الفصل الرابع والعشرون
التأثير السرياني على الأدب العربي
رفعت عبيد، جامعة سيدني
قدَّم مسيحيُّو سوريا والعراق من الناطقين بالسريانية إحدى أهمِّ المساهمات في الازدهار
الفكري الذي تركَّز في بغداد العباسية وأصبح المجدَ الرئيسي للإسلام في العصور الوسطى.
شهِدَ قرنٌ ونصف من الأُسرة العباسية الحركةَ الخالدة لترجمة الأعمال اليونانية والسريانية
والفارسية إلى العربية ونقْلِ المعرفة الهيلينية إلى أتباع النبي العربي. في السنوات
التالية لتأسيس بغداد، توفَّرت الأعمال الفلسفية الرئيسية لأرسطو ومفسِّري الأفلاطونية
الجديدة، والكتابات الطبيَّة الرئيسية لأبقراط وجالينوس، والأعمال الرياضية لإقليدس
والأعمال الجغرافية لبطليموس للقرَّاء العرب. وفي هذه الحركة، كان السوريون الوسطاءَ
الرئيسيين.
لفَهْم كيف تسنَّى أن يكون للسريانية تأثيرٌ مهم على الأدب العربي؛ من الضروري أن
يكون
لدينا صورةٌ واضحة لتطوُّر الأدب السرياني نفسه. وقد ينقسم هذا التطور إلى ثلاث مراحل.
١ امتدَّت الأولى من عصرِ ما قبْلَ المسيحية إلى القرن الثامن الميلادي، وتمثِّله
الأعمال الوثنية المتبقية (على سبيل المثال: قصة أحيقار، وكتابات ماره بَر سربيون وبابا
الحراني)،
٢ وأدبٌ مسيحي أشمل بكثير. يبدأ مع الكتاب المقدَّس في نسخٍ متتابعة (نسخ
الموحِّدين، ونسخ الملكيين، ونسخ النساطرة)، وتسمَّى
بِسطَّة («بسيطة») عادةً؛ لأنه يبدو أن الكنيسة السورية لم ترضَ قَط عن
ترجماته. وكان النصف الأخير من هذه الفترة، العصرَ الذهبي للأدب السرياني، مع بداية أدبٍ
تاريخي محلِّي لسوريا في القرن الخامس وبدء المهمَّة الكبرى لترجمة الكتابات اللاهوتية
والمذهبية للآباء اليونانيين إلى السريانية، إضافةً إلى أعمالِ فلسفةِ المشَّائين، على
أيدي
الآباء الناطقين بالسريانية.
تركِّز الأعمال الأصلية للأدب السرياني في المرحلة الأولى من تاريخه على الاهتمام
بكتب
الزهد والتصوف. وكان العمل الأول في هذا المجال «كتاب هيروثيوس»، ويُنسب لستيفن بار سُدايلي
(ت: ٥١٠م)، وكان تأثيره قويًّا على المتصوِّفة السوريين طوالَ العصور الوسطى، وخاصة على
ابن
العبري، الذي كتَبَ شرحًا له وقدَّم مقتطفاتٍ كثيرةً منه. وتبرز في هذا المجال أعمالُ
إسحاق
النينوي، الذي تألَّق في أواخر القرن السادس، وشمعون من طيبوثه (ت: ٦٨٠م تقريبًا). يؤكِّد
إسحاق، الذي تنسب إليه كتابة «سبعة مجلداتٍ عن توجيه الرُّوح والأسرار والأحكام والتدابير
الإلهية»،
٣ في تعاليمه على حياة التأمل، ويؤكِّد على أنَّها لا يمكن أن تولَد في رَحِم
العقل. يؤكد إسحاق على أن جزءًا على الأقل من المعرفة يدرَك بالصمت الداخلي للعقل، وأنَّ
هذا النوع من المعرفة أسماها كلِّها؛ لأنَّه يصِلُ إلى الربوبية الخفية. وفي مجال الزهد
والتصوف، يكون التوازي السرياني للأدب
الصوفي
مذهلًا.
شهِدَ القرن الخامس انقسامَ الكنيسة السريانية إلى طائفتَين متخاصمتَين: اليعقوبية
والنسطورية. ورغم ما ترتَّب على هذا من إضعاف الكنيسة، كان الصدع زخمًا لترجمةِ منطقِ
أرسطو، الذي وجَدَ فيه الفصيلان حُججًا على مواقفهما المذهبية، لكنْ سهَّل أيضًا فتْحَ
بلاد
فارس وسوريا على أيدي العرب المسلمين.
ويتزامن العصر الثاني، الذي يستمر من القرن الثامن إلى نهاية القرن الثالث عشر، عمومًا
مع
عصر الهيمنة العربية النهائية على سوريا والعراق. ورغم أنَّ أهمَّ سمة لهذا العصر نقْلُ
الفلسفة اليونانية والطب إلى العربية على أيدي الناطقين بالسريانية؛ أنتج السوريون أعمالًا
أصلية كثيرة في مجالاتٍ كثيرة، وخاصةً في التاريخ العام والكنسيِّ. ومن أقدم الكتابات
التاريخية السريانية «أعمال الشهداء». وفي هذا العصر تلمع أسماء: ميخائيل السرياني (ت:
١١٩٩م) وأهم أعماله «تاريخ» من الخَلْق حتى ١١٩٦م، وكتب ابن العبري (ت: ١٢٨٦م)، «أحد
أهمِّ
المتعلِّمين متعدِّدي الجوانب الذين أنجبتْهم سوريا على الإطلاق»،
٤ تاريخًا عالميًّا، «تاريخ مختصر الدول»، في ثلاثة
أجزاء.
العصر الثالث، من القرن الثالث عشر إلى اليوم، ويعتبر عمومًا عصرَ تدهور، تلاشتْ
فيه
اللغة السريانية فعليًّا في الاستخدام اليومي، وحتى الأدبي، أمام العربية؛ لكن استمرَّ
بعضُ
السوريين واللبنانيين يُنتجون أعمالًا أدبية بالسريانية. واليوم توجد بوادرُ إحياءٍ جديد.
وتشكِّل الكتابات الشعائرية جزءًا كبيرًا من النشاط الأدبي لهذا العصر. يسجِّل برصوم
في
كتابه «اللؤلؤ المنثور» أسماءَ ستةٍ وثلاثين كاتبًا ومترجمًا وشاعرًا وإنتاجَهم، منذ
موت
ابن العبري حتى القرن التاسع عشر.
٥
يعود اتصالُ العرب بالسوريين، إلى أيام الممالك العربية للَّخميِّين في الحيرة في
العراق،
والغساسنة في جنوب سوريا. مارَسَ الأطباء السوريون الطبَّ في الجزيرة العربية قبل الإسلام،
وحوَّلت البعثاتُ السورية الكثيرَ من العرب للمسيحية. وكان أولُ أسقف لبيت عربايا (بين
نصيبين وسنجار)، أحودما (ت: ٥٧٥م)، داعيةً ناجحًا للإنجيل بين البدو، وانتهى به الأمر
بالحصول على إكليل الشهادة على يدَي كسرى؛ لاعتناقِ شابٍّ من العائلة الملكية الفارسية
المسيحيةَ، وعمَّده باسم جورج. وعُرف رجلُ كنيسةٍ آخَر — جورج أسقف القبائل العربية (كرس
في
٧٢٤م)، ضمَّت أبرشيته تَنُوخًا وثَعلبًا وتَغلِبًا — بترجمته «أورجانون» أرسطو للسريانية.
بمرور الزمن، نمَت المجتمعات المسيحية في اليمن وخاصةً نجران، وفي يثربَ في الحجاز؛ حيث
كرستْ أولُ كنيسة في المدينة لمريم العذراء.
توضِّح كلماتٌ من أصلٍ سرياني أو آرامي في القرآن (على سبيل المثال: فرقان، سِفر،
زكاة،
صلاة، كاهن، قِسيس) التأثيرَ الثقافي للسوريين على البدايات الأُولى للحضارة الإسلامية.
واستُعيرت مصطلحاتٌ كنسية أخرى كثيرة من السريانية، وعُرِّبت كلماتٌ يونانية من خلال
السريانية (على سبيل المثال: خوري، إسكيم، بطريرك). قدَّمت السريانية مساهمةً مهمة أيضًا
لكتابة العربية. تنحدر الأبجدية العربية من الخط النبطي (شقيق السرياني)، والتنقيط وعلامات
التشكيل في العربية تتبع النظامَ السوري الشرقي.
٦
حين نعود إلى فحص التفاعل بين الأدب السرياني وأدب العرب، نجِدُ أنَّ كتُبَ الزهد
والتصوف
في العصر الذهبي للأدب السرياني تمثِّل أولَ تأثيرٍ مهم للسريانية على العربية. وكما
ذكرنا
من قبل، التوازي بين كتابات إسحاق النينوي وشمعون من طيبوثه والكتابات التالية
للصوفيين مذهلة. ويمكن أيضًا رؤيةُ هذا التوازي في مصادر مخطوطة
مكتشَفة مؤخرًا لأثنسيوس أبي غالب (ت: ١١٧٧م). وكما يوضِّح فوبوس
Võõbus بشكلٍ صحيح، التيار الديناميكي للتصوف السرياني،
الذي استهلَّه ماكريوس الزائف وآخَرون، «كان له دورٌ بالِغُ الأهمية في إخصاب الحركة
الباطنية في الإسلام، الصوفية تحديدًا، في العراق وبلاد فارس».
٧
يعتمد الدليل على هذا التأثير، على الأفكار المتوازية فقط؛ لكنْ مع المترجمين السوريين
في
القرنَين الثامن والتاسع، نجِدُ دليلًا وثائقيًّا غنيًّا لتأثير السريانية على العربية.
كان
نقْلُ السوريين لمعارف الإغريق إلى العربية، بدون شكٍّ، حيويًّا؛ للحفاظ على المعرفة
اليونانية القديمة.
لقرنَين قبل الإسلام، كان السوريون يترجمون الأعمال اليونانية إلى السريانية. واعتمد
هذا
النشاط على المدارس الكبرى في نصيبين والرها وحران وجنديشابور. وكانت المدرسة الفارسية
في
الرها، المركزَ الرئيسي لدراسة السريانية واليونانية في المرحلة المبكِّرة من الأدب
السرياني. وإضافةً إلى ترجمة عددٍ كبير من الأعمال اللاهوتية والمذهبية لآباء الكنيسة
الأوائل، كانت هناك ترجماتٌ في مجال الفلسفة والطب والأخلاق والفيزياء. ويبرُز في هذا
المجال، وخاصة في ترجمة كتابات أرسطو، الشخصية اليعقوبية سرجيس الرأسعيني (ت: ٥٣٦م
تقريبًا)، وكان معروفًا أيضًا بين السوريين الشرقيين والغربيين طبيبًا كما عُرف بمعرفته
باليونانية، وخاصةً الفلسفة الأرسطية. وبين العلماء اليَعاقِبة، كان سرجيس «يوصف بالإجماع
بأنه أولُ مَن نقَلَ أرسطو إلى اللغة السريانية».
٨
وأول ترجمةٍ مسجَّلة من السريانية إلى العربية نسخةٌ من الأناجيل الأربعة، ترجَمَها
عددٌ
من المترجمين في ٦٤٣م، في بطريركية يوحنا السدراسي، بطريرك أنطاكية. وطبقًا لمَا يقوله
ابن
العبري، كانت لمترجمين من قبائل طيِّئ وتَنُوخ وعُقَيل العربية بناءً على طلبِ عمرِو
بن
سعدِ بن أبي وقَّاصٍ الأنصاري، الوالي المسلم على الجزيرة، لكنَّ هذه الترجمة لم تبقَ،
وبعد
أكثر من قرن، في خلافة المنصور (١٣٦–١٥٩ﻫ/٧٥٣–٧٧٥م)، بدأ نشاط الترجمة من السريانية إلى
العربية بكلِّ قوَّته.
مع الصحوة الفكرية الإسلامية في القرنين الثامن والتاسع، دخَلَ عملُ السوريين في الترجمة
من اليونانية إلى السريانية مرحلةً جديدة: إعادة ترجمة النُّسَخ السريانية من الأعمال
اليونانية إلى العربية، لغة الإمبراطورية. وتُلقي أهمية هذا العمل في الترجمة بظِلالها
على
أهميةِ الأعمال الأصلية في الأدب السرياني في المرحلة الثانية من تاريخه، كما وصفناها
سابقًا بإيجاز. وكان السوريون، رغمَ أنهم لم يُضيفوا شيئًا فِعليًّا لعلوم اليونانيين
وطبِّهم وفلسفتهم، محافِظين متحمِّسين وناشرين لهذه المعارف كما وجدوها في النصوص الأصلية.
وحين ظهر الفضول الفكري للعرب، كان الحُماة المحليون للمعرفة الهيلينية في العراق وسوريا،
من المسيحيين الناطقين بالسريانية، المرشَّحين الطبيعيين للقيام بنقلِ الفكر اليوناني
إلى
المسلمين. بدون الترجمات التي قام بها السوريون، ما كان يمكن للعلماء المسلمين، من القرن
التاسع إلى القرن الثاني عشر، الوصولُ للفلسفة والعلوم اليونانية. ويتبيَّن هذا الاعتماد،
بأمثلةٍ ساطعة مثل: الكندي الذي اعتمد تمامًا على الترجمات في دراساته، والفارابي الذي
يدين
بمعرفته في الفلسفة اليونانية لمعلِّمَيْن سُورِيَّيْن، أبي يحيى المَرْوزي ويوحنا بن
حيلان.
وكان أولُ «علوم العجم» التي شدَّتْ أنظارَ المسلمين،
وخاصةً الحكام المسلمين، الفنَّ العملي المتمثِّل في الطب. استفاد الخلفاء مبكرًا من
خدمات
الأطباء المسيحيين الناطقين بالسريانية؛ عائلة بختيشوع، التي أنجبتْ رجالًا بارزين في
الطب
عبْرَ سبعة أجيال، مشهورةٌ بشكلٍ خاص بخدماتها للمنصور والخلفاء التالين.
وارتبط يوحنا بن ماسوَيْه (ت: ٢٤٣ﻫ/٨٥٧م)، وهو كاتبٌ مسيحي في مجال الطب في وقتٍ
مبكِّر،
بعائلة بختيشوع، وكلَّفه هارون الرشيد بترجمة أعمال يونانية، طبيَّة أساسًا، وُجدتْ في
أنقرة وعمورية. ويبرز اسم يوحنا بن ماسوَيْه بين الأطباء السوريِّين المسيحيِّين البارزين.
كان رئيسَ «بيت الحكمة» الذي أسَّسه المأمون في ٢١٧ﻫ/٨٣٢م
مركزًا يمكن أن يتابع فيه العلماء ترجماتهم. ويُنسب ليوحنا تأليفُ حوالَي خمسين عملًا،
تشمل
«النوادر الطبية» الذي تُرجم مرتَين إلى اللاتينية في العصور الوسطى.