الفصل السادس
القرآن (١)
رودي بارت، جامعة توبنجن
(١) المحتوى
القرآن بيانٌ نقله محمد (٥٧٠ تقريبًا–٦٣٢م) إلى قومه وحيًا في فترةِ نبوته، أيْ من
٦١٠م تقريبًا إلى قبل وفاته بوقتٍ قصير. ويشمل فاتحةً للهداية إلى الطريق المستقيم،
وسورتَين قصيرتَين في نهاية المصحف للعياذ من الشَّر. وللقرآن، عمومًا، موضوعٌ مترابط،
لكنْ بمجرد بدء النظر فيه تفصيليًّا، يصبح إشكالية. النصوص المجموعة في القرآن ليست
عمومًا مرتَّبة طبقًا للموضوع، لكنَّها مجموعةٌ بشكلٍ عشوائي إلى حدٍّ ما. ويصحُّ هذا
خاصة على السُّوَر الطويلة. ولم توضع عواملُ الترتيب
الزمني في الاعتبار في جمع النصوص. حُدِّد تتابُع السُّوَر آليًّا تمامًا على مبدأ
التدرُّج من الطُّول إلى القِصَر. وُضعَت السُّوَر القصيرة التي ترجع للسنوات الأُولى
من نبُّوةِ محمد باتجاه نهاية المصحف، وجُمعت النصوص الأطول التي ترجع إلى سنواته
التالية في سُوَر شاملة وُضعَت في البداية. باختصار، لا يمكن تمييز نظامِ ترتيب ذي
مغزى. ولمناقشة موضوع القرآن تابعْتُ أهمَّ التيمات أينما وُجدَت في الكتاب، مستخدمًا
بياناتٍ موجودةً في النَّص لدعم حُجَّتي، لكنْ بإعادة ترتيبها طبقًا لترتيبٍ خاص بي.
وينطبق وصفٌ مماثل على بعض التغيُّرات التي طرأتْ على رسالة النبي بعد هجرته مع مجموعةٍ
صغيرة من أتباعه من مكة إلى المدينة، حيث تولَّى قيادةَ مجتمعٍ ديني سياسي كبير. ولأنَّ
هذه التغيرات ليست مسجَّلةً صراحةً في القرآن، لا يمكن تقييمها إلا على أساسِ التطور
التاريخي للفقرات ذاتِ الصلة في النَّص.
(٢) رسالةُ محمدٍ إلى وثنيي مكة
في رسالةِ محمد إلى مواطنيه الوثنيين، من الطبيعي أن يسود جوهرُ تعاليمه، الإيمان
بالله، بأشكالٍ كثيرة متنوِّعة ومتكرِّرة. تُحمَد القوة المطلقة لهذا الإله الواحد
وتُحمَد رحمته؛ إنَّه خالقُ العالَم وحافظه والمنعِم على البشر. لهذا على الناس الإيمان
به وحده وحمده. بشكلٍ متكرِّر، يتمُّ عدُّ الآيات
التي تكشف تأثير رحمة الله في الطبيعة: تناوب الليل والنهار بانتظام؛ الرياح التي تدفع
السحب أمامها فتجعل النمو ممكنًا؛ حدائق من نخيل وأعناب، وأشجار الزيتون والرمان؛ حقول
القمح؛ والماشية؛ والدواب. وبشكلٍ مماثل، المنتجات والمهارات التي نميل إلى نسبتها
للبشرية نفسها تشهد طبقًا للقرآن على قوة الله وحبِّه: البيوت؛ الخيام المصنوعة من جلود
الحيوانات، التي تُنقل بسهولة؛ منتجات الصوف والفرو والشَّعر للاستخدامات اليومية؛
القمصان للحماية من الشمس؛ فن الكتابة؛ القدرة على الإبحار عبر البحار في السُّفن. هذا
كلُّه بجانب أشياءَ أخرى كثيرة في خدمة رفاهية الإنسان.
تتَّضح أيضًا قدرةُ الله في حقيقة أنَّه خالقُ السماء والأرض؛ خلَقَ آدم وحواء، وبعد
ذلك وَلَدت، ونضجتْ أجيالٌ بلا عدد. كثيرًا ما تذكُر الحكايات القرآنية عن خلْقِ السماء
والأرض مدَّة ستة أيام، متأثِّرة بوضوح بقصة الخلق التوراتية، لكنَّ التفاصيل مختلفةٌ
جدًّا. رفَعَ الله السموات مثلَ سقفٍ أو سطحٍ بلا عَمَد؛ وبسَطَ الأرض مثلَ مخيَّم أو
سجَّادة وثبَّتها بجبالٍ راسخة حتى لا تترنَّح، وأنهار (أو جداول) أيضًا، وطُرق
ومسارات. وبالنسبة لخلْقِ الإنسان، تقتصر أُولى الفقرات على التطور البيولوجي الذي يبدأ
بالتناسُل بحيوانٍ منويٍّ، ويؤدي عبْرَ المراحل الانتقالية للجرثومة والجنين إلى ولادةِ
الطفل. وتشمل فقراتٌ تالية، تعتمد على أسطورةِ الخلق التوراتية، خلقَ آدمَ من التراب. وتُشير أكثر إلى أنَّ الله خلَقَ النوعَين
من آدمَ؛ ليتكاثر الجنس البشري.
لا يوضِّح خلقُ الإنسان قدرةَ الله فقط؛ إنَّه يوضِّح أيضًا قدرته على بعثِ الناس
بعد
الموت إلى حياةٍ جديدة في الآخرة. وكثيرًا ما يُفسَّر مثالٌ آخر يؤخذ من سيطرةِ الله
على الطبيعة بالطريقة نفسها: إحياء الأرض العطشى بالمطر الذي يرسله الله. هنا لدينا
تيمةٌ أخرى لرسالةِ محمد إلى قومه الوثنيين: نبوءة القيامة؛ نهاية العالم وبعث الموتى.
بالضبط في السُّوَر الأقدم، كثيرًا ما تُوصف وبقوةٍ أهوالُ النهاية الوشيكة للعالَم،
رغم عدم إمكانية تحديدِ موعدها. تدمير العالَم، ليس نهايةَ المطاف؛ لكنَّه مقدمةٌ ليوم
الحساب، حين يُدعى كلُّ إنسانٍ ليحاسَبَ على أعماله في الدنيا، ثم يعاقَب أو يُثاب
طبقًا لأعماله. وتبقى في البداية طبيعةُ المحاكَمة في الخلفية. وفي الفقرات الأخيرة
فقط، تُوصف مُتَع الفردوس وعذابات الجحيم بتفصيلٍ واقعي، لكنَّ مفهوم الثواب أو العقاب
الفردي، موتيفةٌ جوهرية لنبوءات محمد لمواطنيه في مكة.
لا تُستنبَط رسالةُ محمد وحدها من القرآن، لكنْ يمكن أيضًا استنباط الطريقة التي
استُقبِلتْ بها. رفضَت الغالبية العظمى من قومه الاستجابةَ للدعوةِ إلى إلهٍ واحد.
اعترفوا بأنَّ الله خلَقَ السماءَ والأرضَ، وصلُّوا حتى له في خطَرِ في البحر؛ لكنَّهم
وضعوا آلهةً أخرى بجانبه. وزعموا أنَّ الإلهات (اللات، والعزَّى، ومنات) بناته.
وحوَّلوا الملائكةَ إلى كائناتٍ أُنثوية وعبَدُوها بالطريقةِ نفسها. وإضافةً إلى ذلك،
أسَّسوا قَرابةً بين الله والجنِّ وجعلوا الأخيرةَ شُركاءَ لله. وبدلَ أنْ يروا خطأَ
طُرقهم، اضطروا للبقاء على الإخلاص لشركِ آبائهم. ورفضوا مفهومَ بعث الموتى بازدراء.
وأعلنوا أنَّ الرسالة التي بشَّر بها محمَّد زائفةً، ودعوه كذابًا، وأحيانًا شاعرًا أو
كاهنًا أيضًا، لكنْ بشكلٍ أكثر مجنونًا.
على خِلاف المعتقدات الدينية لوثنيي مكة، نادرًا ما كانت طقوسهم الوثنية هدفًا للنقد.
من الناحية الأخرى، هناك انتقادٌ متكرِّر لخصائص وتقاليد اجتماعية: غُرورهم، ورفاهيتهم،
وجشعهم، وقسوتهم. إنَّهم يتمتَّعون بثراءٍ كافٍ، لكنهم يريدون المزيدَ دائمًا،
ويَظلِمون اليتيم ولا يُطعِمون الفقير. المؤمنون، وينتمي معظمهم للشرائح الدنيا من
السكَّان، بلا حيلةٍ ضدهم ويتعرَّضون للاضطهاد من قِبَلهم، ويُجبَرون أحيانًا حتى على
التخلِّي عن دينهم.
(٣) اليهود والمسيحيون
تبنَّى محمَّد موقفَ القَبول أساسًا تجاه اليهود والمسيحيين قبل الهجرة. صارت حقيقةُ أنَّهم احتكموا إلى تراثٍ مكتوب
للمعرفة عن طريق الوحي نموذجًا له. ويجب أن يكون للعرب أيضًا كتابٌ مقدَّس، بتوسُّط
النبي. كلُّ التفاصيل التي يمكن أن يستخلصها من عقيدة الوحي والأساطير التقليدية الأخرى
لليهود والمسيحيين؛ صارت جزءًا لا يتجزَّأ من أفكاره. أعاد إنتاجها في بيانه بالعربية
ودمجها في تصميمه الواسع لعقيدة الخلاص. ترى النتيجة النهائية لهذا التطور في القرآن.
في الأجزاء التي تروي أحداثًا من عصورٍ سابقة، تحتلُّ الحكايات التوراتية (بالمعنى
الواسع) مكانَ الصدارة، وإن يكُن فقط بحُكم المساحة المخصَّصة لها. تُمزج بالأساطير
العربية القديمة وشظايا من قصةِ أهل الكهف وقصةِ الإسكندر، وتتكرَّر بصورٍ مختلفة،
وترجع معظمُ المادة إلى ما قبلَ الهجرة، لكنَّ بعضَ
الأمور لم تُضَف إلا في فترةِ المدينة.
تُحكَى قصصُ الشخصيات التالية من العهد القديم: آدم (كيف خُلق من تراب، الهبوط والطرد
من الجنة، رفْض الشيطان طاعةَ أوامرِ الله للملائكة بالسُّجود لآدم)؛ قابيل وهابيل (رغم
حذفِ اسمَيهما)؛ نوح (الطوفان)؛ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق (أيضًا مهاجمة إبراهيم
للأوثان، وبناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة. (انظر ما يلي))؛ لوط (تدمير مدينته)؛ يوسف
وإخوته؛ موسى وهارون وفرعون (قصة بني إسرائيل من عبوديتهم في مصر إلى دخول أرض
الميعاد). وتشمل الأخرى: طالوت وداود وسليمان، ويونس وأيوب. وعلى هذا النحو، لا يُذكَر
أنبياءُ العهد القديم. ورغم أنَّ شخصيات العهد القديم تُذكر في القرآن؛ فإنَّ قصصهم
توصف بإيجازٍ شديد، لكنَّ بعضَهم يُوصف بإسهابٍ أكبر. لا يُذكَر اليشع إلا اسمًا (في
صورته العربية اليسع) لكنْ هناك وصفًا مفصَّلًا نسبيًّا لداود وسليمان. تُروَى قصةُ
يوسف وإخوته بإسهاب، وعلى التوالي، في سورة (سورة يوسف). على العكس، تُروَى قصصُ الهبوط
والطَّرد من الجنة، ونوح والطوفان، ولوط والحُكم على سكَّان مدينته في عدَّة مناسبات
في
أجزاءٍ من سُوَر مختلفة (مع التنوُّع). المعالجة
الأكثر تفصيلًا، وتنتشر بالمثل في سُوَر مختلفة،
مخصَّصة لقصتَي إبراهيم وموسى. يلعب إبراهيم دورًا خاصًّا (انظر ما يلي) في التعاليم
الإسلامية بوصفه الحنيف والمؤسِّس الحقيقي للكعبة في
مكة، بينما يتمتَّع موسى بمكانٍ بارز قائدًا خلَّص بني إسرائيل من العبودية في مصر
وأسَّس أمَّة اليهود. ويُمثَّل العهد الجديد بما يلي: قصة زكريا، وولادة يوحنَّا
المعمدان (كما تُروى في لوقا: ١)، ميلاد مريم وطفولتها، والبشارة بميلاد يسوع (كما
تُروى في أناجيل الأبوقريفا). ويُقال إنَّ يسوع نفسه تحدَّث إلى الناس وهو في المهد،
وخلَقَ طيورًا من الطين ونفَثَ فيها الحياة. نقرأ أيضًا أنه أبرأ الأعمى والأبرص وردَّ
الموتى إلى الحياة، وبناء على طلب حواريِّيه دعا الله ليرسل مائدةً مزيَّنة بالطعام.
الصَّلْب محلُّ جدَلٍ، لكنَّ هناك ذِكرًا لصعود يسوع إلى السماء. ويلمِّح القرآن إلى
بولس أو بُطرس أو يوحنَّا.
بعد الهجرة شَعرَ محمدٌ بشكلٍ متزايد بخيبةِ أمل في أن يعترف به يهودُ المدينة نبيًّا
للعرب. وفي النهاية، تحوَّلَ إلى عَدائهم؛ يصبح عدوانيًّا تجاههم ليس ماديًّا فقط بل
أيضًا في أقواله. يحتلُّ الجدَلُ ضدَّ اليهود أجزاءً كبيرة من القرآن. يُتَّهَمون بكلِّ
أشكال الرذيلة. إنَّهم متعنِّتون وخُبثاء. حنثوا بعهْدِ الله، قتلوا أنبياءهم وانتهكوا
كلمةَ الله. يمارسون الربا رغم أنه حرام، ويبخثون الناس أشياءهم. حتى في هذه الحياة
يعاقَبون على تمرُّدهم بالعار والذل. يُدرَج المسيحيون، أيضًا، في سياقٍ مناسب في
الجدل، رغم أنَّ عددهم في المدينة (على عكس اليهود) كان صغيرًا، إذا كان قد مُثِّلوا
هناك بحالٍ من الأحوال. والسبب الرئيسي للخلاف، هو العقيدة المسيحية. تُوصَف التعاليم،
بأنَّ المسيح ابنًا للربِّ يشاركه قدسيَّته، بأنَّها جريمةٌ ضدَّ فرضيَّة التوحيد،
تعادل الشركَ الوثني، وتفسَّر عقيدة الثالوث بأنها تثليث (مع مريم «شخصًا» ثالثًا بدلًا
من الرُّوح القُدُس).
في هذا الجدل، يُذكَر اليهود والمسيحون (ويسمون «أهل الكتاب»؛ لأنَّ كلًّا منهما مُنح
وحيًا مكتوبًا، التوراة والإنجيل) معًا غالبًا. في هذا الخِلاف معهم، يدرك النبي في النهاية
استقلاليةَ الدين الذي يُعلنه هو نفسه. في الصلاة، لم يعُد يتَّجه إلى القُدس، كما في
الفترة الأولى بعد الهجرة، بل إلى مكة. يُعترَف بالكعبة نقطة محورية للدين، ويُنقل
الطقس الوثني في الأصل للحج إلى الإسلام، ويرتبط بهذا أنَّ القصة التوراتية عن إبراهيم
تمتدُّ إلى أسطورةٍ إسلامية. وطبقًا لهذا التراث، بنى إبراهيم، مع ابنه إسماعيل،
الكعبةَ وخلَّصا مراسمَ الحجِّ في مكةَ من زخارفِ الوثنية. وبذلك ارتفع الإسلام فوق
اليهودية والمسيحية. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي
إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ
أَفَلَا تَعْقِلُونَ … مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا
وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى
النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا
النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا … (آل عمران: ٦٥–٦٨). الصياغة الأكثر إدانة
في الجدل ضد «أهل الكتاب»، وهي في الوقت ذاته، ذِروة الاتهام، في سورة التوبة. وتأتي
على النحو التالي: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ
وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ
وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى
يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ * وَقَالَتِ
الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ
ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ
قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا
أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ
مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا
هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٩–٣١).
(٤) أساطير العقاب الإلهي والإيمان بالآخرة
تتجاور في بعض السُّوَر شخصياتٌ توراتية متنوعة بشكلٍ متتابع، نماذجُ لرجالٍ أتقياء
من عصورٍ سابقة. التتابع المتكرِّر للقصص ينتهي بحُكمٍ جدير بالملاحظة. إنها تتَّبع
النمطَ ذاته كلَّ مرة. يأثم شعبٌ، أو قبيلة أو مدينة، ويسقط غالبيته في كارثةٍ مدمِّرة،
ويُنقَذ رجلٌ واحد فقط، يسمَّى عادة رسول الله، مع بعض أتباعه. وتشمل قصصُ نوحٍ
والطُّوفان، ولوط وتدمير مدينته، وأساطير عربية مماثِلة عن هود، الرسول الذي أرسله الله
إلى عاد؛ وصالح، الرسول الذي أُرسل إلى ثمود، الذين قتلوا ناقته ببشاعة؛ وشُعيب، الرسول
الذي أُرسل إلى مدين وحثَّهم عبثًا على عدمِ الغشِّ في الكيل والميزان. دُمِّرت عاد
بعاصفةٍ رهيبة، وثمود ومَدْيَن بزلزالٍ أو صيحةٍ أو رَعْد. ولهذه القصص يمكن إضافةُ
قصةِ موسى (وهارون) الذي يُعتبر رسولَ الله إلى فرعون وشعبه؛ وينقذ بني إسرائيل، أقلية
ارتبطت به، ويهلك فرعون وشعبه وهم يعبُرون البحر.
كانت لأساطير العقاب الإلهي، التي ألمحنا إليها هنا، أهميةٌ خاصة لمحمَّد، ما دام
يواجِه، مع مجموعة صغيرة من المؤمنين، غالبيةً من كفَّار مكة، لكنْ بعد أن فر واكتسب
وضع السُّلطة السياسية في المدينة؛ فقدَت أهميتها الخاصة بالنسبة له. بدلًا من ذلك،
بدأتْ فكرة الحساب في نهاية العالَم تشغل ذهنه. تشابكت الأساطير المفرَدة عن العقاب في
أقسام مع موضوع الآخرة، أو بشكلٍ آخر جاءت بإضافات ترتبط بالآخرة. يمكن أن يتم هذا
كلُّه بشكلٍ أسهل؛ لأن مفهوم العقاب والثواب في الآخرة، مفهوم الجحيم والفردوس، ينتمي
إلى جوهر رسالة محمد. وتوجد التفاصيل بشأن عذاب الجحيم ومُتَع الجنة في سُوَر كثيرة حتى
من فترةٍ ما قبلَ الهجرة.
تُصوَّر عذابات الجحيم بواقعيةٍ شديدة. يتعرَّض الكفارُ والآثِمون قبل كلِّ شيءٍ
لحرارةٍ حارقة. ويأكُلون من ثمارِ شجرةِ
الزَّقوم،
وتشبه رءوس الشياطين، ويعطون ماءً حارقًا ليشربوا ويفتك بأحشائهم، وأيضًا الصديد وجرعات
أخرى مثيرة للغثيان. وأكثر من ذلك، يُسكب ماء يغلي على رءوسهم. ويُشوون في النار،
وبمجرد أن تحترق جلودهم وتتحوَّل إلى رماد، يُستبدل بها جلودٌ جديدة. وإذا حاولوا
الفرار من لهيب الجحيم، يعادون مرةً أخرى. ملائكة مثل المرميدونيين
١ القساة يُبقونهم مساجين. وأحيانًا يُجسَّد الجحيم نفسه. حين يُلقَى فيه
الكفار، يعصف بصوتٍ عالٍ وينفجر تقريبًا من الغضب الهائل.
ومُتَع الجنة، مثل عذابات الجحيم، حسيَّة أساسًا. يدخل المبارَكون حدائقَ تتدفَّق
فيها جداول المياه، ويحلَّون باللؤلؤ وأساور من ذهب ويلبسون الحرير والديباج. وعند
وصولهم ترحِّب بهم الملائكة. يستلقون بشكلٍ مريح في الظِّل على أسِرَّة مُريحة
ويتمتَّعون بما يشتهون: فاكهة ولحوم من كلِّ نوع، ويغتسلون بماءٍ بارد وخمر يقدِّمها
لهم فتيان مطهَّرون، خمر لا يُسكر ولا يسبِّب صُداعًا. ترافِقهم عذارى حور العين كواعب،
ينظرن بحياء؛ ينقلون إلى حالةٍ من النقاء الأبدي. وهذا لا يمنع زوجاتهم السابقات من
الانضمام لهم في الجنة شرطَ أن يكُنَّ قد عِشن حياة تتَّسم بالتقوى على الأرض، لكنَّ
مُتَع الجنة ليستْ حسيَّة كلُّها؛ يُمتِع اللهُ أصفياءه برؤيته.
(٥) الحكومة الدينية في المدينة
لم تؤدِ الهجرة من مكةَ إلى المدينة إلى تغيُّر جوهري في رسالةِ محمد. احتفظتْ رسالة
الخلاص التي أعلنها لمواطنيه في مكة بصلاحيَّتها في الوسط الجديد، لكنَّ قيادةَ مجتمعٍ
سياسي كبير جلبتْ معها أعباءً إضافية. وجَدَ النبي نفْسَه في المدينة على خِلافٍ ليس
فقط مع يهودِ المدينة، ولكن حتى مع أبناء دينه، وقد ازداد عددهم كثيرًا في فترةٍ زمنية
قصيرة. كانت هناك حاجةٌ أكبر لوضعِ قواعد، وتقديم النُّصح والتوبيخ. وإضافةً إلى ذلك
كانت هناك الخِلافات مع مكةَ والقبائل العربية في المنطقة المجاورة وأبعد منها. هذا
كلُّه موثَّق في نصوصٍ قرآنية كثيرة، ترجِع إلى ما بعدَ الهجرة.
بجانب الأتباع المقتنِعين والملتزِمين، كان هناك مَن انضمُّوا إليه نتيجةَ انتهازيَّة
مطلَقة أو حتى بتردُّد، ومَن تبيَّن أنهم ليسوا مناصِرين يمكن الاعتماد عليهم وقتِ
الأزمات. يحتلُّ الجدل ضدهم أجزاءً كبيرة من القرآن. في صميم قلوبهم، كانوا معارضين
للنبي وتعاليمه ويُسَمون منافِقين. ينهال عليهم
التوبيخ المرُّ؛ لنفاقهم ومكْرِهم. ويوضعون غالبًا في مستوًى واحد مع الكفَّار
ويهدَّدون بالإدانة. ويُهاجَم أحيانًا الأعراب أيضًا. يُتَّهمون بالنفاق وعدم القيام
بواجباتهم. يفنِّد تقييمَهم لأنفسهم بأنهم مؤمنون؛ لأنَّهم، كما يُشير، ليسوا مؤمنين
حقًّا، بل تبنَّوا فقط مظاهرَ الإسلام.
لكنَّ نسبةً كبيرة من الآيات المدنية موجَّهة للمؤمنين «الوسط»، إذا جاز التعبير،
لإرشادهم بشأن واجباتهم نتيجةَ عضويَّتهم في المجتمع الإسلامي. هناك بداياتُ عقيدةٍ
إسلامية (النساء: ١٣٦؛ البقرة: ١٧٧، ٢٨٥). في بعض المواضع، تُوضع قائمةٌ كاملة بأعمالِ
التقوى على نمطِ الوصايا العَشْر (ومستوحاة منها)، من بينها رعاية الأبوَين
(المسِنَّين). تبدأ الْتزامات من نوعٍ جديد مع فرضِ الصوم؛ مع تصاعُد الحملات المسلَّحة ضدَّ قوَّات مكة والأعداء
السياسيين الآخرين، أُعلن الجهاد في سبيل الله، مع
فرضِ الزكاة وتبنِّي طقوس الحج المكية القديمة لأغراض
الإسلام. كلُّ هذه الأمور تغطِّيها نصائحُ وقواعدُ خاصَّة. وإضافةً إلى ذلك، هناك
تعليماتٌ كثيرة مفصَّلة، تحكُم العلاقاتِ الزوجيَّة والميراث، وأمور أخرى متنوِّعة، على
سبيل المثال، تخصُّ رعاية الأيتام (الإناث)، والربا وشرب الخمر (والاثنان محرمان)،
وحساب التقويم بالسنة القمرية. وليس من السهل دائمًا التمييزُ بين القواعد الشرعية
والتصورات الخُلُقية. تناقش أهميةَ نصوص القرآن للعقيدة والشريعة والآداب الإسلامية
فيما يلي في قِسم منفصِل.
أخيرًا، تُشير سلسلةٌ كاملة من الآيات المدنيَّة إلى أحداثٍ ووقائع من العَقد الأخير
من حياة محمد (٦٢٢–٦٣٢م). تلمِّح — بإشارةٍ موجَزة غالبًا، ونادرًا بشكلٍ أكثر تفصيلًا
— إلى أمورٍ من قَبيل الهجرة، وسَرِيَّة نخلة، وغزوة بدر، وفرض الصلاة باتجاه مكة،
وغزوة أحد، وطرد القَينُقَاع وبني النَّضير، ومعركة الخندق، وتصفية الحسابات بوحشيةٍ
مع
قُريظة، وصُلح الحديبية، والحملة إلى خيبر، وفتح مكة، وغزوة حنين، وغزوة تبوك، والحج
في
٦٣١م. قد يأمِّل المؤرِّخ في معلوماتٍ قيِّمة من هذه الآيات، بشأن مسار هذه الأحداث
وظروفها؛ لأنَّها الوثائق الوحيدة المدوَّنة بشكلٍ محدَّد من تلك الفترة المبكِّرة،
لكنَّه إذا درَسَها بدِقة، يكتشف أنَّ تقييم الأمور صعبٌ جدًّا وأنَّها تحتوي على
القليل ممَّا يناسب غرضه. في كلِّ حالة يفترض أنَّ الموقف معروفٌ للقارئ، لكنَّ
المعاصرين فقط، وشهود العِيان، كان لديهم المعرفة الضرورية. ومن غير المؤكَّد غالبًا
معرفةُ أيِّ حدَثٍ يُشار إليه. ريتشارد بل Bell في
ترجمته للقرآن، يضع في اعتباره احتمال أنَّ التلميحات لأحداثٍ مبكِّرة تؤخَذ مرةً أخرى
في سياقٍ يتناول مواقفَ من فترةٍ تالية؛ فتمنح معنًى إضافيًّا. وحتى إذا تمكنَّا من
توضيح المسائل الأولية بشأنِ هذه الشكوك؛ فإنَّ المعلومات المستقاة يصعُب أحيانًا
توفيقها مع ما يقوله المؤرِّخون العرب عن الأحداث ذاتها. الخُلاصة، لم تُجمع الآيات في
القرآن بوصفها سِجلًّا موضوعيًّا، لكنَّ غرضها بالأحرى تعليميٌّ. إنها تُشير إلى أحداثٍ
ومواقفَ معيَّنة، تمثِّل عناصرَ خطةٍ إلهية لخلاص البشر، والهدف منها أن يفسِّرها
المعاصرون، الذين كانوا شهودًا عليها، على هذا النحو. تحدِّد الاعتبارات الدينية
والخُلُقية اختيارَ المادة. لنأخذ الآيات الأُولى من قِسمٍ يشير إلى غزوة بدر (الأنفال:
٥–٩) مثالًا لاستدعاءٍ من هذا النوع:
كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ
فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي
الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ
يَنْظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ
أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ
الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ
كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ * إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ
لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ
مُرْدِفِينَ.
(٦) شخصية محمد ورسالته
تفاصيل التطور الشخصي لمحمد نادرةٌ في القرآن، وحتى حين توجد لا تسعى إلى أن تكون
ملاحظاتٍ عن السيرة الذاتية؛ لكنها في كلِّ حالةٍ جزءٌ لا يتجزَّأ من حُجةٍ دينية أو
تعليمية. الفقرات الأساسية التي تتبادر إلى الذهن هنا، هي السُّوَر المبكِّرة، الضحى
والشرح والكوثر، وفيها يُخاطَب النبيُّ شخصيًّا ويُذكَّر بما منَحَه اللهُ من الحُب
والعون في الماضي. أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى … وَوَجَدَكَ
عَائِلًا فَأَغْنَى (الضحى: ٦، ٨).
هناك مادةٌ أكثر عن الرسالة التي شَعرَ النبيُّ بأنَّ عليه تبليغها، والاعتراضات
والتهديدات التي وجَّهَها ضدَّه مواطنوه الوثنيون في مكة. ويمكن استكمال هذا ببعض
المعلومات عن أساطير العقاب الإلهي. لأنَّ محمدًا لم يسعَ فقط للراحة في قصص رجال الله
في العصور الماضية، الذين واجهتْهم — بأقليَّة من الأتباع المؤمنين — أغلبيةٌ عدوانية
من الكفار. تماثَلَ بإخلاصٍ معهم، وساوى — إلى حدٍّ ما — قصةَ عصره بقِصصهم، ونقَلَ
تفاصيل خبرته إلى تلك الشخصيات المبكِّرة. وهكذا يمكن استخدام هذه الأساطير، إذا
تناولناها بحرصٍ، مصدرًا غيرَ مباشِر للمعلومات عن حياة محمد.
من تصريح يُنسب لثمود حينما واجهَهُم رسولُ الله صالح (هود: ٦٢)، يمكن أن نستنتج أنَّ
رأي مواطني محمد قبل دعوته أنَّه سيلعب ذاتَ يوم
دورًا رائدًا في المجتمع المكي. وأمَّا الدعوة نفسها؛ فيبدو أنها ارتبطت برؤيا (النجم:
١–١٨، التكوير: ١٩–٢٦)، لكنَّ الرؤى عمومًا ليست مهمَّة جدًّا في القرآن. محمَّد نبيٌّ
سمعي لا بصري؛ إنه يسمع بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ما
يؤمَر بأنْ يصرِّح به وتسجَّل الكلمات بعد ذلك كتابةً، لتُصبح القرآن. وطبقًا لذلك نقرأ
في موضع، وهو ينظُر للخلف على دعوته، أنَّه لم يكن يضع في الاعتبار (قبل ذلك) أنَّ من
الممكن أن يتوفَّر له كتابٌ لنشر الكلمة (القصص: ٨٦). تختفي شخصيته خلفَ دينه. كما
يؤكِّد تكرارًا أنه بشَرٌ عادي ليست لديه معجزاتٌ — ليبرهن على رسالته الخاصة — إلا
رسالته نفسها. يُنكَر بشدَّة اتهامُ أعدائه بأنه ممسوس (أيْ يستوحي كلامه بواسطة
جِن)، وأنَّه كاذبٌ ببساطة. ولا يرغب في أنْ
يشبَّه بالكاهن أو الشاعر. ولا يعترف بأنَّ ما يعلنه
وحيًا أُملِيَ عليه (من مصدرٍ غريب) (الدخان: ١٤؛ النحل: ١٠٣؛ الفرقان: ٤، وما يليها).
ومن الناحية الأخرى، يدرك تمامًا الأهمية الفائقة لرسالته ويؤمن بأن مجيئه رسولًا
و«نبيًّا للوثنيين» بشَّرت به التوراة والإنجيل (الأعراف: ١٥٧، الصف: ٦). قرب نهاية
حياته، لم يتردد في زعمِ مزايا معيَّنة تتعلَّق بزواجِ النساء بفضل موقعه الخاص
(الأحزاب: ٥٠).
ومن المفيد أن نكتشف أنَّ محمدًا كان يعي ضعفه الإنساني ويعبِّر عنه بوضوحٍ في عدَّة
آياتٍ قرآنية في نوعٍ من النقد الذاتي. في موضعَين (طه: ١١٤، القيامة: ١٦–١٨) يُحذَّر
من العجلة في إعلانِ نصوص الوحي قبل أن يُقضَى إليه وحيُه. وتوحي فقرةٌ أخرى (الإسراء:
٧٣، وما يليها) بأنَّ الكفار كادوا ذاتَ مرة يفتنونه عمَّا أوحى الله إليه ليفتري على
الله غيره. طبقًا لسورة الحج، الآية ٥٢، قاوَمَ الرُّسلُ الأوائل لله بالمثل هذا
الإغواء: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا
نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ
اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ …
(٧) اللغة والأسلوب
لغة القرآن مماثِلةٌ أساسًا للعربية الفصحى الرفيعة، التي تطورت في عصر محمد على
أيدي
الشعراء العرب القدماء وعاشت بعد ذلك عبْرَ القرون لغةً للأدب العربي الكلاسيكي. في
تفاصيلها تَعرِض بعضَ الخصائص، ليس فقط في المفردات والأشكال اللفظية وبناء الجملة، بل
وفي النطق أيضًا. ويمضي س. رابين
Rabin بعيدًا جدًّا
ليقول إنَّ: «لغة القرآن تقِف في موضعٍ ما بين
الكوين٢ المعيارية الشعرية واللهجة الحجازية.» حاول كارل فولرز
Vollers ذاتَ مرة أن يُثبت أن نهايات
الإعراب، التي بقيت في العربية الكلاسيكية، من بقايا مرحلةٍ
مبكِّرة في تطور اللغة، صارت غير معتادة في مكة في عصر محمد، ولا بد أنَّها أُقحمت خطأً
في النص في تاريخٍ لاحق، لكنَّ رودولف جاير
Geyer
وتيدور نولدكه وآخرين تشكَّكوا في هذه الأُطروحة، ولسبب معقول. ومن الناحية الأخرى،
يمكن أن نستنتج بيقينٍ من حالة الصوامت في نصِّ القرآن (لم تُضَفْ علاماتُ التشكيل إلا
في فترةٍ لاحقة) أنَّ الصوت الصامت المؤكَّد قبل الصوائت، كان قد خُفِّف بدرجةٍ كبيرة
في مكة في عصر النبي. ومن خلال إقحام
الهمز في
المخطوطات القرآنية لاحقًا، وكانت قد زُودت بالحركات، تماثَلَ النُّطق بأثرٍ رجعي مع
أصواتِ العربية الكلاسيكية، التي كانت أقدم. الكتابة المَعيبة للياء في نهاية الكلمات
الشائعة جدًّا في القرآن، قد تكون أيضًا مميِّزة للهجة المكيَّة. لا حاجة بنا هنا إلى
مناقشة الانحرافات اللغوية من هذا النوع أكثر من ذلك. وسوف نعلِّق بعد ذلك على السمات
البلاغية والتعليمية لأسلوبِ القرآن، والسجع المتميز في القرآن، والصياغة وبناء الجملة
والحوار الذي يمنح النص تعبيرًا قويًّا، والصور والتشبيهات والأمثال والحيل الأسلوبية
الأخرى، والتعديل في الأسلوب والعمل يتطور. وفي هذا السياق، ينبغي أيضًا أن نناقش
بإيجازٍ عقيدة
إعجاز القرآن.
(٨) السجع
القرآن مكتوب كله بالسجع؛ ولذا يبدو، بدرجةٍ أو
أخرى، مبنيًّا بشكلٍ فني، وبلاغيًّا بشكلٍ قوي مقارنةً بالنثر العادي. الأجزاء المفردة
من جملةٍ، أو الجملة، أو مجموعة الجمل، التي تنتهي بقافية وتسمى آيات تتبع مخطَّط
القافية: أ-أ، ب-ب، ت-ت. لا تتكرر القافية نفسها مرةً واحدة فقط، لكن غالبًا بقدْرِ ما
يروق للمؤلِّف، على سبيل المثال: أ-أ-أ، ب-ب، ت-ت-ت-ت (القارعة). وأحيانًا تكون
السُّوَر القصيرة بقافيةٍ واحدة فقط. بشكلٍ نموذجي، كما في أوائل السور، تتوالَى
القوافي بتتابُعٍ سريع على فتراتٍ متساوية تقريبًا؛ ويبدو أن هذا أيضًا كان الحال مع
قوافي الكهَّان العرب القدماء. (يُفترض أنَّ النبي تبنَّى اختلافَ تسلسُل القوافي
القصيرة من ممارسة هؤلاء الكهنة؛ انظر القسم عن «القرآن أدبًا»). في السُّوَر التي ترجع
إلى السنوات الأخيرة من حياة محمد تزايَدَ طول الآيات، ولم يعُد للقوافي تأثيرُ العناصر
المنشِّطة بلاغيًّا، لكن تبدو رتيبةً ومقحمةً غالبًا، وكأنَّها أضيفتْ في وقتٍ
لاحق.
وبالنسبة للقوافي نفسها، تأتي بحريَّة هائلة. يتمُّ عادةً تجاهُل حركاتِ النهاية (على
عكس الاستخدام في الشِّعر، حيث يتمُّ إشباعها). وهكذا في سورة الإخلاص، على سبيل
المثال، نجِدُ الكلمات: «أحد( ٌ)»، و«الصمد( ُ)»، و«يلدْ»، و«أحد( ٌ)» في قافية ...
(«لُبَدَا» بدلًا من «لبدًا» أو «لبد») ... الكلمات قريش( ٍ) والصيف( ِ) والبيت( ِ)،
وربما حتى «خوف( ٍ)» ... (على سبيل المثال: سورة ص «شقاق( ٍ)»، «مناص( ٍ)»، «كذَّاب(
ٌ)»، «عُجَاب( ٌ)»، «يُراد( ُ)»، إلخ). وكثيرًا ما تعتمد السُّور الأخيرة بالمثل في
القافية على «ون» و«ين»، وتأتي إلى حدٍّ ما مع «يم». تأتي تلقائيًّا تقريبًا نتيجةً
للاستخدام الشائع لصيغ الفعل والاسم. في سورة النصر تنتهي الآية الأولى بدون قافية على
الإطلاق، في سورة الشرح كلمة القافية (المماثلة) في الآيتين الخامسة والسادسة تأتي فقط
بفضل حقيقة أنَّ الآية ٥ تتكرَّر كلمةً كلمة في الآية ٦ (رغم أنَّ هذا قد يحدُث أيضًا
للتأكيد). في سورة الكافرون لا يمكن تحديد أيِّ مخطَّط منظم للقافية (الكافرونَ،
تعبدونَ، أعبدُ، عبدتم، أعبد، دين). وربما يرجع ذلك إلى أنَّ النطق الدقيق لمحتوى
الموضوع، كان أهمَّ من الاتساق الصوتي.
وكثيرًا ما يحدث العكس: تحدِّد متطلبات مخطط القافية اختيارَ الكلمة أو البناء.
لننظرْ إلى مثالٍ إرشادي بشكلٍ خاص أو مثالَين. في سورة البينة، الآية ٥، نجِدُ، نتيجةَ
القافية، «دين القيِّمة» بدلًا من المعتاد أكثر «الدين القيِّم». وفي سورة التين، الآية
٣ وسورة الدخان، الآية ٥١، «أمين» بدلًا من الكلمة المعتادة أكثر «آمين». «إلياس» تصبح
«إل ياسين» (الصافات: ١٣٠)، و«سيناء» تصبح «سِينِين» (التين: ٢). في سورة النجم، تستخدم
الصيغ التامة بدلًا من الناقصة: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى
* وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا. يوجد مثالٌ مماثل
في الآية ٤٨ من السورة نفسها. في نهاية الآية ٧٠ من سورة المائدة، من الناحية الأخرى،
نجِدُ الصيغة الناقصة بدلًا من الكاملة: فَرِيقًا كَذَّبُوا
وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ. في سورة الرحمن القافية المنظَّمة على «ان» (نجد
«ام» سبع مرَّات، و«ار» مرتَين، و«ون» مرة) في الآيات ١٧، ٣٥، ٥٠، مع اللازمة التي تبدأ
مع الآية ١٣؛ تقرِّر استخدام المثنَّى بدلًا من الجمع. في الآية ١٧ من السورة نفسها،
للسبب نفسه، «ربُّ المَشرِق وربُّ المغرب» أو «ربُّ المشارق وربُّ المغارب»؛ تصبح
باستخدام المثنَّى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ
الْمَغْرِبَيْنِ. تعبير «فانتصرْ» في نهاية الآية ١٠ من سورة القمر مُبْهم
بشكلٍ لا يقبل الجدل. مرةً أخرى، صيغة الخماسي من الفعل «نصَرَ» ربما يتمُّ اختيارها
بسبب القافية. إنَّ صيغة الثلاثي المتعدي مع ياء المتكلِّم: «فانصرْني» أو «فانصرنِ»
قد
تكون ملائمةً أكثر.
في سورٍ قليلة تتكرَّر الآية نفسها مرةً ومرة في نهاية المقاطع الفردية، محافِظةً على
القافية نفسها وتشكِّل بالتالي نوعًا من اللازمة. المقاطع التي تحدَّد بهذه الطريقة
بأنَّها متماثلة ليست، مع ذلك، مقاطعَ حقيقية. في سورة الرحمن وسورة الشعراء، المقاطع
التي تنتهي بهذا النوع من الآيات هي تلك التي تشير في المقام الأول إلى الأنبياء
السابقين. في سورة المرسلات، تتكرَّر اللازمة وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ
لِلْمُكَذِّبِينَ عشر مرَّات. في سورة الرحمن تتكرر اللازمة نفسها إحدى
وثلاثين مرة، وتأتي على النحو التالي: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا
تُكَذِّبَانِ، وباستخدام المثنى تتواءم سطحيًّا على الأقل مع مخطَّط
القافية في هذه السورة. في البداية، تتواءم اللازمة مع السياق أيضًا، الذي يمتدح القوة
الخلَّاقة لله. لكنْ في النهاية تتكرَّر آليًّا بدون أيِّ ارتباطٍ حقيقي، حتى بعد آياتٍ
تصوِّر عذابَ الآثمين في الجحيم. الأمر كلُّه محاولةٌ سيئة لتزويد نصٍّ حيوي حقًّا
بفنيةٍ بلاغية أكثر من خلال التكرار المستمر للازمة.
(٩) القوة والتأثير الدرامي
يُقدَّم عددٌ كبير من السور المبكِّرة في القرآن بأيمانٍ غريبة، أو بالأحرى تأكيدات،
حيلةٌ أسلوبية نسَخَها محمَّد بكلِّ الاحتمالات من الكهنة العرب القدماء. وهذه الآيات،
وبعضها صعبُ الفهم، مصمَّمة لتمهيد الطريق للتصريح التالي بانفعالٍ بلاغي، إن لم يكُن
سِحريًّا. ولنأخذْ مثالًا لذلك بداية سورة الفجر: وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ
* هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ
لِذِي حِجْرٍ. استخدم النبي هذه الحيلة بإفراط، لكنَّه ربَطَها بقوةٍ أكثر
وأكثر بمحتوى رسالته، وفي النهاية تخلَّى عنها تمامًا. العملية التي استوعبت بها
الرُّقَى تدريجيًّا في العقيدة الإسلامية لا يمكن توضيحها بالتفصيل هنا؛ لكنْ لننظرْ
إلى ثلاثةِ شواهدَ أخرى لتوضيح التطور في المسألة. سورة المرسلات، الآية ١ وما يليها:
وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ
عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ
فَرْقًا * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ
نُذْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ وسورة القيامة،
١-٢: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا
أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ. وسورة يس، ٢–٤: وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
تخلق صياغة السور المبكرة، انطباعًا قويًّا وموحيًا بدون أيِّ تأكيد سابق، وخاصة في
النصوص التي تتناول النهاية الوشيكة للعالم. والتهديد بالحساب، إحدى التيمات الرئيسية
لرسالة محمد. وحيث إنَّ حدَثًا مثل هذا لا يمكن تخيُّله؛ فإنه يُرمَز له بالنُّذُر
والظواهر المصاحبة؛ ولذا يتم الضغط على حواسِّ المستمع بتراكم الأحداث المروِّعة.
وكثيرًا ما يحدث هذا بجُملٍ زمنية تبدأ بالأداة «إذا»
أو «يومَ». تفتقد أحيانًا جملةَ التوازن، ولإكمال
المعنى يكون علينا أن نُضيف شيئًا من قَبيل: «حينئذٍ تكون اللحظة المصيرية قد أتتْ.»
أو
«حينئذٍ ينبغي أن تكون مستعدًّا للأسوأ.» سورة الانشقاق، ١–٥: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ
* وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا
فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ! سورة
القارعة، ١–٤: الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ
النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ!
توجد الجمل الزمنية المختصرة مع «إذ» بمعدَّل أعلى.
توجد في النصوص التي تشير إلى الماضي وتستعيد حوادث من قصة الخلاص، أو أحداثًا حدثتْ
منذ وقتٍ ليس بالبعيد. ويمكن أن نفهمها بأفضلِ شكلٍ في صيغتها المختصرة باعتبارها
تعجُّبًا، وينبغي أن نضع الجملة المقدَّرة في اعتبارنا بشيءٍ من قَبيل: «إنَّه كان
حدَثًا جديرًا بالذِّكر.» ثمَّة مثالانِ يُشيران إلى غزوة بدر في القسم السابق عن مادة
القرآن. ونضيف لهما مثالًا من جزءٍ عن قصة إبراهيم. سورة (البقرة: ١٢٧): وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ
وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ (تستهلُّ الآيات السابقة عليها ١٢٤، ١٢٥، ١٢٦ بشكلٍ مماثِل ﺑ
«وإذْ»). وبقدْرِ ما تشير الجمل الزمنية المختصرة، مثل المثال الأخير، إلى حوادث سابقة
من تاريخ الدين، بدلًا من الإشارة إلى أحداثٍ مألوفة في الذاكرة الحيَّة، تصبح حيلةً
أسلوبية خالصة. إنها تُخبر عن حوادثَ من الماضي المبهَم البعيد بتبنِّي صيغٍ ترمي إلى
تذكير المستمعين بشيء، عادةً، لم يعرفوه من قبل. يتمتَّع محمَّد وحدَهُ بهذه المعرفة.
يؤمن من جانبه بأنَّه يصل بالوحي إلى معرفةٍ حُرِم منها البشر العاديون. سورة (البقرة:
١٣٣): أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ
إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي …. سورة (آل عمران:
٤٢–٤٤) — مسبوقةً بجزءٍ عن زكريا ومريم: وَإِذْ قَالَتِ
الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ
عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ
وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ * ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ
الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ
أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ
يَخْتَصِمُونَ.
ينبغي علينا دائمًا، ونحن نقرأ القرآن، أن نضع في اعتبارنا أنَّ المقصود أصلًا أن
يُقرأ النصُّ بصوتٍ عالٍ ويُفترض وجودُ مُستمِع. ناطقًا باسم الله، كثيرًا ما يؤمر محمد
بكلمة «قلْ» ليعلن أمرًا شفهيًّا. إنَّ صيغة المنادى «يا أيها المؤمنون!» أو «يا أيها
الناس!» تُلمح أحيانًا إلى المستمعين. يُوجَّه المستمع أحيانًا أو النبيُّ نفسه
بالاستهلال «أرأيتم» أو «أرأيتَ»؛ ليتبنى موقفًا نقديًّا من موضوعٍ معين. يتمُّ التعبير
عن كلِّ شيء بلغةٍ حيَّة منطوقة. فقط في وقتٍ لاحق، تحوَّل القرآنُ إلى كتابٍ يحمل
رسالته في صمت، في ذاته. وفقط حين يُقرأ بصوتٍ مرتفع — وحتى حينذاك على نطاقٍ ضيِّق فقط
— يترك انطباعًا بالحيوية والحماس. في الفقرات السردية، يُستخدَم الكلام المبني للمعلوم
بحريَّة، ونجِدُ حتى أحيانًا تصريحاتٍ وردودًا. هناك مشاهدُ درامية بشكلٍ لا يقبل الجدل
تتعلَّق بالآخرة مع حواراتٍ منتظمة، بعضها بين المُدانِين في الجحيم والمُنعَم عليهم
في
الجنة، وأخرى بين المدانين ومن غرَّروا بهم. يَظهَر اللهُ، أيضًا، يومَ القيامة
ويتحدَّث، كما يتحدَّث الجحيمُ نفْسُه: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ
هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (ق: ٣٠). حين نقرأ هذه
الفقرات (المدثر: ٣٨–٤٨؛ ق: ١٩–٣٠؛ الصافات: ١٩–٣٣، ٥٠–٦٠؛ ص: ٥٩–٦٤) لا يتضح دائمًا
مَن المتحدث بالضبط ومَن يُخاطِب. ونجِدُ أيضًا عباراتٍ مبنيَّةً للمجهول قبل الكلام
المبنيِّ للمعلوم. في النقل الشفهي الأصلي، يمكن تحديد هويَّة المتكلِّم بسهولة بتغيُّر
في الصوت أو إيماءة.
(١٠) الصور والتشبيهات والأمثال
لغة القرآن غنيَّة بالصور، رغم أنها ليست كثيرة جدًّا مثل كلام المسيح في الأناجيل.
من حينٍ لآخَر، تصبح الصورةُ استعارة. وتدلُّ مباشرةً على الموضوع أو الحدث الذي
قدَّمتْه في الأصل؛ لتُعيد صياغته وتوضِّحه. وهكذا، على سبيل المثال، يشار إلى أداء
الأعمال الخُلُقية بكلمة «كَسَب»، وهي مأخوذةٌ من الحياة التجارية. وتصبح كلماتٌ من
مجال الحياة البدوية، مثل «ضلَّ» و«هَدَى»، تعبيراتٍ عن السلوك الديني. وتطبق الكلمات
التي تشير إلى سلوك الطيور مثل «خفْض الجَنَاح» بدون تردُّد على البشر (الحجر: ٨٨،
الإسراء: ٢٤، طه: ٢٢، القصص: ٣٢)، لكنَّ الصورة تستخدم عمومًا فقط لأغراض المقارنة، ولا
تتماثل مع الموضوع أو الحدث المطروح. في هذا السياق، ينبغي التمييز بدقَّة بين التشبيه
والمثَل الأكثر طموحًا من الناحية الجمالية، الذي له وظيفةٌ تعليمية. وليس من السهل،
حقًّا، الحفاظ عليه دائمًا.
التشبيهات، على سبيل المثال، في سورة القارعة، ٤-٥، حين نقرأ في وصف القيامة يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ *
وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ، أو في سورة المدثر، ٥٠-٥١،
حيث يوصف الكفار الذين يسدُّون آذانهم لبشائر الخلاص التي ولَّوا عنها كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ
قَسْوَرَةٍ (بالمناسبة، الكلمة المستخدمة للأسد «قسورة»، هي نفسها
استعارة). ويعتبر المثالان التاليان أيضًا تشبيهَين عادةً. سورة الجمعة، ٥: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا
كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا …، وسورة الأعراف، ١٧٦، حيث نقرأ
عمَّن لا يفوز بالإسلام: … فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ
تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ….
الأمثال الحقيقية يضربها الله للناس لعلَّهم يتذكرون (إبراهيم: ٢٥، الزمر: ٢٧، الحشر:
٢١). «آية النور» الخاصة: اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ … (النور: ٣٥)، وتنتمي بدون
شكٍّ لهذه الفئة، كانت موضوعَ الكثير من التأمُّل والجدل، لكنْ من الأمثال المثيرة
أيضًا أمثالُ السراب والظلمات في أعماق المحيطات (النور: ٣٩-٤٠) التي تأتي بعد ذلك
بقليل. وتؤخذ مادة عشرين مثَلًا قرآنيًّا آخرَ أو أكثر من مجالاتٍ متنوِّعة: ظواهر
طبيعية، مثل الرعود والعواصف والبرد والمطر والفيضان والنمو والجفاف. من الزراعة
والبستنة، من مؤسسة العُبودية. وحتى بيت العنكبوت يقدِّم نقطةَ انطلاق لتأمُّل راقٍ
(العنكبوت: ٤١)؛ إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ
مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ
أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا
أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا
وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (البقرة: ٢٦). وكثيرًا جدًّا ما
تكون الحالة أنَّ الحياة القصيرة للنباتات تقدِّم فرصةً لتأمُّلاتٍ راقية. وأحيانًا،
كما في سورة الزمر، ٢١، يتمُّ التركيز على الظاهرة الطبيعية نفسها، وهكذا لا نستطيع أن
نسميها مثَلًا. وفي حالاتٍ أخرى يتكوَّن هجينٌ غريب. وهكذا، على سبيل المثال، في سورة
آل عمران، ١١٧: مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا
أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ، المثَل هنا يندمج في إشارةٍ إلى حدَثٍ سابق (قصة حدائق أهل
سبأ في سورة سبأ: ١٥–١٧). تيمةٌ مثلُ تيمةِ زوال الحياة الدنيا، يمكن رؤيتها من وجهاتِ
نظَرٍ مختلفة؛ إنها، رغم كلِّ شيء، لا تنضب.
(١١) تعديل الأسلوب
لم يُكتَب القرآن كلُّه مرةً واحدة. ولام بعضُ المعارضين لمحمَّدٍ محمَّدًا على هذا
(الفرقان: ٣٢)، لكنْ لم يوجد قَط كتابٌ من فراغ. ولو حدَثَ ذلك، فأي غرضٍ يخدم؟ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ
بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ
مُبِينٌ (الأنعام: ٧). نزل الوحيُ على مدى عشرين عامًا أو أكثر في أجزاءٍ
منفصِلة (الإسراء: ١٠٦)، وكانت على ما يُفترض قصيرةً جدًّا، لكنَّها جُمعتْ في معظمها
في سور. وفي وقتٍ لاحق جُمعت السُّور في كتاب، القرآن. ورتِّبت بشكلٍ ميكانيكي تمامًا
على أساسِ تناقُص الطول، رغمَ وجودِ استثناءاتٍ للفاتحة والمُعَوِّذتَين. وليس هنا
موضعَ مناقشةٍ تفصيلية لتكوين السور المفردة. ما يمكن أنْ نناقشه هنا بالضبط، مع ذلك،
مشكلةُ التغيُّرات في أسلوبِ السُّور مفردةً، وفي الوقت ذاته مسألة مدى إمكانية تحديد
تاريخ السور التي نتناولها على أساس السمات الأسلوبية.
حين نحاول وضعَ تاريخٍ لسورٍ معيَّنة، سواء مجزَّأة أو كاملة، من الطبيعي أن ننتبه
إلى إشاراتٍ لأحداث تاريخية مثل غزوة بدر أو موقعة الخندق أو صُلح الحديبية. وهو ما قام
به المؤرخون والمفسرون المسلمون، لكنَّ هذه التلميحات نادرةٌ نسبيًّا. ثمَّة قاعدةٌ
أكثر أهمية لتحديد تاريخ النصوص تقدِّمها السمات الأسلوبية. تغيُّرات الأسلوب في القرآن
تحسب بالحقيقة المجرَّدة بأنَّ محمدًا كَبرَ بشكلٍ كبير في مسارِ نشاطه نبيًّا،
وبالتالي ابتعَدَ عن التعبير الأكثر ديناميكيةً إلى نمطٍ أهدأ. وفي الوقت ذاته، لا
ينبغي أن نقع في شِباك نفي النبيِّ لكلِّ الاندفاع الخطابي في سنواته الأخيرة. النبرة
الأكثر اعتدالًا في السور الأخيرة، يحدِّدها أيضًا الغرضُ والمحتوى. القواعد التي تحكم
مسائل قانون الأسرة، وخاصَّة قوانين الميراث، لا يمكن صياغتها بأسلوبٍ حيوي مثل نبوءات
النهاية الوشيكة للعالَم، التي وجَّهها محمَّد إلى مواطِنيه في مكة في البداية. بصرفِ
النظر عن حقيقةِ ذلك، حاوَلَ العلماء المسلمون لقرونٍ عديدة تقسيمَ السُّوَر، طِبقًا
لموضوعها، إلى سوَرٍ مكيَّة وسوَرٍ مدنيَّة، وتأسيسَ تَسَلسُلها الزمني. واهتمُّوا
أيضًا باحتمالِ أنَّ أجزاءً صغيرة من سورة، قد تعود إلى تاريخٍ لاحق على معظم آياتها.
باستخدامِ هذه الدراسات الأولية ومراعاة السمات الأسلوبية، توصَّلَ المستشرقون
الأوروبيون جوستاف ويل
Weil وريتشارد بل
Bell و(خاصة) تيدور نولدكه
٣ إلى ترتيبٍ زمني أكثرَ دقَّة للسور؛ حيث قسَّموا السور المكية إلى ثلاثِ
مجموعات. يمكن تلخيص نتائج بحوثهم في تعديلات الأسلوب على النحو التالي:
من المجموعات المكية الثلاث، تشمل المجموعة الأولى والأقدم طبقًا لحساب نولدكه ثماني
وأربعين، معظمها سورٌ قصيرة، تتميَّز بأسلوبها العاطفي القوي. «الأسلوب فخمٌ ورفيع
وزاخر بالصور الجريئة، الاندفاع الخطابي لا يزال مصبوغًا بالشِّعر. تنعكس الحيوية
الحماسية، التي كثيرًا ما تتخلَّلها مقولاتٌ بسيطة — لكنَّها قويَّة ومعتدلة — وأوصافٌ
جلية. في الآيات القصيرة، الطبيعة الكلية للحديث إيقاعيةٌ، وكثيرًا ما يكون الصوتُ
عذبًا جدًّا رغم بساطته تمامًا. يتمُّ التعبير أحيانًا عن عواطف النبي وحَدْسه ببعضِ
الغموض؛ يعتمد المعنى على التلميح ولا يُفصِح عنه تمامًا» (هكذا جاءت الصياغة
الكلاسيكية لنولدكه في ١٨٦٠م).
في إحدى وعشرين سورة في كلِّ مجموعة من المجموعتَين المكيتين الأخريين، نشهد انتقالًا
تدريجيًّا إلى تفكير أكثر هدوءًا. تُصوَّر أمثلةٌ من الطبيعة والتاريخ، لتحذير الكفار
وتنوير المؤمنين وإراحتهم، بالتفصيل وتُرتَّب مسلسلةً. تزداد الأوصاف شمولًا، والآيات
طولًا. وتزيد السور، أيضًا، في الطول. يتحرك التماثل بين حكايات مختلف رجال الله من
العصور السابقة بتأثير رتيب إلى حدٍّ ما. تتَّضح بجلاءٍ نبرةُ الغضب في الجدل ضد
الممثلين المكابرين للشرك وفلسفتهم الدنيوية. تتطور كل هذه الخصائص ببطء في سور الفترة
المكية الثانية؛ لتظهر كاملةً، إذا جاز التعبير، في سور المرحلة الثالثة.
السور المدنية الأربع والعشرون في معظمها طويلةٌ، وتتكوَّن من الكثير من الأجزاء
الفردية المختلفة. هنا تواجِه النبيَّ مهامُّ جديدةٌ بعد هجرته، تؤثر تأثيرًا طفيفًا
نسبيًّا على الأسلوب. يستمر الجدل محتدمًا رغم أنَّه يكتسب أشكالًا أكثر خصوصية وجهًا
لوجه مع يهود المدينة و«المنافقين». الإشارات إلى الأحداث التاريخية، تقدَّم بالطريقة
التي تقدَّم بها الإشارات إلى المواقف الدينية السابقة، من خلال استخدام الجمل الزمنية
المختصرة أحيانًا. وكما هو متوقَّع، تبدو القواعد الشرعية المطلوبة والتعليمات الأخرى
نثريةً حقًّا. القوافي التي لا تزال معتادة في نهاية الآيات الطويلة وفيرةٌ هنا، وتعطي
انطباعًا بأنها تأتي اعتباطًا.
(١٢) العيوب اللغوية وعقيدة «الإعجاز»
لغة القرآن مقتضَبة غالبًا، وحادة أحيانًا. وخطُّ التفكير ليس مستقيمًا دائمًا. إذا
قرأناه لنفهم معناه، أو إذا حاولنا ترجمته؛ لا بد أن نقدِّم عددًا هائلًا من الأمور
المختبئة بين السطور. وهذا الاحتياج ليس عيبًا. على القارئ أن يركِّز ويبذل مجهودًا
ذهنيًّا ليستوعب. وهكذا، على سبيل المثال، تجبر الجمل الشرطية «بالقطع» (ركندورف
Reckendorf) أو «فاصل منطقي» (ريناتا ياكوبي
Jacobi) المستمع أو القارئ كلَّ مرة على القيام
ببعض الأكروبات الذهنية. يوجد مثال في سورة الحج: وَإِنْ
يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ
(الآية: ٤٢)، لتوضيح الارتباط المنطقي بين الجملة الثانوية والجملة الرئيسية، ينبغي
علينا تقديم الجسر التالي: «وإن يكذِّبوك [فهذا معتاد، أو: لا ينبغي أن تندهش] [رغم
كلِّ شيء] فقَدْ كذَّبَت قَبلهم قوم نوحٍ وعادٌ وثمود [أيضًا] [رسُلَهم].» الآن، ناقش
تيدور نولدكه في Neue Beiträge zur semitischen
Sprachwissenschaft (Strassburg,
1910) بالتفصيل «الخصائص الأسلوبية والنحوية للغة القرآن»، جامعًا
كلَّ ما صادفه في أثناء دراسته المطوَّلة والمكثَّفة عن الكتاب المقدَّس للمسلمين.
تُسجَّل ببساطة أمورٌ كثيرة باعتبارها خاصية من خصائص أسلوب القرآن، تُشرَح أيضًا بعض
السمات وتُقبَل، وتُنتقد أخرى وتوصف بأنها خرقاء، وغير مناسبة، وبشِعة، وشاذَّة جدًّا،
وصعبة جدًّا، وفظَّة، إلخ. لنقتبسْ، مثالًا لذلك، مقطعًا لا يَستشهد به نولدكه، لكنْ
يمكن أيضًا أن يوصف بأنَّه «فظٌّ»، سورة البقرة، ٢١٧: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ
كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ … يلخِّص نولدكه
انطباعه عن أسلوب القرآن وبناء الجملة فيه، في حُكمٍ يتَّسم بالغلوِّ إلى حدٍّ ما:
«ربما تأمَّل محمدٌ في محتويات وحيه طويلًا قبل أن يقدِّمه للعالَم، لكنَّه لم يهتمَّ
بشكله.» هل يمكن التوفيق بين هذا النوع من النقد وعقيدة الإعجاز التي يشيع الإيمان بها في العالَم الإسلامي، وطبقًا لها
القرآنُ معجِزةٌ حقيقية، ليس فقط في الموضوع، بل وأيضًا بوصفه عملًا فنيًّا؟ لا بد أنَّ
الإجابة بالتأكيد: «لا.»
ليس هذا هو الموضع المناسب لدراسة عقيدة الإعجاز بشكل منهجي أو آثارها التاريخية.
وكانت نتيجةَ جدلٍ تطوَّر في ضوء الآية ٨٨ من سورة الإسراء وآياتٍ مماثِلة، لكنها لم
تأتِ إلى الصَّدارة إلا في القرن الثالث/التاسع، وظلَّت تُناقَش حتى القرن
الخامس/الحادي عشر. وإضافةً إلى ذلك، ليس الهدف هنا أن نوسِّع أكثرَ الفجوةَ بين دراسة
المستشرقين الأوروبيين للقرآن ودراسة المسلمين الشرقيين له، لكنَّ الموضوع نفسه يقضي
بأنَّنا لا ينبغي أن نتجاهل ببساطة التفاوت بين المدرستَين في التفكير، بل أن نواجهه
بصراحة. المسلمون، الذين يمثِّل القرآن لهم بشكلٍ مفهوم اهتمامًا أكبرَ بكثير ممَّا
يمثِّله لنا، قد يؤكِّدون أنَّ المستشرقين الأوروبيين الذين يحكُمون على بعضِ الصيغ في
القرآن ربما بقسوةٍ شديدة إلى حدٍّ ما، ورغم ذلك فهُمْ على استعدادٍ تامٍّ للاعتراف
بأنَّ القرآن في مجمله إنجازٌ لغوي وفنِّي فريد.
(١٣) القرآن أدبًا
إذا شرعنا في المهمَّة المشكوك فيها إلى حدٍّ ما، للتمييز بين الأدب العربي المقدَّس
والمدنَّس؛ ينبغي أن يوضَع القرآن في كلِّ الأحوال ضمن الأول، لكنَّ هذا لا يُبعدنا
كثيرًا جدًّا. القرآنُ، نصوصًا صُرِّح بأنَّها وحيٌ سماوي، فريدٌ حتى بين الكتابات
الدينية العربية، ولا يمكن تصنيفه ضمنَ فئةٍ بعينها. كَكُل، يمكن مقارنته فقط بأعمالٍ
غير عربية، مع الكتب المقدَّسة للديانات الأخرى: العهد القديم والعهد الجديد (أو لنكونَ
أكثر دقة، الكتب النبوية والمزامير في العهد القديم، وأقوال المسيح في أناجيل العهد
الجديد)، الأفستا، وخاصة الجاثا
Gathas،
٤ الفيدا، تصريحات بوذا ومواعظه، إلخ. ويمكن أيضًا دراسة القرآن بوصفه كتابًا
أساسيًّا لتعريف الخبرة النبوية. تناوَلَ المؤرخ إدوارد ماير ذات مرَّة محمدًا والقرآن
في دراسةٍ عن مؤسِّس الطائفة المورمونية، جوزيف سميث.
٥ لكنَّ هذا كلَّه ينتمي لمجالِ مقارنة الأديان. في سياق تاريخ الأدب العربي،
ينبغي أن نقتصر على التأكُّد من مدى إمكانية تحديد بقايا الأشكال البلاغية والمواضيع
التعليمية من عصرِ ما قبلَ القرآن في القرآن نفسه، وإن كانت هناك محاولات لتقليده،
والتأثير الذي كان للقرآن عمومًا على نشأة الأدب العربي وتطوُّره. وأخيرًا، نذكُر
الخلافات الحادَّة حول القرآن في القرنَين الثاني/الثامن والثالث/التاسع.
(١٤) لغة الكهَّان العرب القدماء
كما قيل، إنَّ القرآن عملٌ فريد في الأدب الديني العربي. إنه المجموعة الوحيدة من
نصوص الوحي الملزِمة لكلِّ المسلمين، وأكثرُ أهميةً بكثير من أيِّ أعمال عربية أخرى،
لكنْ بمجرد الدخول في التفاصيل، نرى أنَّ هذه النصوص ليست إبداعاتٍ أصليةً بالكامل،
لكنَّها تكشف إلى حدٍّ ما عن بعض العناصر التي ترجع إلى قبل الإسلام. للقرآن، إلى هذا
الحدِّ، على الأقلِّ جزئيًّا، مكانه في تقاليدَ أدبيةٍ أوسع. العناصر التي يشتمل عليها،
تنبع من مصدرَين مختلفَين: الوثنية العربية القديمة، والتراث اليهودي المسيحي. استوعب
الاثنَين وهُذِّبا في القرآن، لكنَّهما يبقيان قابلَين للتمييز بدرجةٍ ما بالنسبة
للمؤرخ.
بالنسبة للعالم الوثني القديم، التأثيرات الأساسية لغة الكهَّان ومفاهيمهم. ويستشهد على ذلك بشكلٍ معيَّن من القسم الذي
تُستهلُّ به بعض الأقوال المبكِّرة. وتمَّ من قبل الاستشهاد بمثال في القسم عن لغة
القرآن وأسلوبه. صياغة هذه الأيمان صعبٌ فهْمُها غالبًا، إن لم يكُن مستحيلًا،
وارتباطها الوحيد بالنص الذي يليها أنَّها تمهِّد الأرضَ له بانفعالٍ بلاغي أو حتى
سِحري. ويبدو أنَّ هذه الحيلة الأسلوبية، كانت معتادةً بين الكهَّان القدماء. واستعارها
محمَّد منهم، وضغَطَها في خدمة رسالته. وربما كان استخدام السجعِ بتناوُبِ سلاسلَ
قصيرةٍ من القوافي المميزة جدًّا لأوائل السور، مستمدًّا أيضًا من ممارسة الكهَّان.
وكان هذا، رغم كلِّ شيء، السببَ في أنَّ أهله أعلنوا أنَّه كاهن. وإذا أعطينا مصداقيةً لحديثٍ يرويه ابن سعد عن عروة بن الزبير،
في شكله الأول، اعتقد محمد ذات يوم أنَّه قد يكون كاهنًا، لكنَّه استبعَدَ بحقٍّ هذا
الشكَّ ورفَضَ لومَ معارضيه. لم تكُن مهمَّته، على عكس مهمَّة الكاهن، التعليقَ على
قضايا اللحظة والموقف العابر. شعَرَ بأنَّه مدعوٌّ لتحقيق غرضٍ يرتبط بالخلاص؛ أن يُرشد
أهله إلى مسارِ الإيمان الحقيقي. وللسبب ذاته، رفض أن يشبَّه بالشعراء وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (الشعراء: ٢٢٦).
لم يستمدَّ معرفته الرفيعة من جنٍّ أو رُوحٍ شريرة، كما يفترض في حالة الكهَّان
والشعراء، لكنْ عبرَ الرُّوح المقدَّسة أو ملَكٍ من الله ذاته، الخالق الوحيد والحافظ
للعالَم. كلما كان هذا أوضح له؛ قلَّ بروز أصداء بلاغة الكهَّان في صياغته لآياته. في
سورِ الفترة المكيَّة الثانية، الأيمان القديمة والغامضة حلَّت محلَّها تأكيداتٌ قصيرة
تُلمِح إلى رسالته النبوية والكتاب الذي يتعيَّن عليه نَقْله. من ثَم: وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (الزخرف: ٢)، ق
وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (ق: ١)، وَالْقُرْآنِ
الْحَكِيمِ (يس: ٢)، ص وَالْقُرْآنِ ذِي
الذِّكْرِ (ص: ١). وفي الوقت ذاته، يختفي البيان المَهيب تمامًا، ويحتلُّ
مكانَه بيانٌ رزين واقعي. على سبيل المثال: الر تِلْكَ آيَاتُ
الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (الحجر: ١). وهنا يستقرُّ الأمر، في سوَرِ
الفترة المكية الثالثة والسوَرِ المدنيَّة. وبشكلٍ مماثِل، يقتصر الاندفاع الخطابي
للسجع بمقاطِعه القصيرة على الآيات المبكِّرة. وأخيرًا، تنجرف القوافي بعيدًا أكثر
وأكثر، ولا تكون مجرَّد توقيعاتٍ ختامية على الجملة المفردة.
(١٥) المادة السردية من الكتاب المقدَّس والهجادا والمصادر الأبوقريفية
العناصر التي استعارها محمَّد من التراث اليهودي المسيحي معروفةٌ بشكلها، أقل ممَّا
هي معروفة بموضوعها. وهي في معظمها قصصٌ من أصلِ الكتاب المقدَّس والهجادا والأبوقريفا،
دمَجَها في رسالته؛ لطبيعتها التهذيبية والإرشادية. ثمَّة مصادرُ خاصة يصعب تحديدها.
ثمَّة مقطعان يمكن تحديدهما بسهولة؛ لأنهما مصمَّمان في صورةِ اقتباسَين. وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ
الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (الأنبياء: ١٠٥؛ المزامير،
٣٧: ٢٩). وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ
بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ
بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ … (المائدة: ٤٥؛
سفر الخروج، ٢١: ٢٣–٢٥؛ سفر اللاويين، ٢٤: ١٧–٢٠؛ سفر التثنية، ١٩: ٢١). القصص
التوراتية من العهد القديم، من بينها القصة المفصَّلة عن يوسف وإخوته (سورة يوسف) يتمُّ
التوسُّع فيها جزئيًّا بإضافات من مصادر خارج الكتاب المقدَّس. ترجع قصص طفولة مريم،
وقصص البشارة وميلاد المسيح إلى أناجيل الطفولة الأبوقريفية. بعض الأمثال في القرآن
مستمدَّة من الأمثال في العهد الجديد، لكنَّ تفاصيلَ كثيرةً تتغيَّر بحيث يصعب التعرف
عليها. للمشكلة الناتجة عن ذلك، بالنسبة لمؤرخ الأدب، أبعادٌ كثيرة. بالطبع، حاوَلَ
العلماء في حالة أو أخرى تحديدَ المصدر الأصلي وتوضيح إنْ كان النبيُّ قد عرَفَ المادة
عن طريق الوسطاء اليهود أو المسيحيين. لكنْ في تحديد المصادر، لا نحلُّ إلا مشكلةَ
المصدر الذي تمَّت الاستعارة منه.
ما نهتمُّ به هو أنْ نعرف المزيد عن الطريق الذي قطعتْه هذه النصوص قبل أن توضع في
صياغتها النهائية في القرآن. بحثُ الكلمات والمفاهيم القرآنية المفردة، كما فعل، على
سبيل المثال، توماس
O’Shaughnessy، قد يسفر عن مزيدٍ من
المعرفة بهذه النقطة، لكنْ من الحتمي أن يبقى الكثير بدون تفسير، خاصة لأننا لا يمكن
أن
نعتمد على العثور على إجابات بالتحليل المنطقي الصارم وجمع النص. مهما تكُن مصادر محمد،
هناك أمرٌ واحد مؤكَّد: تُرجِمت المادة إلى العربية من لغةٍ أخرى. ترجمت على الأرجح
شفهيًّا وفي حياة محمد، وربما بشكلٍ خاص له. هذا ما توحي به الفقرات التالية:
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ
وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ
الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى
عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (الفرقان: ٤-٥)،
أَنَّى
لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ
تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (الدخان: ١٣-١٤)،
٦وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ
بِيَمِينِكَ … (العنكبوت: ٤٨). كان محمد يدرك تمامًا أنَّ أساس الخِلاف
استخدامه لنصوص مكتوبةٍ أصلًا بلغةٍ أجنبية. وهي التي أعلن موضوعها في القرآن بالعربية،
مكوِّنة في رأيه إبداعًا أصيلًا عن طريق الوحي:
وَلَقَدْ نَعْلَمُ
أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ
إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (النحل: ١٠٣)؛
عملية استيعاب فاتنة سيكولوجيًّا.
الفرق بين المصدر الأصلي والنسخة القرآنية هائلٌ غالبًا. لا ينبغي رفضُ هذا ببساطة
باعتباره تشويهًا وتخفيفًا للنصِّ الأساسي. ما كان النبيُّ ليهتمَّ بترجمةِ نصٍّ أجنبي
إلى العربية كما هو. استغلَّه بالأحرى لصالحِ الرسالة الدينية التي الْتزم بها شخصيًّا.
أحيانًا يتمُّ التلميح فقط لأحداث قصة توراتية بإيجازٍ في القرآن، أو تُستدعَى للذهن
بجملةٍ زمنية مختصرة، كما لو كانت معلوماتٍ عامة (انظر القسم عن لغة القرآن وأسلوبه).
من النقد الذي وجَّهه الكفار غالبًا لمحمد في القرآن، ربما نستنتج أنَّ النبي كان يفترض
أنَّ موضوع كلامه النبوي مألوف. يجري النقد على النحو التالي: «أساطير الأولين». في
آيتَين من سورة الفرقان (٤-٥) مقتبستَين من قبل، يُزعَم حتى أنَّ محمدًا نسَخَ
أساطير الأولين وأنَّها تُملى عليه بكرةً
وأصيلًا. ومع ذلك، علينا أن نخطو بحذرٍ في ضوء المناقشة المستمرَّة بشأنِ معنى تعبير
«أساطير الأولين». إنَّه يُستخدم دائمًا بازدراء، ليس بهدفِ التتبُّع الموضوعي لنبوة
محمد إلى مصدرٍ مكتوب أو شفهي. يمكن أن نعُيد صياغته عن النحو التالي: «ربما روى الناسُ
هذه الحكاياتِ منذ زمنٍ بعيد. بالنسبة لنا هذه الأيام لا قيمةَ لها.» وإذا أدخل النبي
قصةً توراتية بجملةٍ زمنية مختصرة؛ فإن هذا لا يعني أنَّه يحكي ببساطة مادةً مألوفة،
لكنْ بالأحرى أنَّ الهدف من تصريحاته أنْ تُفهَم وتؤخذ على محمل الجِد في سياقِ تصميم
زمنٍ قديم، من أجل خلاصِ البشَر.
(١٦) أسطورة أهل الكهف وقصة الإسكندر والأقوال المأثورة
إضافةً إلى المادة السردية المأخوذة من المصادر التوراتية والهجادية والأبوقريفية،
كان النبي أيضًا ملمًّا بشكلٍ محدود بمادةٍ أخرى من الثقافات المسيحية عمومًا على حدود
الجزيرة العربية؛ ما يعرف بأسطورة النِّيام السبعة، ومقتطفان ممَّا يعرف على نطاقٍ واسع
بقصة الإسكندر. وهذه المادة التكميلية تركت أثرها الأدبي في سورة الكهف: الأسطورة في
(الآيات: ٩–٢٦)، وجزءان من قصة الإسكندر في (الآيات: ٦٠–٦٤، ٨٣–٩٨). إنها مجزَّأة، وغير
متَّسقة في التأليف، وغير واضحة في تفاصيل عديدة.
قصة «
أصحاب الكهف» (اسم قصة «النِّيام السبعة» في
القرآن) ترجع إلى أسطورةٍ عن سبعةِ شبَّان مسيحيين، هربوا من اضطهادِ الإمبراطور ديكيوس
Decius (٢٤٩–٢٥١م) باللجوء إلى كهف، حيث غلَبَهم
النوم لفترةٍ طويلة بشكلٍ مُدهِش. فترة نومهم في القرآن ٣٠٩ سنة. في المناقشة بشأن عدد
النِّيام يشمل العدد كلبهم لسببٍ ما غريب. تفاصيل البناء الذي يُفترض أنه رُفع في وقتٍ
لاحق فوق رءوس النيام، من الصعب فهمه. المقتطفان من قصة الإسكندر منفصلان بقصةٍ بينهما.
يعتمد القسم الأول (الآيات: ٦٠–٦٤) على قصةِ بحثِ الإسكندر عن نبعِ الحياة. وهنا — يا
لَلغرابة! — ينطبق الأمر على موسى. ويحكي القسم الثاني (الآيات: ٨٣–٩٨) حملةَ الإسكندر
(ويسمَّى:
ذَا الْقَرْنَيْنِ) وتنتهي ببناء جدار واقٍ ضدَّ
يأجوج ومأجوج. القصة المتداخلة (الآيات: ٦٥–٨٢)، أسطورةٌ ثيوديسيَّة
٧ (طبقًا لرأي شوارزبوم
Schwarzbaum)، تروي
أفعالًا تبدو أبسوردية وجائرة عن رجلٍ ورِعٍ في صحبة موسى؛ أفعالًا يتبيَّن فيما بعدُ
أنَّها ذاتُ معنًى وعادلة. الأسئلة المعقَّدة عن التاريخ الأدبي وتاريخ الموتيفات
الخاصة التي أثارتها النسخة القرآنية لهذه القصص، لا يمكن متابعتها هنا، لكنْ يمكن
استخلاص ثلاثةِ استنتاجات؛ أولًا: لم يتردَّد محمدٌ في ضمِّ أجزاء من أسطورة النيام
السبعة أو قصة الإسكندر في كتابه الموحَى، حتى لو لم تكُن من أصلٍ توراتي. ثانيًا: هذه
الاستعارات من الأدب (اليهودي والمسيحي المعاصر) صارت جزءًا لا يتجزَّأ من الأدب العربي
الإسلامي؛ لأنها دخلت القرآن وعاشت في التراث الأدبي العربي. ثالثًا: استخدم محمد قصصًا
من مصادر يهودية ومسيحية فقط، على عكس مُواطِنه النَّضر بن الحارث، الذي — طبقًا لابن
إسحاق — روى قصصًا عن الملوك الفرس القدماء لأهل مكة ودخَلَ في منافسةٍ مع النبي
وأساطيره عن العقاب الإلهي.
المادة السردية من المصادر التوراتية وغيرها، التي تُستخدم في القرآن، نقَلَها إلى
النبي «أهلُ الكتاب». وبشكلٍ مماثِل، عددٌ من النصوص القصيرة، تنتمي لجنسٍ أدبي يُعرف
ﺑ
«الأمثال». ربما لفَتَ انتباه محمد عن طريقِ وسطاء يهود أو مسيحيين. للوهلة الأولى،
بشكلٍ لا يمكن إنكاره، يبدو كأنَّ استعاراته مأخوذةٌ من العالَم العربي القديم. ولتوضيح
هذه النقطة، ينبغي الرجوع أبعد من المساحة الصغيرة نسبيًّا التي تحتلُّها هذه النصوص،
ويبدو أنَّها تبرِّرها.
يوجد دليلٌ على تبنِّي حكمة الأمثال القديمة في سورة لقمان. تذكُر (الآية: ١٢) أنَّ
الله «آتى» لقمانَ «الحكمة». وتذكُر الآيات التالية ما أوصى لقمان ابنَه به. تستهلُّ
بالنداء «يا بُنيَّ»، كالمعتاد في أعمالِ الأدب النُّبوئي من عصر ما قبلَ القرآن (على
سبيل المثال، في أمثال سليمان والأقوال المأثورة لأحيقار، الذي يسمَّى «حكيمًا» في
برديات إلفنتين التي ترجع إلى القرن الخامس قبل الميلاد). أمثلة من الأقوال المأثورة
من
القرآن تقتبس فيما يلي في نهاية قسم «القرآن مصدرًا للعقيدة والشريعة والآداب». ولا
نحتاج هنا أن تُزعجنا المشكلة الشائكة بشأن هُوية لقمان المجوسي عند قدماء العرب
وعلاقته بأحيقار، لكنْ علينا أن نتناول بإيجازٍ الأهميةَ المرتبطة بالحكمة في القرآن. وتتجاوز بكثيرٍ حِكَم أقوال لقمان التي
تُذكر في سورة لقمان.
وذُكرت الحكمة في مواضعَ أخرى غير مرتبطة
بلقمان فقط. في سورة (الإسراء: ٣٩)، نجِد في نهاية سلسلةٍ طويلة من التحذيرات: ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ …
وإذا نظرنا أكثرَ ندرك أنَّ بعض النصائح السابقة (وربما الأوامر الأخرى للمخاطَب المفرد
أيضًا؟) لا توجَّه إلى محمد شخصيًّا، لكنْ بالأحرى وُضعت على لسانه بوصفها أقوالًا
نبوئية لتُعلَن على رِفاقه. في عددٍ كامل من المواضع، ترتبط كلمة «الحكمة» صراحةً
بالكتاب (الكتاب والحكمة). والمستفيدون من هاتَين الهِبَتَين الإلهيَّتَين: آل إبراهيم
(النساء: ٥٤)، والمسيح (آل عمران: ٤٨، المائدة: ١١٠) وفي الحالتَين يتوسَّع الأمر ليشمل
التوراة والإنجيل، والأنبياء (آل عمران: ٨١)، ومحمد نفسه (النساء: ١١٣، البقرة: ١٢٩،
البقرة: ١٥١، آل عمران: ١٦٤، الجمعة: ٢). يُوجَّه النبيُّ ليتلو آياتِ الله على معاصريه
ويعلِّمهم الكتابَ والحكمة، ناصحًا إيَّاهم بهذه الطريقة — هكذا في (البقرة: ٢٣١) —
وينبغي عليه أن يقود الناسَ إلى سبيل الرب بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ (النحل: ١٢٥). وعلى نسائه أن يتذكَّرنَ ما
يُتلَى في بيوتهنَّ من آيات الله وحكمته (الأحزاب: ٣٤). وينبغي أنْ نكون حذِرين من
المبالغة في تفسير هذه الصيغ، لكنْ يمكن على الأقلِّ أن نستنتج من هذا أنَّ محمدًا رأى
أنَّ جزءًا مهمًّا من نشاطه النبوي يكمُن في نقل الحكمة إلى أهله. وإضافةً إلى ذلك، حيث
إنه يحدِّد «آل إبراهيم» والمسيح والأنبياء بوصفهم مستفيدين آخرين من هذه الهبة
الإلهية، قد نفترض أنَّه عرف الأقوال النُّبوئية التي أخَذَها من عصرٍ سابق بكثير،
بجانب الموادِّ التقليدية من «أهل الكتاب». صارت الأمثال، رغمَ كلِّ شيء، منذ زمنٍ بعيد
جزءًا لا يتجزَّأ من الكتابات الكنَسيَّة والأبوقريفية لليهود والمسيحيين؛ وبالتالي
أمثال سليمان وأقوال المسيح وابن سيراخ وسِفر طوبيا (الإصحاح الرابع).
(١٧) تقليد القرآن
يصِفُ القرآنُ نفْسَه بأنَّه كتابُ وحيٍ لا مثيلَ له، حتى لو اجتمعت قُوى الإنس والجن
ليأتوا بمِثله (الإسراء: ٨٨). لا يستطيع معارضو محمدٍ أن يكتبوا عشْرَ سور (هود: ١٣)
أو
حتى واحدةً (يونس: ٣٨، البقرة: ٢٣) تنافِسُه. على هذه الفكرة، تتأسَّس عقيدةُ إعجاز
القرآن. ومن الناحية الأخرى أكَّد المعارضون أنفسهم: لَوْ نَشَاءُ
لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا (الأنفال: ٣١). وبالتالي نعرف محاولاتٍ معزولةً
وفاشلة لتقليد القرآن. هل هناك دليلٌ ملموس على هذه النتيجة؟
لدينا كلمات وحي منسوبةٌ لمُسيلمة «النبيِّ الكذَّاب»، ويُزعَم أنَّه كان يرغب في
المشاركة في السيادة على الجزيرة العربية، وقُتِل وهو يحارب ضدَّ خالد بن الوليد سنة
٦٣٣م، بعد وفاة محمد. يتطابق شكلُ هذه الأقوال إلى حدٍّ بعيد مع أوائل السور، لكنَّ
المثير للتساؤل حقًّا إن كان مسيلمةُ مصدرًا لأيٍّ من هذه الأقوال. ربما ابتُكرت كلُّها
في تاريخٍ لاحق ونُسبت له في محاولةٍ لوصمه بأنَّه مقلِّدٌ أخرقُ لمحمد. ثمَّة قولٌ من
هذه الأقوال يأتي بوضوحٍ على طراز طريقةِ تعبير القرآن: «والفيلِ، وما أدراك ما الفيل،
له ذنب وثيل، ومشفر طويل، إنَّ ذلك من خلْقِ ربنا القليل.» قارن سورة (الحاقة: ١–٣)،
وسورة (القارعة: ١–٣).
يقال إنَّ ابن المقفع — الناثر العربي البارز، من أصولٍ إيرانية، الذي أُعدم ببشاعةٍ
في ١٣٩ﻫ/٧٥٦م — حاول تقليد القرآن بطلبٍ من مجموعة من الزنادقة، لكنَّه تخلَّى عن
المحاولة؛ لأنَّه تبيَّن أنها صعبةٌ جدًّا. إنها أسطورةٌ بالطبع، لكنَّ ابن المقفع
ألَّفَ مجادلةً تناوَلَ فيها قضيةً مع الإسلام، وخاصة مع القرآن من منظورٍ مانوي.
وتصلنا أجزاءٌ من هذه المجادلة في تفنيد كُتُبه للإمام الزَّيدي، القاسم بن إبراهيم (ت:
٢٤٦ﻫ/٨٦٠م). الكلمات الأربعُ الأُولى من هذه المجادلة — وحدها — على طرازِ الكلمات
الأربع الأُولى من القرآن. وتأتي على النحو التالي: «بسم النور الرحمن الرحيم»؛ تنوُّع
مانوي على البسملة الإسلامية المألوفة التي تُثير
أيَّ مسلمٍ باعتبارها تجديفًا.
يُذكَر أيضًا أنَّ كاتبًا متشكِّكًا من القرن الخامس/الحادي عشر، الكفيف أبو العلاء
المعري الذي توفي في ٤٤٩ﻫ/ ١٠٥٧م، حاوَلَ تقليدَ القرآن. يشير الاتهام إلى عمله
المختصَر «الفصول والغايات»، ولم يبقَ إلا سُبْعه الأول، وهو مثالٌ رائع لفنِّ الشِّعر
والقافية المعتمد على اللغة الأدبية العربية الكلاسيكية، وكان المؤلِّف أستاذًا فيها.
إنَّها مكتوبةٌ بسجعٍ متقَن، وتستهلُّ الأقسام المفردة من المقاطع أحيانًا بأيمانٍ
قديمة مثل: «أُقسِمُ بخالقِ الخيل، والعِيس الواجفات بالرحيل …» وتذكِّرنا هذه التعاويذ
بالنصوص القرآنية المبكِّرة — على سبيل المثال: (القيامة: ١-٢) — التي تعُود بدورها إلى
الكهَّان العرب القدماء (انظر ما سبق)؛ ويفترض أنَّها على طراز نصوصِ القرآن، لكنَّ هذا
لا يعني أن نقول إنَّ المعري كان ينوي أن يأتي عملُه كلُّه تقليدًا للقرآن، ناهيك عن
تجاوُزه. وإضافةً إلى ذلك، حين كان المعري يكتب، كان السجعُ قد قُبِل منذ وقتٍ طويل
حيلةً أسلوبية مميِّزة للغة الرفيعة، بحيث يُستخدم دونَ تفكير. إذا نظرنا إلى ما بعد
السيل المتقَن من الكلمات، وحاولنا معرفة تِيمةِ العمل؛ فإن الموضوع لا يزيد كثيرًا عن
أغانٍ في مديح الله ومواعظَ دينية وخُلُقية (بنبرةٍ متشائمة). ويتَّضح هذا أيضًا من
العنوان الفرعي للعمل: «في تمجيدِ الله والمواعظ».
ثمَّة عملٌ من منتصف القرن التاسع عشر، يستحقُّ على الأقل الذِّكر بوصفه نوعًا من
تقليد القرآن، وتحديدًا «البيان» العربي للسيد علي محمد الشيرازي، المعروف بالباب،
مؤسِّس الطائفة البابية (ويبقى حتى اليوم في الطائفة البهائية). شعَرَ البابُ بأنه
مدعوٌّ ليحلَّ نبيًّا محلَّ محمد ويستبدل بالإسلام الذي عفا عليه الدهر دِينًا جديدًا.
ولخَّص عقيدته في «البيان». التعبيرُ نثريٌّ، وترتيب المادة غير منهجي رغم التقسيم إلى
إحدى عشرة وحدةً (واحد)، كلٌّ منها من تسعة عشر
بابًا. لم يكن الكتاب مصمَّمًا ليتفوق على القرآن في قوته البلاغية، بل ليحلَّ محلَّه
بيانًا رصينًا للعقيدة الجديدة. لكنَّه يتَّفق مع القرآن في جانبٍ واحد؛ في أنَّ الوحي
مستمدٌّ من الله نفسه. وإضافة إلى ذلك، هناك عدَّة نقاط، في الموضوع والصياغة، التي لا
تُستوحى فقط من القرآن، لكنها على طرازه، بوعيٍ أو بدون وعي. ولا نستطيع دراسةَ هذا
الموضوع بالتفصيل هنا.
(١٨) القرآن وتطوُّر الأدب العربي
في سياقٍ مناسب، صار القرآن موضوعَ أدب ثانوي شامل. سعى المفسرون وفقهاء اللغة إلى
توضيح الفقرات الصعبة. وجُمعت المادة بشكل منهجي، إلى حدٍّ ما: في أبوابٍ خاصة في أعمال
الحديث للبخاري والترمذي، وفي كتابَيْ «تأويل مُشكِل القرآن» و«تفسير غريب القرآن» لابن
قتيبة، وفي التفسيرات الشاملة لمجاهد والطبري والزمخشري والرازي وغيرهم. وكُرِّست
دراسات خاصة لأحكام القرآن. لا ننوي أن نناقش هنا هذه
الأمور، لكن من المفيد التفكير في الأهمية العامة للقرآن في نشأة الأدب العربي وتطوره.
وقد نخلص في البداية إلى أنَّ العرب يدينون بقوميتهم وأهميتهم التاريخية والعالمية
للإسلام، ويدين اللسان العربي أيضًا بتطوره الأدبي للقرآن.
لا أحد، بالطبع، يجادل بأنه كانت هناك قصائد بالعربية قبل القرآن. ويمكن حتى رؤية
هذا
من جدلِ محمد ضد الشعراء في سورة الشعراء. النظرية التي ترى أنَّ القصائد العربية
القديمة ظاهريًّا نُظمت في تاريخٍ لاحق على أساس التلميحات في القرآن، لا يمكن الدفاع
عنها، لكن عملية تسجيل الشعر العربي القديم في شكلٍ مكتوب توقفت، كما يقال، إذا كانت
قد
حدثت بشكل جاد في أي وقت، وتعرَّض إنتاج هذا الشعر للنسيان بعد بضعة أجيال. وتُرِك
الأمرُ للقرآنِ كتابًا مقدَّسًا أوحى إلى العرب بلغتهم؛ ليقدم الزخم لتطور لغةٍ عربية
أدبية. استُخدمت الأبجدية الموجودة، المأخوذة عن النبطية، لإنتاج اللهجة العربية لمكة
التي جاء بها القرآن، وتجمَّدت بهيكل صوامتها في هذه المراحل المبكرة من التطور. ولم
تستوعب في اللغة الشعرية العربية الشائعة والرفيعة، التي أصبحت ضرورية لقراءة القرآن
أيضًا، حتى وقتٍ لاحق بإدراج حروف إضافية، وخاصة الهمزة. الحروف المعتادة للعربية الكلاسيكية والحديثة، طبقًا لذلك، لا
تزال تفشي آثار الزمن الذي تمَّ فيه تدوين القرآن لأول مرة في مكة.
لكن الأهم طبيعة ما سُجِّل ونُقل للأجيال التالية بمساعدة الخطِّ العربي الذي صيغ
بهذه الطريقة. في المقام الأول، ينبغي ذِكر إنجازات علماء اللغة العرب. بعد وفاة محمد
بوقتٍ قصير، شَعرَ العلماء بالحاجة إلى توضيح الكلمات والصيغ الغامضة في القرآن.
وتطلَّب الأمر أمثلة من مصادر لغوية غير القرآن نفسه، ووجدت هذه المصادر في الشعر
العربي الأقدم الذي بقي حتى ذلك الوقت تراثًا شفهيًّا بالأساس. وقدَّم هذا الدليل بدوره
مادةً لمعاجم علماء اللغة ونحوهم بعد ذلك. بالطبع كان الاهتمام المباشر بالقصائد نفسها
عاملًا في هذا كله، لكنْ جاء الزخم الحقيقي من تفسير القرآن.
في العلوم الدينية theological (تستخدم الكلمة بأوسع
معانيها) كما في العلوم الدنيوية، استخدَمَ المسلمون اللغة العربية على وجه الحصر
تقريبًا منذ البداية. (ولم تستخدم الفارسية والتركية أيضًا إلا بعد قرون، وخاصة في
الكتابات التاريخية.) والسبب الأساسي أنَّ الإمبراطورية الإسلامية، كانت من صُنع الأمة
العربية. هيمَنَ العرب وحدهم في العقود الأُولى الحاسمة. وبمرور الوقت، ضمنوا مكانةً
مناسبة لِلُغتهم، حتى في البلاد التي فتحوها. واستطاعوا تحقيق هذا كلِّه بسهولةٍ شديدة؛
لأنَّ كتاب الإسلام، الذي دافعوا عنه ونشروه، بهذه اللغة نفسها. واضطر كلُّ مَن اعتنق
الدين الجديد مبدئيًّا، إلى أن يتعلم على الأقل جزءًا كافيًا من العربية؛ ليتلو في
الأصل تلك النصوصَ القرآنية المطلوبة في عبادتهم العامة. كانت ترجمات نصوص من القرآن،
أو القرآن كله، محظورةً، أو يسمح بها بتحفُّظ فقط، حتى إلى وقت قريب جدًّا. وهكذا
ساهَمَ القرآن على الأقل بشكلٍ غير مباشر في انتشار اللغة العربية. لقرون طويلة، بقيَت
العربيةُ لغةَ العلوم في كلِّ أرجاء العالم الإسلامي. عددٌ لا يُحصى من الكتب العربية
كتَبَها غيرُ العرب من الفُرس والتُّرك وغيرهم. تُرجم في القرنين السادس/الثاني عشر
والسابع/الثالث عشر عددٌ هائل من الأعمال الطبية والعلمية والفلسفية، من بينها أعمالٌ
كُتبتْ أصلًا باليونانية، من العربية، اللغة المقدَّسة لعلوم المسلمين، إلى اللاتينية،
اللغة المشترَكة للعالَم المسيحي.
(١٩) الخلافات المحيطة بالقرآن
لم يُقصَد تحدِّي معارضي محمد بأنْ يأتوا على الأقل بعشر سُوَر (الإسراء: ٨٨)، أو
حتى
سورة واحدة، تنافس إنجازه (يونس: ٣٨، البقرة: ٢٣) بجديَّة لكنَّه حيلةٌ فنيَّة. ما
كانوا يستطيعون القيام بهذا التحدي؛ لأنَّهم لم
يكونوا أندادًا للنبي في قوة لغته وجمالها. على أية حال، هكذا رأى المفسِّرون الأمر بعد
ذلك. كانت عقيدة إعجاز القرآن نتيجةً منطقية لهذه
الرؤية. ومع ذلك، جعَلَ هذا التحدِّي يبدو من المتصوَّر، أنَّ مَن وُجِّه إليهم
يستطيعون التعبير عن أنفسهم بالطريقة نفسها؛ لأنَّهم يمتلكون اللغة العربية نفسها التي
يمتلكها محمدٌ نفسه. ما كان ينقصهم — في رأي المسلمين — القدرة الفائقة على السيطرة على
هذه الأداة اللغوية المشتركة.
في سياقِ حجَّة أخرى، هذه المرة حجَّة دينية واضحة، رُفِع القرآن جملةً إلى مستوًى
يتجاوز ما هو إنسانيٌّ ببساطة. كان هذا بالتكهُّن بشأن صفاتِ الله. من بين الصفات التي
تنسب لله في القرآن، خاصية الكلام. في سورة (التوبة:
٦) نقرأ: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ
فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ …، من المغري مطابقة هذه العبارة
مع القرآن نفسه. لكنْ كان هناك اختلافٌ في الرأي بين علماء الدِّين بشأن العلاقة بين
الصفات الإلهية والله حاملًا لهذه الصفات. أسلاف العلماء التقليديِّين في فترةٍ لاحقة،
ومن بينهم برَزَ مؤسِّس المذهب الحنبلي أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١ﻫ/٨٥٥م)، اعتبروا من
البديهي أنَّ هذه الخصائص تعود إلى الأزل مع الله وفيه؛ لأنَّ الله لا يكون كاملًا من
الأزل إذا كان قد اكتسب صفاته في سياق الزمن. تبنَّى المعتزلة (من نهاية القرن
الثاني/الثامن) الرأي المضاد بأنَّ الصفات لا يمكن أن تعود إلى الأزل مثل الله ذاته؛
لأنَّ توحيد الله — بديهية وضعوها في مكانةٍ خاصة —
في هذه الحالة، لا يكون حقيقةً مسلَّمة. وبتطبيقِ ذلك على القرآن، باعتباره خاصية
الكلام؛ يعني هذا — طبقًا لرأي أحمد بن حنبل
ومؤيِّديه — أنَّها موجودة دائمًا منذ الأزل. بينما في رأي المعتزلة أُضيفت في سياقٍ
مناسب، بتعبيرٍ آخر، مخلوقة. الجدل بشأن إن كان القرآن عملًا مخلوقًا أو غير مخلوق،
وصَلَ قمَّته في النصف الأول من القرن الثالث/التاسع. بعد أن اكتسبتْ نظرية المعتزلة
مكانةً في العقيدة الراسخة، وانتشرت لسنواتٍ طويلة بوسائلِ التحقيق، لكنَّ الأطروحة
المضادة كسبتْ في النهاية وصارَت العقيدة التقليدية، ولا تزال، صالحةً أساسًا إلى
اليوم.
لا نحتاج هنا إلى مناقشةِ المشاكل الفلسفية التي نشأت عن عقيدة «عدم خلْقِ» القرآن،
وكانت ولا تزال تفرض مشاكلَ هائلة على عالِم مثل الباقِلَّاني (ت: ٤٠٤ﻫ/١٠١٣م)، لكنْ
ينبغي أن نذكُر نتيجةً طبيعية لهذه العقيدة، لا يزال تأثيرها يفرض نفسه حتى اليوم؛ حيث
يعتقد المسلمون أنَّ القرآن مُوحًى لفظيًّا من الله وكان موجودًا دائمًا في السماء في
شكله الأصلي المثالي — وعلى هذا النحو تفسَّر الآيات في (آل عمران: ٧، والرعد: ٣٩،
والزخرف: ٤) — فإنَّ القرآن ليس عملًا أدبيًّا في الواقع على الإطلاق؛ ولذا لا يمكن أن
يكون موضوعًا للدراسة على أيدي مؤرِّخي الأدب. كان للمصري محمد أحمد خلف الله تجربةٌ
شخصية بهذا، حين قدَّم أطروحةً في ١٩٤٧م عن موضوعِ «الفن القصصي في القرآن الكريم»
لجامعة فؤاد في القاهرة. رغم أنه اعترَفَ صراحةً بعقيدة الإعجاز، وقبِلَ الرأيَ المتشدِّد بأنَّ الله المصدرُ الوحيد للقرآن،
فإنَّ محاولته لربط الإشارات المتناثرة لأحداثٍ سابقة في قصة الخلاص بالموقف السياسي
المناسب في مسيرة محمد، وبالتالي جَعْلها مفهومةً بالمصطلحات السيكولوجية، أثارتْ
معارضةً عامة شديدة، وخاصة بين علماء الدين التقليديين. في رأي مجموعةٍ من علماء
الأزهر، تضمَّنت وجهةُ النظر التي تبنَّاها أن «القرآن كلامُ محمد، الرَّاوية الموهوب
جدًّا، لا كلام الله»، متجاوِزًا كلَّ تشابُهٍ وكلَّ احتمال. أُقيلَ خلف الله من وظيفته
محاضِرًا بالجامعة، وصار معلِّمًا في مدرسةٍ بدلًا من ذلك.
(٢٠) القرآن مصدرًا للعقيدة الدينية والشريعة والأخلاق
التأثير الذي كان للقرآن على المجتمع الديني والثقافي للمسلمين خلال العصور الوسطى،
والمستمر حتى اليوم، بلا حدود. المقتطفات القصيرة التي تشمل الفاتحة وبعض الآيات الأخرى
يكرِّرها يوميًّا بالعربية كلُّ المؤمنين في الصلاة. تعلَّم مئاتُ الألوف القراءة
والكتابة بمساعدةِ القرآن. وحفِظَه آخرون لا يُحصَون عن ظَهْر قَلْب. ولا تزال تعتبر
تلاوة الكتاب كلِّه، أو سماعه، عملًا من أعمال التقوى، بمراعاة كلِّ قواعد أصول
التلاوة؛ على سبيل المثال، في شهر رمضان. في معرفة المسلمين، يفترض الاطلاع على النصِّ،
حتى إنَّ الاقتباسات الحرفية من القرآن، كثيرًا ما يُستشهد بها في شكلٍ مختصَر جدًّا.
وكثيرًا ما توجد اقتباساتٌ في أعمالٍ من كثير من مختلف التخصصات، وأيضًا في النقوش، وفي
المُنَمنات. وهناك أقوالٌ من القرآن أيضًا منتشرة جدًّا وشائعة في الحياة اليومية.
وهكذا، إذا اكتفينا بمثال واحد، مثال كثيرًا ما يُستخدم تعبيرًا عن العزاء من سورة
(البقرة: ١٥٦): … إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ
رَاجِعُونَ. برهانًا على أنَّ كلمات القرآن تُستخدم — وتبعث أحيانًا — ليس
فقط في دوائرَ دينية محافِظة، لكنْ أيضًا بينَ جماعاتٍ سياسية حديثة. حتى في أيامنا،
قد
نلاحظ أنَّ اسمَ منظَّمةِ المقاومة الفلسطينية «فَتْح» يعود إلى الفتح القرآني، الذي يعني أصلًا «قرارًا» [إلهيًّا يجلب
النجاح للمؤمنين] ويبدو أنَّه لم يأخذ معنى conquest
إلا بعد الاستيلاء على مكَّة في بداية ٦٣٠م. اختيار «فَتْح» ربما حدَثَ بسبب الآية ١٣ من سورة الصَّف: … نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ …
لكنْ لنعُدْ إلى القرآن نفسه؛ إذا نحَّينا جانبًا حقيقةَ — أو بالأحرى سلَّمنا بها
—
أنَّ القرآن كان دائمًا مصدرًا لتهذيب المؤمنين ولا يزال حتى اليوم؛ يمكن التأكيد على
أنَّ محتواه اكتسب أهميةً تاريخية من بُعدين أو ثلاثة أبعاد مختلفة: مصدرًا للعقيدة
الدينية الإسلامية، وللشريعة الإسلامية، وللآداب الإسلامية. (تُستخدم كلمة «آداب
ethics» بأوسع معاني الكلمة: يحتوي القرآن على
سلسلةٍ كاملة من مفاهيم السلوك القويم.)
(٢١) العقيدة … وصايا خاصة
في موضعَين من القرآن يُكثَّف جوهر الإيمان الإسلامي في نوعٍ من العقيدة. الآية ١٣٦
من سورة النساء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ
وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي
أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ
وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا، والآية
٢٨٥ من سورة البقرة: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ
مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ
وَرُسُلِهِ … في آية ثالثة (البقرة: ١٧٧) يذكُر بعضَ أهمِّ الواجبات:
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ
الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ
الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى
حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ
وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ
وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ
وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ
الْمُتَّقُونَ. هنا بداياتُ تعريف الدِّين الإسلامي، لكنَّ القرآن يحتوي
على عقيدةٍ دينية منهجية تزيد عمَّا يحتوي عليه من خلاصة وافية للشريعة الإسلامية.
الأقوال المفردة التي أعلَنَ محمدٌ أنَّها وحيٌ مرتَّبةٌ بشكلٍ عشوائي، وتصدر في كلِّ
حالةٍ من موقفٍ محدَّد ملموس. العقيدة الإسلامية الكاملة والشريعة الإسلامية، لم تتمَّ
صياغتها إلا بعد عقودٍ طويلة من وفاة محمد. وكان القرآن، بالطبع، بالغَ الأهمية ضمنَ
المصادر المستخدَمة في هذه العملية المُمَنهجة.
أبرزُ تيماتِ رسالةِ محمدٍ لأهله الوثنيين — الإيمان بالله وبعث الموتى ويوم الحساب
والثواب والعقاب في الحياة الآخِرة — تمَّ تناولها بشكلٍ مناسب في القسم عن موضوع
القرآن، وهناك تمَّ تناولها من المنظور الصحيح. وينطبق الأمرُ ذاته على فكرةِ كتابٍ
مقدَّس، مكتوب بالعربية؛ شَعرَ محمدٌ نفْسُه بأنَّه مدعوٌّ لنشره في كلِّ مكان بوصفه
رسولًا لله. هذه المبادئ والمبادئ الأخرى للإيمان، الموضَّحة في القرآن، من الطبيعي أن
تبقى صالحةً حتى بعد وفاةِ محمد. واستمرَّت تشكِّل أساسَ الدين الإسلامي. واكتسبتْ
عقيدة التوحيد بعد ذلك أهميةً جديدة، حين استنتج
المعتزلة، روَّاد علم الكلام الإسلامي ومؤسِّسوه، النتائجَ النهائية منه، في صراعهم
ضدَّ أنصار الرؤية المزدوجة للعالَم قُرب نهاية القرن الثاني/الثامن وأوائل القرن
الثالث/التاسع. وتحوَّل التأكيدُ بمرور الوقت؛ العناصر التي أصبحت بديهيةً وجزءًا لا
يتجزَّأ من النظرة الكلية للمسلمين، لم تعُدْ ذات أهميةٍ ملحَّة. بدلًا من ذلك، أصبحت
المسائل التي لم تحلَّ حتى ذلك الوقت بشأنِ التفاصيل بُؤرة الاهتمام. حاول الرجال
توضيحَ هذه الأمور بالتأمل الديني، وكان من الطبيعي أن يرجعوا للقرآن لهذا الغرض. ويمكن
توضيح هذا بمثالَين. (ذكرنا مثالًا ثالثًا عن الجدل بشأن صفات الله، مرتبطًا بالخلافات
حول القرآن.) ثمَّة نتيجةٌ إضافية مهمَّة لهذه الخلافات يمكن ذِكرها بإيجازٍ هنا؛
تتراجع الأهمية الدينية لمحمد مقارنةً بالقرآن نفسه، رغم أنَّه يُذكَر في العقيدة بجانب
الله؛ يشار إليه بأنَّه رسولُ الله، أيْ معلِن الرسالة الإلهية. ليس النبي، بل الرسالة
التي يحملها (القرآن) هي، باستخدام تعبيرٍ من اللاهوت المسيحي، من جوهرٍ واحد مع
الله.
(٢٢) استنتاجات دينية
في السنوات الاثنتي عشرة التي كافح فيها محمد ليقنع مواطنيه في مكة بالإيمان بالله
الواحد وبالحياة الآخرة، لم يستجب لرسالته إلا أقليَّة. رفضتْها الأغلبية. تأثَّر النبي
بعمقٍ بهذا الفشل، ولم يكُن أمامه إلا أن يتصالح معهم. وحيث إنَّه كان يرى إرادةَ الله
في كل شيء؛ افترض أنَّ الرفض غير المفهوم، من كثير من الناس للانضمام إليه، جزءٌ من
مشيئة الله. ويمكن رؤية هذا في آياتٍ كثيرة في القرآن، تكشف كلُّها عن المضمون نفسه.
الكفار مصابون بالعمى، وأغلق الله آذانهم وقلوبهم. من المستحيل أن يُخرجهم النبي من
طُرق الضلال إلى الطريق القويم؛ لأنَّ الله يضِلُّ مَن يشاء ويهدي مَن يشاء. مباشرة بعد
هذا التأكيد، تأتي أحيانًا الإشارة إلى أنَّ الذين لا يهتدون إلى الإيمان الحقيقي،
لأنَّهم ضلُّوا، يُدعون يومَ الحساب ويعاقبون على ضلالهم. وهكذا على سبيل المثال، سورة
(البقرة: ٥-٦): أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ
أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.
وبالتالي تمَّ التلميح إلى مذهبِ الجَبر، لكنَّه لم يكُن قد وُضع في الصدارة مع كلِّ
المشاكل المصاحِبة له. تُرِك للأجيال بعد وفاة محمد للتأمُّل فيه بإسهابٍ شديد والبحث
عن حل. بدايةً، انقسمَت الآراء تمامًا: مَن يؤمنون بحتميَّة عملِ الإنسان أسَّسوا
حُجَجهم على سلسلةٍ كاملة من الآيات التي يُعلِن فيها القرآنُ هذا النوع واستشهدوا
بمادةٍ أخرى من الحديث أكثرَ وضوحًا. ومَن آمنوا
بحريَّة الإرادة استشهدوا بآياتٍ ذات مغزًى مختلِف تخدم غرضهم، واضعين في الصدارة، وقبل
كلِّ شيء، الرأيَ (الذي رفعه المعتزلةُ بعد ذلك إلى مبدأٍ أساسي) بأنَّ الله عادل،
وبالتالي لا يمكن أبدًا أن يُدين أيَّ شخصٍ لم يكُن مسئولًا عن أعماله في هذه الحياة.
في اللاهوت التقليدي ساد في النهاية الرأيُ الذي يقول بالحتمية، لكنْ في شكلٍ أقلَّ
صرامة. وطبقًا له، يحدِّد الله أفعالَ البشَر، لكنَّ البشَر يجعلون هذه الأعمال أعمالهم
كلَّما أدَّوها، وبالتالي يصبحون مسئولين مسئوليةً شخصية عنها. المصطلح المستخدَم
«كسَبَ» أو «اكتسَبَ» أُخذ من مفردات القرآن. في القرآن، سلوكُ الإنسان — بقدر ما
يحدث من منظورٍ عام — يوصف غالبًا بكلمة «كسَبَ». وفي
سورة (البقرة: ٢٨٦) يقال لنا: … لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا
مَا اكْتَسَبَتْ ….
المثال الثاني لمناقشةٍ دينية تالية، يتعلَّق بموضوعِ «الإيمان والعمل». يميِّز
القرآن نفسه بين الإيمان الحقيقي والاعتناق السطحي للإسلام (الحجرات: ١٤)؛ يتمُّ
التأكيد بصيغٍ متنوِّعة على أنَّ الإيمان ينبغي أن يُصاحِبه سلوكٌ يرضي الله. وإضافةً
إلى ذلك، هناك إشاراتٌ متكرِّرة إلى «الفاسقين».
ويتساوَوْن ببساطةٍ بالكفار، على سبيل المثال (السجدة: ١٨). ويظهر مفهوم «الكبائر»
(النساء: ٣١، الشورى: ٣٧، النجم: ٣٢)، لكنَّ مختلف الآيات والتقييم، ليست مرتَّبة
بطريقةٍ منهجية. ويمكن رؤية هذا، من مقارنةِ الآيات ٣١، ٤٨، ١١٦ من سورة النساء. واحدةٌ
تعرض إمكانيةَ الصفح عن الآثام الأقلِّ خطورة والدخول الكريم إلى الجنة، بشرط تجنُّب
الكبائر. وأخرى تُعلِن أنَّ الشرك بالله الخطيئةُ الوحيدة التي لا يمكن غفرانها.
من منتصف القرن الأول/السابع، وضَعَ أنصار حركة الخوارج الاستنتاجاتِ النهائيةَ من
الآيات القرآنية المناسبة، وطبَّقوها بصرامةٍ مرعِبة. طبقًا لهم، ليس فقط المشركون،
لكنْ كلُّ مَن ارتكب كبيرةً يُحرَم من خاصية الإيمان؛ وبالتالي يصبح كافرًا. وحيث إنَّه
كان مؤمنًا ذات يوم؛ يصبح مرتدًّا وينبغي عقابه بالموت. لم تكُن الحركة تكتفي بأن تَدَع
الأمورَ عند مستوى النظرية، بل كانت تمارس ما بشَّرت به. أسَّس ممثِّلو موقفٍ أكثرَ
تسامحًا حُجَجَهم على الآية من ١٠٦ من سورة التوبة (ضمنَ أشياءَ أخرى)؛ حيث توصف
مجموعةٌ معيَّنة من المسلمين بأنَّهم موضعُ شك: وَآخَرُونَ
مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ
… من الكلمة الأساسية «مُرْجَوْنَ» صار هؤلاء المعادين للخوارج معروفين
بالمُرْجِئة. وعمومًا تبنَّى العلماء التقليديون في وقتٍ لاحق وجهةَ نظَرِ المرجئة. مَن
يدين بالإسلام يظلُّ مسلمًا حتى لو ارتكب كبيرة.
(٢٣) الشريعة
على الرغم من أنَّ الإسلام قد يوصف بأنَّه دِينُ تشريع؛ فإنَّ المعلومات الواردة
في
القرآن بشأن نقاط الشريعة مشوَّشة جدًّا ومُجزَّأة، وخاصة إذا لم نضعْ تحت «الشريعة
law» المعاملات
فقط، ووضعنا أيضًا العبادات، كما يحدُث في علوم
المسلمين. وهكذا، على سبيل المثال، يتمُّ التأكيد بشكلٍ متكرِّر على فريضتَي الصلاة والزكاة
باعتبارهما مهمَّتَين جدًّا، وأساسيَّتَين حقًّا. لكننا نكاد لا نعرف شيئًا عن طُرُق
أداءِ الصلاة أو إيتاءِ الزكاة. ويمكن تفسيرُ ذلك، من ناحية، بحقيقةِ أنَّ محمدًا في
السنوات الأُولى من مسيرته كان قادرًا بنفسه على توجيه العدد الصغير من أتباعه بشأن
أداء الصلاة، ولم يكُن يحتاج إلى آياتٍ عن الموضوع. ثمَّة سببٌ آخَر، قد يكون أنَّ
العبادات استغرقتْ بعضَ الوقت لتتبلور في شكلٍ دقيق. في حالةِ إيتاء الزكاة هذا محتمَلٌ
جدًّا. لم تصبح ضريبةً منتظِمة إلا بمرور الوقت، لكنْ من المؤكَّد أنَّ محمدًا لم
تواجهه مهامُّ تشريعيةٌ حقيقيةٌ إلا بعد الهجرة؛ حيث كانت ذاتَ طبيعةٍ سياسية، وأثَّرت
أيضًا في قطاعات السكان غير المسلمين، كما في حالةِ ما يسمَّى دستور المدينة، التي
نظِّمت في شكلِ حُكمٍ متفَق عليه. وحيث كانت العوامل الدينية حاسمة، أو على الأقل
متضمنة بطريقةٍ ما، ساهمتْ بنتيجةٍ أدبية في القرآن.
(٢٤) وصايا خاصة
بالنسبة للعبادات، ينبغي أن نذكُر هنا بعضَ القواعد الخاصة التي ترجع إلى فترةِ ما
بعدَ الهجرة: تعليمات قصيرة بشأن الوضوء (المائدة: ٦، النساء: ٤٣)، ومقدمة فرض الصلاة
باتجاه مكة (البقرة: ١٤٢–١٥٠)، وتقصير الصلاة عند الاقتراب من عدوٍّ (البقرة: ٢٣٩،
النساء: ١٠١–١٠٣)، وتعليق التجارة في أثناء صلاة الجمعة (الجمعة: ٩-١٠)، لكنَّ الأكثرَ
أهميةً الفريضةُ الجديدة المتمثِّلة في الصوم (البقرة: ١٨٣–١٨٥، ١٨٧)، وفَرْض الحجِّ
(خاصة البقرة: ١٩٦–٢٠٠، ٢٠٣)، وهو تقليدٌ مستعار من الممارسة الوثنية. وينبغي أن نذكُر
أيضًا التعليمات بشأن الأشهُر الحُرُم وتدنيسها، مع إلغاء الشهر النسيء (التوبة:
٣٦-٣٧)، وبشأن ما يحلُّ من الطعام وما يحرُم منه (النحل: ١١٤–١١٩؛ الأنعام: ١١٨–١٢١،
١٣٦–١٤٦؛ البقرة: ١٦٨–١٧٣؛ المائدة: ١–٥، ٩٣–٩٦، ١٠٣)، وتحريم الخمر (المائدة: ٩٠-٩١)،
وتفاصيل حقِّ القِصاص (الإسراء: ٣٣، الشورى: ٣٩–٤٣، البقرة: ١٧٨-١٧٩، النساء: ٩٢-٩٣)،
ولوائح بشأن الوصية (البقرة: ١٨٠–١٨٢، المائدة: ١٠٦–١٠٨)، وكتابة الديون (البقرة:
٢٨٢–٢٨٤)، وتحريم الرِّبا (آل عمران: ١٣٠، البقرة: ٢٧٥–٢٨٠)، وضرورة عقاب السارق بقطع
يده (المائدة: ٣٨). هناك عددٌ هائل من التعليمات، المفصَّلة إلى حدٍّ ما، بشأن فرض
الحرب ضدَّ غير المسلِم (الحج: ٣٨–٤٠، ٥٨-٥٩؛ البقرة: ١٩٠–١٩٥، ٢١٦، ٢٤٤؛ الأنفال:
١٥-١٦، ٥٥–٦٢، ٦٥–٦٦؛ محمد: ٤–٦؛ آل عمران: ١٣٩–١٤٨، ١٥٧-١٥٨، ١٦٩–١٧١؛ النساء: ٧١–٧٨،
٨٤، ٩٠، ٩٤–٩٦، ١٠٤؛ التوبة: ٥-٦، ٢٩، ٣٨–٤٩؛ المائدة: ٣٣-٣٤)، والحقِّ في الغنائم
(الأنفال: ١، ٤١، ٦٧–٦٩؛ آل عمران: ١٦١؛ الحشر: ٦–١٠)، وبشأن بنود الزواج
(البقرة:٢٢١–٢٣٧، ٢٤٠–٢٤٢؛ النساء: ٢–٦، ١٥، ١٩–٢٨، ٣٢–٣٥، ١٢٧–١٣٠؛ الطلاق: ١–٧؛
الأحزاب: ٤، ٦، ٢٨–٤٠، ٤٩–٥٩؛ المجادلة: ١–٤؛ التحريم: ١–٥؛ المائدة: ٥) وقوانين
الميراث (النساء، ٧–١٤، ١٧٦، ٣٣). ومن الناحية الأخرى، لا يحتوي القرآن على أيَّة
إشارةٍ إلي الإمامة، جوهر القانون الدستوري الإسلامي. لم تظهر الشروط العملية لهذه
المؤسسة إلا بعد وفاة النبي.
من المفاهيم بشأن محاربة الكفار، ينبغي أن نذكُر بشكلٍ خاص الآية ٣٩ من سورة الحج:
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ
اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، والآية ١٩٠ من سورة البقرة: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا
تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (مؤخَّرًا اعتُقد على
أساس هذه الآيات أنَّ الإسلام يؤيِّد الحروب الدفاعية فقط)، والآية ٥ من سورة التوبة:
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا
لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ
فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، والآية ٢٩ من سورة
التوبة (مقتبَسة في هذه الصفحة). تشكِّل الآيتان الأخيرتان أساسَ النصِّ على أنَّ
المشركين ينبغي أن يُرغَموا على اعتناقِ الإسلام بقوة السلاح، لكنْ على «أهل الكتاب»،
من الناحية الأخرى، أن يدفعوا الجِزية. من الأجزاء التي تشير إلى النساء، يشير بعضها
خاصة إلى زوجات النبي، (الأحزاب: ٦، ٢٨–٣٤، ٣٧–٤٠، ٥٠–٥٥؛ التحريم: ١–٥). وهذه الأجزاء
لم تعُد ذاتَ صلةٍ بالتشريعات اللاحقة. تتعلَّق الآيات الأخرى أساسًا بالزواج، وإلى
حدٍّ أبعد، مختلف طُرق تجنُّب الزوجات أو طلاقهن، ودعم المطلَّقات، ورضاعة الأطفال،
والزواج مرةً أخرى، ومسائل الحيض والمَلبس والاحتشام. رغم حقيقة أنَّ المؤمنين نبَّهوا
مرارًا وتكرارًا من ألَّا يحرموا النساء حقوقهن (على الأقلِّ حين يتجنَّبونهنَّ أو
يُطلِّقونهنَّ) وأنْ يعاملوهنَّ بالمعروف، ينبغي الاعتراف بأنَّ النصوص المرتبطة بذلك
تفترض مجتمعًا أبويًّا. الحقُّ في التجنُّب والطلاق يُحفظ من جانبٍ واحد، للرجال. هذه
«القوامة على النساء» (النساء: ٣٤، البقرة: ٢٢٨). … وَاللَّاتِي
تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ
وَاضْرِبُوهُنَّ … (النساء: ٣٤). بشأن نصِّ الآية ٣ من سورة النساء، وطبقًا
له، تسمح الشريعة الإسلامية بأنْ يجمع الرَّجُل بين أربع زوجات، سوف يقال المزيد فيما
يلي. ينبغي أيضًا ذِكر ملاحظةٍ خاصة بشأن الآية ٥ من سورة المائدة. وتسمح للرجال
المسلمين بالزواج من نساءِ «أهل الكتاب» (ولا تسمح بالعكس).
(٢٥) التطبيق القضائي
في ظِل هذه الظروف، كان من الصعب والمعقَّد جدًّا، بالنسبة للأجيال التي تلَتْ محمَّد
ومعاصريه، أن يضعوا مدوَّنة شرعية تلبي الاحتياجات العملية للمجتمع الإسلامي. ومن
المؤكَّد أنه تمَّ تبنِّي الكثير من نقاطِ القانون التوجيهي المحلي في العملية، لكنْ
بقدْرِ الممكن حاوَلَ رجال الشريعة استخدامَ القرآن أساسًا لقانونهم. وهنا، لم يكُن
المطلوب فقط ترتيبَ المادة ذات الصلة بشكلٍ منهجي؛ لكنْ، إذا تطلَّب الأمر، أن تكتمل
باللجوء إلى الحديث والقياس. إذا كشف النص عن تصريحات متناقِضة (أو متناقضة ظاهريًّا) ينبغي
أيضًا إقرارُ أيِّ الآيات المتعلقة بالأمر ينبغي اتخاذها أساسًا لحُكمٍ شرعي. هكذا، على
سبيل المثال، هناك أحكامٌ مختلفة بشأن شُربِ الخمر. في الآية ٦٧ من سورة النحل، تعلَن
الخمر بدون تحفُّظ بأنَّها من نِعَم الله؛ وتخبرنا الآية ٢١٩ من سورة البقرة بأنَّ
إثمها أكبرُ من نفعها. وفي الآية ٤٣ من سورة النساء، يُحظر على المؤمنين الصلاةُ وهُمْ
سُكَارَى؛ وفي الآيتَين ٩٠-٩١ من سورة المائدة، توصف الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، بأنَّها رجسٌ من عمل الشيطان على
المؤمنين أن يجتنَّبوه. وافترض (ربما بشكلٍ صحيح)
أنَّ الآيتَين الأخيرتَين، نزلتا بعد الآيات الأخرى، واستُنتج أنَّ الآيات السابقة
«منسوخة». في تفسيرات القرآن تطوَّرَ فنُّ التمييز بين «الناسخ» و«المنسوخ» إلى فرعٍ معرفي
متخصِّص. كان المزيد من البحث، في الترتيب الزمني لمختلف الآيات في القرآن، أساسيًّا
لتحقيق هذا الغرض.
أحيانًا يمكن القيامُ بتصحيحٍ ضئيل في النصِّ بإدراج حركاتٍ (لم تكُن موجودةً في
الهيكل الأصلي للصوامت)؛ لذا يوحِي ترتيبُ الكلمات في الآية ٦ من سورة المائدة بأنَّها
كانت في الأصل على النحو التالي: … إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا
بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ …، لكنْ على ما يبدو صار
من العادات المنتشِرة غسْلَ الأرجُل (لا مجرَّد المسح) بطريقةِ غسل الوجوه والأيدي.
لهذا أُدرجت فتحةٌ بدلًا من الكسرة لتصبح «وَأَرْجُلَكُمْ» كما تُقرأ الآن. السؤال بشأن
إنْ كان ينبغي غسل الأرجُل أو المسح عليها، صار خِلافًا بين السُّنَّة والشيعة.
حتى بدون تغييرات في النص، كان سوءُ التفسير واردًا. وهكذا، على سبيل المثال، أدَّى
نصُّ الآية ٣ من سورة النساء إلى سوء فهمٍ مميت؛ تأتي على النحو التالي: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا
طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا
تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا
تَعُولُوا، على أساس هذه الآية قد يُفترض أنَّ الدعوة إلى الزواج مثنى
وثلاثَ ورُباع يشير خاصةً إلى اليتامى اللائي كنَّ بأعدادٍ كبيرة بعد غزوة أُحُد
(٤ﻫ/٦٢٥م) ووجوب رعايتهن، لكنْ من المشكوك فيه أن كان التسلسل «مثنى وثلاثَ ورُباع»،
يعني تحديدَ الحدِّ الأقصى المسموح به في تعدُّد الزوجات (كما فُهِم عمومًا). وفي كلِّ
الأحوال، جاء الاستنتاج الخاطئ بالتأكيد من الاحتمال البديل للزواج من الجواري؛ أعني
أنَّ الرجل يمكن أن يتَّخذ عددًا غير محدود من المحظيات بالإضافة إلى الحدِّ الشرعي
الذي يصل إلى أربع زوجات. تيمةُ الآية ٣ من سورة النساء تتكرَّر مرةً أخرى في الآية ١٢٩
من السورة نفسها، وتوحي بتخفيفٍ مفهوم أنَّ الرجل يمكن أن يتزوج واحدةً فقط إذا اعتقد
أنَّه لا يستطيع أن يعدل بين اثنتَين أو ثلاث أو أربع؛ تقول الآية: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا
تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ …. استنتج
المفسرون المُحدَثون للقرآن خطأً من هذه الكلمات (إضافةً إلى الآية ٣)؛ أنَّ الزواج
الأُحادي شُرِّع بالفعل في القرآن.
كان من الطبيعي أنْ يسعد المشرِّعون المسلمون ورجال الدِّين بأيَّة آيةٍ من القرآن
يمكن الاستشهاد بها لحلِّ المسائل الشرعية. جمَعُوا بعنايةٍ كلَّ هذه الموادِّ وهُمْ
يضعون نظامهم الشرعيَّ الشامل، لكنْ حين نضع في الاعتبار أنَّ الظروف تغيرتْ عبْرَ
القرون في نواحٍ عديدة، حتى في العالَم الإسلامي، وأنَّ في العصور الحديثة صارتْ كلُّ
أنواعِ الإصلاحات واجبةً، لا يمكن إلا أن نعترف بأنَّ الحُكم على العلاقات الإنسانية
بنصوصٍ ترجع إلى ما يزيد على ١٣٠٠ سنة له عيوبه. صممتْ بعض النصوص الشرعية في القرآن
لتلبيةِ احتياجات مجتمعٍ أبوي قديم، ولا تتَّسق بسهولة مع حقوق امرأةٍ تكسب عَيْشها
(وأشياءَ أخرى) في مجتمعٍ حديث وواجباتها. وبشكلٍ مماثِل، يبدو تحريمُ الحصول على
فوائدَ قد عفا عليه الزمن بقدْرِ ما يتعارض مع التفكير الاقتصادي الحديث. يرفض بالطبع
كثيرٌ من المسلمين المحافِظين التفكيرَ في ذلك، لكنَّ السلطات التشريعية في بلادٍ
متنوِّعة بدأتْ بشجاعة، وإن يكُن بحذر، تخطو في مسارِ الإصلاح التدريجي. في تونس،
ناهيكَ عن تركيا، حرَّم قانونُ البلاد تعدُّد الزوجات تمامًا. ورغمَ أنَّنا لا نستطيع
مناقشةَ هذا الموضوع أكثرَ من ذلك؛ فإنَّه يستحقُّ على الأقلِّ أن يُذكر في السياق
الحالي.
(٢٦) الآداب
من النادر أن تحمل القواعد التي يحتوي عليها القرآن طابعًا قضائيًّا قويًّا. يتقيَّد
المؤمنون، بالطبع، بقواعد معيَّنة للسلوك، كما يؤمرون في كلِّ الأوقات بالاسترشاد
بالاعتبارات الخُلقية والدينية. وليس هناك تمييز حادٌّ بين الشرع والآداب. وهكذا،
مكتفين بالاستشهاد بمثالٍ واحد فقط، نقرأ في الآية ٤٠ من سورة الشورى بخصوص الحق في
القِصاص: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا
وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ … بعد ذلك صار هذا التشابُك بين التفكير
القضائي والديني أو الخُلقي مميِّزًا للتشريع الإسلامي. ومن الناحية الأخرى، هناك
سلسلةٌ كاملة من آيات القرآن لا تحتوي على أيِّ مضامين شرعية على هذا النحو، لكنها
تُناشد ضمائر المؤمنين، وهناك فقراتٌ أخرى تحثُّ على اتِّباع القواعد المعمول بها للذوق
والسلوك الطيِّب. مناشدات الضمائر والدعوة إلى مراعاة بعض قواعد السلوك المهذَّب، من
الصعب مرةً أخرى فصْلُها. الموقف الديني والخُلقي بوعيٍ يُعتبر أمرًا مسلَّمًا به في
كلِّ الأحوال. وفي هذه الفرضيَّة، حتى نصيحة الشاعر الأسطوري لقمان (لقمان: ١٢–١٩) يمكن
أن يتضمَّنها القرآن.
(٢٧) الفضائل الإسلامية، وحُسن الخُلق، وأمثال الحكمة
في مواضعَ كثيرة، لا نحتاج هنا إلى وضعَ قائمةٍ بها، يحثُّ القرآن على التحلِّي
بالفضائل التي تميِّز المؤمنين: النزاهة في إدارة أموال الأيتام، الإحسان للفقراء
والأيتام والمتسولين وغيرهم ممَّن يقعون في ضائقة، وأيضًا تجاه العبيد والأَسرى.
ويُطالَب المؤمنين بمراعاة النسبة المستحقَّة عند تقديم الهِبات. العباد الحقيقيون
للرحمن هم الَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ
يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (الفرقان: ٦٧). إذا لم يستطع
المرء تقديمَ أموال، يمكن على الأقلِّ أن يقول قولًا ميسورًا (الإسراء: ٢٨). وفي مواضعَ
مختلفة، هناك دعوةٌ لتكريم الأب والأم: إِمَّا يَبْلُغَنَّ
عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا
تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (الإسراء: ٢٣). ويتكرَّر
الأمر بالصبر باعتباره فضيلةً خاصة. «فصبرٌ [جميل]» كانَ شعار والد يوسف (يوسف: ١٨،
٨٣). وتكرَّر حثُّ المؤمنين على الوفاء بالالتزامات التي أخذوها على أنفسهم، وعدم الحنث
باليمين عند الشهادة، والوفاء بالكيل في معاملاتهم التجارية وردِّ الأمانات.
في الآيات ٢–٥ من سورة الحجرات يُنهَى المؤمنون عن رفع أصواتهم في حضرة النبي، كما
اعتادوا أن يفعلوا في الحوار بينهم، وألَّا ينادوه من وراء الحجرات. وبالطبع يرتبط
طلَبٌ من هذا النوع بحياة محمدٍ فقط. لكنَّ القواعد بشأن السلوك عند دخول منزلِ الغرباء
في الآيات ٢٧–٢٩ من سورة النور صالحة (إذا جاز التعبير) لكلِّ زمان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ
بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا
… فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا
تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا
… لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا
بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ …، ويميِّز الطبيعة
الخُلقية لهذه القواعد الإشارات في نهاية الآيات: ذَلِكُمْ خَيْرٌ
لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أو هُوَ أَزْكَى
لَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. تتكرَّر عبارات من هذا النوع في
الآيتَين التاليتَين (٣٠-٣١)، ويُطلب فيهما من الرجال أولًا ثم النساء غضُّ الأبصار
(بدلًا من التحديق في شخصٍ ما)، وأن يلتزمن بتغطيةِ عريهنَّ، مع تفاصيل أخرى تتعلَّق
بما يلائم النساء ومَلبسهن وحليِّهنَّ. ثمَّة ثلاثة أمثلة أخرى لقواعد الحياة اليومية،
صارت جزءًا لا يتجزَّأ من المدونة الأخلاقية الإسلامية، ولا تزال تُراعَى حتى اليوم:
الآيتان ٢٣-٢٤ من سورة الكهف: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي
فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ …،
والآية ٨٦ من سورة النساء: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ
فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا … التحية التي يُلقيها المؤمن
للآخَر هي: «السلام عليكم.» وتردُّ عادةً بردٍّ «أكثرَ كرمًا»: «وعليكم السلام ورحمة
الله وبركاته.» وأخيرًا الآية ٥٦ من سورة الأحزاب: إِنَّ اللهَ
وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. كلما ذُكر اسم محمد في محادثةٍ
أو نص، تُضاف عادة الصيغة «صلَّى الله عليه وسلَّم»، وفي النصوص المكتوبة تُختصر عادةً
إلى «صلعم» نتيجةَ التكرار.
أخيرًا ينبغي أن نذكُر بعض النصائح التي يمكن أن تسمَّى أمثالًا (انظر: الإشارات في
القسم عن القرآن أدبًا). يمكن تكثيف مغزاها في شِعار: «كن فطِنًا وحذِرًا.» نموذجًا
مأخوذًا من الأمثال القديمة، نتناول أولًا نصيحةَ لقمان لابنه: وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ
اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي
مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ
الْحَمِيرِ (لقمان: ١٨-١٩). وَلَا تَمْشِ فِي
الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ
طُولًا (الإسراء: ٣٧؛ قارن، غافر: ٧٥)، وَلَا تَجْعَلْ
يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ
مَلُومًا مَحْسُورًا (الإسراء: ٢٩)، وَلَا تَقْفُ مَا
لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ … (الإسراء: ٣٦). والأقوال مقصودةٌ في سياقٍ ديني
حدَّده الإسلام، لكنَّ محتواها، إن لم يكُن شكلها، له طبيعةُ المفاهيم الأخلاقية
العامة: لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ
إِلَّا مَنْ ظُلِمَ … (النساء: ١٤٨)، يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا
مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا
تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ … اجْتَنِبُوا كَثِيرًا
مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ
بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا
فَكَرِهْتُمُوهُ … (الحجرات: ١١-١٢)، وَعِبَادُ
الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ
الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (الفرقان: ٦٣؛ قارن، القصص: ٥٥؛ الفرقان:
٧٢؛ المؤمنون: ٣).