المرأة والزعامة
لو أردنا أن نستوفي الحديث في هذا الكتاب عن المرأة في ميدان الزعامة، وساحات التفوق والنبوغ، وأقطار السيادة والنفوذ والسلطان، وفي مختلف نواحي الحياة التي اشتركت فيها مع الرجل ونافسته وتلاقت فيها معه أو زاحمته فقهرته — لامتد بنا نَفَسُ الكلام، وخرج السياق الذي ينتظم البحث من حدوده التي أردناها، كتوطئة كاملة للمراد الجليل الذي توخيناه، وتمهيد وافٍ للدراسة التي قصدنا إليها، إلى مدى وسيع لم تكن نيتنا الضرب فيه، وأفق بعيد من موضوعنا الذي نعالجه.
ولكن حَسبُنَا منه لُمَعًا خاطفة، ومَرًّا سريعًا، من أقصر طريق.
لقد استطاعت المرأة عَبْرَ الأجيال الماضية وأدوار التاريخ المتلاحقة أن تشارك الرجل في أخشن مظاهر الحياة، وتساهم معه في ميادين البطولة والشجاعة والإقدام، وتبرز أعجب الجَلَد بجانبه على احتمال أعنف البلاء وأقسى الآلام، فقديمًا كان النساء في الإغريق يشتركن في المعارك محاربات، وكانت لهن في ذلك جولات وصولات، والحديث عن المرأة «الأمازون»؛ أي المحاربة، مُدوَّن في أساطير الأولين.
وقد كانت المرأة العربية في عصور الجاهلية والإسلام تخرج مع الرجال لحضور المعارك والملاحم تشجيعًا للفوارس والأبطال، يملأن الفضاء بالنشيد، ويهتفن بالأهازيج، ويلهبن النفوس حماسة، ويضرمن الحمية في الأرواح.
ولقد قهرت «تاميريز» ملكة الحيثيين الملك سيروس ونكَّلت بجيشه الضخم وجحفله الجرار، كما ظهرت «سميراميس» ملكة بابل، واشتهرت بالبطولة ومطلق السلطان.
ولا يزال اسم «جان دارك» أو فتاة أورليانس، التي أُلْهِمَت الخروج من خدرها لإنقاذ فرنسا من أعدائها الإنكليز الذين اكتسحوا أرضها وأغاروا على ذمارها، عَلَمًا على الشجاعة المتناهية التي يحيط بها الرهَب والجلال، وتبدو من فرط جلالها سرًّا من الأسرار.
وفي عصرنا هذا اشتركت نساء الصين في الحرب الوطنية الأخيرة منضويات تحت لواء الزعيم «سِنْ يَاتْ سِنْ» محاربات مع الجيش الجنوبي حتى استولين على ما يقرب من ثلثي الصين؛ كما استمات النساء في الثورة التي نشبت في جمهورية «نيكَارَجْوَا»، ونهضن في إثر زعيمتهن «ناتالي جراسيا»، وقد ذهبت هذه في الحرب مستشهدة.
وما نسيَ أحد كيف راحت البلجيكيات الباسلات يدافعن عن بلادهن، ويصمدن مع الرجال لصد جيوش الألمان عن أرضهن غير منزويات من وابل النيران ومدرار الرصاص يحصدهن حصدًا.
وقد نبغ النساء أيضًا في أكثر الميادين التي ظهرت فيها مغامرات الرجال وألوان بطولاتهم وضروب جسارتهم وجزافهم بالحياة، فاليوم ما أكثر النوابغ والبطلات في فنون الطيران والسباحة وألعاب القُوَى في سائر الممالك والأقطار، ومن ذا الذي لا يعجب للمغامرة الأولى «إرهارت» الطيارة الأمريكية المقدام التي اجتازت المحيط الأطلسي على متن الفضاء شاقة طريقها وسط العواصف والكِسَف وكثائف السحاب، والطيارة الإنجليزية إيمي جونسون التي انتزعت يومًا من زوجها الطيار الكبير موليسون بطولة الطيران الطويل المدى من لندن إلى الكاب، والطيارة النيوزيلندية «جين باتن»، التي طارت من إنجلترا إلى أوستراليا عدة مرات، وكانت الناجحة الموفقة الظاهرة على سائر النابغين في الطيران والنابغات؟!
ومنذ عدة القرون والأجيال اشتغلت المرأة بالسياسة وتدبير الملك وحمل الصولجان، واقتعدت العروش ولبست التيجان؛ فأبدت من المهارة والدهاء والبراعة والنبوغ ما لا يزال ذكره مستفيضًا في التاريخ.
ومن هؤلاء الملكة اليصابات التي جلست على عرش إنجلترا في القرن السادس عشر، وأدارت الملك أحسن الإدارة، ورفعت في عهدها لواء الأدب، ومكنت لبلادها من سيادة البحار، ومن قبل نبغت كليوباطرة في مصر، وبلقيس في مملكة سبأ، كما نبغت في الأجيال الحديثة «فيكتوريا»، وكان عصرها في إنجلترا أزهر العصور.
وقد استفاض تاريخ الأدب العربي بسِيَر مشهورات النساء في الشعر والنثر وجملة الفنون.
وفي ميدان العلم نجد عشرات من المبرزات، وحسبنا أن نذكر فضل مدام كوري كاشفة مادة «الراديوم» التي غيرت وجه العلم الحديث.
وفي السياسة ظهرت المرأة أيضًا وتألق نجمها، وتجلت براعتها، وبدا حذقها، حتى أصبحت تجلس اليوم في البرلمان الألماني والبريطاني والأسوجي والشيكوسلوفاكي نائبة عن الشعب، وثمَّ امرأة كانت تحكم ولاية «تكساس» في أمريكا، وأخرى كانت وزيرة في فنلندا، ومس بونفيلد التي كانت وزيرة للعمل في وزارة العمال البريطانية الماضية، والسيدة خالدة أديب التي كانت وزيرة للمعارف في تركيا، والسيدة كوربت أشبي زعيمة الحركة النسوية في إنجلترا ورئيسة الاتحاد الدولي للحرية والسلام، والتي عينتها حكومتها عضوًا في المؤتمر البريطاني في مؤتمر خفض السلاح، والسيدة «ساروجيني نايدو» الزعيمة الهندية والشاعرة الوطنية المشهورة، والعضو في المؤتمر الوطني الهندي الأعلى، والتي سُجِنَت في الثورة أربعة أشهر أو تزيد، ولكن أُفرج عنها وأُطلق سراحها وكان الحكم عليها بالسجن سنة كاملة، وقد اشتغلت المرأة بالسفارة ومناصب السلك السياسي والتمثيل الخارجي.
وقد قدمنا لك في الفصول الأولى من هذا الكتاب أمثلة من الزعماء وكبار الهداة في العالم وسادة العلماء وأهل الاختراع الذين كان لأمهاتهم أو جداتهم أو قريباتهم أو أزواجهم فضل كبير في بروز نجومهم، واشتهار أمرهم، والنجاح العظيم الذي بلغوه.
ألا إن المرأة في هذه الناحية هي الخَلَّاقة للزعامات، المنجبة للنبوغ، الشريكة المساهمة في تهيئة الظروف والعوامل الصالحة لبروز الملكات وإظهار كوامن المزايا والاستعدادات، حتى ليكاد تاريخ العالم يلوح كأنه تاريخ الأمهات؛ لأنهن اللاتي يهدين إلى العالم أفذاذ الرجال، ومصابيح الهدى، وأعلام الفضل والعظمة والنبوغ.
وفي سِيَر هؤلاء أو أكثرهم يبدو أثر الأم الرءوم المتعهدة المنشئة، فهي التي كان لها الفضل في ظهور رجال كبار، وعظماء مثل كرومويل، وإبراهام لنكولن، وتوماس إديسون، وأوليفر لودج، والجنرال بوث، وهو القائل: «كنت في حداثة سني أشكو أحيانًا إلى أمي من ثوبي المهلهل ومظهري الرثيث، وخوفي من إثارة السخرية مني في نفوس رفقائي ولِدَاتِي في المدرسة، فكنت أقول لها: أخشى أن يظنوا أننا فقراء، فكانت تجيبني قائلة: ولماذا تريدهم أن يظنوا غير هذا؟! إننا حقًّا فقراء … وإني والله لمدين بالكثير من نجاحي في الحياة لذلك الحب المطلق للحقيقة، وذلك التمجيد السامي لها، وكان ذلك أظهر صفاتها وأبرز خلالها، لقد كانت أمي مثالًا عاليًا للتضحية وإنكار الذات!»
وينبغي ألَّا ننسى فضل النساء كزوجات، فكم في التاريخ من سِيَر سيدات فضليات أعَنَّ أزواجهن في الحياة على البروز، وحَفَزْنَهم إلى السبق والنباغة وكنَّ كواكب سعود لهم، ونجوم هدى في مضربهم في الصحراء، وذهابهم في التيه، واقتحامهم لأشد المكاره، وتخطيهم لأقسى العقبات، بل لقد كن لهم بمثابة الواحات النُّضر الفيحاء يرقدون تحت ظلالها الوارفة إذا مسهم اللغوب، ويفزعون إلى مائها الصادر إذا أحرقهم الظمأ، ويلتمسون عندها الراحة واستعادة النشاط والاستجمام.
لقد جاء سعد زغلول مختارًا من الطبيعة لأسمى المعاني في الحياة الإنسانية، وظهر عند اشتداد الظُّلُمات ظهور الكوكب الساطع والنجم الثاقب في فحمة الليل، وبرزت هذه السيدة من خدرها في أثره كالزهرة السنية، يشعان على المجتمع سويًّا، هو من لدن العناية الإلهية مختارًا، وهي من القدر الرحيم «صفية»، وهما معًا رسولا الجهاد ورمزَا الحرية، اقترنا في خطة القَدَر ليكونا معًا لمصر؛ فكان له منها الحليف في الشداد، والمعوان على الجهاد، وكان له منها فخار الأزواج، أنساها الذراري، وأغناها عن الولدان والبنين.
وفي الحق ما أحوج الرجل العظيم إلى المرأة العظيمة، فهي بَلْسَمُ جَرِاحه من سهام الأعداء، وسلواه الآسية في الوعكة والداء، وعزاؤه إذا شَح أو عَزَّ عليه العزاء! ويوم تجيء السيدة العظيمة للرجل العظيم نعمةً من السماء؛ يركب الطريق إلى النجاح، ولا يُبَالي أن يعود من المعارك مُثخَنًا بالجرَاح؛ لأن هناك روحًا بجانبه تمسح عن نفسه، وتفيض على إحساسه، بل إن هناك لعَاطفةً متلاشية فيه، وشخصية يحتويها وتحتويه، وفَهمًا سريعًا يفطن إلى معانيه، وحبًّا يغمره، وبرًّا يشمله، ووفاءً يغذيه، ونصيرًا غالبًا حافزًا أبدًا إذا احتاج إلى النصير.
وفي تاريخ العظمة والنبوغ والزعامة رجال هوت بهم نساؤهم، ورجال كانت نساؤهم كواكب سعودهم، وكان نصيب سعد هذا النجم السائر بسعده، والكوكب الهادي إلى مجده، والقرين الحافز إلى مضاعفة جهده، وكأنهما على موعد من الأقدار تلاقيا، ووحي من السماء تدانيا؛ ليكون هو عميد أسرة من الملايين، ولتكونَ هي فيهم الأم الرءوف الحنون، وهما نِعْمَ الوالدان لشعب من البررة الأبناء المخلصين.
وكذلك هيَّأ القدر الحارس لسعد الزعيم القرينةَ الصالحة لمثله، والزوجَ الخليقة به، والشريكةَ المعوان له، إن طَلَبَ الصبرَ عندها وجده، وإن اقتحم المخاطر، لم تمنَعه ولم تصدَّه، شجاعتها كشجاعته، ووطنيتها من وطنيته، وبسالتها قرينةُ بسالته، وفطنتها شعاعٌ سَنِيٌّ يجاوب تيار فطنته، ومواهبها جميعًا عند مشيئته، وهي زوجه وابنته وصديقه وشريكته، وهو عندها الزوج والوالد والصديق والشريك والوليُّ الأمين …
وقد خاضت هذه السيدة الفاضلة مع سعد مكاره وخطوبًا، واحتملت الآلام معه حضورًا ومَنْأى وغيابًا، حتى أكرهت خصوم زوجها على احترامها، وأخبرتهم بشهامتها، وقوة صبرها، وعزتها وإبائها، على أن ينظروا إليها بعين الإجلال والتقدير.
وأشد ما تكون أم المصريين بروزًا في الطليعة، واستباقًا في صدر الجماعة، واجتماع بسالة وصبر وشجاعة، في عهود المحن العامة، وفترات الحكومات الغاشمة، والشدائد الكارثة الطامة، فإن أولئك جميعًا أكبر مجال لوطنيتها، وأفسح الميادين لصولة حَمِيَّتها، وظهور عظمتها وَبَسالتها، وإنها لتتقدم إلى المخاطر وتتجلى في المكاره، وتصمد للشدائد والعواصف، وإنها لتحنو على الضعفاء في المحن، وتأسو جراح المنكوبين ساخرةً من الحتوف، هازئة بالمصاعب، مستخفة بالمشاق، لا تبالي مقاومة، ولا تعبأ مناواة، ولا تعرف الرجوع إذا ما أهاب بها الوطن أن تقدَّمي، ولا تحفل أساليب الغاشمين.
وقد احتملت في العهود الغابرة نصيبها الكبير من مَسَاوِيها، وشطرها من مناكرها، وأُرْصِدَت الأشراطُ على دارها، وأقيمت القوات في طريق مسيرها، فلم يصدها ما منعت السياسة الغاشمة عن عمل وطنيِّ تؤديه، وإقدام رائع تبديه، وعزاء مرفه للجرحى تقدمه، وبر بالأرامل والأيامى والمعوزين تزجيه، وإحسان تقوم به في مقدمة المحسنين.
ومنذ رحل سعد إلى جوار الله، وهي كما عَلِمَت مصر وعرف العالم كله السيدة الراجحة الرأي، الكبيرة الفؤاد، المعروفة بالأصالة والسداد، أخذت من العلم بأوفى الأنصبة، واشتركت في النهضة بالنبوغ والموهبة، وأسهمت في الجهاد مع خليفة سعد ومتمم رسالته وصاحب بيعته، ورجحت بعشرات الألوف من الرجال، وأظهرت في الملمات شجاعة الأبطال، وكانت أبدًا حربًا على الظُّلَّام والمتجبرين.
ولا يزال فضلها بارزًا على الحركة الوطنية بما ظلَّت على السنين تبثُّه في النفوس من روح الإيمان، وتتعهد به النهضة من المثل العالية، والوطنية السامية، وما تُمَحِّضُه الزعامةَ من حكيم الرأي، وصادق الفكرة، وسديد الإلهام، ومتواصل التأييد.
واليوم في ثوب هذه السيدة الجليلة ذكريات سعد كلها، ورائحة سعد بأنفاس عطرها، وعظمة سعد بروعتها وجلالها، وأفق سعد الذي كان يعيش فيه، وملاذه الذي كان يحتويه، فلا عجب إذا كان المصريون جميعًا لشخصها مُكْبِرين، ولمكانتها العالية حافظين، ولا غرو إذا أكبروها مرتين، مرةً في سعدٍ لها، ومرة في ذاتها لفضلها، واجتمعوا على الولاء لها شيوخًا وشبابًا وعذارَى وبنين.
وأمام هذه السيدة العظيمة تقف الإنسانية وقفة الاحترام؛ لأنها مثال رفيع لنبالة المرأة، ووطنية المجاهدة، وشجاعة السيدة، وسمو عاطفة الوفاء، وحنان غريزة النساء، ومعنى جديد في الشرف، وظاهرة جليلة في حياة المجاهدين.
•••
ولا خفاء في أن ما قدمناه في فصول الكتاب بسبيل الزعامة وأسرارها وصفاتها وشروطها، ينطبق على النساء كذلك في موضع الزعامة، وإنما يختلف الفريقان، المرأة والرجل في هذا الموضع، من حيث الأخطار التي يتعرض لها كلٌّ منهما، فإن مَسَاوِي الزعامة وأخطارها بالنسبة للمرأة أكثر عددًا، وأدق صفة، وأعمق غورًا، وأفعل نتائج ومعقبات.
ومما يلاحظ غالبًا في زعامة النساء أن الزعيمة تجد من النساء أنفسهن انتقادًا أكثر مما يوجه إليها من قِبَل الرجال، فهي من ثَمَّ مُطالَبة بأن تؤدي عملًا أخطر وأفضل مما يؤديه الرجل لو أنه في نفس الموضع، بل هي مُقتَضى منها أن يكون تفوقها غير مُنَازَع فيه، وسمو نفسها فوق كل شك أو مظنة، وإخلاصها لا يرقى إليه أقل اتهام أو أدنى ارتياب، ولعل سر الانتقاد القاسي المرير الذي ينبعث من جهة النساء نحو المرأة الزعيمة هو أن النساء قد أَلِفْنَ من قديم الزمان أن يشهدن الرجال مديرين، ويرين الرياسة لهم، والزعامة أبدًا فيهم؛ ومن ثم إذا وقع ذلك لإحداهن، قام في أخلادهن النزوع إلى الموازنة على ضوء زعامة الرجال في بحث زعامة المرأة، فَرُحن يقتضين منها الخلو المطلق من العيوب في غير تسامح ولا تساهل، ومَضَيْنَ يتعقبن الهَنات واللَّمَمَ وأتفه العيوب.
ويؤخذ على زعامة المرأة أيضًا أنها تَنْزِعُ إلى الشك في مقدرة النساء من أشياعها، والعاملين تحت إمرتها، ذاهبة إلى أنها تعرف بنات جنسها حق المعرفة، وليس من ريب في أن هذا النزوع لا يتفق والزعامة المتوخية لنفسها النجاح، باجتذاب النفوس إليها واستمالة القلوب والأرواح؛ فإن الثقة بالغير تقتضي غير هذا النزوع المتشكك، وتستوجب الشعور بأن الولاء يمكن اكتسابه، والإخلاص الصحيح ميسور لمن يطلبه، بأمثل وسائله وأصلح أساليبه، ولا خفاء في أن الميل إلى الانتقاص من أقدار الناس بسبب علل وبواعث ودوافع ملازمة حتمًا لطباعهم وغرائزهم وبشريتهم هو نقص في الزعامة، وعيب ينبغي للزعامة العاقلة الحكيمة أن تحاول جهدها اجتنابه؛ لأن الحكمة في رياضة الطبائع لا في مقاومتها، وفي استمالة الطبيعة البشرية بإدراك حقائقها، والنظر إليها من نواحي محاسنها ومَسَاوِيها بالسواء لا في تجاهل المساوئ ومطالبة الطبيعة بما ليس في الإمكان.
ومن المقرر أن في النساء مزايا هي عادة أبْيَن وأظهر منها في الرجال، كما أن في هؤلاء مزايا لا تظهر على كثرة في النساء، وإن اجتماع العزم المتحمس النشيط الصادق الانبعاث إلى الغاية المنشودة بالحرارة والشعور نحو الجماعة والرغبة في التضافر معها لإقامة وحدة مجهود واتجاه، هو عنوان الزعامة الصالحة الرشيدة، واجتماع هذه الصفات قد يتوافر في المرأة كما يتوافر في الرجل، وإن اختلفت النسبة وتباين المقدار.
ومن هنا كان نزوع النساء اللاتي يتولين الرياسات والزعامات في محيطهن نحو تقليد الرجال واحتذائهم والتشبه بهم في السياسة والمسلك والطريقة والأسلوب والمنهاج، مفسدًا لطباعهن، متلفًا لخواصهن، محدثًا أسوأ النتائج.
وإنما كل المطلوب من المرأة هو المحافظة على جوهر نسويتها، حتى تكون المرأة الزعيمة هي أبلغ النساء أنوثة، وأصدقهن حرصًا على جنسها وطبيعتها؛ فلا تقلد نماذج لا تتفق وذوقها وميولها الطبيعية، بل ينبغي لها أن تتابع دوافعها، وإملاء شعورها، حتى تكتسب إخلاص جمهورها أو أشياعها وأنصارها بالعاطفة والحماسة والمودة وحاسة الولاء.
وقد أثبت التاريخ أن أرقى النساء الزعيمات وأرفعهن زعامة وأكبرهن سلطانًا هن اللاتي «بَقِين أنفسهن» طيلة الحياة؛ أي لزمْنَ حقيقة طباعهن، ولم يتكلفن ضد نزوعهن وفطرتهن، بل هن اللاتي ظللن فخورات بنسويتهن غير مُزوِّرَات على الناس ولا مُزيِّفات.