبر انتقاصًا من جودة النغمات التي ترتبط بها (الأمثلة المقدمة: ع، ح، ظ).
(٣-٣) الموسيقى والشاعر
وربما كان للتغيرات الاجتماعية التي تحدث في القرن الأول/السابع أهميةٌ أكبر من أهمية هذه التطورات التقنية في العلاقة بين الموسيقى والشعر. الموسيقيون الذين ذُكرت أسماؤهم في الأقسام السابقة، كلُّهم من الذكور. بينما استمرَّت القَينة، التي وُضعت في مرتبةٍ أسمى في الموسيقى الترفيهية في الجزيرة العربية قبل الإسلام، تلبِّي وظيفة مهمة، تخلت عن صدارة المكان للموسيقي الذَّكر. ليس من السهل تفسير هذا الانقلاب المفاجئ على ما يبدو، لكن ربما يرتبط بتحولٍ عام في المجتمع الحجازي في تلك الفترة. لم يخضع فقط النسيج الاجتماعي التقليدي لتوتراتٍ شديدة، وخاصة في المراكز الحضرية، حيث ازدهرت الموسيقى الترفيهية، بترسيخ الدولة الإسلامية، لكنْ كان عليه أيضًا بعد ذلك، أن يتوافق مع الفقدان الملازم للسُّلطة السياسية بتأسيس الخلافة الأموية ونقل العاصمة إلى الشام. تبيَّن أن العملية كانت مؤلمةً، وأحدُ أعراضها التعارض المتنامي بين الملتزِمين الأتقياء، وأحيانًا الزُّهاد، بالدين الجديد والنخبة الشابة الباحثة عن اللذة، والاستمتاع بالثروة دون مسئولية، وهي النخبة التي عمل الموسيقيون المحترفون في خدمتها. في هذا السياق، لا يخلو من مغزًى أنَّ عددًا من الموسيقيين الذكور الأوائل الأكثر بروزًا مخنثون؛ لذا شكَّلوا مجموعةً تعمل بمعنًى ما على جانبَي الخط الفاصل بين الذكور والإناث، وربما ساعَدَ ذلك على الحفاظ على بعض مواقف السلوك الاجتماعي الجاهلي وأشكاله بالالتفاف على فصلِ الإسلام بشكلٍ أكثر صلابةً بين الجنسين.
ويمكن أيضًا النظر إلى الوضع الاجتماعي الخاص الذي عمل فيه المؤدي — وخاصة بقدرِ ما حافَظَ على مبدأ سلوكي غير إسلامي أساسًا — باعتباره أحد الأسباب الرئيسية للمواقف المتغيرة تجاه الموسيقى التي كانت تتبلور إلى عداءٍ صريح من جانب المشرِّعين العباسيين. وبصرف النظر عن الاستياء التلقائي، الذي يصبُّ على أيِّ نوعٍ من الموسيقى تصاحبه ممارساتٌ دينية وثنية رفضها الإسلام؛ يبدو من غير المرجَّح أنه كان هناك أيُّ رفض أولي للموسيقي. بدلًا من ذلك ارتبطت الموسيقى، أو بشكل أكثر تحديدًا الموسيقى الترفيهية، تدريجيًّا بأنشطة متنوعة محظورة، وهكذا اعتبرت بأنها تتضمن، أو حتى تجسِّد، قيمًا تبيَّن أنها غير مقبولة بشكلٍ متزايد والعقيدة الإسلامية تتشكل بشكلٍ أدق. ومن الواضح من الجدل بعد ذلك، بشأن شرعية الموسيقى، أنَّ دعاة العقيدة اعترفوا ضمنيًّا بتقسيم، مؤسَّس على اختلاف الوظيفة، لا يختلف جوهريًّا عن التقسيم المقترَح من قبل في مناقشة العصر الجاهلي؛ ولذا قُبلت الأنشطة الموسيقية التي تصاحب الأنشطة الاجتماعية والاحتفالات وتندمج فيها (وإن كان أحيانًا على مضضٍ، أو تُعرَّف بالخيال الشرعي بأنها شيءٌ غير الموسيقى)، وحُكمَ على الموسيقى الترفيهية والآلات المصاحبة لها بأنها غير شرعية. ارتبطت الموسيقى الترفيهية أساسًا بالعالَم الخُلقي الغامض للمخنَّثين، وروَّاده المتلبِّسين جنسيًّا؛ مع شرب الخمر (في الأدب لا يمكن فصل الاثنَين فعليًّا)؛ وخاصة بشأن الجواري، مع الإثارة الجنسية. وازداد أثرها الإيروسي أكثرَ بحقيقةِ أنَّ شعر الغزل كان الأكثرَ شيوعًا في الشعر الموضوع للموسيقى حتى ذلك الوقت.
ثمَّة حجةٌ عامة أقوى إلى حدٍّ ما، يمكن طرحها بأنَّ ممارسة الموسيقى أثَّرت على طول البيت؛ وبالتالي البحر أيضًا. افتراض أنَّ غناء بيت الشعر يستغرق عادةً وقتًا أطول بكثير من إلقائه، ربما كان هناك اتجاه، خاصة، في ردِّ فعلٍ للتعقيد المتزايد في بنية اللَّحن، لتفضيل الأبيات الأقصر عند تأليف شعر للغناء. ولا يساعد هذا فقط على ضمان الفَهْم، بل يحافظ أيضًا على البيت المفرد وحدةً مستقرة للإدراك؛ ولذا يبدو أن هناك مبرِّرًا أكبر للإيحاء بأنَّ ممارسة الموسيقى والرغبة في تأليف شعرٍ أسهل شجَّعتا على زيادة انتشار البحور الخفيفة والقصيرة (على سبيل المثال: الهَزَج، والرَّمَل، والسريع، ومجزوء الكامل، والوافر)، لكن قد يكون من الأفضل النظر إلى هذه القضية الخاصة، في سياق مناقشةٍ أوسع للعلاقة بين البحر الشعري والإيقاع الموسيقي.
(٣-٤) الإيقاع والعروض
البنية الإيقاعية للموسيقى العربية المبكِّرة والشعر، من المجالات الواضحة التي قد نتصور علاقةً مستقرة بينهما يتمُّ الحفاظ عليها بوعيٍ ويمكن قياسها بسهولة. يتطلَّب الأمر اعتبار اللَّحن تنظيمًا للنغمات، منفصلًا تمامًا عن ملامح النغمة الغامضة التي يمكن اشتقاقها من أنماطٍ منغمة من الحديث؛ لكنْ قد يكون هناك نوعٌ من التوازي بين المجموعات المنتظمة من المقاطع الطويلة والقصيرة (مع أيِّ أنماطِ توتُّر مرافِقة) مشكِّلةً النبضة العَروضية والمساحات المعيارية للإيقاعات في دورة إيقاع.
(٣-٥) تحليل الإيقاع
لكنَّ أيَّة فرضية حول تأثير البنية الإيقاعية على البنية العروضية (أو العكس)؛ يمكن اختبارها، على الأقل في الحالة الأولى، بمقارنة النظامَين فقط. وهنا تظهر عدَّة صعوبات؛ لأنه بينما دوِّن نظام البحور الشعرية في مجموعةٍ متَّفق عليها من البِنَى المُثلى، كل منها بعدَّة تنوُّعات مسموح بها؛ يبقى نظامُ الإيقاعات الموسيقية في المقابل غامضًا. وأيضًا، حيث إنَّ المكوِّنات الفردية تخضع لتغيُّر تاريخي، ليس هناك ما يضمن أن المعلومات الواردة في المصادر العباسية صالحةٌ للفترات السابقة. وإضافةً إلى ذلك، أقدَمُ التقارير الموجودة — تقارير الكندي (ت: ٢٦٠ﻫ/٨٧٤م)، وابن خلدون (ت: ٣٠٠ﻫ/٩١١م تقريبًا)، والفارابي (ت: ٣٣٩ﻫ/٩٥٠م تقريبًا) — تختلف عن بعضها البعض في جوانبَ مهمَّة. وإضافةً إلى ذلك، يصعُب تفسيرها أحيانًا وتكون غيرَ دقيقة أحيانًا. حتى التسمية تختلف إلى حدٍّ ما؛ ما يلي، على سبيل المثال، الإيقاعات المذكورة في «الأغاني» وعند الكندي، أقْدَم المنظِّرين:
الأغاني | الكندي |
---|---|
ثقيل أول | ثقيل أول |
ثاني ثقيل | ثقيل ثاني |
خفيف الثقيل | خفيف الثقيل |
خفيف الثقيل الأول | |
ماخوري | ماخوري |
رمل | رمل |
خفيف الرمل | خفيف الرمل |
هزج | هزج |
خفيف الهزج | |
خفيف الخفيف |
البطيء/الثقيل | السريع/الخفيف |
---|---|
ثقيل أول o o o . | خفيف الثقيل o o o . |
ثقيل ثانٍ o o o . o | ماخوري o o . o . |
رمل o . o o . | خفيف الرمل o o o |
خفيف الخفيف o o . | |
هزج o o . . |
(٣-٦) الارتباطات
والأهم أنه يمكن الجدل بأن العناصر المتجاورة، لم يتضح أنها قابلةٌ للقياس. تفعيلة الشعر، بتجاهل أشكالها المتنوعة، لا لبس فيها، ويمكن استخراجها من الشعر الموجود. الإيقاع الموسيقي، من الناحية الأخرى، لا يمكن استخراجه من أغنيةٍ بالطريقة نفسها (إلا إذا نظرنا إلى الإيقاع المصاحِب منعزلًا)؛ لأن المغني لم يكُن مضطرًا لجعل الكلمات تُناسب الإيقاع بالمعنى نفسه الذي كان به الشاعر مرغَمًا على اختيار الكلمات التي تناسب البحر. التطابق بين بنية الشعر (التفعيلة) وبنية الدورة الإيقاعية — كما تطبق على اللَّحن — ربما حدث بشكل متقطِّع، لكنه لم يكُن ممنهجًا. وبالنسبة للحسن بن أحمد بن علي الكاتب، لم يتطلَّب علم الجمال المعاصر أي تطابق، وهكذا قد يمتنع الموسيقي متعمِّدًا عن وضع شعرٍ لإيقاع بأنماط التأكيد نفسها، لكن بصرف النظر عمَّا إن كان هذا الموقف خاصًّا بالعصر العباسي؛ تبقى حقيقة أن الارتباط الصالح الوحيد بين العرض العَروضي واللحني للكلمات، قد يكون واسعًا بدرجةٍ تستبعد احتمال المقارنات المهمة في أية حالة؛ لا يمكن أن نقول أكثر من أنَّ المقاطع الطويلة في الغناء يمكن أن تبقى في المتوسط أطولَ بشكلٍ دالٍّ من المقاطع القصيرة، لكنْ ليس بالنسبة التقريبية ٢: ١ للشكل المنطوق. يعرض التدوين بعد ذلك المقاطعَ الصغيرة منتشرةً على وحدة زمنية أو اثنتَين، بينما تختلف المقاطع الطويلة في المدة من وحدتَين زمنيتَين إلى أكثر من خمسين وحدة. وربما لم تقدِّم الممارسة الأموية مثلَ هذه التناقضات المفرطة، لكن من المؤكَّد حدوث الامتداد النسبي للمقاطع الطويلة.
ويتبع ذلك أنَّ الاستخدامات الإيقاعية والعروضية للبِنَى المتجاوِرة من قبل؛ كانت مختلفةً تمامًا. وترتبط الأخيرة مباشرةً بالكلمات، بينما الأُولى لا ترتبط مباشرةً بها، وليس لها وظيفة تنظيمية تتعلق بها. ونتيجةً لذلك لا جدوى من البحث عن دافعٍ موسيقي للشعبية المتنامية للبحور «الخفيفة» في هذا المستوى من التحليل. في الغياب الظاهري لعلاقةٍ بنيوية أو كمية، يبقى — مع ذلك — أنْ نرى أنه ربما كان هناك تناظُر تقليدي فعَّال، بحيث يُدرَك أنَّ إيقاعًا معينًا، وإن يكُن بشكلٍ عشوائي، مناسبٌ أكثر لوضع الشعر في بحرٍ معين. ويتبع هذا أنه إذا كان الموسيقيون يفضِّلون إيقاعًا مثل هذا بشكل خاص؛ فإن ذلك قد يشجِّع الشعراء على استخدام البحر بشكلٍ ذاتي مرافقًا له.
(٣-٧) بيانات مقارنة
ربما لا تكون الأدلة التي يقدِّمها «الأغاني» قاطعةً، لكن لا يمكن تأكيد هذه الفرضية. ربما يمكن التعبير عن المعلومات ذات الصلة في المجلدات ١–٥ من الكتاب بشكلٍ أكثر دقة في جداول؛ ممَّا يمكِّننا من مقارنةِ الشعبية النسبية لمختلف الدورات الإيقاعية مرتبطةً ببحور الشعر الموضوعة بين فتراتٍ مختلفة وداخل الفترة نفسها، بين موسيقيين مختلفين.


البحر/الإيقاع | ثقيل أول | ثاني ثقيل | خفيف الثقيل | رمل | خفيف الرمل | هزج | خفيف الهزج | المجموع | النسبة المئوية |
---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
طويل | ٥٢ | ٢٦ | ٢٣ | ٢٠ | ٩ | ٤ | ٠ | ١٣٤ | ٢١,٦ |
كامل | ٣٧ | ١٥ | ٢٧ | ١٥ | ١٣ | ٢ | ٠ | ١٠٩ | ١٧,٦ |
خفيف | ٢٩ | ١٢ | ٤٠ | ١٤ | ١٣ | ٠ | ١ | ١٠٩ | ١٢,٦ |
وافر | ٢٣ | ١٢ | ١٩ | ١٠ | ٨ | ٠ | ٠ | ٧٢ | ٧١,٢ |
بسيط | ١٧ | ٨ | ١٣ | ٩ | ٥ | ١ | ١ | ٦٤ | ٨,٧ |
رمل | ٥ | ١٠ | ١٤ | ١٠ | ٧ | ١ | ٠ | ٤٧ | ٦,٧ |
منسرح | ٧ | ٤ | ٨ | ٧ | ٤ | ١ | ٠ | ٣١ | ٥ |
متقارب | ٣ | ٨ | ٦ | ٧ | ٣ | ٠ | ١ | ٢٨ | ٤,٥ |
سريع | ٢ | ٥ | ٢ | ٣ | ٢ | ٠ | ٠ | ١٤ | ٢,٣ |
مديد | ٦ | ٢ | ٤ | ٠ | ٢ | ٠ | ٠ | ١٤ | ٢,٣ |
آخر | ٢ | ١ | ٠ | ٣ | ٣ | ٠ | ٠ | ٩ | ١,٤ |
المجموع | ١٨٣ | ١٠٣ | ١٥٦ | ٩٨ | ٦٩ | ٩ | ٣ | ٦٢١ | |
النسبة | ٢٩,٥ | ١٦,٦ | ٢٥,١ | ١٥,٨ | ١١,١ | ١,٤ | ٠,٥ |
الإيقاع/البحر | ثقيل أول | ثاني ثقيل | خفيف الثقيل | رمل | خفيف الرمل | هزج | خفيف الهزج | المجموع | النسبة المئوية |
---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
طويل | ٣٢ | ٢٠ | ٢٣ | ٢١ | ١٣ | ٥ | ٠ | ١١٤ | ٣١,٨ |
كامل | ١٣ | ٩ | ٧ | ١٣ | ٤ | ٢ | ١ | ٤٩ | ١٣,٧ |
خفيف | ١٠ | ٩ | ١٠ | ٩ | ٥ | ٣ | ٠ | ٤٦ | ١٢,٨ |
وافر | ٧ | ٧ | ١١ | ٩ | ٥ | ٣ | ١ | ٤٣ | ١٢ |
بسيط | ٥ | ١ | ٤ | ٤ | ٢ | ٦ | ٠ | ٢٢ | ٦,١ |
رمل | ٥ | ٥ | ٧ | ٤ | ٣ | ٣ | ١ | ٢٨ | ٧,٨ |
منسرح | ٤ | ٠ | ٣ | ٢ | ٣ | ٠ | ٠ | ١٢ | ٣,٤ |
متقارب | ٤ | ٦ | ٥ | ٢ | ٢ | ٠ | ٠ | ١٩ | ٥,٣ |
سريع | ٣ | ١ | ٣ | ٠ | ٣ | ١ | ٠ | ١١ | ٣,١ |
مديد | ٢ | ٠ | ٣ | ١ | ١ | ١ | ٠ | ٨ | ٣,٢ |
آخر | ٢ | ٠ | ٠ | ١ | ٢ | ١ | ٠ | ٦ | ١,٧ |
المجموع | ٨٧ | ٥٨ | ٧٦ | ٦٦ | ٤٣ | ٢٥ | ٣ | ٣٥٨ | |
النسبة | ٢٤,٣ | ١٦,٢ | ٢١,٢ | ١٨,٤ | ١٢ | ٧ | ٠,٨ |
الإيقاع/البحر | ثقيل أول | ثاني ثقيل | خفيف الثقيل | رمل | خفيف الرمل | ثقيل أول | ثاني ثقيل | خفيف الثقيل | رمل | خفيف الرمل |
---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
طويل | ٤ | ٢ | ١ | ١٠ | ١ | ٤ | ٢ | ١ | ٠ | ٠ |
كامل | ٢ | ٠ | ٠ | ١ | ١ | ٢ | ٠ | ٤ | ٠ | ٠ |
خفيف | ١ | ١ | ٣ | ٦ | ١ | ٢ | ١ | ٣ | ٠ | ٢ |
وافر | ٢ | ١ | ٥ | ٣ | ١ | ٤ | ١ | ٢ | ٠ | ٢ |
بسيط | ١ | ٠ | ٠ | ٤ | ٣ | ١ | ٠ | ٢ | ٠ | ٠ |
رمل | ١ | ٣ | ٠ | ٤ | ٣ | ٠ | ٢ | ٠ | ٠ | ٠ |
متقارب | ١ | ٣ | ٠ | ٣ | ٠ | ٠ | ٣ | ٠ | ٠ | ٠ |
ابن سريج | الغريض | |||||||||
الإيقاع/البحر | ثقيل أول | ثاني ثقيل | خفيف الثقيل | رمل | خفيف الرمل | |||||
طويل | ٧ | ٣ | ٤ | ٠ | ٠ | |||||
كامل | ٣ | ١ | ٤ | ٠ | ٠ | |||||
خفيف | ٣ | ١ | ١٣ | ١ | ٣ | |||||
وافر | ٣ | ١ | ٤ | ١ | ٠ | |||||
بسيط | ٢ | ٠ | ٣ | ٠ | ٠ | |||||
رمل | ١ | ٢ | ٤ | ٠ | ٠ | |||||
متقارب | ٠ | ٢ | ٣ | ٣ | ٢ | |||||
موسيقيون آخرون |
المجالس المنسوبة لكلٍّ من ابن سريج والغريض، أو إلى أحدهما أو موسيقي آخر، أُدخلت في الأعمدة ذات الصلة.
قد يكون من السهل التسليم بأن المعلومات الواردة في الجداول الثلاثة ليست محلَّ ثقة بحالٍ من الأحوال في جميع النواحي، لكنْ من الصعب الشك في أنها تقدِّم لنا انعكاسًا دقيقًا عمومًا لسماتٍ عامة؛ لذا، بالنسبة لمجال معيَّن للإيقاع والبحر، يمكن أن نقبل بأمان أنَّ الفرضيات التي تقدَّم أحيانًا بشأن تأثير الموسيقى على تطوُّر الشِّعر في القرن الأول/السابع؛ لا تقبل التوضيح على أساسِ الأدلة المتوفرة حاليًّا. ومع ذلك، لنخلص إلى أنَّ مِثل هذا التأثير المباشر على البحر، ربما لا ينخفض بحالٍ من الأحوال بإنكار احتمال التفاعل الخلَّاق والمثمِر بين الموسيقي والشاعر، لكنْ بالأحرى عن المستوى الذي ربما كان يتمُّ به ذلك.