مقدمة

المرارة والمسئولية

من الصعب على الإنسان في حالات كثيرة أن يستطيع التغلب على مرارة بعض التجارِب التي تمر به في حياته. ويزداد الأمر صعوبة حين تكون مرارة التجرِبة ناتجة عن عوامل وظروف كان المفروض أن تؤدي إلى عكس ما أدت إليه بالفعل. الحديث هنا عن تجرِبة الكاتب التي دفعته دفعًا إلى أن يهجر وطنه وأهله، وأن يُحرَم من طلابه، غرس يديه وثروته الحقيقية، ويقرر الحياة في المنفى. جريمة الكاتب هنا أنه كتب كُتبًا وأذاعها على الناس، كتبًا يهدف من ورائها إلى فتح باب النقاش والحوار حول كثير من القضايا والإشكالات التي تهم المسلم المعاصر. لم ينكر الكاتب في أيٍّ من هذه الكتب أو المقالات التي نشرها شيئًا مما هو من ثوابت العقيدة، لكنه طرح اجتهاداته حول فهمها وتأويلها وتفسيرها منطلِقًا من وعي لا يمكن إنكاره بالتاريخ الاجتماعي والسياسي والفكري والثقافي للمسلمين، ومن دراسات سبق له القيام بها، ونشرها كذلك، عن مناهج التفسير والتأويل في الثقافتين العربية الإسلامية من جهة والغربية المسيحية من جهة أخرى.

ومن الإحساس العميق بمسئولية الباحث تجاه أمته، وواجبات المعلم تجاه طلابه، طرح الباحث اجتهاداته بلغة جسورة غير مراوغة، لغة تقول ما تريد دون لف أو دوران حول المعنى، ودون تحسس لحركة اتجاه الريح أو تلمُّس لما يمكن أن ينال رضا «العامة» أو رضا وموافقة من يغازلون «العامة» بخيانة الفكر والضمير، بل وخيانة العقيدة. ينطلق الباحث في هذه الجسارة من منطلقين أساسيين:

المنطلق الأول هو الإيمان العميق بصلابة الإسلام وقوته في نفوس الناس كلما تأسس على «العقل» وقوة الحجة، وضعفه وتهافته كلما اعتمد على مجرد التسليم والإذعان. ولعل الإسلام هو الدين الوحيد من بين الأديان المنزَّلة الذي يعطي لإيمان العقل أولوية قصوى، وينحاز له ضد «التقليد» والتمسك بأهداب الماضي وعبادة ما كان عليه الآباء والأجداد. وأسلوب السخرية الذي يستخدمه القرآن الكريم في هذا السياق.

أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (البقرة: ١٧٠).

أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (المائدة: ١٠٤).

أسلوب شديد الدلالة في إبلاغ رسالة أهمية «العقل»؛ فهو السبيل الوحيد ﻟ «العلم» الذي هو بدوره الأساس المتين الذي تتأسس عليه «الهداية». من هنا كان إعلاني في نهاية البيان الذي أذعته ونشرته في الصحف — عشية الحكم الذي صدر بتكفيري والفصل بيني وبين زوجتي — «أنا أفكر فأنا مسلم».
ولأهمية وأصالة دور العقل في تأسيس الإيمان والهداية ربط الإسلام ربطًا محكمًا بينه وبين «الاجتهاد»، ولم يجعل الوصول إلى الصواب — ناهيك بالوصول إلى «الحقيقة» التي هي ضالة المؤمن دائمًا — شرطًا لإجازة الاجتهاد ومكافأته. لقد أجاز الإسلام الاجتهاد «الخطأ» وكافأه، «من اجتهد فأخطأ فله أجر»؛ ذلك أن «الخطأ» هو السبيل لبلوغ الصواب في مجال التفكير الحر، التفكير بلا خوف ولا عوائق ولا «مناطق آمنة» كما يريد البعض. إن دينًا يحرِّض على التفكير الحر بمكافأة الاجتهاد «الخطأ» لهو دين واثق من نفسه، وهو دين يمنح المؤمن به ثقة وجسارة في الاجتهاد وجرأة في البحث والفكر لا تبالي بغضب الغاضبين ولا تعصب المتعصبين.

المنطلق الثاني الذي ينطلق منه الباحث أن ثوابت الإيمان الديني هي «العقائد» والعبادات؛ الإيمان بالله وملائكته ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا، والإيمان لا يستبعد الفهم والشرح والتأويل. ففي مجال العقيدة اختلفت اجتهادات العلماء المسلمين مثلًا حول فهم طبيعة «الإيمان» واختلفوا حول تعريفه، وما إذا كان التعريف يتضمن «العمل» — أي العبادات — أم أنه قاصر على إيمان القلب. وأكبر من ذلك، اختلفوا حول عقيدة «التوحيد» بين من يفصل بين «الذات الإلهية» و«الصفات» وبين من يوحد بينهما، كما اختلفوا حول طبيعة «القرآن» الكريم هل هو محدَث مخلوق أم أزلي قديم. وكل تلك الخلافات لم تكن خلافات حول «الأصول» وإنما كانت اجتهادات مختلفة في فهم تلك الأصول وشرحها، فلم ينكر أحد منهم وجود «الله» عز وجل، أو ينكر «التوحيد» فضلًا عن أن ينكر أن «القرآن» منزَّل من عند الله. وكان من الطبيعي، وقد اختلفوا حول طبيعة القرآن، أن يختلفوا في تفسيره وتأويله بين متمسك بالمعنى الحرفي مع التسليم بما وراءه وبين متأوِّل يرى في قواعد اللغة والبلاغة مدخلًا طبيعيًّا لفهم لغة القرآن الكريم وتأويلها لأن القرآن ليس في التحليل الأخير إلا تنزيلًا بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (الشعراء: ١٩٥). وكلٌّ من هؤلاء وأولئك لم ينكر «إعجاز» القرآن الكريم رغم نزوله بلسان العرب وعلى مقتضى مواضعاتهم وأعرافهم اللغوية. ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن «المؤوِّلة» كانوا هم الأقدر على كشف بعض حُجُب «الإعجاز» وإبراز بعض معالمه. يكفي أن نذكر اسم إمام البلاغيين «عبد القاهر الجرجاني» وكتابه «دلائل إعجاز القرآن الكريم»، وهو من المدافعين عن «التأويل» والمهاجمين لأولئك الذين يتمسكون بظواهر القرآن. وبناء على نظرية «عبد القاهر» في تفسير إعجاز القرآن الكريم بنى «جار الله الزمخشري» تفسيره المعروف للقرآن، والذي ينطلق من أساسٍ معتزليٍّ تأويليٍّ مَكين.

وإذا كان الإيمان بثوابت العقيدة لم يمنع من الاجتهاد في شرحها وتأويلها، فمعنى ذلك أن مجال «الاجتهاد» لا سقف يحدُّه ولا شروط تعوقه سوى «التمكن» المعرفي، أي تمام العلم بشروط وأدوات «المعرفة»، والتمرس بأدوات البحث ومناهجه حسب المواصفات التي وصل إليها التقدم المعرفي في عصر الباحث. وليس معقولًا، ونحن على أبواب القرن الحادي والعشرين، أن نتمسك بشروط وقواعد «الاجتهاد» التي وضعها أسلافنا تمسكًا حرفيًّا، وهي في مجملها شروط وقواعد «بائسة» بمقياس تطور أدوات المعرفة في عصرنا هذا. علوم اللغة والبلاغة وعلوم القرآن (تاريخه وتدوينه، أسباب النزول، والمكي والمدني، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ … إلخ) من العلوم الأساسية التي اعتبر أسلافنا — على حق — أن الإلمام بها شرط من شروط التأهل للاجتهاد. فهل معنى ذلك أن نتمسك بمستوى علوم اللغة والبلاغة في القرن الخامس أو السادس الهجريين وأن نتجاهل مستوى التقدم المذهل الذي تحقق في مجال هذين العلمين؟

وبعد، لعل هذه الدعوة لفتح باب الاجتهاد على المنجزات المتغيرة للعلم والمعرفة، أن تكون تحريضًا للقارئ على قراءة هذا الكتاب الذي بين يديه متخليًا عن استراتيجية «البحث عن العفريت» فيه، وهي الاستراتيجية التي لاحظتُ أنها بدأت تسيطر على بعض القراء بتأثير الحكم القضائي الذي صدر في مصر ضد كتاباتي. ولْيعلم القارئ العزيز أن وظيفة «القضاء» ليست محاكمة الفكر، وإنما تطبيق مواد القانون ونصوصه في حالات النزاع بين الأفراد والجرائم التي يرتكبها الفرد أو الأفراد ضد فرد أو أفراد آخرين أو ضد المجتمع. ولأن التفكير بذاته ليس جريمة، ولأن نشر ثمرة التفكير — وهو الاجتهاد — واجب يمليه ضمير الباحث ومسئوليته إزاء دينه ومجتمعه، فإن إدخال «القضاء» طرفًا حاكمًا في شئون الفكر هو «الجريمة» بعينها. ومن العجيب أن كثيرًا من الذين صمتوا في مصر إزاء تدخل «القضاء» — أو بالأحرى إدخاله — طرفًا في خلاف فكري كانوا هم أنفسهم الذين أعلنوا في بيانات موقعة ومنشورة أن «المحاكم ليست وظيفتها الفصل في شئون الفكر». كان ذلك اعتراضًا على محاكمة المفكر الفرنسي «روجيه جارودي» بتهمة معاداة الساميَّة أمام إحدى محاكم «باريس» بسبب كتابه الذي أنكر فيه المبالغات الصهيونية في أرقام ضحايا المحارق النازية. وهكذا ينطبق على كثير من أهل الحل والعقد في مجتمعاتنا ما قاله السيد المسيح: «إن أحدكم ليرى القشة في عين أخيه ولا يرى الخشبة في عين نفسه.» لقد رأوا الظلم الواقع على «جارودي» في فرنسا والذي حُكم عليه بغرامة، ولم يروا الحكم بالرِّدة والفصل بين الزوجين في مصر، و«الجريمة» واحدة هي «مخالفة الإجماع».

لكن الأمر أعقد من ضعف الرؤية أو قوتها، إنه النفاق الفكري والتواطؤ السياسي والاجتماعي الذي يصل إلى حد «الجريمة» في حق الله عز وجل وفي حق دينه وكتابه العزيز. ودليلي على ذلك ما أثاره نشر حوار صحفي أجراه أحد محرري جريدة «الأهرام ويكلي» مع القطب الإخواني المعروف «مصطفى مشهور». فقد كانت إجابته عن سؤال حول مكانة الأقباط في مجتمع الدولة الدينية في حالة نجاح الإخوان المسلمين في الوصول إلى السلطة في مصر هي الإجابة الفقهية المعروفة والمتداولة: أهل «ذمة» يتمتعون بحماية المسلمين، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين إلا تولي مناصب القضاء والمناصب القيادية، بالإضافة إلى عدم تجنيدهم للخدمة العسكرية في جيش «إسلامي»، حتى لا يتعرضوا لامتحان في قضية انتمائهم في حالة الدخول في حرب ضد دولة مسيحية. ولهذا السبب الأخير — يواصل القطب الإخواني — يتوجب على الأقباط دفع «الجزية». وبصرف النظر عن المموِّهين الذين حاولوا أن يدافعوا عن القطب الإخواني ويفسروا كلامه تفسيرًا جديدًا، متهمين المحرر بأنه شوه كلام الرجل وتقوَّل عليه بما لم يقل، فقد كان رد الفعل عنيفًا ضد هذا الكلام. لم يأت رد الفعل من جانب الأقباط فقط، بل كان رد فعل المسلمين أعنف، حتى تصدى كثير من الشيوخ والمفكرين والكتاب «الإسلاميين» للرد على هذا الكلام الذي من شأنه أن يهدد الوَحدة الوطنية والاجتماعية. وكان من أشد الردود شجاعة ما قاله شيخ الأزهر من أن شأن الجزية أمر يتعلق بالماضي ولا يصح الحديث عنه اليوم.

ولما كان أمر «الجزية» أمرًا قرآنيًّا صريحًا «في سورة التوبة، الآية ٢١»، فمعنى الكلام أن الأمر القرآني الذي كان جاريًا تنفيذه في المجتمعات الإسلامية، وفي مصر خاصة حتى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لا يَلزم المسلمين تنفيذُه اليوم. هل يمكن أن أضيف: لأنه أمر كان مناسبًا للعصر الذي نزل فيه وللعصور التي تلته، خاصة وأن شأن «الجزية» لم يكن إنشاء إسلاميًّا، بل كان متابعة لتقليد راسخ في العَلاقات الدولية، حيث تدفع الشعوب المغلوبة للغزاة الغالبين ضريبة «الرأس». ولكن التطور الذي حدث في طبيعة العَلاقات الإنسانية وفي بنية المجتمعات أدى إلى اعتماد «المواطنة» وليس «الدين» أساس «الاجتماع البشري»، وجعل «المساواة» بين المواطنين أساس «العقد الاجتماعي». ومعنى ذلك أن الإصرار على تطبيق الأمر القرآني بإرغام «أهل الكتاب» على دفع «الجزية» يمثل خطرًا على وَحدة المجتمع. دمجتُ هنا عامدًا بين الكلام الذي جرَّمتني على أساسه المحكمة وبين «الدفاع» المجيد عن مبدأ «المساواة» بين الأقباط والمسلمين في خطاب الذين تصدوا للرد على كلام القطب الإخواني وعلى رأسهم شيخ الأزهر.

وتقتضيني مقتضيات الأمانة العلمية أن أبرز الفارق بين «صياغة» خطابي وبين صياغة الخطاب الدفاعي المشار إليه، وهو فارق في الصياغة وليس فارقًا في الدلالة. إن دلالة الخطاب الدفاعي، التي لا يُصرَّح بها، أن شأن «الجزية» شأن تاريخي، وأن ما ورد عنها في القرآن يجب النظر إليه والتعامل معه بوصفه حكمًا مجمدًا — انتهت مدة صلاحيته — ينتمي للتاريخ. وهذا قريب جدًّا مما قلته عن «تاريخية» القرآن، وهو مفهوم لا يعني دائمًا «الزمانية»، بل يعني أننا ملزمون باستعادة السياق التاريخي لنزول القرآن من أجل أن نتفهمَ مستويات المعنى وآفاق الدلالة؛ فنستطيعَ التمييز في مجال الأحكام والتشريعات بين مستويات لم يتنبه لها أسلافنا. فإن كان المدافعون عن «المساواة» بين الأقباط والمسلمين قد خالفوا الإجماع وأتَوا باجتهاد جديد، فذلك لأنهم اجتهدوا في فهم «النص»، وتجاهلوا القول الشائع غير المحرر المعنى «لا اجتهاد فيما فيه نص». لكن الأمر يجب ألا يكون دائمًا الاجتهاد في سياق دفاعي؛ إذ لا بد من تأصيلٍ منهجيٍّ واعٍ لمسألة قراءة النصوص وتأويلها من منطلقٍ معرفيٍّ معاصر، خدمةً لدين الله وسعيًا للمساهمة في مناقشة إشكاليات الحياة الإسلامية أو حياة المسلمين في عالم تزول فيه الحواجز وتختفي فيه المسافات، وتزداد فيه الأخطار. إن التمسك بالمعاصرة على مستوى الحياة المادية، والإصرارَ في نفس الوقت على التفكير كما كان يفكر السلف، يمثل حالة من الانفصام المَرَضي. وهي نفس الحالة التي لم تحاول كنيسة العصور الوسطى في أوروبا مواجهتها إلا بعد أن كَفَر الناس بسلطتها وثاروا عليها. إن المدافعين عن حالة الانفصام تلك في مجتمعاتنا، والذين يتفاخرون دائمًا — ونحن معهم — أن تاريخ الإسلام لم يعرف سلطة دينية مثل سلطة الكنيسة، يتجاهلون أنهم هم أنفسهم أقاموا بالفعل سلطة لا تقل شراسةً وتخلفًا عن سلطة الكنيسة في العصور الوسطى. يفعلون ذلك حين يزعمون أنهم يدافعون عن «حقوق الله»، ويفعلون ذلك وهم يصرون على ضرورة وجود سلطة سياسية ترعى شأن الدين وتفرض تعاليمه بسلطة الدولة على الأفراد.

•••

في هذا الكتاب لن يجد القارئ «عِفريتًا»، لكنه سيجد اجتهادات في فهم كتاب الله تعالى وفي فهم تعاليم نبيه وفي فهم واحدة من أهم قضايا مجتمعنا المطروحة أمامنا، وهي قضية المرأة، إنها اجتهادات قد يختلف القارئ معها وقد يتفق؛ لأنها مطروحة للنقاش. وهي في النهاية اجتهادات لا يمتلك صاحبها سلطة من أي نوع لفرضها على الناس، والأهم من ذلك أن صاحبها يقف ضد كل سلطة وأي سلطة تحول بين الإنسان وحريته في التفكير.

هذا الكتاب عن «قضايا المرأة» سبق نشر بعض فصوله في كتاب تحت عنوان «المرأة في خطاب الأزمة»، ولأسباب لم أستطع حتى الآن إدراكَها كان هو الكتابَ الوحيد الذي أصدرته دار النشر التي صدر عنها في مصر (دار نصوص). وكان نتيجة توقف النشر في الدار لأسباب مجهولة — بالنسبة لي على الأقل — أن الكتاب لم يتم توزيعه باستثناء النسخ التي أهديتها للأصدقاء منذ أكثر من ثلاث سنوات. وقد كنت مترددًا في النشر بصفة عامة — أعني نشر الكتب — بعد الزلزال الذي أحدثه الحكم القضائي المشار إليه، رغم أنني لم أتوقف عن البحث والكتابة — بالعربية والإنكليزية — من موقعي أستاذًا زائرًا بجامعة ليدن بهولندا. ولولا حث الصديق العزيز الأستاذ «حسن ياغي»، مدير النشر بالمركز الثقافي العربي، وإلحاحه عليَّ بضرورة وأهمية التواصل مع القارئ العربي لا من خلال المقالات فقط بل الأهم عبر «الكتاب»، ما تحمست لنشر هذا الكتاب. لقد كان خوفي — الذي ما يزال قائمًا — من استراتيجية «البحث عن العِفريت» التي لاحظت أنها تسيطر على قراء كتبي مثبطًا شديدًا جعلني أحيانًا أفقد الثقة في جدوى الكتابة والنشر.

كان لقائي بالصديق «حسن ياغي» في معرض «فرانكفورت» الدولي للكتاب، ثم زيارته لي ولزوجتي في مدينة «ليدن»، والحوار الذي دار بيننا خلال تلك الأيام عن ما أكتب وما أفكر فيه من قضايا، بمثابة الدافع الذي جعلني أضع بين يديه كل ما كتبته بالعربية — منشورًا وغير منشور — وهو في معظمه كُتِبَ قبل إصدار «الحكم القضائي» ضد نواياي الفكرية من خلال كتاباتي. هكذا أتيح للفصول التي سبق نشرها في كتاب «المرأة في خطاب الأزمة» أن تضاف إليها فصول ومقالات أخرى هي التي تشكل بنية هذا الكتاب، بفضل «حسن ياغي» الصديق والمثقف والناشر.

وهذه المجموعة من الدراسات التي يتضمنها هذا الكتاب تحاول أن تقارب إشكالية وضع المرأة في الخطاب العربي المعاصر من زوايا قد تبدو مختلفة، وإن كانت في الحقيقة زوايا متكاملة. فالخطاب العربي المعاصر الذي تركز عليه هذه الدراسات هو خطاب «الأزمة»، أو — بعبارة أخرى — الخطاب «المأزوم»، والذي قد يتظاهر غالبًا بأنه خطاب «صحوة» أو «نهضة» يسعى إلى تجاوز الأزمة الخانقة الراهنة التي ترتهن الواقع العربي على كل المستويات والأصعدة. هذا الخطاب هو موضوع التحليل النقدي في الدراسات التي يضمها هذا الكتاب.

ولأن الخطاب — أي خطاب — ليس أثرًا مباشرًا فوريًّا للسياق المنتج له، بقدر ما هو — بالإضافة إلى ذلك — تواصل مع خطاب أسبق يستمد منه مرجعيته ومن خلاله يكتسب مشروعيته، فقد كان من الضروري في عملية التحليل ردُّ بعض مكونات الخطاب إلى أصولها في بعض الخطابات التراثية.

•••

هذه الفصول ليست إلا زوايا مختلفة لإشكالية واحدة، يجمعها ويربط بينها وَحدة الموضوع ووَحدة المنهج، وهذا هو المبرر لوضعها فصولًا في كتاب. لكن القارئ لا بد سيحس بعض التَّكرار الناتج عن كونها دراسات كُتبت مستقلة عن بعضها البعض، وهو تَكرار نأمل ألا يكون مملًّا بالنسبة للقارئ. ولعلنا نطمح أن يكون هذا التَّكرار نوعًا من «الإبراز» للخطوط المنهجية العامة التي تمثل قاعدة التحليل والتفسير في هذه الدراسات.

ورغم تعدد الزوايا التي تم تناول الإشكالية من خلالها، فإن هذا الكتاب وقف عند حدود تحليل بعض جوانب خطاب «الأزمة». وهو تحليل لا يطمح إلى أكثر من إلقاء بعض الضوء على بعض تجليات هذا الخطاب. إن غاية ما يطمح إليه هذا الكتاب هو أن يثير التساؤلات ويطرح المشكلات محاولًا حفز القارئ للبحث عن إجابات.

نصر حامد أبو زيد

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥