صعوبة الاختيار السليم للموظفين المتميزين
أقدم لك فيما يلي ما أذكره عن أسوأ لحظاتي في اجتماع حضرته في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس في وقت ما من خريف عام ١٩٩٨:
«يمكنني أن أدرك لماذا تمثل قرارات اختيار موظفي المناصب العليا أهمية بالغة؛ ولماذا تؤثر تأثيرًا كبيرًا على أداء الشركة، وقيمتها، والحالة المعنوية داخلها.» هكذا تحدثت رئيسة تحرير هارفارد بزنس ريفيو، في محاولة لردِّي بلطف، ثم أضافت: «أُقر بكل ذلك، لكني أرى أن أغلب الشركات الآن يعرف جيدًا كيف يتخذ مثل هذه القرارات. لذا، أنا آسفة، لكني لا أدري كيف يسعنا المضيُّ قُدمًا بشأن المقترح الذي تقدمت به.»
كنت أعلق آمالًا عريضة على هذا الاجتماع، وكان المقترح الذي تقدمت به لكتابة مقال في المجلة حول قرارات اختيار الموظفين قيد القبول أو الرفض في تلك اللحظة، ولم يكن هناك مجال للاستئناف ولا للحصول على فرصة ثانية. في هذه اللحظة من الاجتماع، لم يعجبني ما سمعت.
في عام ١٩٩٨، اجتمعتْ لديَّ خبرة ١٢ عامًا كاستشاري في البحث التنفيذي، وقُدت الفريق العالمي للتطوير المهني في شركتنا لبعض الوقت؛ الأمر الذي ساعدني على إدراك مدى عالمية ذلك التحدي المتمثل في اتخاذ قرارات سديدة لاختيار أفضل الأشخاص.
في نفس ذلك الوقت، راح اهتمامي بالأسباب الجوهرية للفاعلية المؤسسية يتنامى بثبات، وصار هذه الاهتمام أكثر تركيزًا من ذي قبل؛ فقرأت مئات الكتب، والدراسات، والتقارير البحثية المتناولة لقرارات اختيار الأشخاص. كانت لديَّ قناعة حقيقية بوجود فرص هائلة للتحسُّن في هذه القرارات، وكانت لديَّ الرغبة في مساعدة الآخرين على استغلال تلك الفرص، عن طريق المساعدة المهنية التي تقدمها شركتنا أو من دونها. بدت الكتابة عن هذا الموضوع الطريق الواضح للوصول إلى هذا الهدف، واخترت أن أنشر مقالًا في هارفارد بزنس ريفيو بصفته أولوية أولى لي، باعتبارها دورية الأعمال الأقوى تأثيرًا في الولايات المتحدة الأمريكية.
كنت أعرف بالطبع أن هذه مَهمة شاقة؛ فمعدل قبول هارفارد بيزنس ريفيو للمقترحات غير الملتمسة كان ضئيلًا بدرجة لا تتعدى ٢ في المائة، وفي ذلك الوقت، لم يكن سبق لي، أن نشرت أي شيء في أي مكان، وكنت علمت مؤخرًا من صديق مخلص (تصادف أن يكون واحدًا من مؤلفي كتب الأعمال الأكثر مبيعًا حول العالم) العقبات التي اجتازها خلال الثمانية عشر شهرًا السابقة في العمل مع محرري المجلة لتهذيب مقاله وتعديل صياغته إلى أن نُشِر أخيرًا في المجلة.
عودةً إلى الاجتماع؛ بدأت رئيسة التحرير، التي حطمت آمالي، في البحث عن أسلوب مهذب لإنهاء الحوار، لكني — في صراعي من أجل بقائي كمؤلف — عدت بشدة وقلت بعبارة قوية إنني لا أوافقها إطلاقًا، وإن خبرتي العالمية تخبرني أنه حتى أفضل المؤسسات في العالم ترتكب جميع أشكال الأخطاء حين تتخذ قرارات لاختيار الموظفين.
لكنها لم تتأثر؛ فبدأت أستشهد بنماذج من خبرتي الشخصية وعلى الصعيد العام؛ لكن أيًّا من هذه المحاولات لم تفلح، وبدا واضحًا وضوحًا مؤلمًا أنني أغادر مكاني وأنا عاجز عن إقناعها بوجهة نظري؛ لذا غيرت التكتيك، وسألتها: «ماذا عن خبرتك الشخصية الخاصة؟ ماذا عن الوضع هنا، في هارفارد بيزنس ريفيو؟»
وكأنه مشهد من تلك المشاهد التي كنا نراها في أفلام هوليوود القديمة، حين تنقشع السحب، وينفذ شعاع الشمس، وتلتمع الأعين بالمشاعر. لقد لمستُ وترًا حساسًا!
كانت رئيسة التحرير شخصية ذكية حاصلة على ماجستير إدارة الأعمال مع مرتبة الشرف من أحد البرامج البارزة، وكونت خبرة مثيرة للإعجاب في شركة رائدة في الاستشارات الإدارية، وذلك قبل أن تلتحق بمجلة هارفارد بيزنس ريفيو. قبلتْ رئيسة التحرير التحدي، وبدأت تستعرض خبرتها الشخصية مع العملاء في شركتها السابقة، وخبرتها في المجلة، متأمِّلةً القصص غير المنمقة للشركات، وحتى القرارات المتعلقة بالأشخاص في المجلة ذاتها، تكاد تراها تقلب أوراقها القديمة داخل عقلها، وتوحي انفعالاتها المتغيرة بما تذكرته من مشكلات مزعجة كثيرة في جميع هذه السياقات. أدركتْ رئيسة التحرير أنه إذا كان هناك ذلك المجال الواسع لتحسين هذه القرارات في مثل هذه المؤسسات الراقية التي تتيح لها — نظريًّا على الأقل — أفضل أفكار في العالم بشأن الإدارة، فلربما لم تكن فكرة تقديم مقال عن هذا الموضوع بالغة السوء.
لكن بعدها طُرح السؤال الصعب الثاني، وخُيِّل لي ثانيةً أن بابًا صُفِع على أصابعي حين قالت: «يجب أن أسألك، هل تجيد الكتابة؟»
بدا السؤال طعنًا صريحًا في قدراتي على الكتابة؛ لكني ارتأيت أن تقديم إجابة صريحة هو أفضل الطرق، فاعترفت قائلًا: «لا، لا أجيد الكتابة. أنا، في الحقيقة، لست كاتبًا على الإطلاق. في الواقع، لم يسبق لي قَطُّ أن كتبت كتابًا، أو حتى مقالًا. واللغة الإنجليزية — كما قد تشي لكنتي — ليست لغتي الأم؛ لذا من الواضح أن محرري المجلة المرموقين سيلزمهم مساعدتي في الكتابة. لكن ما أملك تقديمه هو مزيج فريد من الخبرات، والمعارف، والخواطر المرتبطة بكيفية إحراز تحسُّن جذري في قرارات اختيار الأشخاص. وبالطبع، هذا إلى جانب شغفي بمساعدة الشركات على تحسين أدائها.»
اتضح أن الصدق مَنْجاة؛ فقد قالت إنها لم تُعجب بمقترحي فقط، حين أعادت التفكير، بل إن المجلة تفضل التعامل مع الكُتَّاب المستعدين لقبول تعديلات المحررين وتعليقاتهم. وتم قبولي!
انطلقت مغادرًا الاجتماع، منتشيًا بتلك الموافقة التي رافقت فوزًا صعبًا لا يتحقق إلا مرة في كل خمسين حالة. لكني في تلك المرحلة كنت أواجه مشكلة جديدة؛ إذ لم يكن لديَّ تصوُّر عما سأكتبه في هذا المقال الذي يبدو مستحيلًا. لم تكن المشكلة في غياب الأفكار (فقد كانت لديَّ في الواقع وفرة في الأفكار)، بل في الافتقار إلى هيكل ينظم تلك الأفكار.
بودِّي أن أزعم أن السر وراء هذا النجاح هو ملكاتي الكتابية الرائعة، لكنه سيكون مجانبًا للحقيقة. إن السبب الرئيسي لنجاح هذين المقالين هو أن موضوعهما كان ذا أهمية بالغة للجميع في المؤسسات المختلفة الأشكال والأحجام، ولم يكن ثمة مطبوعات كثيرة تتناول هذا الموضوع. (وللأسف لا يزال هذا الوضع قائمًا.) السبب الثانوي وراء هذا النجاح هو اختياري لهيكل جيد لتقديم أفكاري؛ فبعد عدة بدايات فاشلة، أدركت أنه ينبغي عليَّ استهلال المقال بما أسميته «الفخاخ»؛ أي الأسباب التي تجعل الوصول إلى أفضل الموظفين أمرًا غاية في الصعوبة.
- (١)
وقوف الاحتمالات ضدك.
- (٢)
الصعوبة الكامنة في تقييم المرشحين لمناصب معقدة مهمة بطبيعتها.
- (٣)
إخلال التحيزات النفسية القوية بالجودة المرجوة لعملية اتخاذ القرار.
- (٤)
الإضرار بهذه القرارات عند تقديم حوافز في غير محلها ووجود تضارب بين المصالح.
ملحوظة تحذيرية: صادفت مؤخرًا كتابًا يعدني أن أصير مستثمرًا ناجحًا كنجاح وارن بافت دون الحاجة إلى بذل أية دراسة ولا اكتساب أية خبرة. لا شك أن هذا، للوهلة الأولى، محض عبث؛ فلكي تصير بنجاح بافت، تلزمك مهارة بافت، وربما بعض من حظه. لكن من ناحية أخرى، يمكنك بالتأكيد أن تتعلم بعض المبادئ العامة؛ من أمثال: لا تضع بيضك كله في سلة واحدة، ولا تستثمر فيما لا تفهم، ولا تُعَوِّل على التحايل على السوق.
بالمثل، يقدِّم لك هذا الفصل مبادئَ عامة، ويدلك كذلك على مصادر أخرى يسعك مراجعتها لو أردت التعمق في المسألة. وآمل حين تصبح على دراية بالفخاخ المعتادة في طريق اتخاذ هذه القرارات ألا تكتفي بتجنُّب الكوارث، والإخفاقات الجسيمة، والإحراج، والفضائح، بل أن تبدأ أيضًا في الظفَر بعدد من المكاسب الصغيرة.
(١) وقوف الاحتمالات ضدك
لكن كما أشرنا سابقًا، يمكن أن يكون فارق الأداء المتوقع بين شخص عادي وآخر استثنائي، هائلًا بمعنى الكلمة. وغالبًا ما يضعف أداء الشركات التي تُعيِّن مسئولين تنفيذيين متوسطي الأداء، خاصة إذا قارنَّاها بنظيراتها القادرة على تمييز الأفراد الاستثنائيين وجذبهم وضمهم. ومن هنا تتجلى ضرورة تطويعك للظروف كي تصير في صالحك.
(٢) صعوبة التقييمات
المشكلة الثانية تكمن فيما يتسم به تقييم المرشحين لمناصب معقدة من صعوبة بحكم طبيعته. هذا صحيح لعدة أسباب؛ من ضمنها ما تخلفه التقييمات الخاطئة من تأثيرات ملحوظة؛ والخصائص الفريدة والمتغيرة لكثير من الوظائف؛ وصعوبة تقييم سمات غير مادية؛ وصعوبة الوصول إلى كثيرٍ من المرشحين. دعنا نُلْقِ نظرة على كل سبب على حِدَة.
(٢-١) أثر أخطاء التقييم
أحد أسباب شدة صعوبة تقييم الأفراد هو أن الأخطاء تتفاقم. برغم أن هذه نتيجة احتمالية مباشرة، فإننا سنتناولها بشكل مطول بعض الشيء لأن الكثيرين يَرَوْنها مُرْبِكة. كيف يمكن أن نواجه معدلًا مرتفعًا للخطأ مع أن أداءنا في التقييم لا بأس به، بل جيد جدًّا أحيانًا؟ الجواب هو أن تحقيق مستوًى عالٍ من الانتقائية صعب للغاية.
(٢-٢) وظائف فريدة
- (١)
ما المهارات والصفات المطلوبة حقًّا؟
- (٢)
ما الذي سيقدمه كل شخص في الواقع؟
نعم صحيح، المهارات اللازمة لبعض الوظائف تكون واضحة المعالم، وتتوفر لدى الشركة خبرة مهمة فيما يخص الخلفية والكفاءة المطلوبة لتحقيق النجاح في الوظيفة. ومن بين هذه الوظائف أشكال معينة من الأعمال اليدوية، كالكثير من الوظائف في بعض خطوط التجميع (لا كلها)، وكذلك بعض الوظائف المكتبية، بل إن بعض المناصب التي يشغلها كثير من حاملي الشهادات الجامعية المرموقة تتسم بالوضوح التام، وتتوفر لها تحليلات عميقة وثابتة تحدد الصفات المرتبطة بالأداء الناجح.
(٢-٣) وظائف متغيرة
مما يزيد الأمور تعقيدًا أن المناصب العليا ليس بها كثير من الاستقرار؛ إذ يمكن أن تشهد متطلباتها وأولوياتها تحولات سريعة نتيجة لتغيرات اقتصادية كلية، أو سياسية، أو تنافسية، أو تكنولوجية؛ أي، بمعنى أصح، المطلوب اليوم قد يختلف تمامًا عن المطلوب غدًا.
في مقالي «تعيينات بلا إقالات»، أشرت إلى مثال كان متصدرًا صفحات الجرائد حول العالم آنذاك، وهو قضية فرانكو برنابيه، الذي اختير حديثًا في ذلك الوقت لإدارة تيليكوم إيطاليا. كانت هذه الشركة عبارة عن مجموعة كبيرة حديثة الخصخصة تعاني من ضعف أداء أسعار أسهمها وتاريخ من الاضطرابات الإدارية. بدا بيرنابيه في ذلك الوقت الخيار الأمثل لهذا المنصب؛ فخلال الفترة من ١٩٩٢ إلى ١٩٩٨، أدار بيرنابيه تحوُّل شركة إي إن آي، وهي واحدة من أكبر شركات الطاقة على مستوى العالم، إلى شركة مساهمة عامة تحظى باحترام وافر وربحية عالية، وتحمل أيضًا إرثًا من الاضطرابات العنيفة في المستويات العليا. كانت مهارات بيرنابيه تعد في غاية الملاءمة للمنصب الجديد لدرجة أن سهم تيليكوم إيطاليا ارتفع بنسبة ٥ في المائة يوم أُعلِن عن تعيين بيرنابيه، أي إن القيمة السوقية للشركة ارتفعت بمليارات الدولارات بِناءً على سمعة بيرنابيه فقط.
لكن بعد شهرين فقط، شهدت وظيفة بيرنابيه تغيرًا جذريًّا؛ فقد تعرَّضت تيليكوم إيطاليا لمحاولة استحواذ عدائية من أوليفيتي كوربوريشن. في هذه المرحلة، لم يكن يهم تفوُّق بيرنابيه (مثلًا) في إدخال تغيير على ثقافة الشركة. كان بيرنابيه، في سبيل صد محاولات أوليفيتي، في حاجة إلى تحقيق تحسُّن سريع في النتائج المالية قصيرة المدى، وإجراء تقييم عاجل لقيمة عمليات الاندماج المركزية واللامركزية وتآزرها، بالإضافة إلى إقامة عقبات استثمارية وتِجارية معقدة على الفور أملًا في إجهاض عملية الاستحواذ.
لكن في النهاية لم يكن هذا كافيًا، أو ربما لم يكن بيرنابيه متعدد المهارات بما يكفي. نجحت أوليفيتي في الاستحواذ على تيليكوم إيطاليا، واستقال بيرنابيه بعد ستة أشهر فقط من تولِّيه منصبه الذي كان يبدو واعدًا يومًا ما.
(٢-٤) سمات غير مادية
حتى لو كانت الشركات تعرف بالضبط عمَّ تبحث، فإن تحديد ما إذا كان مرشح معين ملائمًا لتولِّي الوظيفة أمر مختلف بالكلية. عادةً ما تنتمي الكفاءات التي تتم على أساسها المفاضلة بين كبار القادة إلى مناطق غير مادية، وهي التي تفُوق في صعوبة تقييمها صفات كمستوى الذكاء العام أو المعرفة المتخصصة في مجال معين.
من أُوليات المرات التي أدركت فيها أن التجربة الناجحة في مجال ما ليست كافية كانت في إطار شركة اتصالات أيضًا، ولكن هذه المرة كانت في الولايات المتحدة الأمريكية. كانت الشركة تبحث عن رئيس تنفيذي لفرعها الجديد في أمريكا اللاتينية. لم يكن الفرع شركة ناشئة في حد ذاته، بل كان مشروعًا مشتركًا بين شركتين من الشركات المحلية المقامة بالفعل كانت الشركة الأمريكية قد اشترتهما. وكما يحدث غالبًا، عُيِّنَ الرئيسان التنفيذيان السابقان في مجلس إدارة المشروع المشترك وظلا من كبار المساهمين. اتفق مجلس الإدارة على أن الرئيس التنفيذي الجديد ينبغي بالتأكيد أن يمتلك خبرة في وضع الاستراتيجيات. كان السوق يزدحم؛ وكان لزامًا على المنافسين الجدد ترسيخ أقدامهم الآن وإلا فلن ينجحوا أبدًا في ذلك. ولأن المشروع الجديد كان يفتقر إلى أية خطة تسويقية تُذكر، كان يجب على الرئيس التنفيذي الجديد أن يتمتع بخبرة في مجال مبيعات وتوزيع المنتجات ذات التكنولوجيا العالية الحديثة. بِناءً على هذه المعطيات، بدأ البحث في نطاق عالمي.
بعد ثلاثة أشهر، اختار مجلس الإدارة رئيسًا تنفيذيًّا ذا خبرة واسعة بمجال الاتصالات عن بُعد، وكان يبدو وكأن المنصب قد صُمِّم لأجله؛ فقد أثبت نجاحًا باهرًا في إدارة شركة اتصالات في نفس القطاع، وإن كانت في منطقة مختلفة من العالم. وكان ناجحًا في وضع الاستراتيجيات (وقيل عبقريًّا) وخبيرًا تسويقيًّا أثبت جدارته. وكان يتفوق على المرشحين التسعة الآخرين في استيعابه للتكنولوجيا المستخدمة في الشركة ومنتجاتها وعملائها.
لكنه لم يُكمل عامَه الأول في إدارته للشركة، التي كانت كارثية بكل ما تحمله الكلمة من معنًى؛ فقد تبيَّن افتقاره إلى مهارتين في غاية الأهمية للوظيفة: الخبرة في التفاوض، ومراعاة الفروق بين الثقافات. وبالنسبة للنقطة الأولى — المفاوضات — كان الرئيس التنفيذي الجديد يعمل تحت رئاسة ثلاثة أشخاص تختلف أجنداتهم؛ فالشركة الأم في الولايات المتحدة الأمريكية كانت ترغب في استغلال الكيان الجديد للدفع بمنتجاتها وخدماتها إلى منطقة جديدة، بينما كان تركيز رئيس تنفيذي سابق — كان مساهمًا في الشركة أيضًا — منصبًّا على صافي الربح؛ حيث كان يرمي إلى مضاعفة الأرباح برفع الأسعار، في حين رأى الثالث ضرورة خفض الأسعار لإيمانه أن حجم المبيعات هو مِفتاح النجاح. وكان الرئيس التنفيذي الجديد حريصًا على إرضاء الجميع؛ الأمر الذي جعله في نهاية المطاف عدوًّا للجميع.
تفاقمت المشاحنات بين الأطراف نتيجةً للاختلافات الثقافية فيما يتعلق بأساليب التواصل؛ فالأمريكيون يميلون إلى المواجهة، بينما كان موظفو أمريكا اللاتينية معروفين بإظهار الاحترام للآخرين؛ لكن في العلن فقط، أما في الكواليس، فقد أوصل غضبهم وإحباطهم الشركةَ إلى حالة من الجمود. أما كبار المسئولين التنفيذيين فقد بدءوا يتركون العمل في الشركة بالجملة عندما وجدوا أنفسهم واقعين في منتصف خط النار بين القيادات المتصارعة. وسرعان ما لاحظ كبار الموزِّعين الشقاق الدائر؛ فهجروا المشروع المشترك، تاركين المسئولين عنه يبحثون عن مورِّدين آخرين لمنتجاته. وما إن أقيل الرئيس التنفيذي، بعد ما لا يزيد على ستة أشهر، حتى كانت الشركة قد بلغت حد الإفلاس تقريبًا.
لكن للقصة نهاية سعيدة؛ ففي غضون ستة أشهر، أعاد الرئيس التنفيذي الجديد الشركة إلى مسارها، بل أنعشها أيضًا. فبرغم افتقاره إلى الخبرة في مجال الاتصالات عن بُعد؛ فإنه كان مواطنًا ينتمي إلى الدولة التي يقع فيها مقر المشروع، وهي إحدى دول أمريكا اللاتينية، وكان معروفًا ومحترمًا وسط كبار مسئوليها. علاوة على ذلك، سبق أن عمل هذا الرئيس التنفيذي الجديد لمدة عشر سنوات في الولايات المتحدة الأمريكية؛ مما منحه رؤية نافذة استثنائية في استيعاب المسئولين التنفيذيين في الشركة الأم وكيفية التعامل معهم. لكن مِفتاح نجاح هذا الرئيس التنفيذي هو براعته غير المعتادة بحق في مد الجسور، والتي سرعان ما وحدت المشروع الجديد تحت مظلة استراتيجية واحدة.
تبحث الشركات عن كثير من الكفاءات عند تقييم المتقدمين للمناصب العليا، لكن بعضًا من أكثرها شيوعًا لا تتضمن فقط التوجه القائم على النتائج، بل القدرة على التعاون، وتنمية الآخرين، وقيادة فرق العمل، وإدارة التغييرات. لكن ما إن تُلقي نظرة على هذه القائمة، حتى تتخيل مقدار المصاعب التي تقف حائلًا أمام تقييم هذه السمات غير المادية، أو ما يسمى بالمهارات الشخصية، بأي طريقة معقولة.
واحدة من الطرق المتبعة لفهم هذه القضية هي أن نبدأ بالتقييم الذاتي. (إذا كنا بصدد تقييم أداء شخص ما، فالأجدر أن يكون نحن، أليس كذلك؟) لكن تبيَّن أننا كبشر لا نجيد ذلك، فحتى في المجالات التي يتوفر فيها تقييم منتظم وفوري وموضوعي (كالمجالات الرياضية مثلًا) يبلغ معامل الارتباط بين تقييماتنا الذاتية وقدرتنا الحقيقية حوالي ٠٫٥ (لو كانت تقييماتنا في تمام الدقة لكان هذا المعامل ١٫٠). السبيل إلى تقييم القوة التفسيرية لأية تقييم، من ناحية تقنية، هي أن تضرب معامل الارتباط في نفسه، وفي هذه الحالة ضرب المعامل ٠٫٥ في نفسه سيعطيك ٠٫٢٥؛ أي إن ٢٥ في المائة فقط من التباين في الأداء يُعزى إلى تقييماتنا الذاتية؛ مما يدل على افتقار كبير للغاية في الوعي بالذات.
لنتخيل الآن محاولة تقييم مهارات الآخرين الشخصية. بوسعك الآن أن تفهم سر صعوبة هذه المهمة!
(٢-٥) مرشحون بعيدو المنال
مما يزيد الأمور تعقيدًا أن كثيرًا من المرشحين للوظائف لا يتحملون أي نوع من أنواع التقييم الدقيق؛ فوقتهم ضيق؛ وعلى الأغلب يُبدون قلقًا زائدًا بشأن سرية العملية بِرُمَّتها. والنتيجة أن مشاركتهم في أية عملية تقييمية ربما تكون محدودة تمامًا.
تزداد هذه المشكلة خطورةً بالنسبة للمرشحين الذين لا يبحثون عن وظيفة جديدة. في وقت ما، معظم الأشخاص لا يكونون في حالة بحث فعلي عن وظيفة جديدة؛ الأمر الذي يوسع من انتشار هذه المشكلة، وقد يحد بشدة من قيمة البحث الخارجي عن المرشحين.
بل الأسوأ أن مشكلة الوصول إلى المرشحين تزداد طرديًّا مع ارتفاع الدرجة الوظيفية؛ فالطلاب الذين لم يتخرجوا بعدُ ويبحثون عن وظيفة لا تشغلهم عادةً مسائل السرية؛ إذ يُبدون استعدادهم لأداء جميع أنواع الاختبارات، ويُخضِعون أنفسهم لمقابلات قاسية، ويسمحون بالتحقق التفصيلي عنهم من خلال الاتصال بالجهات المرجعية. أما كبار المسئولين التنفيذيين، فعلى النقيض، نادرًا ما يتقبلون أي شكل مشابه من أشكال التقييم الدقيق، إما بسبب أجنداتهم المعقدة، أو رضاهم عن وظائفهم الحالية، أو قلقهم المشروع بشأن سرية العملية بأكملها، والتي قد تُلحق ضررًا فادحًا بحياتهم المهنية، بل ربما بسمعة الشركات التي يعملون بها في الوقت الحاضر.
(٣) التحيزات النفسية والفخاخ العاطفية
العامل الرئيسي الثالث الذي يَزِيد من تعقيد اتخاذ قرارات اختيار الأشخاص هو أن ثَمَّة تحيزات نفسية عديدة وقوًى أخرى تعوق إيجاد الشخص المناسب لأية وظيفة، وهذه التحيزات والقوى توجد داخل كلٍّ من الفريق المسئول عن التعيين والشركة على وجه العموم.
ثمة أسباب أساسية وراء هذه القوى. لقد تشكلت عقولنا وأجسادنا على مدار مئات الآلاف من سنوات التطور ولا تختلف هذه العقول والأجساد كثيرًا عن نظائرها في أسلافنا الذين عاشوا منذ ١٠ آلاف سنة وسط حشائش السافانا في قبائل شبه بدوية ومجتمعات قائمة على الصيد وجمع الثمار. يخبرنا المتخصصون في علم النفس التطوري أن التطور لم يستمر على الوتيرة ذاتها؛ فقد تغيرت مجتمعاتنا وحياتنا — بما تشمله من عمل ومؤسسات — خلال بضعة آلاف من السنوات الأخيرة، خاصةً في ضوء الإيقاع المتسارع للتغيير الذي شهدناه في القرن الماضي وفي العقود الحالية. لقد ساعدتنا عقولنا قديمًا على البقاء على قيد الحياة والتكاثر مدفوعة بالغريزة؛ لكن هذا الشكل من المعيشة تعرَّض للاندثار؛ لذا فعقولنا لا تتماشى مع تحدياتنا المعاصرة كما ينبغي.
تضم القائمة التي أعددتها للتحيزات النمطية ما يلي:
-
التسويف.
-
المبالغة في تقييم القدرات.
-
الأحكام المتعجلة.
-
الوسم.
-
تقييم الأشخاص على نحو مطلق.
-
البحث عن معلومات توكيدية.
-
حفظ ماء الوجه.
-
التشبث بالمألوف.
-
الارتكاز العاطفي.
-
سلوك القطيع.
سوف أُفرد قسمًا لكلٍّ من هذه التحيزات. دعنا أولًا نُلْقِ نظرة على مثال منتزَع من الحياة الواقعية يُبرز عددًا من هذه التحيزات.
برزت حاجة لدى شركة دولية عاملة في مجال التكنولوجيا إلى تعيين فريق ليتولى مسئولية خط جديد وهام للخدمات. تمَّت عملية البحث تحت قيادة الرئيس التنفيذي، الذي كان شريكًا سابقًا في شركة استشارات إدارية رائدة ثم التحق بالشركة حديثًا. قام الرئيس التنفيذي باستقطاب كلٍّ من أعضاء الفريق الرئيسيين بشكل مباشر، إما من خلال علاقاته الشخصية أو نتيجة لترشيحات مُقدمة من دائرة معارفه.
نتيجةً لتمسُّكه بالمألوف، عيَّن الرئيس التنفيذي عددًا من الاستشاريين الإداريين، وكانت قرارات تعيينهم مبنية على أحكام متعجلة، ولم تُجْرِ الشركة تحديدًا أي تحليل دقيق للكفاءات الضرورية، بل كان المرشحون يُعتبرون «مناسبين» بِناءً فقط على خلفياتهم الدراسية التي لا تَشوبها شائبة، وتاريخهم الوظيفي المتميز، ومظهرهم المثير للإعجاب، وما يتمتعون به من مهارات ممتازة في التحدث. لم يُبذَل جهد للبحث عن أية أدلة تعارض هذه المعطيات، سواءٌ بإجراء مقابلات مستفيضة معهم للتحقق من إنجازاتهم الحقيقية وتصرفاتهم في مواقف ذات صلة بالوظيفة أو بإجراء اتصالات مطوَّلة مع الجهات المرجعية خارج إطار الرسميات. بالإضافة إلى ذلك، لم يستخدم الرئيس التنفيذي الإطار المرجعي الملائم؛ فقد قارن المرشحين باستشاريين إداريين آخرين، بدلًا من مقارنتهم بمديرين يمتلكون قدرات مرتبطة بالوظيفة المعنية، والتي كانت تتطلب مستوًى متميزًا من المعرفة التكنولوجية إلى جانب مهارات بارزة في القيادة، والتشغيل، والتعاون.
عندما علم أعضاء مجلس الإدارة من المعلومات ما يكفي لبثِّ القلق في قلوبهم، كان الرئيس التنفيذي قد أجرى التعيينات بالفعل؛ ونتيجة لذلك، سرعان ما ظهر حفظ ماء الوجه ليلعب دوره. إن التراجع في القرارات سيتطلب مواجهة الرئيس التنفيذي، الذي عيَّنه مجلس الإدارة. هكذا لن يُضطر الرئيس التنفيذي إلى الإقرار بارتكاب خطأ فحسب، بل سيُضطر مجلس الإدارة أيضًا إلى الاعتراف بأنه ربما أخطأ في تعيينه لهذا الرئيس التنفيذي. لكن هنا أتى دور «سلوك القطيع» (تلك الغريزة البشرية للاختباء وسط القطيع وتجنُّب التميز عنه) ليعطل قرارًا بوقف الترشيحات، وهو القرار الذي لم يكن ليُكبِد خسارةً كبيرة حال اتخاذه في وقت مبكر. لكن الفريق عُيِّن والنتيجة كانت كارثية: أخطاء فنية فادحة، وحجم هائل من الاستثمارات المُبالغ فيها، وتوترات غير مقبولة في بقية المؤسسة؛ الأمر الذي أجبر الشركة في النهاية على إنهاء المشروع، وحل الفريق، وإقالة الرئيس التنفيذي. وكلها إجراءات كبدت الشركة مئات الملايين من الدولارات.
دعنا الآن نتناول بعضًا من هذه التحيزات بمزيد من الإسهاب.
(٣-١) التسويف
أتُمضي المقدار اللازم من وقتك في إدارة استثماراتك المالية؟ وهل تخطط لمرحلة تقاعدك عن العمل كما ينبغي؟ إذا كنت كأغلب الناس، فربما ستكون الإجابة بالنفي. تُظهر الأبحاث أننا نميل إلى التسويف عند مواجهتنا لمثل هذه القرارات.
(٣-٢) المبالغة في تقييم القدرات
من التحيزات النمطية أيضًا ذلك الاعتقاد بأن أولئك الذين نعيِّنهم في المناصب العليا أو نرقِّيهم إليها يتمتعون بكفاءات أكبر من كفاءاتهم الفعلية. السبب الأول وراء هذا التحيز هو أن التقييمات الذاتية الفردية — كما أشرنا سلفًا — عادةً ما تفتقر إلى الدقة افتقارًا شديدًا، كما تتسم بدرجة عالية من التفاؤل. أجرى اثنان من طلاب الدراسات العليا في جامعة بنسلفانيا (لورين ألوي ولين أبرامسون) منذ ما يزيد عن عَقدين تجربة رائدة، أثبتت أن الأشخاص المصابين بالاكتئاب يحكمون بدقة على حجم المهارات التي يمتلكونها، بينما الأشخاص الذين لا يعانون من الاكتئاب يَرَوْنَ أنفسهم على درجة من المهارة تفُوق تقييم الآخرين لهم.
لا ينتهي هذا النوع من تحيز الرضا عن النفس ببلوغ مستويات عليا من التعليم؛ بل في الحقيقة، يزداد سوءًا! فعلى سبيل المثال، يزعم ٩٤ في المائة من أساتذة الكليات أن مستوى عملهم فوق المتوسط، وتتضاعف ظاهرة «فوق المتوسط» أيضًا في عالم الأعمال؛ فكما ذكرنا من قبل، أُجريت دراسات على مئات المهندسين العاملين في شركتين تقومان على التكنولوجيا العالية، وكشفت عن أن ٣٢ في المائة من المهندسين في الشركة الأولى و٤٢ في المائة من نظرائهم في الشركة الثانية — أي أربعة من بين كل عشرة مهندسين — صنفوا أداءهم في فئة اﻟ ٥ في المائة الأفضل أداء بين كل المهندسين.
نحن إذن نواجه تحدي التعيينات بهذا الإحساس المتضخم بمهاراتنا في القيادة، ونقرأ أو نستمع إلى الوصف الذاتي لأشخاص واقعين تحت تأثير أوهام مشابهة. لا عجب إذن ألا تسير الأمور كما ينبغي أثناء عملية البحث عن الأشخاص!
هذا التحيز الذي يؤدي إلى المبالغة في تقييم القدرات مبني عادةً على افتراضين خاطئين. يقضي الافتراض الأول بأن الأشخاص قادرون على التغير بوتيرة أسرع وبدرجة أكبر مما يستطيعون في الواقع (وأن الشركة بوسعها بالطبع الانتظار حالما يتعلم هؤلاء الأفراد أثناء الوظيفة). أما الافتراض الخاطئ الثاني فمفاده أن ثمة ارتباطًا وثيقًا بين الدافعية لتقديم أداء جيد والقدرة الفعلية على ذلك؛ فالحقيقة البسيطة تشير إلى أنه حتى الأفراد الذين يتمتعون بدافعية عالية قد يفشلون فشلًا ذريعًا في حال إذا لم يملكوا المهارات، أو السمات، أو الخبرة اللازمة. لكن من المألوف بالنسبة لنا أن نرقِّي شخصًا إلى منصب ما بِناءً على شغفه القوي بهذا المنصب، دون بذل الجهد اللازم للتأكد من كفاءة هذا الشخص.
(٣-٣) الأحكام المتعجلة
إلى جانب ذلك، غالبًا ما نميل إلى إصدار أحكام متعجلة؛ فنحن لا نحسب الاحتمالات عادةً، وحين نحسبها، لا نُجيد ذلك كثيرًا. كما أننا معتادون على التصنيف الفوري للأشياء، بما فيها غيرنا من الأشخاص. تلعب الانطباعات الأولى دورًا رئيسيًّا في تقييمنا للأشخاص، ومثل ذلك يصدق على الشائعات والمعلومات المستقاة من مصادر غير مباشرة حول المرشحين لوظيفة ما. قد تؤدي معلومة واحدة سلبية أحيانًا إلى استبعاد شخصٍ؛ ربما — بالنظر إلى جميع الاعتبارات — هو المرشح الأفضل.
ومما يزيد الوضع سوءًا — كما أوردنا مسبقًا — أن أغلب المديرين والمسئولين التنفيذيين يعتقدون أنهم يتقنون تقييم الأشخاص واختيارهم، برغم افتقارهم إلى الاستعداد والخبرة وكذلك (في كثير من الحالات) برغم سجلهم الحافل بالأخطاء. كما أننا نعتمد — في أغلب الأحيان — على مؤشرات لا يُعَوَّل عليها، كالكاريزما التي يتمتع بها المرشح؛ للتنبؤ بأدائه المستقبلي. إن أحكامنا المتعجلة، بعبارة أخرى، فائقة التسرع لكنها قليلة الحكمة.
(٣-٤) الوسم
(٣-٥) تقييم الأشخاص تقييمًا مطلقًا
من التحيزات التي تقع كثيرًا تلك التي تشتمل على تقييم للأشخاص على نحو مطلق. من الأمور المألوفة جدًّا في مجال الأعمال خصوصًا، الثناء على الشخص وانتقاده بطريقة مُبالغ فيها، بل متطرفة؛ فنحن نميل إلى الإشارة إلى زملائنا بعبارات مطلقة، دون أخذ تلك الظروف التي يعملون في ظلها في الاعتبار؛ لذا نَصِف جيم بأنه «مدير متميز» بينما بيل «فاشل».
يبدو بديهيًّا أنك في حاجة إلى حد ما إلى تقييم أي مرشح حسب مقاييسه وفي ضوء ظروفه، وبرغم ذلك كثيرًا ما رأيت أشخاصًا يُجرون مقابلات مع مرشحين وفي جَعْبتهم مجموعة محددة من الأسئلة التي يطرحونها بغض النظر عن تفاصيل الموقف؛ تلك النوعية من الأسئلة التي تكره طرحها عليك كمتقدم للوظيفة، من أمثال: «ما نقاط قوتك وضعفك؟» أو «أين تريد أن تكون بعد خمس سنوات من الآن؟»
أعطني مثالًا لموقف استخدمت فيه نقاط قوتك الشخصية لصالح وظيفتك الحالية. ما الدور المحدد الذي أدَّيته؟ ماذا كانت ملابسات الموقف؟ ماذا فعلْتَ تحديدًا ولماذا؟ وماذا كانت النتائج؟
لديَّ المزيد لأضيفه فيما يخص أسئلة المقابلات وأسلوب إجرائها في الفصول اللاحقة، أما الآن فيكفيني أن أؤكد أنه حين يتعلق الأمر بقرارات اختيار الموظفين، لا يوجد كثير من الأحكام المطلقة؛ فكل شيء تقريبًا يخضع للنسبية، وتتمثل مَهمتك كجهة تسعى إلى تعيين الأشخاص في اكتشاف جودة أداء الشخص في سياق محدد، وأن تكتشف أيضًا ما إذا كانت خبرته تلائم سياق شركتك.
(٣-٦) البحث عن معلومات توكيدية
سوف تؤدي بنا عديد من التحيزات السابقة إلى المسارعة بتكوين انطباع مبدئي عن الفرد الذي نعمل على تقييمه. بوصولنا إلى هذه المرحلة الخطيرة، تتفاقم المشكلة حين نبدأ في السعي وراء إيجاد معلومات تؤكد ما نعتقد أنه صحيح بينما نغض الطرْف عن أية دلائل قد تُناقض استنتاجاتنا التي ما لبثنا أن تبنيناها.
تخيل أن هذه المتتالية المكونة من ثلاثة أرقام تتبع قاعدة معينة ومَهمتك هي التعرف على هذه القاعدة (واسن، ١٩٦٠). عندما تكتب متتالية أخرى من ثلاثة أرقام، سيخبرك مدرب ما إذا كانت المتتالية التي كتبتها تتبع القاعدة أم لا.
ما هي المتتاليات التي ستكتبها؟ كيف ستعرف حين تتوافر لك أدلة كافية لافتراض القاعدة؟ قدم المشاركون في دراسة واسن عددًا قليلًا إلى حد كبير من المتتاليات، وكانت متسقة مع القاعدة التي توصلوا إليها في النهاية. تضمن أغلب هذه القواعد: «الأرقام التي تزيد اثنين» و«الفرق بين أول رقمين يساوي الفرق بين آخر رقمين.» أما قاعدة واسن فكانت في الحقيقة أوسع نطاقًا: «أي ثلاثة أرقام تصاعدية.» يتطلب هذا الحل من المشاركين أن يجمعوا أدلة معارضة، لا مؤكدة. فمثلًا إذا فكرت أن القاعدة هي «الأرقام التي تزيد اثنين»، فعليك أن تجرب متتاليات لا تتسق مع القاعدة للوصول إلى القاعدة الحقيقية. إذا جربت متتاليات ١–٣–٥، و١٠–١٢–١٤، و١٢٢–١٢٤–١٢٦، وهكذا؛ فلن تؤدي بك إلا إلى الوقوع في فخ التوكيد.
لكي تقاوم هذا الفخ، عليك أن تبذل جهدًا خاصًّا لدَحْض فرضيتك المبدئية وأن تكون مُهيَّئًا لتجربة تلك التخمينات التي تبدو محل شك كبير وخارج الصندوق تمامًا.
يقف هذا الفخ وراءَ فشلِ كثيرٍ من المشروعات التي تبدو جيدة على الورق؛ إذ يتجاهل الناس علامات التحذير. كما أنها السبب وراء إخفاق كثيرٍ من التعيينات. إن الأمر يستلزم قدرًا هائلًا من الانضباط من أجل إجراء تقييم متعمق للمرشحين وفحص جميع الانطباعات الإيجابية والسلبية والبيانات بدقة للوصول إلى المؤهلات الحقيقية لكل شخص. كما أن دحض فرضيتك الأولية حول مرشح يبدو أمرًا غير طبيعي، لا سيما عندما يستغرق العثور على مرشح واعد وقتًا طويلًا جدًّا. لكنها عادة جديرة بالاكتساب.
(٣-٧) حفظ ماء الوجه
يُعد بول إيكمان، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا، مرجعية مرموقة في الأبحاث المتعلقة بالعواطف وأساليب التواصل غير اللفظية، وقد اشْتَهَر ببحثه الرائد عن الكذب. بِناءً على بيانات ومقابلات أجراها مع أطفال وبالغين، لخص بول في كتابه «نسج الأكاذيب» تسعة دوافع مختلفة للكذب:
-
(١)
لتجنُّب العقاب.
-
(٢)
للحصول على مكافأة لا مجال للحصول عليها بطريقة أخرى.
-
(٣)
لحماية شخص آخر من العقاب.
-
(٤)
لحماية الذات من خطر الضرر الجسدي.
-
(٥)
للفوز بإعجاب الآخرين.
-
(٦)
للتخلص من موقف اجتماعي محرج.
-
(٧)
لتجنُّب الإحراج.
-
(٨)
للحفاظ على الخصوصية.
-
(٩)
لممارسة السلطة على الآخرين.16
أعِدْ قراءة القائمة الآن في ضوء الحاجة إلى حفظ ماء الوجه بعد اتخاذ قرار خاطئ متعلق باختيار موظفين. يمكن لجميع هذه الدوافع — ما عدا الرغبة في تجنُّب الضرر الجسدي — أن تؤدي دورًا حين نبدأ محاولاتنا لإخفاء أخطائنا في اختيار الموظفين. وبرغم أن هذا قد يبدو رجعي الأثر بطبيعته (فمعنى «الإخفاء» يتضمن على كل حال الأخطاء السابقة)، فإن له تبعات مستقبلية قوية الأثر للغاية. كما كان الحال في مثال الشركة الدولية العاملة في مجال التكنولوجيا الذي عرضناه في أول هذا القسم، إننا لا نحبذ أن نكون أول من ينبه الآخرين إلى سوء اختياراتنا للأشخاص، في حال عدم ملاحظتهم لها بأنفسهم. بل الأسوأ أننا قد نحاول تبرير سوء اختيارنا للأشخاص لحفظ ماء وجوهنا، في حين أن الإقرار بالخطأ واتخاذ إجراءات بشأنه يمكن أن يمنع ضررًا أكبر، ويأذن بسرعة البدء بعملية تصحيح للأوضاع قبل فوات الأوان.
(٣-٨) التشبث بالمألوف
تنص القاعدة على أننا، كبشر، نحب أن نتشبث بما هو مألوف. حين نعيِّن أشخاصًا للعمل معنا، فإننا نتحدث عن «توافق جيد» بين المؤسسة والفرد، غير أن هذا كثيرًا ما يعني تعيين شخص يمثل ما هو مريح ومعتاد، بدلًا من البحث عن أفضل مزيج يجمع بين الكفاءة والتكامل. إذا فكرت في هذا الأمر بشكل منطقي، فستجد أن التكامل ينطوي بالضرورة على التنوع، وهو ما قد يعارض «التوافق الجيد».
يقدِّم هذا الشَّرَك تفسيرًا جزئيًّا لما يُجريه أغلب المؤسسات من ترقيات داخلية لتولِّي المناصب العليا، وعندما تتجه للبحث عن كفاءات خارجية، فإنها تسعى وراء المألوف؛ ولذلك نجد أن الاستشاريين السابقين كثيرًا ما يعيِّنون غيرهم من الاستشاريين، وغالبًا من نفس الكلية أو الشركة. لا شك أن التشبث بالمألوف يمكن أن يجلب الاستقرار إلى أية منظومة؛ لكنه قد يؤدي أيضًا إلى قصر النظر والانكماش على الذات؛ مما قد يشكل خطورة خاصة حين تبرز الحاجة إلى إجراء تغيير يتطلب كفاءات مختلفة تمام الاختلاف.
(٣-٩) الارتكاز العاطفي
إننا جميعًا عُرضة للوقوع فريسة لظاهرة تسمى الارتكاز العاطفي: تقييم المرشحين لوظيفة بعينها بمقارنتهم بشخص آخر مألوف لنا (أو بمقارنة بعضهم ببعض) بدلًا من تقييمهم بِناءً على ميزاتهم الشخصية. لعل أشد حالات الارتكاز العاطفي تلك التي يمر بها المحب المهجور الذي يصر على تقييم كلِّ من يتعرف عليهم حديثًا بوضعهم محل مقارنة مع النموذج المحال لحبيبته التي فارقته؛ ثم لا يجد من يرقى إلى هذا النموذج. يُخفق الشخص الواقع تحت تأثير هذا التحيز في رؤية الأفراد وفقًا لظروفهم والمواقف وحسب ما هم عليه.
من المشكلات المرتبطة بهذا الفخ هو تأثير التوالي، وهو الميل إلى تذكر التجارِب الأولى والأخيرة في أي تسلسل من التجارب على نحو أفضل من بقية التجارِب؛ لذلك عندما نُجري سلسلة من المقابلات، فمن المرجح أن انتباهنا الأكبر سيذهب لأول وآخِر مرشحَيْن، أما الباقون الواقعون في المنتصف فسينتهي بهم الحال إلى أن نراهم دون المستوى.
إن قرارات اختيار الموظفين ينبغي ألا تقع رهينة لمُثُل غير ممكنة أو مصادفات توالي الأحداث، وعلينا أن نحترس من الوقوع في خطأ التعسف عند اتخاذ قرارات اختيار الأشخاص.
(٣-١٠) سلوك القطيع
وأخيرًا، كثيرًا ما نقع في ذلك الفخ النفسي المسمى بسلوك القطيع. تصوَّر قطيعًا من الغزلان أو الظباء. إذا كنت فردًا من هذا القطيع، فإن أكثر المواقع أمانًا هو المنتصف؛ فالغزال الذي يوجد في أطراف القطيع غالبًا ما يقع فريسة للضواري.
حين ننضم إلى القطيع، نقلده، ونتبع الأغلبية بدلًا من التصرف كأفراد مستقلين. ربما يكون ذلك بدافع الخوف — كما أشرنا سابقًا — أو الرغبة في أن نكون جزءًا من الفريق، أو حتى الكسل. ومهما كانت الدوافع، فإن الظاهرة أثبتت شيوعًا مذهلًا. بل إنه حتى المسئولين التنفيذيين ذوي النفوذ (الذين ليس لديهم ما يخشَوْنه، ويتقاضَوْن رواتبهم لتولِّي زمام الأمور والتصرف بحزم) أحيانًا ما يصيبهم التردد بشأن التعبير عن رأيهم حول مرشح ما بما يخالف آراء زملائهم.
فكر في تلك المشاعر المتضاربة التي نُكِنُّها للمبلغين عن المخالفات داخل المؤسسات، الذين — بطبيعة الحال — يخرجون على القطيع، وتأمَّل الحالات التي ظهرت حديثًا لمؤسسات كاملة ضلت طريقها؛ سيتضح لك أن سلوك القطيع لعب دورًا بدءًا من ورشة الإنتاج وانتهاءً بمجلس الإدارة.
(٣-١١) التخلص من التحيزات
لقد استعرضنا عشرة من التحيزات النفسية والفخاخ العاطفية التي غالبًا ما تعوق عملية اتخاذ القرار وتضر بقرارات اختيار الأشخاص. إن مقاومة هذه التحيزات قلَّما تتسم بالسهولة، غير أن ثمة استراتيجيتين قد تساعدان على بلوغ هذا الهدف:
-
(١)
بناء الوعي.
-
(٢)
وجود المستشارين المناسبين داخل المؤسسة وخارجها.
تفكَّر في حالة واقعية لشركة ضخمة لتجارة التجزئة كانت (حين تعاقدنا للعمل معهم) تملك عدة منتجات في كثير من القنوات التي تتراوح بين محلات السوبرماركت والمتاجر الكبيرة متعددة الأقسام. كانت الشركة تعاني من اختلاط هائل بين المنتجات؛ ومن ثَمَّ خسارة حصتها في السوق؛ لذلك قررت الشركة أن تُرقِّي المدير المسئول عن قسم محلات السوبرماركت ليصير رئيس الشركة التنفيذي؛ لاعتقادها أنها في حاجة إلى متخصص في تجارة التجزئة لحل مشكلاتها، إلا أن أداءه كان كارثيًّا بمعنى الكلمة؛ نظرًا لاقتصار خبرته على قناة واحدة من قنوات تجارة التجزئة وهي محلات السوبرماركت؛ لذا فقد اقتنع في النهاية بالتقاعد المبكر.
أجرت الشركة — وإن كان ذلك متأخرًا — تحليلًا متعمقًا لتحديد التحديات الاستراتيجية، والأولويات الإدارية، وأهم الكفاءات المطلوبة. وبناءً على تلك المواصفات، أفاد بحث تنفيذي لاحق بأن أفضل شخص لتولِّي الوظيفة هو المرشح «أ»، الذي اتضح أنه لا يملك خبرةً تُذكر في قطاع تجارة التجزئة.
عارضت هذه النتيجة عدة قوى راسخة؛ فالتشبث بالمألوف كان يدفع باتجاه ترقية شخص من داخل الشركة، أو على دراية تامة بالقطاع على الأقل؛ اتباعًا للتقليد السائد على مدار تاريخ الشركة كله. إلى جانب ذلك، واجه رئيس مجلس الإدارة — المؤيد للترشيح — معارضة قوية من عدة أعضاء في مجلس الإدارة والمسئولين التنفيذيين الداخليين، وقد تعاظم ميلهم إلى التصرف كجزء من القطيع بفعل التغطية الإعلامية الواسعة التي ما فتئت تُشكك في الحكمة من وراء مثل هذا الترشيح غير التقليدي.
ولاختصار هذه القصة، جرى التصديق في النهاية على هذا الاختيار الذي أثار جدلًا واسعًا، وعُيِّن الشخص، وأثبت نجاحًا كبيرًا في إدارة الشركة المعقدة متعددة المشروعات التِّجارية؛ ويعزى ذلك إلى حد كبير إلى نهجه المُركَّز والبسيط في الإدارة. لقد ارتأَى هذا الشخص أن دوره هو إدارة مجموعة من مشروعات التجزئة، ولديه الآن متخصصون في تجارة التجزئة على أعلى مستوى يديرون كل واحد من هذه المشروعات. وقد ازدهرت الشركة بعد عَقد من التراجع.
استطاع رئيس مجلس الإدارة — بفضل أدائه لعمله داخليًّا واستغلال الموارد الخارجية بحكمة — أن يتغلب على مجموعة كاملة من التحيزات والفخاخ، ويوسع من نطاق الخيارات المتاحة أمام الشركة. وكانت النتيجة استقطاب مرشح يتمتع بخبرة عامة واسعة النطاق، نجح في تقمص دوره الجديد بسلاسة كما تنزلق الكف في القفاز المناسب.
(٤) الحوافز غير المناسبة والتضارب بين المصالح
ناقشنا إلى الآن ثلاثة أنواع من العوامل التي تَعوق قرارات اختيارك للأشخاص: الاحتمالات الإحصائية، والتقييمات الصعبة، والتحيزات النفسية. وسوف نركز الآن حديثنا على آخر العوامل التي تضر بهذه القرارات، وهو وجود حوافز غير ملائمة وتضارب بين المصالح. يمكن أن تصدر هذه العوامل من ظروف المرشحين أو حتى من الضغوط السياسية القوية داخل المؤسسة.
(٤-١) ظروف المرشحين
أول نوع من الحوافز الخبيئة التي قد تقوِّض قرارات اختيار الموظفين هو المجموعة الكاملة التي أُطلق عليها اسم «ظروف المرشحين».
خلال نشأتي الكاثوليكية الصارمة نوعًا ما، تعلمت أن سلوكنا ينبثق من قيمنا وقدرتنا على التمسك بتلك القيم. ما توصلت إلى إدراكه — من خلال ما مررت به من خبرات شخصية وما أجريته من تحقيقات مهنية — هو مدى التأثير الذي تخلفه ظروفنا الشخصية على سلوكنا. إننا كبشر نحاول التمسك بالقيم المطلقة، لكننا في الواقع مؤمنون بدور النسبية والظروف. وما نتبناه من أفكار ومواقف يتحدد حسب ظروفنا وأوضاعنا في الحياة.
متى أعمل في مهمة بحث، أحاول حقًّا أن أتفهَّم الظروف الفردية المطروحة أمامي؛ وذلك في سبيل تصحيح الحوافز الخاطئة واستبعادها. من المرجح عادةً أن شخصًا بلا وظيفة وفي حاجة إلى عمل سوف يستنتج في عجلة أن صاحب عمل معين أو منصب معين ملائم له تمامًا، وأنه بالطبع الشخص الوحيد المؤهل للفوز بهذه الوظيفة.
وعلى النقيض، يتبنى الأفراد الراضون بوظائفهم موقفًا يميل أكثر إلى النقد (والموضوعية) تجاه أي بديل جديد مطروح، كما يشعرون بمزيد من التشكك فيما يخص مؤهلاتهم لأداء الدور الجديد المقترح.
أجرى عالمان نفسيان (جون دارلي ودانيال باتسون) من جامعة برينستون تجربة أخرى مقلقة للغاية. استعان الباحثان بمجموعة من طلاب المدارس الدينية ليُجروا عليهم الدراسة. افتعل الباحثان موقفًا يصادف فيه هؤلاء الطلاب رجلًا ملقًى على الأرض في ممر، يسعل ويتوجع وهو خافض الرأس ومغمض العينين. كان السؤال محل البحث، من سيتوقف ويساعد؟ لم يتوقف من بين الطلاب العشرة الذين كانوا في عجلةٍ لحضور موعد سوى واحد، بينما توقف أكثر من ستة طلاب من بين العشرة الذين لم يكن أمامَهم ما يتعجلون لأجله. لذلك، فنفس المجموعة من الأشخاص، ممن تتشابه خلفياتهم ودوافعهم العامة، تصرفت على نحو مختلف تمامًا بِناءً على عامل تمييزي واحد: هل أنا متأخر؟
من الواضح أن ما تشير إليه هذه الدراسات والتجارب (وغيرها الكثير) هو أن أشياء كالأمانة والرحمة ليست سمات بشرية جوهرية ومطلقة ومضمونة، وأننا حين نتعرض لضغط شديد، قد تصدر منا تصرفات ليست مرفوضة اجتماعيًّا وأخلاقيًّا فقط، بل تُناقض قيمنا الراسخة. هل لهذه الحقيقة البغيضة أي تأثير على عمليتَي البحث عن الوظائف واختيار الموظفين؟ بالتأكيد.
ألم يسبق لك أن نجحت أخيرًا في شراء ما تطلَّعْتَ إليه دائمًا (تلك السيارة، أو المنزل، أو القارب، أو المزرعة) لتفقد بعدَها بعضًا من الإحساس بالجدوى في حياتك وتشعر بسعادة أقل بكثير من ذي قبل؟ إذا استقرأنا دلائل ذلك في سياق البحث عن وظائف؛ فسنجد أن أغلبنا لا يجيد استشراف المستقبل ولا تصوُّر كيف قد تبدو حياتنا الجديدة في ظل وظيفة جديدة. ربما نبالغ في التركيز على الإيجابيات أو السلبيات؛ لكن يستبعد أن يصح تقديرنا للموقف.
حسبما أشارت إليه أبحاث ذات صلة، فإن المشكلة الثانية التي تطرحها ظروف المرشحين هي أننا نُحجم عن المجازفات حين تكون أوضاعنا على ما يُرام، أما حين نواجه وضعًا متأزمًا؛ فإننا نقدِم على تحمُّل المجازفات الخطيرة؛ فعندما نقع تحت ظروف بائسة اقتصاديًّا وعاطفيًّا واجتماعيًّا، لا نبالي بقبول وظيفة تفُوق إمكانياتنا، ليس فقط لأنه ليس لدينا ما نخسره (وهو ما يكاد يكون غير صحيح على الدوام)، بل لأننا نشعر كأن المخرج الوحيد من هذه الظروف هو تحقُّق ضربة حظ كبيرة لنا.
نظرًا لجميع هذه الأسباب، علينا أن نبذل جهدًا خاصًّا لفهم ظروف أي مرشح لوظيفة، وأن نستعين بهذا الفهم لاستبعاد دعاوى الجدارة المُبالغ فيها، وكذلك لرفض التقييمات التي تُغالي في نقد الذات. إننا نحتاج إلى تمييز واستبعاد المقامرين والمستهترين والمخاطرين الذين يشعرون أنه ليس لديهم ما يفقدونه؛ إذ هناك كثير مما يمكن أن يفقدوه، بما في ذلك سمعتهم؛ لذا فإن تجنُّب الضرر مفيد لكلٍّ من صاحب العمل والموظف المستقبليين.
(٤-٢) الضغوط السياسية
خلافًا لمشكلة الحوافز السابقة، يقع النوع الثاني من مشكلات الحوافز بالكلية داخل المؤسسة وأصحاب المصالح. تُعتبر السياسة آخر الفخاخ المرتبطة بالتعيين وأوسعها انتشارًا وأكثرها تخويفًا. إن للسياسة تأثيرًا مدمرًا على قرارات اختيار الموظفين بحيث لا يكفي أن نضعها في فئة الفخاخ البسيطة، بل تستحق أن نشبِّهَها ببحر من الرمال المتحركة. يسعني أن أقولها بصراحة أنه بينما أخطو إلى عَقدي الثالث في مجال البحث التنفيذي، فإن أكثر الأخطاء الفادحة المتعلقة بالتعيينات التي صادفتها كانت نتيجة لأشخاص نواياهم حسنة لكن لهم أجنداتهم الخاصة.
يميل الناس إلى تعيين أصدقائهم. لنأخذ مثالًا: ذلك الرئيس القوي المتسلط لأحد مجالس الإدارة الذي رشح رفيق غرفته أيامَ الدراسة الجامعية ليخلُف الرئيس التنفيذي المُقال. وافق بقية مجلس الإدارة، تحت ضغط الترهيب، وتجاوزوا عملية البحث والتقييم النموذجية. أثبت الرئيس التنفيذي الجديد، في أقل من عام — بما لا يدع مجالًا للشك — افتقاره للمرونة والرؤية الاستراتيجية، واضْطُرَّت الشركة إلى إقالته.
يتسم بعض الأجندات بمزيد من النزعة المكيافيلِّيَّة. عند اختيار كبار المسئولين التنفيذيين في المشروعات المشتركة، يقوم الشركاء بجميع أنواع المؤامرات السرية ليتم انتخاب مرشحيهم، آملين أن يكون لهم حليف في السلطة، بصرف النظر عن مهاراته المحددة، بل رأيت أشخاصًا يؤيدون مرشحين ضعفاء لتجنُّب تهميشهم أو حتى لتقوية فرص ارتقائهم في المؤسسة على المدى الطويل (لا شك أن هذا الشخص سيفشل ويُقال، وسأكون البديل التالي). في بعض الحالات الأخرى، ينال المرشح الوظيفة مقابلَ إسداء بعض الخدمات؛ فمثلًا قد يُعيَّن مرشح ترقُّبًا لتعيينه لأصدقاء «أنصاره» أو للاستعانة بخدمات شركاتهم. يمكن لهذه التعيينات — برغم شيوعها — أن تخلِّف تأثيرًا مدمرًا، ليس فقط على أداء الشركة، بل على الروح المعنوية داخلَها، فما من أحد يفضل العمل في مؤسسة تسيطر عليها المحسوبية أو غيرها من أشكال السياسة الداخلية.
إنها قائمة طويلة. تساعد هذه العوامل مجتمعة في تفسير السر وراءَ الصعوبة البالغة الكامنة في اتخاذ قرارات اختيار الأشخاص.
لكن النقطة المضيئة وسط هذا الظلام هي أن التحذير المسبق يؤدي إلى احتياط مسبق؛ فأفضل وقاية من جميع هذه الفخاخ التي أَتَيْنا على ذكرها في هذا الفصل هي الوعي؛ ومن هذا المنطلق، يكون لك السبق بقراءتك لهذا الفصل. تجنَّب الفخاخ التي شرحتها، وسوف تكون في مأمن بالتأكيد من الإخفاقات الكبرى.
في خِضَمِّ بحثي عن ذلك القرار الكبير الجذري الذي سيلقي بالشركة في أحضان المجد بضربة واحدة، وجدت أن المجد لا يتحقق بهذا النحو. فعندما تدرس المسيرة الطويلة للشركات المتميزة وتطورها عبر السنين، ستجد أنه ليس ثَمَّة قرار واحد — مهما كانت أهميته — يشكل أكثر من جزء ضئيل من إجماليِّ القوة الدافعة للشركة. إن المجد يُبنى من خلال سلسلة من القرارات الصائبة التي تُنفَّذ بأعلى درجات الإتقان، ويضاف بعضها إلى بعض عبر فترة زمنية طويلة.
•••
إن بناء المجد الحقيقي لأية شركة يستدعي وجود مديرين ملتزمين بالتحليل والتنفيذ المتأنِّيَيْنِ لكل قرار هام، بما في ذلك قرارات اختيار الموظفين. أجل، يُعتبر تجنُّب الفخاخ الواردة في هذا الفصل خطوة ضرورية؛ لكنها الخطوة الأولى فقط. لكي تتمكَّن من اختيار الناجحين دائمًا، عليك أن تتقن كل مرحلة من مراحل عملية اختيار الموظفين، بدايةً من معرفة متى ينبغي التغيير، وانتهاءً بالدمج الأمثل لهؤلاء الأشخاص الذين عيَّنتهم في محيطهم.
وهذا ما سنناقشه في الفصول الستة القادمة.