مدخل
حواء بين الدين والأسطورة
والقصة التي نريد الكشف عن جانب اللامعقول في تفسيرها هنا هي قصة خروج آدم وحواء من الجنة بعد أن أغواهما الشيطان فأكلا من ثمر الشجرة المحرمة، وبدت لهما سوءاتهما. والقصة كما يوردها الإمام الطبري نقلًا عن «وهب بن مُنبِّه» — أحد الأحبار اليهود الذين اعتنقوا الإسلام — تبدو قصة تفسيرية أو تعليلية، بمعنى أنها تقدم تعليلًا لبعض الظواهر الطبيعية في سياقها، ويبدو التعليل كما لو كان عرضيًّا.
والقصة التعليلية تُعرَض في الغالب لتفسير الظواهر التي يعجز الإنسان في مرحلة تاريخية محددة عن تفسيرها تفسيرًا علميًّا. وقصة خروج آدم وحواء من الجنة تقدم تعليلًا لظاهرتين طبيعيتين: الأولى منهما ظاهرة «الدورة الشهرية» عند المرأة وما يصطحبها من آلام من جهة، والآلام المصاحبة لعمليات الحمل والولادة من جهة أخرى. ويتصل بهذه الظاهرة الأولى تبرير الوضعية المتدنية للمرأة في الواقع الإسلامي العربي، كما يبدو من وصفها بنقص «العقل» و«الدين». أما الظاهرة الثانية التي تتعرض القصة لتعليلها في سياقها بشكل يبدو عرضيًّا فهي ظاهرة «الحية» الزاحفة، ويبدو أن ألفة العربي للحيوانات ذات القوائم الزاحفة في حاجة إلى تفسير. لكن الأخطر في تلك القصة هو ذلك الربط الذي أوقعته بين «حواء» و«الحية» لا على مستوى الاشتقاق اللغوي فقط، بل على مستوى اشتراكهما معًا في مساعدة الشيطان لإغواء آدم الرجل حتى ارتكب معصيته وخرج — وخرجت معه البشرية كلها — من «الجنة». ولأنهما اشتركا في جريمة مستمرة الأثر وشاملة، فقد كان عقابهما معًا عقابًا من جنس العمل، عقابًا مستمرًّا وشاملًا.
وقد تضيف بعض الروايات الأخرى رتوشًا وتفاصيل أدق للقصة، لكن الطابع التفسيري التعليلي يظل هو الطابع الأساسي في كل الروايات. من هذه الإضافات مثلًا: الكيفية التي استطاعت بها حواء إغواء آدم ليأكل من الشجرة باستخدام الإغراء الجنسي، حيث قام الشيطان بدور مزدوِج فأغرى حواء بالشجرة، ثم أغوى آدم بحواء: «فدعاها آدم لحاجته (الزوجية)، قالت: لا إلا أن تأتي هنا، فلما أتى قالت: لا إلا أن تأكل من هذه الشجرة، فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما» (ص٣٣٧). هكذا تقدم القصة في سياقها تعليلًا لمجموعة من الظواهر الطبيعية عن المرأة/حواء وعن الحية. كما تقدم تعليلًا لعَلاقة العداء الملحوظة بين الإنسان والزواحف بشكل عام. وبالإضافة إلى ذلك نجد تفسيرًا للشجر الذي لا ثمر له بأنه شجر الأرض التي لعنها الله. ولنا بعد ذلك على القصة مجموعة من الملاحظات، نهدف من ورائها إلى إلغاء الدلالات والمعاني التي لا تزال تفعل فعلها في ثقافتنا الشعبية بشكل خاص. فبصرف النظر عن أن القرآن لا يحمِّل حواء — في منطوقه — مسئولية خروج البشر من الجنة، يظل الضمير الإسلامي ينسب للمرأة وحدها — تأثرًا بهذه القصة — مسئولية تلك الجناية، هذا بالإضافة إلى الإيمان بأن العقاب الدائم الذي أوقعه الله بحواء عقاب لا سبيل للفِكاك منه، خصوصًا ما يتعلق منه بالحكم عليها بنقص العقل والدين. سأل الله آدم: يا آدم أنَّى أُتيتَ؟ (أي ما سبب وقوعك في عصيان أمري). قال: من قِبل حواء أيْ ربِّ، فقال الله: فإن لها عليَّ أن أُدْميها (أجعلها تنزف دمًا) في كل شهر مرة، كما أدميت الشجرة، وأن أجعلها سفيهة، فقد كنت خلقتها حليمة (عاقلة)، وأن أجعلها تحمل كرهًا وتضع كرهًا، فقد كنت جعلتها تحمل يُسرًا وتضع يُسرًا. ويعلق أحد الرواة على القصة قائلًا: «ولولا البلية التي أصابت حواء لكان نساء الدنيا لا يحضْنَ، ولَكُنَّ حليمات، وكُنَّ يحملْنَ يُسرًا» (ص٢٣٧).
- الملاحظة الأولى: لنا على تلك القصة، أن الإله الذي تصوره هو إله التوراة، وليس «الله» المعروف في المعتقد الإسلامي، وهذا أمر طبيعي من زاوية التأثر التاريخي التي أشرنا إليها. لكن ليس من الطبيعي إطلاقًا أن يأخذ العقل المسلم القصة مأخذ التصديق الحرفي لمجرد أنها وردت في واحد من أهم كتب التفسير، ذلك أن ورودها عند الطبري، أو عند غيره، ليس هو المعيار، بل يجب أن يكون المعيار عدم التناقض مع قوانين العقل. القصة تبدو كمؤامرة محبوكة للإيقاع بآدم، مؤامرة يشترك فيها كلٌّ من إبليس وحواء والحية، تدور من وراء ظهر الله — تنزه عن الغفلة — لدرجة أنه ينادي على آدم سائلًا إياه عن مكانه الذي اختبأ فيه استحياءً. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يبدو العقاب الذي وقَّعه الله على أطراف المؤامرة عقابًا يتسم بالاستبدادية؛ لقسوته من جهة، ولشموليته لأعقابهم ونسلهم كله جهة أخرى، وكلا الأمرين يتناقض مع الطبيعة التي صاغها الإسلام لصفات الله من ناحية، ولعَلاقته بالإنسان من ناحية أخرى.
- الملاحظة الثانية: أن آدم يبدو في القصة ضحية بريئة، خضعت لضغوط فوق طاقة الاحتمال البشرية الطبيعية، فإذا كان قد قاوم إغراء «الخلود» — لاحظ أن ثمر الشجرة كان الثمر الذي تستمد الملائكة خلودها بالأكل منه، وهذا تناقض آخر مع معطيات العقيدة عن طبيعة الملائكة — فإن امتناع زوجته عليه وجعْلَها الأكلَ من الشجرة شرطًا للمضاجعة يقوي من ضغط الإغراء ويسهل الوقوع في المعصية. هذه الصورة التي تقدمها القصة لآدم الضحية تتناقض مع العقاب الذي وقع عليه بإخراجه من الجنة. فقد كان يكفي إعادة إخراج إبليس منها بعد عقابه عقابًا مناسبًا، وكذلك عقاب كلٍّ من حواء والحية عقابًا لا يشمل ذرياتهما. لكن صورة آدم البريء تلك في حقيقتها تعكس مجتمعًا يكون الرجل فيه هو مثال الخير والبراءة، في حين تمثل الأنثى الشر والخطيئة. فالقصة تشير إلى المجتمع أكثر مما تفسر النص الديني.
- الملاحظة الثالثة: تتعلق بعَلاقات التساوي التي تحرص القصة على ذكرها بين الجرم والعقاب في كل حالة. فقد عوقبت حواء بأن تُدمَى في كل شهر مرة عقابًا على جرمها بالأكل من الشجرة. وهو فعل يتضمن معنى «الجُرح»، وعلى ذلك يكون العقاب جُرحًا بجُرح. ولأنها استخدمت الشهوة سلاحًا لإغواء آدم فقد كان عقابها فقدان العقل (الحِلم) أو نقصانه على وجه أدق، وسيطرة «السفاهة» على تفكيرها وسلوكها. وفي هذا الحرص على إبراز التساوي بين الجرم والعقاب يبدو بُعد تعليل الظواهر هو البعد المسيطر بوصفه الهدف الأساسي من القصة. وبالمثل يتساوى عقاب الحية مع جرمها فقد حُرمت من قوائمها وحُكم عليها بالزحف على الأرض والالتصاق بالتراب، وبأن تكون عداوتها لبني آدم عداوة أبدية، بحيث يكون «القتل» جوهر عَلاقتهما، والأرض التي خُلق منها آدم — أي آدم في حالة التكون — لا يكون شجرها إلا شوكًا، وذلك كله يؤكد الطابع التفسيري التعليلي للقصة.
- الملاحظة الرابعة: تتعلق بتلك العَلاقة التي تنشئها القصة بين «حواء» و«الحية». وهي عَلاقة تكاد تحدد عَلاقة العداء بين بني آدم والحية في أنها عَلاقة مع الذكور دون الإناث. وإذا كانت القصة لا تخوض في طبيعة تلك العَلاقة تفصيلًا، فإنها تستدعي إلى الذهن بقايا المعتقدات الأسطورية القديمة من جهة، وتشير إلى بقايا هذه المعتقدات في التفكير الشعبي المعاصر من جهة أخرى. ولا تزال العَلاقة الرمزية بين الحية وحواء تجد توظيفًا لها في مختلِف مجالات التعبير الفني والأدبي، الأمر الذي يكشف عن توغلها في بنية «اللامعقول» بشكل عام.
وفي ختام ملاحظاتنا نقول إن تضمُّن تفسير الطبري — وكذلك تاريخه — لكثير من التصورات الأسطورية، أو الخرافية بشكل عام، لا يقلل من قيمة هذا التفسير أو التاريخ. بل لعل حضور المعقول إلى جانب اللامعقول وسيطرته عليه هو الذي يجب أن يكون محل إعجابنا وتقديرنا لتراث الآباء. أما أن يؤدي الإعجاب غير المشروط، والذي يصل إلى حد التقديس — إلى أن نجد تبريرًا لكل ما هو غير معقول يجعلنا نقبله بوصفه معقولًا لمجرد أنه ورد إلينا في التراث — فهذا هو الجناية الحقيقية التي نرتكبها، لا ضد أنفسنا وواقعنا وحاضرنا فقط، بل ضد هذا التراث أساسًا، وإذ نفعل ذلك نكون مثل الوريث الأحمق، أو الثري السفيه، كلاهما يبدد دون استثمار أو إضافة، فيبوء باللعنة ويقع في الخسران. ولكي نكون ورثة جديرين بتراثنا العريق والعظيم، فلا بد لنا من أن نعمق «المعقول» ونحيل «اللامعقول» إلى دائرة دراسة «الحفريات».
وُلد الطبري في إقليم «طبرستان» سنة ٢٢٤ﻫ، وبدأ حياته العلمية بدراسة الحديث النبوي في بلدته ومسقط رأسه «آمُل»، ثم رحل إلى «الرَّي» شمال إيران، ومنها إلى بغداد أملًا في لقاء الإمام أحمد بن حنبل، لكن الإمام تُوُفي قبل وصول الإمام أبي جعفر الطبري بقليل، وذلك سنة ٢٤١ﻫ.
ويواصل الطبري الارتحال طلبًا للعلم وتحصيلًا للمعرفة فيذهب إلى واسط، فالكوفة، والشام، ثم مصر سنة ٢٥٣ﻫ، حيث يقيم في الفسطاط مدة ثم يعود إلى الشام، ويرجع بعدها إلى مصر مرة أخرى سنة ٢٥٦ﻫ، ليدرس مذهب الإمام الشافعي، ومن مصر عاد إلى بغداد، ثم عاد إلى طبرستان، ثم إلى بغداد مرة أخرى ليقضي فيها بقية عمره.
يكاد الإمام الطبري أن يكون موسوعة علمية كاملة في مجال العلوم الدينية، فقد جمع بين علم الحديث وعلم الفقه وعلم التفسير، فترك لنا موسوعته التفسيرية «جامع البيان عن تأويل آي القرآن» في ثلاثين مجلدًا، كما ترك لنا في الحديث «تهذيب الآثار» في أربعة مجلدات، كما تميز بمذهب فقهي مستقل، لم يُكتب له الانتشار أو الشيوع إلى جانب المذاهب الكبرى الأربعة المعروفة. وإلى جانب العلوم الثلاثة السابقة يُعَد الإمام الطبري إمام المؤرخين بلا منازع، فموسوعته «تاريخ الأمم والملوك» جمعت جهود كل المؤرخين السابقين عليه من جهة، وأصبحت مرجعًا لكل المؤرخين التالِين له من جهة أخرى، أي إن دوره مؤرخًا لا يقل عن دوره مفسرًا وفقيهًا ومحدِّثًا. ومن نافلة القول أن نشير إلى تعمق الإمام الطبري في علوم اللغة والبلاغة، حسب مستوى تطورها في عصره، لأن تلك العلوم تُعتبر من العلوم الضرورية لعلم التفسير.