الفصل الثامن
عناصر القصص في القرآن
ﻫ. ت. نوريس، جامعة لندن
القدرة الخيالية للرمزية في الطقوس والأدب معروفة جيدًا. بين ديانات العالَم القديم،
كما
رأى روبرتسون سميث
Smith، احتلَّت الميثولوجيا مكانَ
العقيدة؛ «تأخذ المعرفةُ المقدَّسة للكهنة والشعب، إذا لم تكُن مجرد قواعد لأداء الأعمال
الدينية، شكلَ قصصٍ عن الآلهة؛ وتحمل هذه القصصُ التفسيرَ الوحيد المقدَّم للمفاهيم الدينية
والقواعد المقرَّرة للطقوس».
١ يبدو أنه لا يوجد شكٌّ في أنَّ الجزيرة العربية قبل الإسلام ينطبق عليها هذا
النمط العام، لكنَّ الإسلام، بيانًا لعقيدة التوحيد يتجاوز الرموز الشعائرية، رفَضَ هذا
النمط رفضًا جذريًّا؛ وبدَّله جذريًّا.
لكنَّ رسالةَ القرآن، في ضوء هذا المنظور، ليست قطيعةً هائلة مع الماضي كما تبدو
في
البداية. البقاء على الحج وشعائر الكعبة ومِنى وعرفات، قدَّم طقوسًا كانت تُحكَى حولها
القصص قبل الإسلام، ونُسجت منها الأساطير بعد الإسلام. ربما نستفسر عن أيِّها أتى أولًا،
السعي بين الصفا والمروة، أم قصة جري هاجَر بحثًا عن
الماء من أجل ابنها المهجور، إسماعيل، التفسير الإسلامي المقبول لهذا الطقس؟
قدَّم نص القرآن شخصياتٍ معقدةً ومتقاطعة لبشرٍ غير عاديين يحملون إمكانياتٍ رمزية.
كان
بعضها عربيًّا، وأخرى توراتية، والقليل من أصولٍ غير محدَّدة. لم يغِب النبي وأولئك الأشخاص
— بشرًا أو شخصيات خارقة، الذين سبقوه في الكشف عن الله — قَط عن آيات القرآن. افترض الأخير، بالرسم الحي والإيجاز الصارخ، في قرَّائه
الوعيَ بالقصص أو الأساطير أو ذكريات الأحداث الطبيعية، التي كانت موضعًا لوحي جديد أو
إعادةَ تفسير. إذا كانت هذه القصص غيرَ معروفة بشكلٍ كافٍ؛ فقد كانت مهمَّة المفسرين
تقديم
إيضاحات. كلما قُرأ القرآن على نطاقٍ أوسع، وكلما كان الجمهور الذي يستكشف نصَّه بإجلالٍ
عالميًّا أكثر؛ كان توضيح السرد القرآني وتقديمه أكثرَ ثراء.
يبدو القَصص القرآني في ثلاثة سياقات مختلفة. الأول
مجموعة حكايات شعبية عن إمكانيات دينية وخُلقية في الجزيرة العربية قبل الإسلام. يلمِّح
النبي لها، وكانت مألوفةً لمواطِنيه. ويصعب تحديد ذخيرةِ هذه القصص؛ لأن العديد منها
معروف
فقط بالإشارات إليها في القرآن نفسه. السياق الثاني في سياق نَص القرآن؛ الحكايات والقصص
فيه، تقدَّم لتحقيق هدفٍ معين. وإضافةً إلى ذلك، حدَّد أسلوب نثرها وظروف نزولها بشكلٍ
كبير، طريقةُ عَرض القصص وطولها وتفاصيلها. السياق الثالث سياق الإيضاحات المتعددة
للمفسِّرين في وقتٍ لاحق، بعد التسجيل النهائي لنص القرآن. وكثيرًا ما يكون الإيضاح أطولَ
من الإشارة القرآنية، ويصعب تمامًا الحُكم بما إن كان للتفسيرات علاقة بالحكايات في
الأصل.
المسح العام «للقصة» في القرآن، استدعاءٌ مفيد لمَن
يسعون لربط محتوياتها بتيارٍ من التيارات الحصرية للإلهام. قصص الأنبياء قبل الإسلام
والرجال والنساء في التوراة — رغم إعادة صياغتها أو تعديلها زمنيًّا — من المعروف أنها
سامية وهيلينية. ومن المستحيل أحيانًا التأكُّد تمامًا من موطن الأفكار الأصلية. في حالةٍ،
قد تبدو القصة حاخامية؛ وفي أخرى، يكون المصدر المسيحي السرياني أوضح. يبدو العديد منها
عربيًّا تمامًا، ترجع جذوره إلى الأحداث الصادمة أو الدوائر القصصية العالقة في الأذهان
من
الجاهلية، ومعروفة جيدًا لمختلف شعوب شبه الجزيرة
العربية.
الجزيرة العربية موضعٌ لقصص الكوارث الخارقة في القرآن: مدنٌ يدمِّرها الله بسبب
الكفر؛
يعمل الإلهي من خلال الكوارث الطبيعية. بشكلٍ يذكِّرنا بسدوم وعمورية، سيل العرم وفناء
سكان
إرم مثالان نموذجيان. يشكل الحدث الأول حجر الزاوية في الآيتين ١٥-١٦ من سورة سبأ. إنها
على
ما يبدو إشارة إلى سدِّ مأرب ومجمع السد في اليمن، الذي تعرَّض لسلسلةِ كوارث لأسباب
مناخية
أو اجتماعية أو سياسية. الانهيار الأخير للسدِّ كان معاصرًا تقريبًا لحياة النبي.
٢ وهو على ما يُفترض الفيضان المشار إليه في الآيتين:
لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ
يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ
وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ
الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ
وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ.
٣
ضمنَ القصص غير القرآنية التي تفسِّر هذه الكارثة، ربما الأكثر شهرة هاجسُ ظريفة،
التي
حذَّرتْ زوجَها الملكي من فأرٍ ينخر السد.
٤ ذهَبَ عمرو بن عامر ماء السماء ليرى إن كان حُلم الزوجة صحيحًا، وذُهل حين رأى
فأرًا يحرِّك صخرةً هائلة ينوء بحملها خمسون رجلًا؛ مقتنعًا بالهلاك الوشيك، قرَّر عمرٌو
الهروب. لتبديد الشكوك في نواياه، رتَّب مشاجرة عنيفة مع ابنه، أو يتيمًا تبنَّاه، على
مأدبةٍ في وجود أشراف مأرب. شاكيًا من الإهانة التي تعرَّض لها؛ تعهَّد ببيع أرضه ومغادرة
المدينة. وقبل أن يفعل ذلك حذَّر من فيضان وشيك. وكان هذا كافيًا لإقناع عددٍ كبير من
العائلات الحميرية لمرافقته.
إرم حكاية مختلفة تمامًا. نشكُّ في أنَّ النَّص القرآني مفصَّل بما يكفي لربطها بأيَّة
قصةٍ محددة. من الواضح أنَّ الآيات ٦–٨ في سورة الفجر أَلَمْ تَرَ
كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا
فِي الْبِلَادِ تشير إلى كارثة.
جادَلَ المفسِّرون والمؤرِّخون جدالًا محتدِمًا بشأن ما قد تشير إليه إرم، أو إلى
أي مكان
تشير، وكيفية قضاء الكارثة عليها. يرِدُ إرم اسمًا لقبيلة من عاد، وقد سكنوا شمال الجزيرة
العربية كما سكنوا اليمن.
٥ اقترح تقييم واقعي لابن خلدون (ت: ٨٠٨ﻫ/١٤٠٦م) بأنَّ كارثة حلَّت بالمجتمع
الحضري الثري، أو حتى مجموعة من البدو كانوا يعيشون في الخِيام،
٦ كانت الموضوع الحقيقي لهذا الدرس من الكتاب، وليس حماقة معينة.
لكنَّ تفسيره، صحَّ أو لم يصحَّ، كان متأخِّرًا جدًّا. في وقتٍ مبكر يعود إلى وهب
بن
منبِّه اليمني
٧ (ت: ١١٤ﻫ/٧٣٢م)، اعتبرت الآيات تلميحًا لمآثر شداد بن عاد، وهو فاتحٌ أسطوري
لبلادٍ بين المغرب والتبت. في المغرب شيَّد قصرًا فخمًا سمَّاه بعض رواة القصص «إرمَ
ذات
العِماد». وكانت الدار الرائعة مخزنًا للثروات. أرضها من الرخام الأحمر والأبيض.
٨ «وضعَ تحتها صهاريجَ وقنواتٍ تتدفق منها المياه إلى سد [مأرب].»
٩ بشكلٍ غريب تحذف هذه الحكاية ذِكرَ الصرخة التي نزلت من السماء، وكان يُعتقد
أنَّها دمَّرت شدَّاد وشعبه، وحوَّلت مكانه إلى مدينةٍ لا تراها العين. على العكس، مات
شدَّاد بن عاد بعد أن عمَّر خمسمائة عام. «حُفر له كهف في جبل شمام [شِبام؟]. ودُفن هناك،
وكلُّ ثروته موضوعة هناك».
١٠ هذه الثغرة، مع تجاهُل شدَّاد بن عاد بالاسم في السورة؛ تجعل من المشكوك فيه
إلى حدٍّ بعيد أنَّ الإشارة القرآنية الموجزة تشير إلى فانتازيا ربما تطورتْ في وقتٍ
لاحق.
يستدعي النبي، في السورة التي نحن بصددها، قصصًا كانت متداوَلة على نطاقٍ واسع وتدين
غرورَ الإنسان. وربما يكون من الجدير بالذِّكر، أنَّ فرعون «ذي الأوتاد» (تشير إلى التعذيب
الذي اقترفه أو إلى استقرار عالمه؟ تفسيرات كثيرة محتمَلة) يسمَّى «فِرْعَوْنَ ذِي
الأَوْتَادِ» بعد ثلاث آياتٍ فقط في السورة. إذا كانت «نظرية الخيمة» عند ابن خلدون هي
المقصودة، فمن المؤكَّد أن ربط الأوتاد ﺑ «بدو» إرَم تجنب الغموض. أملى سجعُ القرآن اختيارَ
الكلمات وأثَّر على الصورة. حيث كانت حكايات عاد وثمود ومصر الفرعونية تشكِّل مجموعةً،
رغم
تشوُّشها، قد تكون الإشارة العامة إلى تفاهة الطبيعة البشرية، التي تتمثَّل في الغرور،
هي
الرسالة الأساسية، لكنَّ المفسر أو القاصَّ كانت لديه إجاباتٌ لا تُحصى عن المكان الذي
فُرض
بشكلٍ غريب أو مُربِك.
إذا كانت الحكايتان مثالَين نموذجيَّين للإيجاز القرآني؛ فإنَّ رسالات هود وصالح
إلى عاد
وثمود، كشفت في سردٍ أشمل قليلًا، يبدو خاصةً أنه يقدِّم قصصًا عربية مختارة عن «الأنبياء»
١١ في الجزيرة العربية قبل محمد. ظاهريًّا يبدو أنهما تقعان خارج المسار العام
للوحي من إبراهيم مرورًا بموسى وعيسى إلى محمد نفسه. يوصف هود وصالح بأنهما «رسولان».
بُعثَا إلى مجتمعاتٍ من العمالقة أو يُشبهون سكَّان الكهوف. ومن غير المؤكَّد بحالٍ من
الأحوال، كيف كان ينظُر مواطني محمد حقًّا إلى «العرب»، على الأقل لُغويًّا. في حالةِ
هود،
تفترض روابط مباشِرة مع عِبْر (عابر) في سِفر التكوين (انظر: سورة يونس)، لكنَّها في
المقام
الأول مع حضرموت ما قبل التاريخ،
١٢ وبشكلٍ أكثر تحديدًا ضريح هود في «
قبر هود»،
تتداخل الإشارة القرآنية والقصة العربية الأصيلة بأقوى شكل.
يظهر هود، الذي تحمل اسمه السورة رقم ١١، في
سور:
الأعراف، ويونس، والنحل، والأحقاف، والحجرات أيضًا. أرسل إلى عمالقة عاد المغرورين الكفار،
الذين رفضوه فعُوقبوا بالجفاف ثلاث سنوات. وطبقًا للخرافات العربية — بعضها قبل الإسلام،
وأخرى من الواضح أنها في وقت لاحق — أرسل قومُ عاد وفدًا للصلاة في مكة. ظهرت ثلاثُ سُحب:
واحدة حمراء، وواحدة بيضاء، وواحدة سوداء. وكان على
قَيْل١٣ معيَّن، عضو في الوفد، أن يختار سحابة. اختار الأخيرة، فهبَّت عاصفةٌ دمرت قومَ
عاد باستثناء هود.
يظهر صالح في سور: الأعراف، وهود، والنحل. أرسله الله إلى ثمود، الذين خلفوا عاد.
يسكنون
الخيام في الصيف والبيوت الصخرية في الشتاء، رفض قوم ثمود بالمثل نصيحته. وكان برهان
دعوته
الإلهية ناقة خرجتْ من صخرة. حَرمَها هؤلاء الكفارُ من الطعام والمياه وأصابوها بالعرَج.
عقروا الناقة؛ فطلَبَ صالحٌ منهم، في غضبٍ، أن يختبِئُوا في بيوتهم ثلاثةَ أيام (هود:
٦٥).
وطبقًا للمفسرين، قال صالح إنَّ وجوههم سوف يتغيَّر لونها كلَّ يوم، في الأول إلى الأصفر،
ثم الأحمر، ثم الأسوَد. حدثت عاصفةٌ أو زلزال، وفي الصباح التالي استلقَوا موتى جميعًا.
تجنَّب صالح الدَّمار بالانتقال إلى فلسطين. التراث البدوي السيناويُّ يربط بينه وبين
قبرٍ
في شبه الجزيرة.
التكرار الثلاثي للأيام والسُّحب والألوان في قصتَي هود وصالح، يقدِّم وحدةً معيَّنة
في
التفاصيل، بجانب الوحدة الواضحة في التِّيمة، لكنَّ الوحدة الأساسية أكبرُ بكثير؛ تلمح
إلى
النموذج «النبوي» الأصلي، هود وصالح من النوع نفسه. في
قبر
هود صخرة «الناقة»، التي تنتمي بشكلٍ حقيقي إلى قصة صالح، الذي يقول
الحضرميون إنه يقع قُرب شِبام.
١٤ اقترح بالمر موسى نبيًّا نموذجيًّا أصليًّا، لكن قد يكون النموذج الأصلي أقدم.
١٥
بصرف النظر عن حقيقة صالح، الأحداث في حياة موسى نموذجٌ لعدَّةِ سِيَر قرآنية. في
قصص
القرآن يُحرَّض راءٍ نبويٌّ أحيانًا ضدَّ طاغيةٍ بابلي أو فرعوني بمساعدة فنون السِّحر.
وعرفت الجزيرة العربية قبل الإسلام قِصصًا كثيرة عن أبطالٍ فاقوا خصومهم دهاءً بالخوارق.
قدَّمت هذه المواجهة ذريعةً للمفسرين في وقتٍ لاحق؛ لإدخال قصصٍ غريبة وغرائب من خارج
الجزيرة العربية. يتَّضح الصراع بين الورع والطغيان، على سبيل المثال، في قصة إبراهيم
الشاب،
١٦ الذي ألقي؛ لأنه رفض عبادة الأصنام، في أتون نارٍ متَّقدة. آمَنَ الحاكم، نمرود،
١٧ الذي اضطهده، بعد أن رآه يُنقَذ بمعجزة. وسَّع المفسرون القصة في وقتٍ لاحق.
شيَّد نمرود، في نوبةِ زهو، بُرجًا ليصعَدَ إلى السماء. فشلت خُططه، لكنَّه استمرَّ في
تصميمه على الصعود في الجوِّ في صندوقٍ تحمله أربعة طيورٍ هائلة.
١٨ في النهاية سقطت «طائرته» على جبل. وهذا هو السبب، كما قال المفسرون، طِبقًا
للقرآن، في أنَّه ارتجَّ من أساساته.
١٩
في قصة القرآن عن موسى وبني إسرائيل، كان الطاغية فرعون. رأى المفسِّرون في وقتٍ
لاحق
أنَّه من العماليق، ربما من سلالة عاد.
٢٠ وكان هذا الارتباط العرقي مهمًّا؛ لأنها تدمج معظم قصص العقاب العربية في القصة
«التاريخية» غير العربية، وخاصة المصرية. هناك، على سبيل المثال، إحالةٌ مرجعية لنمرود،
يقارن بين الوزير هامان،
٢١ المستشار الشرير لفرعون، بهارون،
وزير موسى،
وأيضًا آصف، الوزير الحكيم لسليمان الذي هو، رغم المشاعر الإنسانية، المثال القرآني لعظمة
الإحسان والجلال. رغم القدْر الكبير من المادة المشتركة بين الكتاب المقدَّس والقرآن،
كان
هناك مجالٌ خاص للمفسِّرين لإلقاء الضوء على الأفكار العربية الأصيلة.
صارتْ عصا موسى، على سبيل المثال، موضوعًا لفتنةٍ غير محدودة عند المفسِّرين. حين
تحوَّلتْ إلى
جِنِّي في شكلِ حيَّةٍ قادرة على ابتلاع
الحجارة والأشجار. حين طُرحت أمام فرعون، لم تظهر حيَّةً عادية.
٢٢ كانت مشعِرة، وحين فتحتْ فمها كان فكَّاها أربعَ أذرع يفتكان. وحين وضعتْ
فكَّها السفلي على الأرض، وصَلَ فكها العلوي إلى قمَّة قصر عرش فرعون.
في الآيتين ٣٠-٣١ من سورة غافر
٢٣ أحبط خُطط فرعون لقتل موسى رجلٌ مؤمن من الشعب:
… إِنِّي
أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ٢٤ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ
وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ …. النبي هنا إمَّا أن يكون في ذهنه تحذيرُ جمهوره
العربي المعاصر فقط، كما في الآيتين، ومواضع أخرى من القرآن، يؤكِّد أهمية الخضوع بالكامل
للترتيب الزمني في القصص القرآني، أو، بشكلٍ بديل، يؤمن النبي ومعاصروه بأنَّ دمار عاد
وثمود سبَقَ رحيل بني إسرائيل من مصر، وأنَّ هودًا وصالحًا سبقا إبراهيم وموسى.
والصراع بين موسى وفرعون يتكشَّف، تتنبأ إشارات
كثيرة لقصص عن شخصيات سابقة أو لاحقة بالنتيجة الحتمية. يتكرَّر طموح نمرود لبناء بُرج
إلى
السماء في قصة إبراهيم في المواجهة بين موسى وفرعون. في الآيتين ٣٦-٣٧ من سورة غافر:
٢٥وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ
الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى
وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا … انتهت حيلة فرعون إلى فشلٍ متوقع. توسَّع
المفسِّرون في بُرج فرعون، كما فعلوا مع بُرج نمرود — البرج التوراتي في بابل — وحوَّلوه
إلى فنتازيا. يُفوَّض هامان بتوظيف ٥٠٠٠٠ رجل في بناء بُرجٍ وصَلَ إلى ارتفاعاتٍ لم يعُد
العمَّال بعدها قادرين على الوقوف عليه. صعد فرعون البُرج ورمى برمحٍ نحو السماء. بمجرد
أن
رأى هذا الرمح يصبغ بالدماء تباهى بأنَّه قتل ربَّ موسى، لكنَّ الله، عند غروب الشمس
أرسل
جبريل وبلمسة من جناحه هدم البرج. ودمَّر مليون رجلٍ من جيش الملك.
تكرار الرموز، مثل القصور والبُروج والسلالم والسدود والأنهار، وكهوف الكنوز، والطُّرق
على الأرض وفي السماء والبحر، والحبال، وأدوات القياس، والصراع بين التنانين والرجال،
والحيَّات والسَّحَرة؛ يوضِّح أنَّ روايات القرآن، كما توجد في نصِّه وبدون النظر إلى
التوضيح اللاحق، ممتدَّةٌ في مجموعة كاملة للأدب السامي والكوني الشرقي، كما يتمثَّل
على
سبيل المثال في النصوص الكاليسثينية المزيفة، وسِفر أخنوخ، والنصوص السريانية والفارسية
الأخرى.
٢٦
وهكذا لا يبدو غريبًا أن يظهر موسى في سورة الكهف. وهي ضمن أغنى السوَر في تقديمها
للقصص والأحداث البارزة. وربما كانت العداوة بين محمد
والرَّاويةِ النضر بن الحارث حافزًا. طبقًا لسيرة ابن إسحاق،
٢٧ كشفَت الدوائر الحاخامية في المدينة أنَّ اختبار نبوة محمد يمكن أن يوجد في
معرفته بقصة «أهل الكهف» وبشأن «رجلٍ بلَغَ مشارق الأرض ومغاربها». وربما أوحى الأخير
بالربط بين موسى وخادمه الشاب (يوشع أو طاهي الإسكندر)
٢٨ وخادم الله «الخضر» في علاقةٍ مبهمة بدون ذلك.
في نهاية العالم، حين يلتقي البحران (ربما يفسران بأنهما خليج السويس،
البحرين أو مضيق جبل طارق) فقد الخادم الشاب لموسى سمكة. وأدى
هذا إلى لقاءٍ بين موسى وخادم الله، ويقول المفسِّرون عادةً إنه الخضر.
٢٩ اختبر الأخير صبر موسى، الذي استمرَّ يسعى لفهم علمه. ثمَّ يقوم الخضر بثلاثة
أفعال غير قابلة للتفسير: أغرق سفينة بطاقمها، ثم ذَبحَ صبيًّا، وأخيرًا — بمساعدة موسى
—
رَفعَ جدارًا على وشك الانهيار؛ موبِّخًا موسى لإلحاحه في طلب تفسيرات منطقية. وفي النهاية
يقدِّم الخضر الإجابات:
أمَّا السفينة فكانت لمساكين [عشرة] يعملون في البحر … فأردتُ أن أعيبها … وكان وراءهم
ملِكٌ [كان كافرًا]
٣٠ يأخذ كل سفينة غصبًا. وأمَّا الغلام فكان أبواه مؤمنَين؛ فخشينا أن يُرهقهما،
يغشاهما، طغيانًا وكُفرًا … فأردنا أن يبدلهما به خيرًا منه زكاةً وصلاحًا وأقرب رُحمًا
[أو
جارية تزوجَّها نبي] … وأما الجدار فكان لغلامَين يتيمَين … وكان تحته كنزٌ لهما [من
الذهب
والفضَّة] … وكان أبوهما صالحًا. فأراد ربُّك أن يبلغا أشُدَّهما ويستخرجا كنزهما، المدفون
تحت الجدار. وما فعلتُه عن أمري، وإنما فعلتُه بأمر الله تعالى، ذلك تأويل ما لم تستطع
عليه صبرًا.
٣١
تقدَّم
السورة نفسها نسخةً مختصرة من ملحمة «ذي
القرنَين» (أي الإسكندر)، «مسَّاح الأرض». إدخال عناصر مستمدَّة على ما يبدو من أعمال
كاليسثينية زائفة، أمرٌ فريد في القرآن. ولا شكَّ أنه رغم الاستخدام الواسع لهذا اللقب
في
الشرق القديم، وفي أسماء السكَّان الأصليين وفي الحكايات المحلية في الجزيرة العربية
قبل الإسلام،
٣٢ فإن الإطار الأساسي
للقصص القرآني — رغم أنه
تخطيطي — مستمدٌّ من نُسخٍ سريانية أو يونانية لقصة
الإسكندر. تجاوُر حكاية موسى والخضر في السورة نفسها؛ قد يكون، إلى حدٍّ ما، من قبيل
الصدفة. لكنْ، حيث إنَّ نمط مآثر هذا البطل الكلاسيكي نُقل كتلةً واحدة إلى ملوك اليمن
على
أيدي القصَّاصين في وقتٍ لاحق؛ أصبح الخضر مماثلًا لفيلمون
Philemon، مستشار «ذي القرنَين». وهكذا صارت القصَّتان
اللتان تتشاركان في القرآن في سورةٍ واحدة، مقترنتَين بشكلٍ لا يمكن فصله في الأدب
الوثني.
لقصة الإسكندر في العربية تاريخ غامض. عاش مؤلِّفها المفترَض، عمارة بن زيد،
٣٣ في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري (حوالى ٧٦٧–٨١٥م). لكنَّ «تيجان» وهب
بن منبه، مبنيةٌ عليها إلى حدٍّ كبير. كان
القُصَّاص
والمفسرون يقتبسون قصة الإسكندر على نطاقٍ واسع. وكان كثير من
القُصَّاص محدِّثين أيضًا. المصادر العربية المكتوبة الإسلامية وغير
الإسلامية لدورة هذه القصة وغيرها في هذه الفترة، يؤكدها — على سبيل المثال — الشيعي
ابن
بابويه (ت: ٣٨١ﻫ/٩٩١م). ومن بين مَن يستشهد بهم عبد الله بن سليمان، الذي عاش مبكرًا
في
القرن الثاني/الثامن، وأكَّد أنه قرأ عن الخضر وذي القرنَين في «كتب الله»: القرآن، والكتب
المقدَّسة
لأهل الكتاب. وربما كان العراق مركزًا رئيسيًّا
لتبادل الأفكار والترجمات. ومن الجدير بالذِّكر، أنَّ النضر بن الحارث، منافس النبي في
هذا
السياق، تعلَّم أساطيره في الحيرة.
كان لدى الأمويين هاجسُ عالَم الآثار، في محاولة تحديد مواقع حملات الإسكندر، رغم
حقيقة
أنَّ القرآن لم يذكره بالاسم بشكلٍ قاطع. إنه ملك محارب، «مسَّاح الأرض»،
٣٤ يصِلُ إلى أقصى الغرب، حيث تغرب الشمس في عين دافئة وموحلة. وتأخذه خطواته إلى
سكان الكهوف في الشرق، وشمالًا إلى عالم يأجوج ومأجوج، حيث ينصب حاجزًا من الحديد والنحاس
بين جبلَين.
٣٥ هذه الإشارات القليلة كافية لدفع الأمير والقائد الأموي مسلمة بن عبد الملك (ت:
١٢٢ﻫ/٧٤٠م) إلى استكشاف مناطقَ مجاورةٍ لإقليم الجزيرة
(شمال العراق) وأذربيجان. وزار ما يعتقد أنها تحصينات الإسكندر ضد يأجوج ومأجوج (كما
ذكرت
في الآيات: ٩١–٩٧ من سورة الكهف) وكهف الظلام، كهف أهل الكهف (الكهف: ٥–٢٠).
كلُّ هذا النشاط، الأدبي والاستكشافي، مؤشرٌ على الفتنة الديناميكية للقَصص القرآني،
الذي
ألقى بظلاله على معاوية وخلفائه الأمويين. توضِّح أبحاثُ نابيا أبوت
Abbott، ودراسة البرديات الأدبية العربية، التكيفَ
والتطور الثقافي السريع في صدر الإسلام. تستنتج نابيا أبوت مبدئيًّا أنَّ «القرن التاسع»،
المفضَّل كثيرًا، ينبغي أن يُنسب للثامن الغامض والمهمَل كثيرًا بمقارنة النُّسخ الأدبية
العربية الأُولى من السريانية كتاب «آدم وحوَّاء»، واليونانية «قصة الإسكندر»، والبهلوية
«هزار أفسانة»، المعروفة بشكلٍ أفضل ﺑ «ألف ليلة والليالي العربية».
٣٦ وكما هي الحال بالنسبة للنص القرآني نفسه ومصدر رواياته، يستمرُّ النقاش بشأن
وجود نُسخ عربية قبل الإسلام للأنماط السريانية الأصلية لهذه الحكايات. تتَّضح الهيلينية،
بوصفها قوةً للأفكار التصويرية في العصر الأموي، في لوحات قلعة قصير عمرة في الأردن؛
حيث
رَسمَ أعداء الإسلام وسط شهوانية تجسيد الشِّعر والتاريخ والفلسفة والنصر وأندروميدا
Andromeda وكاسيوبيا
Cassiopeia. حتى كيوبيد بجناحَيه يحتلُّ موضعًا. تعكس
حكاية دفن آدم في «كهف الكنوز
Cave of Treasures»
التأثيراتِ العالميةَ على العقلية العربية المزدهرة.
وهكذا يغطي
قصص القرآن مجالًا من المواضيع أوسع بكثير
من الكوارث الصادمة أو الملاحم. هناك حكايات وقصص أرقُّ، بارزة في قصص عيسى، ابن مريم،
أو
يوسف ومغامراته في مصر. الأول،
المسيح، بجانب أنَّه نبيٌّ
ولدتْه عذراء، يُنقذ من الصَّلب بإعدام شبيهٍ له، ويُعلَن نذيرَ يوم القيامة وقاتلَ المسيح
الكذَّاب. تحدَّث في المهد (مريم: ٢٩)، وأحيا الميت، وأبرأ المريض ونَفخَ الحياة في طيورٍ
من الطين، بإذن الله (آل عمران: ٤٦ وما يليها، والمائدة: ١١٠ وما يليها). الشخصية البارزة
للمسيح معالجًا عاش بين أجمتَين، تتَّضح في إشارة تُنسب للنبي في
سيرة ابن إسحاق.
٣٧ عيسى كان النبيَّ الذي طلَبَ من الله أن ينزِّل مائدةً من السماء (المائدة:
١١٢–١١٥).
هنا في القرآن دليلٌ واضح يوحي بأنَّ النبي يعي أهميةَ طقوس القربان في المسيحية الشرقية،
إنْ لم يكُن بوظيفتها الدقيقة. تستدعي المائدة المسيحية المائدةَ الممدودة في المزمور
الثالث والعشرين، وتلمح إلى الأساطير المتنوعة للعالَم المسيحي بشأن البحث عن الكأس
المقدَّسة والصحبة المختارة للمائدة المستديرة. قيل إنَّ المائدة القرآنية بلون الدم
أو
الخمر. هبطت بين سحابتَين، بشكلٍ مماثل لوضع تجلِّي المسيح. وسع المفسِّرون بعد ذلك هذه
المعجزة الخاصة بالمائدة أكثر. تنوعت التقارير عن المؤن التي وُضعت عليها: تسع كعكات
وتسع
سمكات، أو خبز ولحم، أو فاكهة من الفردوس. أضيف بناءٌ منسوج من معجزات مستمدَّة من إطعام
خمسة آلاف، وتدمير خنزيرٍ جدارًا، إلى هذه الحادثة المفردة، لكنَّ بعض المفسرين كانوا
أكثر
بصيرةً أكاديميًّا ولم تجذبهم الصور أو الخيالات. في رأيهم أنَّ المائدة لم تهبط، ولم
تكُن
الفقرة القرآنية إلا أُمثولة.
أرسل الرُّسل إلى أنطاكية، ورجم هناك أحد أتباعهم، حبيب النجار (يس: ١٢–٢٨)، لكنَّ
سيرة
ابن إسحاق
٣٨ تنسب للنبي فضلَ انتشارٍ أوسعَ بكثير للتعاليم المسيحية بواسطة رُسله. مَن كان
عليهم القيام برحلةٍ قصيرة سُرُّوا وقبلوا، ومَن كان عليهم القيام برحلةٍ طويلة قبلهم
استاءوا ورفضوا أن يذهبوا. اشتكاهم المسيح لله. مزودين بنعمة الألسن، ذهب بطرس وبولس
إلى
روما، وذهب أندرو وماثيو إلى بلاد أكلة لحوم البشر، وتوماس إلى بلاد بابل، وفيليب إلى
قرطاج، ويوحنا إلى أفسس، مدينة «أهل الكهف»، وجيمس إلى القدس، وبرثولماوس إلى الجزيرة
العربية، وسيمون إلى بلاد البربر.
لا تزخر سورة يوسف بالقصص فقط، لكن يمكن أيضًا القول
إنها أجمل سور القرآن. تحتوي في متنها القصةَ التوراتية عن يوسف، وإضافةً إلى ذلك ثروة
من
اللمسات الحية تعطي نقطة إضافية، وتلقي الضوء على الحكاية. هناك، على سبيل المثال، الفاتنة،
زوجة المصري الذي اشترى يوسف، وصديقاتها، مبهورات بجَمال يوسف، قطَّعن أصابعهن بدلًا
من
الطعام الذي يأكلْنَه في مأدُبة. وتمَّ تتبُّع بعض هذه الإضافات في أصول هاجادية. على
سبيل
المثال، صراع العاطفة في قلب يوسف بشأن الفاتنة ودليل براءته. إذا كانت هذه السورة تتجاهل
الأسماء والعصور، باستثناء اسمَي يوسف ووالده يعقوب؛ فإنَّ الأساطير العربية التي تطورت
بناءً على السورة تقدِّمها.
يبدو أنَّ بعض هذه الأساطير نما مستقلًّا عن قرآن الهجادا. بجوار بيت يعقوب، شجرة
تبرعم
غُصينًا كلما وُلِد ابنٌ، لكنَّها لم تبرعم عند ولادة يوسف. جبريل، استجابةً لدعاء يعقوب،
يأتي بغُصين محمَّل بفاكهةٍ من الجنة. يوسف، وقد عامَلَه إخوته معاملةً سيئة وبعباءته
الممزَّقة، يعطيه جبريل عباءةً أخرى، العباءة نفسها التي حمتْ إبراهيم من حرارة الأتون.
الذئب الذي أتى به أخوة يوسف إلى يعقوب، يتحدث بمعجزةٍ ويعلن براءته. تخبرنا حكايات أخرى
عن
عدم ثقة يوسف في الحُب، الذي راكم عليه المصائب من كل نوع. يتمُّ إغراق تابوت يوسف في
النيل.
٣٩
من أبرز القصص القرآني زيارة ملكة سبأ لسليمان. وكان الأخير، بثروته التي لا تُحصى،
وخيوله، ومعرفته لغةَ النَّمل والمخلوقات الأخرى، وسيطرته على الجن والرياح؛ شخصيةً من
الخيال. وكانت جاذبيته عظيمةً للمخيِّلة الأموية التوَّاقة للماضي. ملكة سبأ — بلقيس
في
الحكاية العربية، رغم عدم ذِكر اسمها في القرآن — رسَّخت على الفور رابطةً بين القصة
التوراتية والذائقة شبه البدوية، وكانت بكلِّ الاحتمالات إثيوبية. قدَّمت علاقتها للقصاصين
اليمنيين والسوريين نموذجًا للزخرفة التصويرية.
عرفَت الأسطورة الشرقية القديمة الكثيرَ من علاقات الإغواء أو العلاقات الإيروتيكية
التي
حدثت خلال المياه والتعرية، سواءٌ كانت بالاستحمام، كما في الأسطورة السومرية عن إنليل
Enlil ونينليل
Ninlil؛
٤٠ أو بخلع ملابس عشتار (نينليل)؛ أو بالغسيل، كما في القصة التوراتية عن داود
وبثشبع؛ أو بالشرب، كما في النسخة الإثيوبية لقصة إغواء سليمان لماكيدا
Makeda. كان اختبار إيمان بلقيس، دخولَها إلى حضرة
سليمان، على صفحةٍ من الماء مغطاة بالزجاج. في الأسطورة العربية، لم تكُن بلقيس ملكةً
فقط
جاءت بخلافةٍ أبوية؛ بل ابنة أبٍ حمري، الهدهاد،
٤١ وأمٍّ كانت جنيَّة، وذات يومٍ غزالة أنقذها أبوها.
تقدِّم الآيات ٤١–٤٥ من سورة النمل الزوجَ الملكي. ينكشف وجودها لسليمان عن طريق
هُدهد
٤٢ أضلَّها الشيطان فعبدت الشمس. ترفض دعوةَ سليمان لها، لكنَّ عرشها يُنقل إلى
سليمان على الفور، ليس بواسطة
جِن شيطاني (يتطوع)، لكنْ
عن طريق عاسف،
وزير سليمان. تُختبَر الملكة. تدخل بلاط
سليمان، تظنُّ أنه لجَّة فتكشف عن ساقَيها المشعرتين. تتوب عن الكفر وتسلم نفسها
لله.
لا يؤكد القرآن الاعتقاد الشائع عن زواج الملكة من سليمان، وأنكر المفسِّرون المسلمون
في
وقتٍ لاحق أنها تزوجتْه. مقارنةً بالكثير من النسخ الشرقية، الإشارة إلى الحادثة موجزةٌ
وتضع الدروس الخُلقية في الصدارة. لكنَّ حقيقة أنَّ المساحة تخصَّص للمواجهة، وأنَّ
الشخصيتَين تلتقيان، حفزت التوسُّع في هذه القصة إلى
حلقات، ومن حلقات في النهاية إلى مادة للأعمال الأدبية؛ حيث ترتبط الأهمية الكبرى بعلاقة
هذا العاهل التوراتي بملكة عربية.
يوضح هذه العلاقة بشكلٍ كبير وهب بن منبِّه، على سبيل المثال
٤٣ زوجةً، أمًّا لداود (منيليك) ويربعام، انفصلتْ عن سيدها، ويُذكَر أنها كانت
تسكُن مأرب، مدينة الري في الكثير من القصص العربية. وهناك اعتاد سليمان أن يزور بلقيس
مرةً
في الشهر ويمكث معها سبع ليالٍ. يتمُّ ربط الري والمروءة رمزيًّا. ثم اعتاد سليمان أن
يقوم
برحلة في الأرض. وقد عيَّن جِنًّا للعمل عند بلقيس. علَّموا الفنون والحرف لأهل اليمن
الذين
حملوهم معهم في تَطوافهم. أمَرَ سليمان الريح، فحملتْه إلى الأحقاف، مكان دفْنِ «النبي»
هود. دخَلَ المقبرة وسلَّم عليه، ثم رحل ومرَّ على البحر، تدفعه قوى خارقة تأتمر
بأمره.
وهكذا كان هود — الذي يسبق سليمان بزمنٍ طويل — متفوِّقًا على الملك الحكيم، وهو نفسه
يرتبط نسبه بالآباء التوراتيين القدماء. في القصتَين الأخيرتَين وفي النَّص القرآني،
كما
لاحظنا، ارتباطٌ دائم، انتقائي ودقيق، لشخصيات أساسية يبشِّرون بالنبي نفسه.
للأحداث التي تشير في القرآن إلى بشائر ولادة النبي، أو وثيقة الصلة برسالته، دلالةٌ
خاصة
وقوة كامنة. وكان على الأدب المبكِّر
للسيرة أن يُدخِل
حكايات ذات صلة عن نبوءاتٍ للعرَّافين، مثل: شِقٍّ وسطيح، بوصفها جزءًا أصيلًا من محتواها.
وكان القرآن مصدرًا أساسيًّا. اعتُقد أن سورة الفيل، وهي من أقصر السور في القرآن، تروي
قصةَ «أصحاب الفيل» الإثيوبيين الذين أحبطهم الله وهم في طريقهم لتدمير الكعبة، وأرسل
عليهم
أسرابًا متتابِعة من الطيور
٤٤ أمطرت العدو بحبيباتٍ محروقة من الطين تشبه البازلاء والعدس، وجعلت القوة
الإثيوبية تشبه أوراقَ ذرةٍ تُلتَهَم. الحادثة التي نحن بصددها، «عام الفيل» هي، طبقًا
للحديث، في ٥٧٠ﻫ/٥٧١م، سنة ميلاد النبي. الحاكم والغازي الإثيوبي، أبْرَهَة، اضطر إلى
التخلِّي عن مشروعه التدميري، وجاء التدخُّل الإلهي بناءً على طلَبِ عبد المطلب، جَد
النبي.
وفي
السيرة يُقال إنَّ فيل أبْرَهَة، واسمه محمود، ركع
حين واجَهَ مكة، لكنَّه تقدم في اتجاهاتٍ أخرى.
٤٥
ثمَّة مخلوق آخر بارز أيضًا في قصة هجرة النبي من مكة
إلى المدينة (٦٢٢م). تقدِّم سورة العنكبوت مثل بيت العنكبوت، شبكته ضعيفة وهشَّة، مثل
الذين
يتخذون أولياء من دون الله. ومع ذلك، تروي الحكاية الشعبية الإسلامية أنه، والنبي يختبئ
من
مُطارِديه في كهف، غطَّى عنكبوتٌ فتحةَ الكهف بشبكته، مستعيدةً التراث اليهودي المتعلِّق
بداود حين فرَّ من شاول. ترتبط هذه الإيضاحات المحلية أكثرَ وأكثر بمحمد. وعِلم الدين
وعلم
الكونيات الإسلامي، يتابع المناقشةَ بشأن مكانته النهائية.
أعطتْ هذه المناقشة بشكلٍ خاص قصةَ
إسراء محمد مكانةً
بارزة بين القصص. سورة الإسراء، التي تتحدَّث عن رحلة النبي ليلًا من الكعبة و
الحرم في مكة إلى المسجد الأقصى (في القدس)، ليست
قصةً مثل، على سبيل المثال، قصة «أهل الكهف» في كهف أفسس، أو
قصةَ عزرا أو الخضر الذي نام، طبقًا لمَا جاء في الآيتَين ٢٥٩-٢٦٠ من سورة البقرة، قرنًا.
القصة التي لا تنطوي على أيَّة إمكانيات في سورة الإسراء تمَّ التوسُّع فيها إلى
معراج٤٦ سماوي للنبي، صعوده إلى السماء. بطرق لا تحصى، في تاريخٍ لاحق، ظهرتْ هذه
الحادثة باعتبارها الموضوع الأسمى للسرد وعلم الكونيات بشأن شخص النبي، لكنَّ عناصر القصة
تمَّ التبشير بها في نَص القرآن. كان الصعود إلى السماء للوصول إلى ربِّ موسى طموحَ فرعون،
أو مَن يرغبون في سماع صوتٍ سماوي (الأنعام: ٣٥، الطور: ٣٨). لم يكُن للقصص في القرآن
قيمةٌ
تعليمية فقط أو سلوى روحية للمسلمين الأوائل؛ كانت مخزنًا ثريًّا بالأفكار ذات الإمكانية
الدينامية للمفكرين المسلمين في كلِّ عصر وفي كل أرجاء العالَم الإسلامي.