الفصل الأول

أنثروبولوجية اللغة وانجراح الهوية

الخطاب المنتَج حول المرأة في العالم العربي المعاصر خطاب في مجمله طائفي عنصري، بمعنى أنه خطاب يتحدث عن مطلق المرأة/الأنثى ويضعها في عَلاقة مقارنة مع مطلق الرجل/الذكر. وحين تُحدَّد عَلاقةٌ ما بأنها بين طرفين متقابلين أو متعارضين، ويلزم منها ضرورةً خضوعُ أحدهما للآخر واستسلامُه له ودخولُه طائعًا منطقة نفوذه، فإن من شأن الطرف الذي يتصور نفسه مهيمنًا أن ينتج خطابًا طائفيًّا عنصريًّا بكل معاني الألفاظ الثلاثة ودلالاتها. ليس هذا شأنَ الخطاب الديني وحده، بل شأن الخطاب العربي السائد والمسيطر شعبيًّا وإعلاميًّا. وليس من الصعب كذلك أن نجد في نبرة خطاب «المساواة» و«المشاركة» إحساسًا بالتفوق نابعًا من افتراض ضمني يحمله الخطاب بمركزية الرجل/المذكر. فالمرأة حين تتساوى فإنها تتساوى بالرجل، وحين يُسمح لها بالمشاركة فإنما تشارك الرجل. وفي كل الأحوال يصبح الرجل مركز الحركة وبؤرة الفاعلية. ويبدو الأمر كأنما هو قدر ميتافيزيقي لا فِكاك منه ولا مناص، وكأن مرحلة سيادة الأنثى في بعض المجتمعات الإنسانية، وكأن كل فاعلية للمرأة في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية فاعلية هامشية، لا تكتسب دلالتها إلا من خلال فاعلية الرجل.

(١)

وللخطاب العربي المعاصر جذوره في بنية اللغة العربية ذاتها، من حيث هي لغة تصر على التفرقة بين الاسم العربي والاسم الأعجمي بعلامة يطلَق عليها في علم اللغة «التنوين» أو «التصريف» وهو «نون» صوتية تلحق آخر الأسماء العربية على مستوى النطق لا على مستوى الكتابة؛ فيقال مثلًا: محمدٌ، عليٌّ، رجلٌ، في حالة الرفع، وكذلك في حالتي النصب والجر. لكن هذه «النون» لا تلحق الأسماء غير العربية فيقال «بوشُ»، «إبراهيمُ» … إلخ. وعلينا أن نلاحظ بالإضافة إلى ذلك أن إطلاق اسم «العجم» أو «الأعاجم» على غير العرب — بما يحيل إليه من دلالة عدم القدرة على النطق التي تُعَد صفة من صفات الحيوانات «العجماوات» — هو من قبيل التصنيف القيمي الذي يعطي العرب مكانة التفوق، كما يعطي للغتهم مكانة «اللغة» بألف ولام العهد، كأن ما سواها من اللغات ليس كذلك، وكأن من يتحدثون بلغةٍ غيرها هم بمثابة العجماوات التي لا تُبِين ولا تنطق.

هذا التمييز بين العربي وغير العربي على مستوى بنية اللغة وعلى مستوى دلالتها ينبع منه تمييز آخر بين «المذكر» و«المؤنث» في الأسماء العربية. وهو تمييز يجعل من الاسم العربي المؤنث مساويًا للاسم الأعجمي من حيث القيمة التصنيفية؛ فبالإضافة إلى «تاء التأنيث» التي تميز بين المذكر والمؤنث على مستوى البنية الصرفية، يُمنع «التنوين» عن اسم العلم المؤنث كما يُمنع عن اسم العلم الأعجمي سواء بسواء. في هذه التسوية بين المؤنث العربي والمذكر الأعجمي نلاحظ أن اللغة تمارس نوعًا من الطائفية العنصرية لا ضد الأغيار فقط بل ضد الأنثى من نفس الجنس كذلك، وهذا أمر سنلاحظ امتدادًا له على مستوى الخطاب السائد المعاصر، حيث تُعامَل المرأة معاملة «الأقليات» من حيث الإصرار على حاجتها للدخول تحت «حماية» أو «نفوذ» الرجل.

ولا تقف أيديولوجية اللغة عند حدود التمييز المشار إليه، بل تمتد لتشكل العالم بكل مفرداته من خلال ثنائية المذكر/المؤنث؛ فكل أسماء اللغة إما مذكر أو مؤنث، ولا مجال في اللغة العربية لما يسمَّى الأسماء المحايدة، أي التي ليست مذكرًا ولا مؤنثًا، كما هو الشأن في بعض اللغات الأخرى كالألمانية مثلًا. صحيح أن علماء اللغة يميزون بين المؤنث الحقيقي والمؤنث المجازي، لكن هذا التمييز لا يُعفي المؤنث المجازي من الخضوع لكل آليات التصنيف التي يخضع لها المؤنث الحقيقي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا نجد التمييز الحقيقي بين مذكر حقيقي ومذكر مجازي، وهو أمر يكشف عن تصور أن «التذكير» هو الأصل الفاعل، والمؤنث فرع لا فاعلية له. وبحكم هذه الفاعلية للمذكر من حيث هو الأصل، تصر اللغة العربية على أن يعامل الجمع اللغوي معاملة «جمع المذكر» حتى ولو كان المشار إليه بالصيغة جمعًا من النساء بشرط أن يكون بين الجمع رجل واحد. هكذا يلغي وجود رجل واحد مجتمعًا من النساء، فيشار إليه بصيغة جمع المذكر لا بصيغة جمع المؤنث.

(٢)

وإذا كان من الممكن القول إن هذا ليس شأن اللغة العربية وحدها، بل هو شأنٌ تشاركها فيه كثير من لغات الأرض، فإن هذا القول لا ينفي الدلالات المستنبطة من الظاهرة، بل لعله يؤكد تلك الدلالات على مستوى بنية الوعي الإنساني. وإذا كان الأمر كذلك على مستوى اللغة، فإنه ليس كذلك دائمًا على مستوى وعي الجماعات التاريخية التي لا تكتفي بأن تكون حاملًا سلبيًّا لوعي اللغة ولأيديولوجيتها. ففي بعض المجتمعات المعاصرة المتحدثة بالإنكليزية على سبيل المثال ثمة وعي متزايد بأيديولوجية اللغة وبخطورة الخضوع لها، وثمة محاولات في التداول اللغوي لتجاوز هذا الوعي بوعي مغاير. هناك مثلًا محاولات لتحاشي الإشارة للإنسان بشكل عام بضمير المذكر He وذلك باستخدام الضميرين على سبيل التبادل he or she، وهناك تحاشي استخدام صيغة المذكر أو المؤنث في الإشارة إلى الوظائف فلا يقال chairman بل يقال chairperson، ولا يقال spoksman بل يقال spokesperson … إلخ. هذا الوعي الجديد لا وجود له على مستوى الاستخدام المعاصر للغة العربية. ولعل في ذلك ما يؤكد أن مسألة غياب هذا الوعي في الخطاب العربي هو ما يعنينا هنا أساسًا، وهو غيابٌ ممكن أن يفسره جزئيًّا التحول الذي أصاب أيديولوجية اللغة في بنيتها الأصلية، حيث صارت رؤية للعالم على مستوى الفكر.

(٣)

في خطاب الصوفي الأندلسي الكبير محي الدين بن عربي يمكن تلمُّس رؤية العالم التي يمثل المذكر محورها بشكلٍ لافت. وذلك رغم ما يوحي به ظاهر هذا الخطاب من احتفال بالأنثى والأنوثة. وأكثر من ذلك، رغم ما يحفل به ذلك الخطاب من دوالَّ تُوهم بندِّية الأنثى للذكر. يلح ابن عربي كثيرًا على فكرة أن «الحب الإنساني» هو الخبرة الأولى التي لا بد أن يتأسس عليها «الحب الإلهي». وأن «حب النساء» يُعَد من صفات الكمال الإنساني، مرتكزًا في ذلك على مرويات تُنسب للنبي مثل: «حُبِّب إليَّ من دنياكم ثلاثٌ: الطِّيب والنساء وقُرَّة عيني في الصلاة». وقد كانت هذه الإشارات بمثابة دليلٍ جعَل بعض الباحثين يؤكد أن تجرِبة الحب وعشق المرأة بجانبيها الحسي والنفسي كانت هي النَّموذج الذي صاغ ابن عربي على غراره نظريته الفلسفية في وَحدة الوجود.

ونحن إن كنا لا نستبعد أن يكون لتجرِبة الحب مثل هذه القدرة على النمذجة، لا نستنتج من ذلك أن ابن عربي جعل «الأنوثة عنصرًا مساويًا للذكورة» في نسقه الفلسفي، وما يؤكد لدينا أن الأمر ليس كذلك، أن تصور تجرِبة الحب ذاتها يعتمد على توهُّم إيجابية الذكر وفاعليته في مقابل سلبية الأنثى وانفعاليتها، بمعنى أن العَلاقة — سواء في جانبها النفسي أو الفيزيقي — لا تقوم على التفاعل المستند إلى التكافؤ، بقدر ما تقوم على «إلقاءٍ» من جهة و«تلقٍّ» من جهة أخرى.

النموذج الأصلي لتصور العَلاقة يمتد في الوعي الإنساني لمسألة «حواء» التي انفصلت عن جسد آدم، فهي جزء منه يحن إليه حنين الكل للجزء الذي فارقه، وهو بالنسبة لها بمثابة «الأصل» الذي تتوق دومًا للعودة إليه والاحتماء به. هذا النموذج الأصلي هو الذي تم تكبيره في النسق الفلسفي لابن عربي، سواء من جهة أصل «التجلي» الإلهي في عملية الخلق، أو من جهة «المعراج» الإنساني في العودة إلى أصله الروحي، الأصل الذي هو مجرد صورة مرآوية منه. إنها بمثابة عودة الشعاع المنبعث من جسم مضيء إلى الجسم الذي انبعث منه، فهي ليست حركة على الحقيقة.

في الأصل كانت «الأحدية»؛ أحدية الذات الإلهية التي لا توصف ولا تُعرَّف، بل هي في «عماء» مطلق، وبضرب من التجلي الأقدس، ظهرت مجموعة الأسماء والصفات التي كانت «باطنة» في الذات، وتلك هي «الألوهة» في كليتها التي ظهر عنها العالم — الذي كان باطنًا فيها كذلك — بضرب آخر من التجلي هو التجلي المقدس. والعامل المحرك لهذه التجليات، فيما يرى ابن عربي، هو الحب: «كنت كنزًا مخفيًّا فأحببت أن أُعرَف فخلقتُ الخلق فبي عرَفوني.» الحب إذن هو الباعث للتجليات التي ليست سوى إظهار «الباطن»، وفي تولد مراتب الوجود بعضها من بعض يكون الحب هو الرابط بين مرتبةٍ تُلقي ومرتبةٍ تتلقى، ويكون الناتج عن «النكاح» ظهور مرتبة كانت باطنة في المراتب التي سبقتها. ومن السهل أن نلاحظ على الفور أن النموذج المحدد للنسق هو نموذج خروج حواء من ضلع آدم بسبب الحاجة إلى الخروج من أزمة «الوَحدة» المطلقة. هذا على المستوى الأُنطولوجي، أما على المستوى الإبستمولوجي فالنموذج المحدد النسق هو نموذج «إلقاء» جبريل للوحي، لكلمات الله على محمد في حركة هابطة، لا بد أن تقابلها حركة صاعدة بالطاعة لأوامر الوحي تحقيقًا لربانية المتلقي.

لكن الأهم من ذلك أن نسق ابن عربي في «توالد» المراتب بعضها من بعض، يتوازى مع تولد الحروف — حروف اللغة — في النص الإنساني بعضها من بعض، وتتدرج المراتب وجوديًّا تبعًا لتدرج حروف اللغة من الحركات إلى الصوائت، أي من الحرية المطلقة لحركة الهواء كما تتجلى في النطق بحركة المد الطويلة «الألِف» التي تساوي «العقل الأول» في النسق الوجودي، حتى تصل إلى الميم الشفوية في «حركة الإنسان» آخر الموجودات من حيث نشأته العنصرية. ويكاد ابن عربي يصل إلى تصور شبه أسطوري — لو أخذناه حرفيًّا — من حيث تولد مراتب الوجود في «النفَس الإلهي» الذي كان مجرد تعبير عن «الشوق» إلى رؤية الذات في صورة خارجية. أي إن عملية «الخلق» و«الإيجاد» كانت بمثابة «تنفيس» عن الشوق إلى مفارقة «الوَحدة» ورؤية الذات في صور غيرية. وتظل صورة «التجلي» أو «التدلي» أو «الإلغاء» هي العملية التي من خلالها ينبثق الأدنى عن الأعلى. فهناك دائمًا جانب الذكورة وجانب الأنوثة وما يربطها من واحدة من تلك العمليات الثلاث، التي هي في الحقيقة أسماء مختلفة لعملية واحدة، في عملية «نكاح» لا تنتهي يطلق عليه ابن عربي اسم «النكاح الساري في الذراري» التي عبر عنها القرآن في قوله تعالى: بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ.

هذا التوالد إذن في النسق الفكري لابن عربي في جانبه الأُنطولوجي، يعتمد أساسًا على هيمنة عنصر «الذكر» لا على تفاعل حقيقي بين الذكر والأنثى. وهو بقدر ما يَمتحُ من النموذج الأولي لعملية الخلق الأولى وخلق حواء من آدم، يمتح من نموذج اللغة بنسق الوعي الذي حدد طبيعتها، كما يمتح من نموذج «الوحي» الذي يحدد دور المتلقي في مجرد التلقي والإبلاغ، أي نقل الرسالة من المرسِل إلى المخاطَبين. وحين يرى ابن عربي أن الحب الإنساني شرط لتذوق الحب الإلهي، فإنه يعتبر أن الوعي بعملية اتصال الذكر بالأنثى من شأنه أن يثير وعي الإنسان بعملية الخلق الأولى، فتكون الأنثى في هذه الحالة أداةً من خلالها ينتقل وعي الذكر — الذي هو الأصل — من الإنساني الحي إلى الوجودي. إنها مرحلة في عملية إعادة الخلق التي يبدأ من خلالها الإنسان رحلته إلى أصله الإلهي. وفي كل الأحوال تكون الأنثى مجرد أداة للتوالد والإنتاج من أعلى إلى أسفل في التجليات الإلهية، ثم من أسفل إلى أعلى في المعراج الإنساني. وهكذا تدلى العلم للوح المحفوظ فدون فيه ما شاء، أو تجلى العقل الأول للنفس الكلية فتوالدت عن ذلك الطبيعة … إلخ.

وهكذا يباشر الذكَر تجرِبة «التوحد» الأولى من خلال الاتصال بالأنثى فتثير فيه التجرِبة — إذا وَعِيَها وعيًا حقيقيًّا ولم يتوقف عند الجانب الحيواني فيها — الرغبةَ في الاتصال، أو بالأحرى العودة إلى أصله الذي انبثق عنه بضرب من التجلي.

(٤)

إذا كانت اللغة تتعامل مع المرأة من منظور طائفي عنصري يساوي بينها وبين الأعاجم، فإنها إنما تعكس مستوى وعي الجماعة التي أبدعت تلك اللغة، ورغم أن الوعي لا يتطور بمعزل عن اللغة ولا تتطور اللغة بمعزل عن تطور وعي الناطقين بها، فإن لكلٍّ من نمطَي الوعي تاريخه المستقل ومساره المتميز، وأحيانًا ما يتصادم الوعيان تصادمًا قد يؤدي إلى تغيير جوهري في بنية اللغة، وقد يُفضي إلى انتصار بنية اللغة بوعيها التقليدي على الوعي الجديد. وقد حدث في تاريخ اللغة العربية، الذي هو تاريخ الجماعة المتحدثة بها، وعي متميز تمثل في لغة القرآن التي خاطبت النساء كما خاطبت الرجال، بعد أن كان خطاب النساء يتم بطريقة غير مباشرة من خلال خطاب الرجال. وعلينا في هذا السياق أن نبدد بعض الأوهام الأيديولوجية عن تدني وضع المرأة في الخطاب القرآني بصفة خاصة استنادًا إلى مسألة جعل ميراث المرأة نصف ميراث الرجل، ذلك أن معيار التقييم يجب أن يكون «حالة» المرأة ووضعها في المجتمع قبل نزول الوحي، لا مجرد المقارنة بين الخطاب القرآني وبين «تمنياتنا» المشروعة لوضع المرأة. استنادًا إلى هذا المعيار يُعتبر توجيه الخطاب لمرأة مستقلة عن الرجل في الخطاب القرآني بمثابة وعي جديد غير مسبوق إلا بإرهاصات نجدها في شعر الشعراء «الصعاليك» إذا قورن بشعر شعراء القبائل من هذه الزاوية.

ولكن هذا الوعي الذي يمثله الخطاب القرآني دخل في صراع مع الوعي الذي تمثله اللغة من خلال الصراع المركب والمعقد جدًّا على أرض السياسة أولًا، ثم على ساحة الفكر الديني والثقافة العربية كلها بعد ذلك. وبقدر ما كان ميزان كفة الصراع يميل ناحية الوعي الجديد كان وضع المرأة يتنامى، وحين كان لسان الميزان يميل ناحية الوعي التقليدي، وما يمثله من قيم قبَلية مغلقة كان وضع المرأة يميل جهة التدني. بل إن وضع المرأة كان يختلف من جماعة إلى جماعة ومن قُطر إلى قُطر في الإمبراطورية الإسلامية. والمكانة التي تحتلها المرأة في مجتمع الأندلس حتى على مستوى الاجتهادات داخل المذهب المالكي جديرة بالتأمل، حيث كان من حق المرأة أن تشترط على زوجها عدم الزواج بأخرى. وكانت بعض النساء يشترطن أن يكون لهن حق تطليق الأخرى إذا تزوج الزوج بغير علمها، هذا فضلًا عن اشتراط أغلبهن عدم غياب الزوج عن أهله إلا لفترة محدودة. وكان الفقهاء يحكمون بناء على هذه الشروط المصاحبة لعقد الزواج. ولم يقل أحد الفقهاء إن تلك الشروط تعارض مبدأ «القِوامة» الذي صار مبدأ على مستوى العقيدة في العصور المتأخرة.

في عصور التأخر والانحطاط يتم إخفاء «النساء شقائق الرجال» ويتم إعلان «ناقصات عقل ودين»، ويتحول تحريم اللقاء الجنسي خلال فترة «الحيض» إلى تحريم الحديث معها ومشاركتها الطعام عودًا إلى محرمات «التابو» الأسطورية. ويتم استدعاء قصة خروج آدم من الجنة في صياغتها التوراتية، حيث تتوحد حواء بالحية وبالشيطان. ويتم إنتاج خطاب يعزف على نغمات التخلف، التي تتجاوب معها سينما الشبَّاك والإثارة والتجارة في عناوين وأفيشات مثل «الشيطان امرأة». ومن النص القرآني يقف تراث التخلف عند «كيدهن عظيم» ليجعل من الكيد صفة ملازمة للمرأة من حيث هي أنثى، وذلك بعد أن يُلقي في «الجُب» بكل دلالات القصة؛ قصة يوسف وأبعادها الرمزية. تُحوَّل المرأة إلى الكائن المثير للشهوة المحرك للغرائز، الباعث على الفتنة وأحبولة الشيطان … إلخ، ويصبح الحل الوحيد هو «الوأد» الذي كان يمارسه العربي البدوي في الجاهلية، لكنه «الوأد» داخل اللباس الأسود المغلق تمامًا إلا من فتحتين للعينين. إنه المعادل الموضوعي لعملية «الدفن» على سطح الأرض درءًا مقدَّمًا للشبهات وعملًا بالمبدأ الفقهي الأثير «درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح». وهو مبدأ يعني جوهريًّا المحافظة على الحال كما هو مهما كان حجم التخلف، إذا كانت الحركة وتحقيق المصلحة يحتمل — مجرد احتمال — أن تُفْضي إلى بعض المفاسد.

(٥)

تنامى، بعد هزيمة يونيو ١٩٦٧م النكراء، الإحساسُ بالعار والخجل. وانجرحت الذات العربية الرجولية انجراحًا لم يجد دواءه — ناهيك عن شفائه — حتى الآن. وتعويضًا عن العجز في المواجهة والثأر لجأت الذات الجريحة للهروب إلى الماضي، إلى هويتها الذاتية الأصلية، إلى الرجولة، في بقائها المتوهم. وعلى المستوى السياسي العربي حدث «التشرذم» هروبًا من الوَحدة، وعلى المستوى الاجتماعي استيقظت «الطائفية» بديلًا عن «القومية»، وعلى مستوى الانتماء حل «الدين» محل «الوطن». والمصالح المشتركة والتاريخ والجغرافيا … إلخ، وما زال الآخر يواصل انتصاراته. إسرائيل تعربد في المنطقة كيفما شاءت، والولايات المتحدة متزعمة النشاط العالمي الجديد، وباسم الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، تحمي بعضنا من البعض الآخر. وتواصل بين الحين والحين نكأ الجرح حتى أوشك المجروح أن ييأس. والرفيق الذي كنا نلوذ بظل حمايته اختفى من الوجود، وأسلم قياده لعدونا التاريخي الذي نحاول أن نصادقه فيأبى إلا أن نكون أتباعًا ذلولين. هكذا دخل العالم العربي منطقة الضياع وافتقاد الأمل بعد انجراح الهوية. امتدت كل الأيدي للسلام مقابل الأرض، ويهزأ منا العدو: لقد حصلتُ على السلام فلماذا أعطيكم الأرض.

هكذا لم يبق إلا «التشرذم» و«الطائفية» و«غطاء الدين». وحين ينضم الثلاثة في تشكيلة واحدة فإنها لا تُفرخ إلا «الإرهاب»، الذي لا يجد نافذة للتعبير عن من خلالها إلا نافذة «الذات» نفسها، إنه «العنف» و«الإرهاب» على جميع المستويات والأصعدة: المسلم ضد المسيحي، وكذلك المسيحي ضد المسلم، السني ضد الشيعي والعكس صحيح. وفي هذا السياق المتخم بالعنف والإرهاب يزداد عنف الرجل ضد المرأة.

هل نحن إزاء خطاب ديني؟ مغالطة أن نقول ذلك، بل نحن إزاء تخلف قد يتوسل بِلُغة الدين أو لغة السياسة أو لغة الاجتماع والاقتصاد. لكن في الحقيقة خطاب تخلف يكرس الأزمة بقدر ما يعكسها. وهو ليس خطاب تخلف فقط، ولكنه خطاب إرهابي معتدٍ يمارس ضد المرأة كل صنوف الاعتداء التي وجدناها في حادث فتاة العتبة، وقبله حادث فتاة المعادي. بل ويمارس كل صنوف الاعتداء البدني والقولي التي يمارسها المراهقون والصبية في المجتمعات العشوائية، ووسط التجمعات المهمشة. نستشهد هنا بعبارات وردت في مقالة مصطفى محمود في الأهرام (١٨ /٢ /١٩٩٢م) حيث قال: «نسمع هذه الأيام صيْحات التمرد التي يطلقها نصفنا الآخر اللطيف، وأكثرهن زوجات لرجال أثرياء، يطالبن بالخروج من البيت للعمل، ويلقين بأولادهن إلى الشارع، وتصرخ الواحدة في وجه زوجها بأنها تريد أن تحقق ذاتها وأن رأسها برأسه سواء بسواء … يحيرني هذا المنطق، فأي تحقيق للذات تريد أن تصبح هذه المرأة أو تلك، سكرتيرة لفلان، أو مهندسة للمجاري أو صرافة في بنك أو بائعة في سوبر ماركت. إن الذات المفقودة هي في كل تلك الوظائف … إن تحقيق الذات هو كلام روايات وطلب للتغيير والصرمحة.»

ونلاحظ هنا أن الكاتب ينطلق من مسلَّمة بديهية في نظره، فحواها أن المرأة لا يجب أن تخرج للعمل إلا للضرورة الاقتصادية. هذه المسلَّمة البديهية تفصح عنها عبارة «وأكثرهن زوجات لرجال أثرياء»، وهي العبارة التي تجعل رغبة المرأة في تحقيق الذات أمرًا محيرًا في نظر الكاتب. وبعبارة أخرى يجعل مصطفى محمود خروج المرأة للعمل داخلًا في باب «المحظورات» التي تبيحها «الضرورات»، والدليل على ذلك أنه في سياق آخر — هو سياق الرد على العلمانيين — (الأهرام ١٦ /٥ /١٩٩٢م) يجعل من الآيات القرآنية التي تحض النساء على «القرار» في البيوت آيات خاصة الدلالة، بمعنى «أنها نزلت في نساء النبي بصفة خاصة، وليست خطابًا لكل النساء»، وهذا التأويل لا يتفق معه فيه كثيرون يرون أن الآيات عامة الدلالة وإن نزلت في نساء الرسول ، ذلك أن «خصوص السبب» لا يتعارض مع «عموم اللفظ» في هذه الآيات، التي يُعتبر فيها «عموم اللفظ» لا «خصوص السبب» كما يقول الفقهاء. لكن مصطفى محمود لا يهتم كثيرًا بالمسألة تلك بقدر ما يهتم بالسجالية الدفاعية إزاء ما يتصوره هجومًا من العلمانيين على الإسلام مستشهدين بمسألة «عمل المرأة».

لكن دفاع محمود عن موقف الإسلام من خروج المرأة، وتأكيد أنه لا يعارض خروجها، في سياق الهجوم على العلمانية، لا ينفي أن موقف مصطفى محمود من القضية هو الموقف الساخر. لذلك يعجب أن يكون مصدر الرغبة في تحقيق الذات زوجات رجال أثرياء: «زوجات الأثرياء هؤلاء يطالبن بالخروج من البيت للعمل (يا للعجب)، وهن (يا للفظاعة) يلقين بأولادهن إلى الشارع.» ولاحظ كيف يُحْدث مصطفى محمود التضاد (المثير للعجب والتفظع) بين ثراء الزوجات وبين إهمالهن الأولاد بدعوى الخروج للعمل. إنهن لا يتركن الأولاد للمربيات الأجنبيات مثلًا، بل يُلقِين بهم للشوارع. وانظر كيف يتحرك خطاب مصطفى محمود في اتجاه التصوير الميلودرامي قائلًا: وتصرخ الواحدة في وجه زوجها بأنها تريد أن تحقق ذاتها وأن رأسها برأسه. ولو صدَّقنا بحَرْفية العبارة لكان علينا أن نتساءل: أي نوع من الأزواج الأثرياء، هو الذي يستحق أن تواجهه زوجته بتلك الصرخة؟ لا شك أنه الزوج الذي يتصور أنه اشترى الزوجة بماله، الزوج الذي يتعامل معها كما يتعامل مع الأشياء. لا شك أن الزوجة التي تخاطب زوجها بالشكل الذي صوره مصطفى محمود إنما يكون خطابها هذا ردًّا على نوع من المعاملات اللاإنسانية، ويكاد المرء يشك أن مصطفى محمود استمع إلى بعض شكاوى أصدقائه الأثرياء من تمرد بعض زوجاتهن فأنتج خطابه (مقالته) استجابة لتلك الشكاوى. لذلك يلجأ خطاب مصطفى محمود إلى «تحقير» عمل المرأة من خلال تَعداد بعض المهن التي يحتقرها كذلك: سكرتيرة، مهندسة مجاري (لاحظ آليات التحقير)، صرافة في بنك، أو بائعة في سوبر ماركت. ثم يستطرد من المقدمات السابقة إلى الحكم النهائي: «إن تحقيق الذات هو كلام روايات وطلب للتغيير والصرمحة.» هكذا ينتقل من «السخرية» إلى «التحقير» ومن «التحقير» إلى «التجريح».

لذلك علينا ألا ننخدع فيما يبدو — في سياق مساجلة العلمانيين — أنه دفاع عن حق المرأة في العمل في أقوال مصطفى محمود. إن تأويل النص القرآني على أساس أن «العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ» يبدو تأويلًا نفعيًّا خالصًا. إذ حينما يستطرد مصطفى محمود في شرح فكرته يسقط خطابه في هوة «التحقير» إياها وذلك حيث يقول: «وهل رأيتم زوجة ريجان أو زوجة بوش لها بوتيك؟! إن كل واحدة منهن عملها الوحيد زوجها، وهن زوجات رؤساء علمانيين (هنا مربط الفرس)، فما بال زوجة سيد البشر وخاتم الأنبياء وصاحب الرسالة الكبرى كيف يجوز أن يكون لها عمل آخر غير زوجها؟»

«السخرية» إذن مدخل للتحقير، والتحقير ينتهي إلى التجريح الذي لا يختلف كثيرًا عن التجريح اللفظي والبدني الذي تتعرض له المرأة في الشارع. وقد لاحظتْ أستاذة جامعية هي الدكتورة سامية خضر صالح أن الخطاب المنتَج حول المرأة إعلاميًّا خطاب يشوهها وينتقص من قدرها، وأنه خطاب اعتداء صارخ. تقول في مقالة لها بجريدة الأهرام (١٢ /٥ /١٩٩٢م) بعنوان «قضية المرأة بعيدًا عن المزايدات» تعليقًا على وصف مصطفى محمود لعمل المرأة بأنه «صرمحة»: «ولاحظوا معنى كلمة «صرمحة» وهو يوجه حديثه للمرأة، وهي إهانة من أبسط الإهانات التي توجه يوميًّا في وسائل الإعلام للمرأة. ويا للفرحة حين يقرؤها أبناء وأحفاد العاملات ويعرفون أن أمهاتهم اللاتي يتباهين بالمشاركة الوظيفية والعمل والكسب هن أصلًا من المصرمحات إذا صحَّت الكلمة. وليس ببعيد أن يقف ابنٌ أمام أمه يسألها: يعني إيه الست العاملة بتتصرمح؟ … إن اعتداء بعض أصحاب الرأي في وسائل الإعلام على كرامة المرأة يواكبه اعتداء الخارجين على القانون على النساء في عُرض الشارع المصري ويغريهم بالتعرض لهن، وليس هناك اختلاف، فالمعتدي المثقف يعتدي باللفظ، والسفيه يعتدي بالمطاوي، والمرأة المصرية تنزوي وتختفي وتكاد لا يصل صوتها. هكذا هي كما قال أديبنا الكبير «يوسف إدريس».»

لقد سبق أن لاحظنا أن مصطفى محمود في سجاله ضد العلمانيين يبدو مدافعًا عن حق المرأة في العمل، وإن كنا كشفنا أن الخطاب لا يختلف في غايته — التحقير — عن الخطاب الذي يرفض فيه بصراحة عمل المرأة. ويهمنا هنا الإشارة إلى مسألة الخطاب العلماني المستحضر دائمًا في السياق السردي للخطاب المتأزم الخاص بالمرأة. يعجب مصطفى محمود كيف تتفرغ زوجة الرئيس «العلماني» لزوجها ولا تتفرغ زوجة سيد البشر، وكأن تأويله يحتاج لسند من حياة العلمانيين. هذا الحضور لخطاب العلماني الأوروبي والثقافة الأوروبية نجده ماثلًا أبدًا في بنية خطاب الأزمة، رغم مجاهرة الأخير الدائمة بأنه ينطلق من موقف «تعارض» تام مع الخطاب العلماني، هذا الاستحضار لا يتم على أساس بلورة التضاد، بل يتم على أساس ضمني في خطاب الأزمة فحواه أن الخطاب العلماني يمثل له «مرجعية» من نوعٍ ما.

في خطاب الأزمة هَمٌّ دائمٌ فحواه بيان أسبقية الإسلام — من حيث هو نسق حضاري — للحضارة الغربية في الوصول إلى القيم الإنسانية التي يتصور خطابنا المأزوم أنها مفخرة تلك الحضارة. لقد سبق الإسلام الحضارة الأوروبية في تحرير المرأة فيما يقول أحد أقطاب الخطاب الديني في مصر، في ندوة «حقوق الإنسان» التي عُقدت في مقر حزب «العمل» المصري في طنطا مساء ٧ /١ /١٩٩٣م، ونشرت «الشعب» لسان حال الحزب عرضًا لها في ١٢ /١ /١٩٩٣م، لا يجد محمد عمارة إطارًا مرجعيًّا يكشف أسبقية الإسلام سوى قيم الحضارة الغربية. وبما يتصل بقضية «حقوق المرأة» يرى عمارة «أن المرأة لمسلمة أخذت جميع جميع حقوقها منذ أكثر من ١٤ قرنًا من الزمن. فالإسلام أعطاها حرية التملك والتصرف في أملاكها، بل أعطاها الولاية في السوق. وفي الدين جعلها مفتية، أي ائتمنها على الدين والدنيا، وكانت المرأة المسلمة تخرج للجهاد وتداوي الجرحى.»

لكن رغم أن قيم الغرب تمثل الإطار المرجعي للمقارنة والتقييم، يلجأ خطاب عمارة إلى «تحقير» قيم الغرب تلك لأنها هي القيم التي جعلت المرأة «مسترجِلة» ولا تستطيع التصرف في أملاكها إذ أصبحت سلعة معروضة ممتهَنة. وقد أدت النظرة الغربية إلى تقويض الأسرة التي أصبحت منقرضة. ففي دولة كألمانيا يستخدم الرجال والنساء الكلاب لممارسة الجنس بدلًا من المعاشرة الزوجية الشرعية، مما أدى إلى انقراض الأسر وتدهور النسق ومخالفة الفطرة. ورغم النزعة المفرطة في «التمجيد» عن وضع المرأة في تاريخ الإسلام، وتلك المفرطة في «التحقير» عن وضع المرأة في أوروبا المعاصرة، يكشف الخطاب عن حقيقته حين يؤكد أن «طاعة» الرجل هي أهم وظائف المرأة، وهي وظيفة يمكن أن تفقد من خلالها كل الحقوق التي يتوهم الخطاب أنها حصلت عليها. يرى ذلك الخطاب أن المرأة في الإسلام «مصونة لها كافة الحقوق التي نظمها لها الإسلام حتى لا يحدث تضارب ولا تكون المرأة ندًّا للرجل ومنافسًا له، بمعنى أن تراعي جانب الأنوثة والذكورة. فلو كانت مثل الرجل لانتفى التمييز الذي هو سر سعادة هذا النوع … إن المرأة وظيفتها الأولى طاعة الرجل.»

هكذا تصبح الدعوة إلى «طاعة» المرأة للرجل محور الدعوة الإسلامية فيما يتصل بحقوق المرأة، لكنها في الواقع دعوة عامة في المجتمع المنجرح ذكوريًّا بتأثير الطعنات المتكررة والعجز عن التصدي لها، فيلجأ الرجل المنجرح لممارسة سطوته على المرأة.

(٦)

والعجيب أنه في تقرير حول مشروع «صندوق» التكافل الاجتماعي مقدم إلى مجلس الشورى في ١٧ /١ /١٩٩٣م وردت عبارة أثارت جدلًا كثيرًا حول حق المرأة في العمل. في سياق بيان أسباب ازدياد نسبة البطالة بين الشباب من خِريجي الجامعات، أورد التقرير من بين هذه الأسباب زيادة عدد طالبي العمل نتيجة الزيادة الهائلة في عدد السكان وزيادة عدد الخِريجين. وأشار التقرير إشارة خاصة إلى زيادة عدد الخِريجات من الإناث اللاتي أصبحن ينافسن الذكور في طلب العمل. وفي تعليقه على التقرير طالب عضو المجلس «فكري مكرم عبيد» بضرورة تقليل عمل السيدات في الهيئات والمصالح لإفساح المجال أمام الشباب العاطل بإيجاد فرص عمل كافية أمامه. والحوار الذي دار حول هذه المسألة دالٌّ وكاشف، حيث تقف المرأة في المجلس ضد التقرير وضد المطالبة بعودة المرأة للبيت، بينما يقف الرجال غالبًا — لأسباب متفاوتة — مع فكرة بقاء المرأة في بيتها من أجل الأسرة، لا يكاد يشذ عن الرجال سوى «ثروت أباظة» الكاتب المعروف الذي يطالب بمساواة الرجل بالمرأة، لأنه يرى أن الرجل صار مغبونًا … والحوار كما أوردته جريدة «الأهرام» في ١٨ /١ /١٩٩٣م يدور على النحو التالي:

  • سكينة السادات: عمالة المرأة ليست مسئولة عن البطالة فهذا حق كفله لها الدستور، والمطالبة بذلك تمثل رؤية قاصرة، وملاحظة هامشية. فهل العمل حق يُكفَل للذكور ويُحرَّم على الإناث؟ وهل علاج البطالة يجيء عن طريق التخفيف من منافسة المرأة للرجل في موقع العمل؟ والتقرير صياغته غير موفقة في عرضه لمنافسة المرأة للرجل وتصويره بأنها تزاحمه. فهل يطلبون أن تتوقف المرأة عن المنافسة؟
  • ثروت أباظة: إن حقوق الرجل ضائعة تمامًا، والنساء الآن يسيطرن علينا سيطرة كاملة، وهناك أزمة في الوظائف الآن. والمرأة ينبغي أن تعمل ما دامت ليس لها أطفال، أما إذا كان لها أطفال فلا بد أن تفسح المجال للرجل، خاصة مع وجود أزمة البطالة الحالية. ولعل هذا الفساد الذي نعانيه الآن في أجيالنا مرجعه أن الطفل افتقد ما يمكن أن تعطيه له أمه من حنان ورعاية.
  • مصطفى كمال حلمي (رئيس المجلس): حق المرأة في العمل مكفول، وهناك قطاع التعليم يستفيد كثيرًا من عمل المرأة.
  • إسماعيل سلام: إن المرأة من حقها أن تحصل على جميع حقوقها، ولكننا نتحدث هنا عن سياسة أخرى لا تنتقص حقوق المرأة وهو التحفيز لها أن ترعى أطفالها كما حدث في دول كثيرة.
  • ممدوح قناوي: أنا من أنصار المرأة، ولا عيب أن تكون هناك تفرقة. ولكن هذا الموضوع له عدة جوانب. إنني أرى في بعض المواقع تكدسًا غريبًا من العاملات. وقد تجد المرأة في هذه الحالات — إذا حصلت على نصف المرتب — أن الأفضل أن تبقى مع أبنائها.
  • فرخندة حسن: الدستور واضح ولا يحتاج إلى تعليق.
  • سامية الجندي: نسبة العمالة للمرأة داخل قوة العمل ضئيلة ولا تتجاوز عشرين في المائة. كما أن قانون العمل يعطي المرأة حق الحضانة لمدة ست سنوات، فإذا نزلت المرأة خلالها موقع العمل فهذا دلالة على أنها تحتاج لمرتبها. ومن أجل ذلك تحملت التضحية وتنازلت عن هذا الحق.
  • كريمة العريس: لا ننتظر نجاحًا للتحرر الاقتصادي إلا بتعاون الرجل والمرأة. وهذا التعاون يقتضي أن تسهم المرأة بجهدها وفكرها في موقع العمل أيضًا وليس على نطاق الأسرة.

وإذا كان لنا من تعليق على هذا الحوار فإن المشكلة كلها نابعة من تصور «المنافسة» بين الرجل والمرأة في سوق العمل. وهو تصور يهدر الأسباب الحقيقية للبطالة والمتمثلة في توقف التنمية بكل مستوياتها. المرأة في هذا التصور «عَقَبة» كما هي «عَقَبة» في النسق الذهني العام. عقبة يجب أن تزال فتتزايد فرص العمل أمام الرجال المدافعين عن حق المرأة استنادًا إلى نص الدستور، يتصورون أن وجود «النص» الدستوري كافٍ، وكفى الله المؤمنين القتال.

إقرار حق المرأة في العمل بعلة الاحتياج يجعله من باب «المحظورات» التي تبيحها «الضرورات». لا يبقى بعد ذلك كله سوى صوتين في الحوار: صوت يرى في التعاون حلًا للأزمة الاقتصادية ولكل الأزمات، وصوت يرى في «خروج المرأة» السبب الحقيقي وراء الأزمات وضياع الجيل، ويبدو أن شماعة «الحفاظ على الأسرة» التي يهددها خروج المرأة للعمل تظل هي الشماعة المريحة للخطاب السائد. ومن العبث القول إن المرأة العاملة المتفاعلة مع المجتمع — لا عن ضرورة — أقدر على تأسيس الأسرة وعلى تربية النشء من تلك التي تتآكل معرفتها ويُكمَّم وعيها داخل أسوار البيت مهما كان التعليم الذي تلقته. من العبث القول إن التعليم فعالية متجددة نشطة لا مجرد حصول على شهادة تُعلَّق في برواز على أحد حيطان المنزل السعيد.

لقد رفض الدكتور أحمد رشاد موسى رئيس اللجنة التي وضعت التقرير السالف حذف العبارة التي أثارت هذا النقاش من التقرير متعللًا بأن التقرير لم يقصد المعنى الذي فوجئ به يناقَش في قاعة المجلس. لكنه أردف قائلًا: «فمن يستطيع أن ينكر أن نسبة تعليم الفتاة زادت في مصر زيادة كبيرة خلال السنوات التي مضت. وأنه نتيجة هذه الطفرة دخَل سوقَ العمل عددٌ كبير من الخِريجات كل منهن تطلب العمل. وبعد أن كان مجال العمل شبه مقصور على الرجال أصبحت المرأة بالفعل تنافسه. هل يجب أن «تكفِّر» الدولة عن هذا الخطأ الذي ارتكبه نظام الستينيات الذي أطلق حرية التعليم وفتح الباب أمام «حقوق المرأة»؟! وهل يجب على نظام التسعينيات أن يتراجع عما حققته المرأة بوصفه «خطيئة»؟! يبدو أن هذا هو الخطاب السائد، فصلاح منتصر يعلق على الحوار في عموده اليومي بالأهرام «مجرد رأي» ٢٠ /١ /١٩٩٣م بخطاب يتجاوب بدرجة كبيرة مع خطاب مصطفى محمود؛ يقول: «فمن يستطيع أن يجادل في أن مهمة تربية طفل صالح أجدى وأنفع للأمة من الجلوس إلى مكتب في إدارة الحسابات أو الأرشيف أو أي إدارة لا عمل فيها للمرأة إلا انتظار لحظة الخروج من هذا السجن للَّحاق بالأولاد وإعداد الطعام وتنظيف البيت … و… كان الله في عونها من تَقْدر على الجمع بين البيت والعمل.» هكذا ينتهي الخطاب إلى أن كل مشكلات المجتمع يمكن أن تُحل إذا عادت حواء إلى موقعها، إلى الضلع الذي خلقها الله منه، ضلع الرجل.

(٧)

ما كان لحواء أبدًا أن تخرج، لكن ما دامت قد خرجت فلا سبيل أمامها إلا أن تدور حول الأصل، وتكون بمثابة الظل. وإذا كانت حواء في الخطاب السائد تعاقَب، فإن عقابها جزء من عقاب كوني وقع عليها بسبب أنها كانت مدخل الشيطان «إبليس» إلى آدم. أغواها الشيطان فأغرت آدم فأكل من الشجرة المحرمة. ورغم أن القرآن يضعهما معًا على قدم المساواة في اقتراف الخطيئة «فأزلهما الشيطان»، فإن الخطاب السائد يمتح من الصيغة التوراتية التي تسربت في كتب التفسير الإسلامية، واستقرت جزءًا من المخيلة الشعبية. ويهمنا هنا أن نكشف كيف تحول ذلك كله إلى خطاب سائد.

بعنوان «الخطأ والخطيئة» يكتب عزت السعدني (الأهرام ٢٣ /١ /١٩٩٣م) عن الهجوم الأمريكي المتكرر تحت يافطة الأمم المتحدة ومجلس الأمن على العراق. ولأنه يريد أن يُدين الهجوم البربري الوحشي دون أن يُعفي النظام السياسي العراقي من المسئولية، فإنه يلجأ إلى التراث الديني. لكنه لا يجد في التراث الديني خيرًا من «خطأ» حواء التي أفضت إلى «خطيئة» آدم حين استمعت لوسواس الشيطان وأغوت آدم. مَثَل صدام — أو النظام السياسي العراقي — مَثَل حواء في اقتراف «الخطأ» — وهو احتلال الكويت وتحدي النظام العالمي أو الشرعية الدولية — ومَثَل «أمريكا» مَثَل آدم في اقتراف «الخطيئة»: «ولقد أخطأت القيادة العراقية في حساباتها وقامت بعدد من الاستفزازات ضاربةً بقرارات الأمم المتحدة عُرض الحائط، في الوقت الذي تصورت فيه أن ساحة القرار في أمريكا، أقوى دولة في العالم، قد خلت في فترة خلو مقعد الرئاسة ما بين رحيل بوش وجلوس كلينتون. ولكن الخطيئة هو ما فعلته أمريكا بعدوانها السافر والمريع على الأراضي العراقية، حتى أنها لم تستشر أصدقاءها أو حلفاءها.»

وليس ما نهتم به هنا مطابقة هذا الخطاب — سياسيًّا — لخطاب القيادة السياسية التي تلقت أنباء الهجوم على العراق بالأسف مع إلقاء اللوم على النظام العراقي الذي يتسبب للشعب العراقي في كل تلك المعاناة. الذي يهمنا هنا المثل المطروح توضيحًا لعَلاقة «خطأ» النظام العراقي «بخطيئة» الولايات المتحدة الأمريكية. ومن شأن المثل أن يكون أوضح في دلالته وأبين بحيث يفضي هذا الوضوح إلى شرح الممثول من خلال ما يطلق عليه «المناقلة الدلالية»، كما هو الأمر مثلًا في «التشبيه» البلاغي … ومعنى ذلك أن مسألة اقتراف حواء للخطأ أمر بين واضح في دلالته. بل هو أقرب إلى المعرفة البديهية، بحيث يمكن أن تكون «مثلًا» لخطأ النظام العراقي. صحيح أن آدم — مثل أمريكا — هو الذي اقترف «الخطيئة» بالأكل من الثمرة المحرمة، لكن لولا «خطأ» حواء ما كان يمكن لخطيئة آدم أن تقع. تلك هي الحكمة التي يُفْضي بها المعلم والمصلح الاجتماعي المخيل لعزت السعدني حين يلجأ إليه طالبًا النصح، وذلك حيث يقول: «لقد خلق الله آدم وحواء. ثم وسوس الشيطان لأمنا حواء أن تعصي ربها وتأكل من الشجرة التي حرمها الله عليها. هذا أول خطأ ارتكبه الإنسان. قلت (الراوي عزت السعدني): الذي أخطأ أمُّنا حواء، يعني المرأة هي التي تبدأ دائمًا بالخطأ! قال: صبرًا، لقد أخطأت أمنا حواء بسماعها لوسوسة الشيطان ولكن سيدنا آدم ارتكب الخطيئة. قلت: لم أفهم. قال: خطيئة سيدنا آدم أنه سمع كلام حواء. قلت مقاطعًا في خبث: وما زال يسمع. قال: لقد حمَّل الله في كتابه العزيز آدم كل الخطأ بوصفه الرجل حاميَ حِمى الأسرة وربَّها على الأرض. وكانت تلك خطيئة آدم التي أخرجت البشر كلهم من الجنة إلى جحيم الأرض. قلت: ما زلت لم أفهم. قال: الخطأ هو خطأ حواء ولكن الخطيئة هي خطيئة آدم.»

الذي لا شك فيه أن مقصد الخطاب هو العراق وأمريكا، ولكن المثل المستخدم يكشف عن ما لا يقصده الخطاب. يكشف عن «الوعي» الباطن العميق، وذلك من خلال مستويين: المستوى الأول أن خطأ حواء خطأ كوني بديهي، فهي المسئولة عن كل المعاناة البشرية، لأنها أخرجت «آدم» من الجنة ليسعى في الأرض بحثًا عن الرزق من جهة، ويعاني من خلال «الخطأ والصواب» مكابدة العودة إلى الفردوس الذي طرد منه. المستوى الثاني هو «المناقلة» الدلالية — من خلال التمثيل — بين «الهزيمة» بكل دلالاتها — بدءًا من يونيو سنة ١٩٦٧م وحتى يناير سنة ١٩٩٣م — وبين خطأ المرأة. الأمر الذي يؤكد منطلق التحليل منذ البداية، التحليل الذي يفسر الهجوم على المرأة بالانجراح العربي الذكوري. ليس مهمًّا هنا أن تكون قصة آدم وإبليس لا وجود لها في النص القرآني، فقد انسرب النص التوراتي في بنية الثقافة والفكر، وهو حاضر في كتب التفسير الإسلامية. لكن ليس هذا هو المهم، فالنصوص يمكن أن تستحضر وتستدعي، كما يمكن أن تخضع لآلية النسيان، فالمحرك الحقيقي هو إشكاليات الواقع التي يعيد العقل صياغتها، إما بالفهم العلمي، أو بالتزييف الأيديولوجي، وليست قضايا المرأة استثناء من هذا القانون.

بقيت لنا ملاحظة أخيرة في عملية «المناقلة الدلالية» بين «المرأة» وشخص صدام حسين، المسئول الأول في الخطاب السالف عن «خطيئة» أمريكا. إذا كان صدام حسين هنا يمثل ولو بشكل رمزي «القيادة» التي أدت إلى الهزيمة، فإن نقل صورة «حواء» إلى رمز القيادة شأنه أن يحرر «الذكورة» العربية من وطأة الإحساس بالعار. لكن ما لا يتنبه له أحد أن الخطاب يحول الآخر المعتدي — أمريكا — إلى «الذكر» الأصلي، آدم مرتكب الخطيئة. هذا التحويل من شأنه أن يلغي حالة «التحرر» الزائفة التي يحدثها طبع صورة «حواء» المرأة على القيادة السياسية الممثلة للهزيمة. وعلى مستوى الخطاب الديني يبدو حضور الآمر الأوروبي كمرجعية ثابتة في إنتاج الخطاب تعبيرًا عن تلك الهزيمة الذكورية على مستوى «لاوعي» الخطاب. وما دمنا قد دخلنا إلى مناطق «التعويض» و«التحرر» الزائف، فقد انتقلنا من مرحلة الخطاب الزائف إلى مرحلة الخطاب الذي يسعى إلى تزييف الوعي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥