كانت الموادُّ التي تغلغلتْ إلى مكة من اليونان قبل الإسلام شائعةً، وانصهرت بكثافة
مع العناصر اليهودية والمسيحية. المذهل في التقابل، في هذا الصدد، بين العصر الجاهلي
وعصر الهيمنة الإسلامية الانتقالُ من التلقي السلبي (والعرَضي إلى حدٍّ ما) للمقولات
اليونانية الشائعة في المياه الراكدة في الثقافة العربية إلى الاكتساب النشِط والممنهَج
للشعوب الناطقة بالعربية لقدْرٍ كبير من المعرفة الرفيعة، والفنون والعلوم اليونانية،
واستيعاب عددٍ من التيمات والمشاكل الرئيسية المعقدة للثقافة اليونانية الرفيعة.
والأكثر أهمية تحوُّل الأدب العربي ككلٍّ من نمطٍ مجزَّأ أو منمَّق من أنماط الكتابة،
إلى الطريقة اليونانية في عرض الموضوع. قبل دمج قطاعات كبيرة من الأدبيات العلمية
والتقنية والفلسفية، وخاصة استيعاب أنماط التنظيم الفكري (التحليل السقراطي، التصنيف
الأرسطي) في الأدب العربي، كان كلُّ بيت من قصيدة
عربية، في رأي النقَّاد العرب، ذرةً منفصلة من المعنى، قابلًا غالبًا لتغيير ترتيبه مع
آخَر، مثل خرزة في سلسلة.
وكانت كتابة النثر العربي على الحالة نفسها في نواحٍ عديدة. كان أقدمُ تراث تاريخي
عربي عن الأنساب والقصص، وأُولى الأعمال العربية في التاريخ حوليات ومجموعة أخبار عن
أحداثٍ وتقاليدَ مذهلة. كان
الحديث، الذي أصبح أساسَ
الإسلام، قصصيًّا. معظم الكتب الأُولى المذكورة في فهرست ابن النديم مجرَّد تجميع،
كثيرًا ما تُجمع معًا حول عنوان ما ذريعةً لعَرْض المادة أكثر من إشارة إلى تيمة موحدة.
ومن اليونانيين تعلَّم الأدب العربي تقدير عرض الموضوع الذي جعل من الممكن تأليفَ
الأعمال التقنية والعلمية والفلسفية الأصلية بالعربية. وبهذا المعنى، قد نقول، حتى
تصنيف البخاري للموادِّ الهائلة من
الحديث تحت عناوين
منسَّقة لمواضيعَ معيَّنة (انظر ما سبق، الفصل ١٠)؛ كان مرحلةً في عمليةٍ تقود من
الإدراك العرَضي أو الخطي («س علَّة ص») إلى الرؤية الشاملة والتركيبية لابن سينا وابن
خلدون. ومن الواضح أنَّ سببًا حاسمًا في جعلِ مجموعةٍ كبيرة من هذه التغيرات ممكنة؛ كان
التوسع الهائل للآفاق العربية بالفتوحات الإسلامية، وانضواء عالَم كان يضمُّ بعضَ
المقرات الرئيسية للحضارة الهيلينية تحت راية الإسلام، لكنْ لا يمكن فهْمُ السرعة
والاتجاه الذي اكتملت به هذه المهمة الكبيرة
٦ من الاستيعاب والتمثل الفكري؛ بدون الإشارة إلى تمهيدِ الأرض، ليس فقط في
الجزيرة العربية، بل وفي البلاد المحيطة، التي أصبحت الإمبراطورية الإسلامية.
(٢-١) العلم واللاهوت والفلسفة
في المراكز الهيلينية الكبرى التي خضعت للعرب، ازدهر في العصر الوثني التراثُ
اليوناني في الرياضيات وعلم الطبيعة والفلسفة والطب والفلك. حُفِظ هذا التراث، وفي
الوقت ذاته مهد ببراعة لاندماجه في الثقافة الإسلامية بمواجهاتٍ سابقة مع التوحيد.
أكمَلَ فيلون Philo السكندري (٢٥ق.م. تقريبًا–٤٥م
تقريبًا) توليفًا عميقًا وخلَّاقًا للفكر الموسوي بفلسفة أفلاطون. بجدٍّ عزَّز
المفكِّرون المسيحيون من أوريجانوس Origen السكندري
(١٨٥م تقريبًا–٢٥٤م تقريبًا) إلى يوسابيوس Eusebius
القيصري (أسقف ٣١٥م تقريبًا–٣٤٠م تقريبًا) انصهارَ القيم والأفكار الهيلينية مع
المسيحية، وشجَّعوا خلال عصر الاضطهاد المسيحي الرأيَ بأن المسيحية كانت تنشئةً
حقيقية، كانت كلُّ الحضارة السابقة تمهيدًا لها. أثبتت هذه الحملة أنها ناجحة
جدًّا، حتى أصبح بقاء الأنماط اليونانية في التفكير مستقلًّا تمامًا عن السؤال
الهامشي بشأن بقاء جماعاتٍ مثل المجتمع الوثني في حران. وصار الموحِّدون أنفسهم
ركائزَ الفكر اليوناني. وهكذا يعلق أسقف مسيحي بأنه لم يتوقف عن كونه فيلسوفًا حين
أصبح مسيحيًّا؛ يستخدم الأساطيرَ المسيحية لحثِّ الناس يوم الأحد مؤشراتٍ للعقيدة
الفلسفية التي يلتزم بها العقل. توقُّع مذهِل للمذهب الأفلاطوني عند الفارابي بشأن
أدوار النبوة والفلسفة في المجتمع.
حين أصبح المسيحيون بدورهم مُضطهِدين، كانت العملية الثقافية قد مضت بعيدًا بشكلٍ
لا يمكن عكسه. كان تراث المعرفة اليونانية — أو بالأحرى حامِليه — يضغط ببساطة
فكريًّا وسياسيًّا وحتى جغرافيًّا أقربَ إلى مركز جاذبية العالَم الإسلامي.
كانت نموذجية هذه العملية والأهمية التاريخية لتبني المسلمين لفنون الإغريق
وعلومهم؛ مصيرَ حركات الموحِّدين والنساطرة. بدايةً كانت الاختلافات بين الموحدين
وخصومهم داخل الكنيسة لفظيةً إلى حد بعيد، قائمةً على غموضٍ في المصطلح اليوناني
physis
أو «طبيعة». لكن محاولة الكنيسة في مجمع خلقيودنية وضْعَ مبدأٍ معتمد بشأن القضية
الغامضة والمشحونة جدًّا عن طبيعة المسيح؛ حَفزَت استقطابًا جذريًّا بشأنِ ما قد
يبقى، بدون ذلك، قضيةً نظرية وأكاديمية؛ لذا وجَدَ عددٌ كبير من المسيحيين الأتقياء
في الشرق أنَّ فكرة ربٍّ مصلوب بغيضةٌ روحيًّا وجماليًّا؛ فمالوا بشكلٍ طبيعي
للُّجوء لعقيدة التوحيد بأنَّ المسيح لم يعانِ حقًّا على الصليب، أو في المعتقد
النسطوري أنَّ «الطبيعة الإلهية» للمسيح على الأقلِّ تجنبتْ هذا الهوان. إصرارُ
الكنيسة على تنفيذ مرسوم خلقيودنية، بلوَرَ المعارضةَ الشرقية للسُّلطة المركزية
وأدَّى مباشرةً إلى نشأة الكنائس اليعقوبية (الموحِّدة) والنسطورية المنفصلة.
مضطهَدين كلما وُجدوا وأينما وصلت سُلطة الأباطرة البيزنطيين، ازدهر النساطرة
والموحِّدين في مصر وبنوا مئاتِ الأديرة والمدارس في سوريا، وشرق الأردن والعراق.
وللهروب من اضطهاد البيزنطيين، لجأ جماعةٌ من علماء النساطرة من الرها في ٤٥٧م
عبْرَ الحدود الفارسية في نصيبين. وتعزَّز الفريق النسطوري الفارسي في ٤٨٩م، حين
أغلق الإمبراطور البيزنطي زينو Zeno بشكلٍ دائم
المدرسة النسطورية في الرها. جَلبَ النساطرة معهم إلى بلاد فارس معرفتهم بالطب
والمنطق، ممثَّلةً بأعمال شخصياتٍ مثل بربوس Probus
الأنطاكي، الذي علَّق على «العبارة» و«القياس» لأرسطو وعلى «المدخل» أو مقدمة منطق
أرسطو لفرفوريوس، وترجم أولًا إلى السريانية في عصره. بالنسبة للمسيحيين المتعصبين،
كان منطق أرسطو معقلَ القوة الجدلية في مجادلاتهم مع بعضهم البعض وضد الكنيسة
الأرثوذكسية، ليس فقط لأنَّه علَّمهم المبادئ الأساسية للجدل، بل أيضًا لأنَّه
قدَّم قاعدةَ مفاهيم للتعامل مع مشاكل الوجود التي تكمن في جذر نزاعاتهم
اللاهوتية.
اتسعتْ أعمال النساطرة، واكتملتْ بأعمال العالِم الموحِّد السابق سرجيس الرأسعيني
(ت: ٥٣٦م)، الذي درس الطب في الإسكندرية وكان أولَ مترجمٍ كبير للأعمال الطبية
اليونانية إلى لغةٍ سامية. وتُنسب له ترجمةٌ سريانية لستةٍ وعشرين عملًا من أعمال
جالينوس، كتب مدرسية أساسًا، فضلًا عن عدد من الأعمال الطبية الأخرى. ولم تشمل
ترجماته الفلسفية «المدخل» فقط، بل أيضًا «المقولات»، العمل الميتافيزيقي الأكثر
إثارةً للجدل من الأعمال المجموعة في «أرجانون» أرسطو، الذي كتب عنه تعليقًا
تفصيليًّا. وترجم أيضًا إلى السريانية الرسالةَ الرواقية المهمة المنسوبة خطأً
لأرسطو، «عن العالم»، وكتابات الأفلاطونية الجديدة التي انتشرت تحت اسم ديونيسيوس
الأريوباجي. وترجم سرجيس المحاورةَ المنسوبة خطأ لأفلاطون، «أرستوبس
Herostrophos
(Aristippus)»، التي تتناول مشكلة البعث
الجسدي. وربما كان أيضًا مترجِمَ كتاب «نحو ديونيسيوس الثرسي». وكتب رسائل أصلية في
المنطق وتأثير القمر. وواصَلَ حنين بن إسحاق (١٣٤–٢٠٠ﻫ/٨٠٩–٨٧٣م)، أعظم المترجمين
العرب، أعمالَ سرجيس تقريبًا كما لو لم يكُن هناك قطعٌ يزيد عن ثلاثة قرون بينهما،
مراجِعًا ومصحِّحًا ترجماته، ووسع بشكلٍ كبير قائمةَ عناوينه.
ربما وضع الاختيار من «تاسوعات» أفلوطين التي عُرفت ﺑ «لاهوت أرسطو
Theology of
Aristotle» معًا في القرن السادس تحت رعايةٍ
سريانية ويعقوبية، إلى حدٍّ ما تقارن بأعمال سرجيس. بالنسبة للعلماء الذين يكمن
اهتمامهم الأساسي في العصور الكلاسيكية القديمة، هذه الأعمال، من قبيل ما يسمَّى
«لاهوت أرسطو»، المادة مأخوذة من بروكلوس وانتشرت باسم «كتاب العلل
Book of
Causes» لأرسطو، والأعمال المنسوبة خطأً لديونيسيوس
مزيفةٌ ببساطة لسوء الحظ، لكنْ بالنسبة لمَن يكمن اهتمامهم في الديناميكيات
التصورية للانصهار الثقافي، لهذه الكتابات أهميةٌ أكبر بكثير من الكثير من الأعمال
الأصلية؛ لأن هذه الكتابات تكشف آليات العملية البارعة التي انصهر بها فكر أفلاطون
وأرسطو وأفلوطين واندمج في التوحيد؛ ملائكةٌ يأخذون بشكل طبيعي مواضع آلهةٍ وثنية
صغيرة، وتمتزج أفكار أفلاطون بالمفهوم العبري للأمر الإلهي، وفيضٌ يأخذ مكانه
التاريخي تفسيرًا فلسفيًّا للخَلق وتأسيسًا لوضع تصوُّر الوحي.
عرف العلماء السريان بوضوح أن مهمتهم نقلُ الثقافة وتعديلها. وهكذا كانت أعمالهم
ترجماتٍ وتعليقات وكتبًا مدرسية ومصنفاتٍ وموسوعات، نُظمت فيها الإنجازات الثقافية
للعالم الهيليني، وتم تشكيلها ومنهجتها وتعديلها. وبالطبع، في الوقت ذاته، تجميدها
إلى حد ما، لكنْ ما نُقل كان تراثًا حيًّا، قادرًا، مثل كرمةٍ قديمة معقدة، على
انفجاراتٍ جديدة للحياة وعُروض مدهشة من النشاط أينما الْتقت مع ظروفٍ
مواتية.
كانت حيوية الرياضيات اليونانية الأخيرة، نموذجًا لاستمرار التراث الفكري
اليوناني في العالم اليوناني قبل الإسلام. حين رغب جستينان في إعادة بناء آيا
صوفيا، استدعى اثنَين من أكثر الرياضيين الذين أنجبهم العالَم تقدُّمًا، أنثميوس
Anthemius من آسيا الصغرى وإزيدورس
Isidorus من ميلتوس؛ ليُشرفا على الهندسة. وكان
الرجلان في مقدِّمة هندسة الجوامد في أيامهما. أنثميوس، الذي كتَبَ تعليقاتٍ على
ميتافيزيقا أرسطو وأيضًا حساب نيكوماكيوس
Nicomachus، وتجاوز كثيرًا معالجةَ أبولونيوس
Apollonius للقطاعات المخروطية ليبرع في
المنحنيات المكافئة. كتب إيوتوكيوس Eutocius، وهو
رياضي بيزنطي آخَر، عن أرشميدس وأبولونيوس، محافِظًا على معرفة القطاعات المخروطية
التي أصبحتْ مهمةً للعرب، ليس فقط باعتبارها نظريةً هندسية، لكن أيضًا فلسفية؛
لأنها قدَّمت لهم وسيلةً لتصور التعامل مع مفهوم اللانهاية. أضاف أحد تلاميذ
إزيدوروس كتابًا خامس عشر، عن الجوامد المنتظمة، إلى عناصر إقليدس.
استمر التراث نفسه من الدراسة والتعليم، وزيادة علوم الإغريق حتى الهجرة وما بعدها، وفي عهد المسلمين. تمتَّع بلاط
هِرَقل، إمبراطور بيزنطة ٦١٠–٦٤١م، بخدمة الطبيب والفسيولوجي ثيوفيلوس بروتوسبتريوس
Protospatharios، الذي كتَبَ تلميذُه، ستيفن
الأثيني، أعمالًا طبية أيضًا. وعاصَرَه تقريبًا آرون
Aaron السكندري، الذي ترجَمَ كتابه الطبي إلى
السريانية والعربية، وثبَتَ أنه لا يقدَّر بثمنٍ بالنسبة لمحمد بن زكريا الرازي.
ثمَّة طبيبٌ آخَر معاصر، بولس Paul الأجيني، صنَّف
موسوعةً طبية أساسية من سبعة أجزاء قائمةً على أعمالِ جالينوس وأوريباسيوس
Oribasius، ترجمها حنين بن إسحاق إلى العربية.
وبقي بولس في الإسكندرية حين استولى المسلمون عليها في ٦٤٠م، كما فعَلَ أسقف
اليعاقبة والطبيب جون السكندري، شارح أعمال جالينوس وأبقراط. وكانت مسيحية القرآن
نفْسِه يعقوبيةً، وهكذا لم يجِدْ جون نفسَه على قطبَي نقيض مع السُّلطة الحاكمة
الجديدة. وبالطبع، بالنسبة للكثير من أعضاء الجماعات المسيحية غير الأرثوذكسية، كان
الفتح الإسلامي نجاةً من بعض النواحي. ابتهج الأمير العربي عمرو بن العاص حين علم
بأنَّ جون يرفض العقيدةَ الأرثوذكسية الخاصة بالثالوث.
تقول الأسطورة إن الفاتحين المسلمين دمروا المكتبة الكبيرة في الإسكندرية، لكنَّ
أقدم تقرير عن هذا الحدث يرجع إلى القرن الثالث عشر. الحقيقة أنَّ الإسكندرية كانت
مليئة بالمسيحيين الأقباط الموحِّدين، واستسلمت دون مقاومة في ١٩ﻫ/٦٤٠م حين فتح
البطريرك القبطي الأبواب لقوات المسلمين، بدون شكٍّ على أمل أن ينتهي خضوعُ شعبه
لحُكم بيزنطة. ليست لدينا معلوماتٌ إيجابية عن وجود المكتبة في ٦٤٠م أو في ٦٤٦م بعد
أن تعرضَت الإسكندرية للنهب، بعد محاولةٍ فاشلة للبيزنطيين لاستعادة المدينة. مقولة
أنَّ الفاتح رأى أنَّ المكتبة إذا كانت لا تحتوي على شيءٍ غير المسطور في القرآن
فهي كعدمها، وإذا كانت تنافي ما جاء في القرآن فهي ضارَّة؛ مُفارَقةٌ تاريخية بشكلٍ
عبثي على أساسَين: لم يكن العرب قد اكتسبوا اهتمامًا كافيًا بحقائق اللاهوت المذهبي
بدرجةٍ تجعلهم ينشغلون بحرق الكتب بسببه؛ والحجة رسميًّا مثالٌ للنوع الرواقي من
الورطة الطباقية، أشاعها في الإسلام المتكلِّمون
الأوائل واستخدمها (عمومًا بتأثيرٍ مادي مضاد) فلاسفةٌ مثل الكندي. الحقيقة هي أنَّ
التراث اليوناني، عمومًا، استمرَّ دون انقطاعٍ برعايةٍ مسيحية بعد الفتح
الإسلامي.
وكان ساويرس سيبخت أسقفًا في قنسرين في شمال سوريا/العراق في الجزء الأخير من
القرن السابع. كتَبَ سيبخت في الفلك والجغرافيا؛ ومثل أسلافه، علَّق على «القياس»
و«العبارة». وبعد ثلاثة قرون تقريبًا، كان على «المعلِّم الثاني» (بعد أرسطو)،
الفارابي، أنْ يتساءل عن سببِ تأكيد عقولٍ متعمِّقة مثل العلماء السريان على
«البرهان». استنتج الفارابي، مقتنِعًا بأنَّ هذا لا يمكن أن يرجع إلى القدرة
العقلية، أنَّ هناك أسبابًا لاهوتيةً منعتْهم من الخوض في موضوعِ البراهين المؤكدة.
قد تبدو هذه الإجابة مبسَّطة بطريقة ما؛ لأن الفارابي تعلَّم أفضل من الرهبان
السريان. كان فلسفيًّا أكثرَ دقَّةً وأصالة منهم بكثير، لكنَّ تفسيره يحتوي على
نواةِ الحقيقة؛ لأنَّ الرهبان السريان والأساقفة كانوا رجالًا عمليِّين، واهتمامهم
بالفلسفة والعلوم برجماتيًّا. على عكس الفارابي، لم يتشرَّبوا برُوح الاكتشاف
الفكري لذاته، أو بمفهوم الفلسفة مرشدًا للحياة، بدل أن تكون ببساطة مصدرًا لأداةٍ
مفيدة. وهكذا لم يتجاوزوا ما كان مفيدًا أو ضروريًّا على الفور في عملهم، سواء في
الفلسفة أو التكنولوجيا أو اللاهوت. وهذا الاتجاه البرجماتي، كما نرى، يُحمَل إلى
أول الفلاسفة والعلماء والأطباء في الإسلام. نواجهه بوضوح تام في أعمال الكندي
والرازي. كتَبَ ساويرس، على أيَّة حال، عن الأبراج والخسوف والكسوف والأسْطُرلاب،
ومسائل أخرى عمَّا لا بد أنه بدا عِلمًا عمليًّا تمامًا وغير تأملي. مثل الكندي،
آمن بأن العلوم عالمية وقابلة للنقل بسهولة. ومن المؤكَّد أن العِلم الذي مارسه كان
كذلك. كان ساويرس أولَ شخص خارج الهند يصِفُ النظام الهندي للأرقام، وهو الآن
عالَمي. على عكس الميتافيزيقا أو النظرية السياسية، هذه الأجزاء من الحكمة لا تخلُق
في ذاتها صعوبات اجتماعية أو فكرية.
كتب يعقوب الرهاوي (٦٣٣–٧٠٨م تقريبًا)، تلميذ ساويرس سيبخت وأسقف موحِّد للرها من
٦٨٤–٦٨٨م، تاريخًا لعصره، إلى حدٍّ كبير على منوال عدَّة تواريخ سريانية سبقتْه.
وكتَبَ أيضًا أولَ قواعد السريانية بشكلٍ منهجي، وأدخل في تلك اللغة سبعَ علاماتٍ
للصوائت وستًّا وثلاثين علامة للتشكيل واللهجة. ونقَّح «تاريخ» يوسابيوس
Eusebius وأكمَلَه حتى سنة ٦٩٢م، ونقَّح
«البسطة Peshitta» أو النَّص السرياني للكتاب المقدَّس،
وأنجز «هيكساميرون Hexaemeron»، أو تقريرًا عن الخَلق، متمحوِرًا حول
الصيغة التوراتية لستة أيام الخَلق. أدب الهيكساميرون مثل كتاب باسيل
Basil «عظة في الهيكساميرون
Homily on the
Hexaemeron» وكتاب جريجروس أسقف نيصص «خلق
الإنسان De opificia
hominis»، الذي قدِّم، بكلماتِ فرنسيس إدوار بيتر
Peters، «وطنًا سهلًا وطبيعيًّا» للأفكار
العلمية اليونانية في سياقٍ رهباني. ثمَّة عملٌ مماثِل «عن طبيعة الإنسان
De natura
hominis» لنيميسيوس
Nemesius الحمصي، تُرجم إلى العربية في زمنِ
حنين بن إسحاق. «هيكساميرون» يعقوب الرهاوي، الذي يضمُّ قِسمًا جغرافيًّا طموحًا،
أكمَلَه زميلُه وتلميذه جورج أسقف العرب. وعاش، الذي كان كاهنًا للقبائل الموحِّدة
في العراق، في الكوفة. مرةً أخرى، ترجَمَ النصوصَ الحيوية في «المقولات» و«العبارة»
و«القياس»، وعلَّق عليها؛ حيث كان العصر لا يميِّز (من حيث العمل) بين نسخةٍ جديدة
وطبعةٍ جديدة وعملٍ جديد.
بزَّت الإسكندريةُ، مركزًا دراسيًّا وعلميًّا، أثينا لقرونٍ قبل الهجرة. وحتى في الفلسفة، كان هذا المركز الهيليني
الأكبر منافِسًا خطيرًا لأثينا. التأثير المتراكم لأعمال أرستوبولس (١٨١–١٤٦ق.م.)
وفيلون (٢٥ق.م. تقريبًا-٤٥م) وأوريجانوس (١٨٥–٢٥٤م) وأفلوطين (٢٠٥–٢٧٠م)، وكثير
غيرهم حوَّلَ محور الفلسفة اليونانية إلى مستوى يتواءم إلى حدٍّ ما مع الفرضيات
التوحيدية والدين الإنجيلي. هكذا ساهمتْ مدرسة الإسكندرية على انتقالٍ للمسيحية
تبيَّنَ أنه كان مستحيلًا، سياسيًّا وفكريًّا وعاطفيًّا، على مدرسةِ أثينا.
كان داماسكيوس
Damascius، آخِرَ مديرٍ لأكاديمية
أفلاطون في أثينا حتى غلْقِها على يدَي جوستينان في ٥٢٩م، من مواطني المدينة التي
يحمل اسمها.
٧ وقد حرَمَ بمرسومٍ إمبراطوري من تعليم الفلسفة في أثينا، قَبِل
داماسكيوس وستةٌ آخَرون من الأفلاطونيين الجُدد دعوةَ كسرى أنوشروان إلى المدائن
ضيوفًا عليه. وعاد الفلاسفة إلى العالَم اليوناني في ٥٣٣م، تحت حماية بندٍ لتأمينهم
في معاهدة سلام عقَدَها أنوشروان مع جوستنيان. لم تكُن إقامتهم القصيرة في بلاد
فارس بدون تبادُلٍ فلسفي، ويبقى منها بعض الإجابات التي رد بها برسكيان الليدي
Lydian، أحد السبعة، على أسئلة العاهل
الفارسي.
وكان للصِّدام بين الطبيب السكندري المسيحي يوحنا النحوي ومعاصره سيمبليسيوس
Simplicius، فيلسوف آخَر من الأفلاطونيين
الوثنيين المنفيِّين، أثرٌ دائم في مستقبل الفكر الإسلامي. تلميذان للأستاذ نفسه،
الاسترضائي conciliatory أمونيوس السكندري بن
هرمياس Hermias، احتلَّ الاثنان موقعَين على طرفَي
نقيض من بعضهما البعض. هاجَمَ فيلوبونوس، بوصفه مسيحيًّا، سرمديَّةَ أرسطو وبرقليس
Proclus، مكتشفًا ومبتكرًا الكثيرَ من الحُجج
الأصيلة لتقويض مفهوم الأفلاطونيين الجُدد عن ثبات السموات. وفي سياقِ هذا الجدل ذي
الدوافع الدينية، على سبيل المثال، احتجَّ فيلوبونوس على المبدأ الأرسطي بشأن بساطة
(ومن ثَم استحالة تدمير) الأجسام السماوية بالإشارة إلى اختلاف ألوان النجوم. فسَّر
هذه الملاحظة بافتراض أنَّ النجوم تحتوي على مركَّبات مختلفة تحترق بلهبٍ مختلف
الألوان؛ توقُّعٌ للأساس النظري للتحليل الطيفي الحديث، كما لاحَظَ أحدُ روَّاد هذا
العِلم. في دحض النظرية الأرسطية عن الحركة، يقترب فيلوبونوس من المفهوم الحديث
للقصور الذاتي. في الحالتَين، التوقُّع ليس صدفة؛ لأنَّ فحوى حجة فيلوبونوس فحوى
حجة جاليلو: معالجة كل المواد، سماوية أو أرضية، طبقًا لقوانين التحوُّل نفسها.
بهذه الطريقة فقط يمكن لفيلوبونوس تحقيقُ هدفه في إلقاء الضوء على التضادِّ بين
خلود الله وزوال كل الموادِّ المخلوقة. في العملية يقدِّم مثالًا رائعًا جدًّا لرأي
وايتهد Whitehead عن العلاقة الحميمة بين التوحيد
وعقلانية العلم، وهي تيمةٌ تلخِّصها بإيجازٍ الوصية التوراتية (التي ربما كانت شعار
جاليلو أو فيلوبونوس، أو أينشتاين): «تكون شريعة واحدة ﻟ …»
دافَعَ سبمليسيوس، من الناحية الأخرى — خصم فيلوبونوس، الذي يبدو أنَّ خِلافه مع
المفكِّر المسيحي عجَّل بسقوط الأكاديمية — عن مبدأ الاستمرارية في الطبيعة، في
بُعدٍ مختلف. بينما رأى فيلوبونوس إمكانيةَ تطبيق القوانين الطبيعية نفْسِها على
السماء والأرض، اتَّبع سبمليسيوس أرسطو في الإلحاح على حُرمة الرابطة العلِّيَّة
خلال بُعد الزمن؛ وبالتالي أيَّد خلودَ الكون، نافيًا الخَلق، كما فعَلَ الفلاسفة
من بارمنيدس إلى برقليس (معلم داماسكوس) باعتباره إعاقةً عشوائية وغيرَ مناسبة
لاستمرارية قانون العلِّيَّة. ظلَّت أصداءُ هذه الخلافات تُسمع ليس فقط في
الإسكندرية والمدرسة التابعة في غزة، بل أيضًا بعد ذلك حيثما تُدرس الفلسفة. وفَهمَ
الفلاسفة العربُ أهميةَ المشاكل المعلَّقة. كتب الفارابي، وكان أولَ مسلمٍ يطرح
نظامًا فلسفيًّا قويًّا ومنهجيًّا في الإسلام، تفنيدًا لفيلوبونوس.
٨ أيَّد ابن رُشد، وهو أهمُّ بطلٍ عربي لتراثٍ فلسفي يوناني عَلَني في
الإسلام، الاتساق العلِّيَّ ضدَّ الخَلق، ليس فقط (مثل أرسطو) بوصفه مبدأً
عِلميًّا، لكنْ أيضًا (مثل برقليس) بوصفه مبدأً لاهوتيًّا صريحًا. ووَجَد الكندي،
من الناحية الأخرى، وهو أولُ فيلسوفٍ مسلم، في فيلوبونوس مَنجَمًا لحجَّة الخَلق.
ومضى الغزالي، الذي اعتمد على الحُجج نفسها، أبعدَ بكثير. لم يكتشف في الأبديَّة
مجرَّدَ تقديسٍ مفرط وعشوائي لحُرمة الرابط العلِّيِّ، أو خضوع الفضائي للاستمرارية
المؤقتة للطبيعة، بل اكتشف أيضًا تنافرًا جوهريًّا للفرَضيَّات مع فرضيات التوحيد.
كانت حجَّته، بمصطلحاتٍ حديثة، أنَّ الأبدية سَلَبت من التوحيد معناه الإجرائي. وهو
تحليلٌ ثاقب؛ لأنها لم تكُن مجرَّد العلِّية (ومجَّدها أتباع ابن رشد بأنها حكمةُ
الله)، بل ألوهية الكون نفسه المعلَّقة بالنسبة لأنصارِ الأبديَّة، أكثر صراحةً من
أرسطو إلى سمبليسيوس. إذا كان الكون أبديًّا وقوانينه ثابتة؛ فإنَّ نظامه قد يعبِّر
بوضوح عن ألوهيته، وهي فرضيَّة لا تتعارض مع مفهوم أفلاطون لرصدِ إلهٍ في آخَر (كما
قد يحتوي عالمٌ مثالي عالمًا آخر)، لكنه مفهوم غريبٌ كلية عن مبادئ التوحيد
الجذري.
لم يشأ الغزالي، ولم يستطِع، رغم اعترافه بتنافر الأبدية اليونانية والتوحيد،
استئصالَ العنصر الفلسفي اليوناني من الأدب والثقافة الإسلامية؛ لأنَّ الاثنَين
تشابكا عليه نظريًّا بحيث يستحيل الفصل بينهما. ناهيك عن احتمال محو علوم اليونان
من الحضارة الإسلامية، أو التيمات اليونانية من الأدب والثقافة الإسلامية، أو
الرغبة في محوها.