حقوق المرأة في الإسلام
«إن وقوع اللخبطة بالنسبة لعفة النساء لا يأتي من كشفهن أو سترهن، بل منشأ ذلك التربية الجيدة أو الخسيسة.»
وهكذا جعل الطهطاوي واحدة من واجباته الدينية والوطنية الدعوة إلى تعليم المرأة. فكتب «المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين». ومن رفاعة الطهطاوي يتسلم الراية محمد عبده (ت. ١٩٠٥م) فقاسم أمين (١٨٦٣–١٩٠٨م) ثم الطاهر حداد (ت. ١٩٣٠م) وجميعهم انطلق — كما سنرى — من المرجعية الدينية ذاتها التي يستند إليها خصوم المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق كما في الواجبات.
ولا شك أن العودة مجددًا لمناقشة قضايا المرأة في العالم العربي والإسلامي لا ينفصل عن نمو الظاهرة التي يطلق عليها أصحابها عادة اسم «الصحوة الإسلامية» بينما يسميها البعض الآخر «الإسلام السياسي»، وتسمى في الإعلام الغربي «الأصولية الإسلامية». وأيًّا كانت الصفات التي تلحق بالظاهرة في تسمياتها المختلفة؛ فإن حضورها يمثل حضورًا مركزيًّا في إثارة الأسئلة التي كنا نظن جميعًا أن خطاب النهضة قد قدم الإجابات الحاسمة لها، خاصة تلك الأسئلة التي تتعلق بحقوق المرأة في الشريعة الإسلامية.
ولعلنا نكرر هنا بأن أزمة الوجود العربي التي بلغت ذروتها في هزيمة يونيو/حزيران ١٩٦٧م تمثل بداية نقطة المراجعة والمساءلة لكل ما كان ثابتًا ومتفقًا عليه سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وفكريًّا. هكذا بدأت حركة المساءلة على جميع المستويات والأصعدة، وهي حركة لم تتوقف ولا نظن أنها ستتوقف؛ لأن «توابع» الهزيمة ما زالت تتوالى وتتواتر بشكل حاد. فما كاد الوعي العربي يستوعب الهزيمة، ويظن أنه قادر على احتوائها والتعامل معها — أكتوبر ١٩٧٣م — حتى اكتشف أن مزيدًا من الهزائم يترصده: اتفاقية «كامب ديفيد» بين مصر وإسرائيل، وتفتت الجبهة السياسية العربية، اجتياح بيروت، حرب الخليج الأولى، عاصفة الصحراء (أو حرب الخليج الثانية)، الغطرسة الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، مفاوضات السلام (مدريد أوسلو - غزة وأريحا) … إلخ.
وقد أفضى تواتر الهزائم هذا إلى إيقاظ النعرات العرقية الطائفية وبعثها من مرقدها؛ فاتخذت شكل النعرات القُطرية على المستوى السياسي، واتخذت على المستوى الاجتماعي أشكالًا أخرى يندرج فيها اضطهاد الأقليات بالتهميش تارة وبالاستبعاد تارة أخرى. وفي جميع الأحوال، ينشط خطاب سلطوي قاهر عاجز عن الإنصات ورافض للحوار، يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ويزعم لنفسه مرجعية عليا مستمدة من السماوي المقدس. وسواء كان الخطاب سياسيًّا أو اجتماعيًّا، فالمحصلة هي استبعاد الفرد — رجلًا وامرأة — وقهره، وفي هذا القهر يقع قهر مضاعف للمرأة والطفل معًا.
إذا تجاوزنا الواقع العربي إلى الواقع الدولي فقد أدى اختفاء الثنائية القطبية — بتفكك دولة «الاتحاد السوفييتي» — وانتفاء التعددية في النظام العالمي إلى «الديكتاتورية» الأمريكية. وقد أفضى هذا الوضع الجديد إلى حالة من الفوضى ناتجة بالمثل عن انتهاء عصر اليقينيات وبداية التساؤلات الكبرى، وتمثلت تلك الفوضى في ظهور ما كان كامنًا ومضمرًا من الصراعات الطائفية والعرقية في المجتمع الدولي ككل لا في المجتمعات التي كانت تعرف باسم مجتمعات «النظم الشمولية» فقط. إن المغزى الثقافي والسياسي لمفهوم «الوَحدة الأوروبية» وخاصة بعد تحقيق «السوق الأوروبية المشتركة»، يتضمن معنى «التسوير»، أي إيجاد «سور» حاجز بين الشعوب الأوروبية والشعوب غير الأوروبية. تسقط الأسوار داخل أوروبا، ويتسع حلف شمال الأطلنطي؛ من أجل حصار «العالم الثالث» خارج الأسوار، وذلك من أجل مزيد من التحكم في مقدراته واستغلال ثرواته الباقية. في هذا السياق يصبح مفهوم «الشرعية الدولية» هو شرعية مصالح الشمال ضد مصالح الجنوب؛ فيتم حصار «العراق»، بعد تدميره، و«ليبيا» و«سوريا» بدعوى تحدي الشرعية الدولية ومساندة الإرهاب، ويتم الصمت عن ممارسات الكِيان الصهيوني الإرهابية والمتحدية للقرارات الدولية ضد الفلسطينيين واللبنانيين.
هذه الحالة الدولية تساهم دون شك في تغذية الوضع العربي بمزيد من الطائفية العرقية التي لا تجد متنفسًا لها في منازلة الخصم الفعلي الحقيقي — التخلف والديكتاتورية والهيمنة الأمريكية الصهيونية — فترتد على ذاتها، وتتحصن بأوهامها. ففي السياق الدولي الذي تم فيه صك مصطلح «صراع الحضارات»، كما تم فيه إعلان «الإسلام» عدوًّا للغرب، لا سبيل أمام المسلمين — بفعل هذا التحدي — إلا «الالتفاف» حول ممثلي الخطاب الإسلامي الذين لا يكتفون بإشعال نار الغضب الجماهيري ضد الغرب السياسي الإمبريالي، بل يشملون بهذا الغضب مجمل الحضارة والثقافة والتراث الإنساني المستوعَب فيما يسمى «الحضارة الغربية». وبعبارة أخرى يمكن القول: إذا كانت الهزائم العربية المتوالية قد أثارت من جديد طرح أسئلة «الهوية» و«التراث» و«الخصوصية» من منظور عرقي طائفي في الغالب، فإن الحالة الدولية تساهم في تعميق هذا المنظور.
(ا) الأسئلة الجديدة: أين نحن منها؟
فيما العالم الآن مشغول بقضايا تتجاوز كثيرًا مسائل تعليم المرأة وخروجها للعمل ومساواتها للرجل ومسئوليتها الاجتماعية ككائن بشري مستقل، ليس قادرًا فقط على المشاركة في اتخاذ القرار، بل قادرًا على القيادة والإنجاز، وفيما بدأت المرأة تتحرر من مسألة المطالبة بنديتها للرجل، وتحاول التعبير عن هويتها «المستقلة» عن هوية «الرجل»، والمساوية لها في نفس الوقت، ما زلنا نحن مشغولين بمسألة مدى كفاءة المرأة وأهليتها للتمتع بحق «الطلاق»، أو لاعتلاء منصة «القضاء»، أو مدى أهليتها للمشاركة الفعلية المستقلة في الحياة السياسية. ورغم أن عمر الحركة النسائية العربية يناهز قرنًا من الزمان أو يزيد، ورغم أن المرأة تشغل منصب «الوزارة» في بعض الأقطار العربية، بالإضافة إلى اعتلاء المرأة منصة القضاء بالفعل في تونس والأردن واليمن وسوريا ولبنان، فإن الأمر يبدو في الخطاب العام في مصر الآن كما لو كنا نعيش بداية عصر النهضة.
إذن القوانين المنظمة لحركة المجتمع، خاصة في مجال «الأحوال الشخصية»، ما تزال تستند إلى مرجعية «الشريعة»، دون أن تصاغ الشريعة صياغة قانونية منضبطة لا تسمح إلا بقدر من الاجتهاد في تنزيل النص «القانوني» على الواقعة المنظورة أمام القاضي. دون تحقيق الصياغة القانونية الدقيقة المنضبطة تلك سيظل القضاء في مصر — في مجال الأحوال الشخصية بصفة خاصة — بناءً هشًّا رخوًا يخضع أمر الأحكام فيه لاتجاه تفكير القاضي المتأثر حتمًا بالمناخ الاجتماعي والسياسي العام.
لكن ماذا عن صلاحية المرأة لتكون قاضيًا؟ حصيلة النقاش من جانب المؤيدين والمعارضين تستند في مجملها إلى أقوال الفقهاء. المعارضون يستندون إلى إجماع «الجمهور» — المقصود أغلبية الفقهاء — من المالكية والشافعية والحنابلة على أن المرأة لا تصلح للقضاء؛ إذ تُعتبر الذكورة شرطًا أساسيًّا، فالقضاء فرع من «الولاية» أو «الإمامة»، وكلاهما يشترط «الذكورة». المؤيدون يستندون إلى «محمد بن جرير الطبري» — المؤرخ والمفسر والفقيه — وإلى «ابن حزم» الظاهري، وكلاهما — إضافة إلى موقف «الخوارج» — يقول إن الذكورة ليست شرطًا لتولي القضاء، ومن حق المرأة أن تمارس دور القاضي كالرجل سواء بسواء. البعض يقف موقفًا وسطًا بين المتحمسين والرافضين، فيرى استنادًا إلى الموقف الذي اتخذه الفقهاء الأحناف أن أهلية المرأة للقضاء تقاس على أهليتها للشهادة، وعلى ذلك يجيزون أن تتولى المرأة شئون القضاء، ولكن في غير الجنايات (الحدود والقِصاص). لكن الاعتماد على أقوال السلف يتم تبريره من جانب الرافضين والمتحفظين بحجج تستحضر الفروق «الطبيعية» بين المرأة والرجل بوصفها فروقًا أزلية أبدية، من مثل «عاطفية» المرأة و«ضعفها» مقابل «عقلانية» الرجل و«قوته»، أو من قبيل أن عمل المرأة في السلك النيابي — الممهِّد وظيفيًّا لاعتلاء منصة القضاء — يتطلب أحيانًا الانتقال إلى مكان الجريمة في الأماكن البعيدة النائية في أوقات متباينة من الليل والنهار، الأمر الذي يمثل مشقة لا تتحملها المرأة من جهة، ويتعارض مع واجباتها الأسرية والعائلية من جهة أخرى.
(ب) مصطلح «الشريعة» بين «الفقه» و«الدين»:
يميز كثير من الباحثين بين مفهوم «الشريعة» ومفهوم «الفقه»، على أساس أن الشريعة تشير إلى القواعد والمبادئ الكلية الموحى بها من الله عز وجل في حين يمثل «الفقه» الاجتهادات البشرية لعلماء المسلمين في مختلف العصور والأرجاء في تنزيل المبادئ على الوقائع الفعلية. وهذا تمييز دقيق في ذاته ولا غبار على صياغته من حيث الشكل. وإنما تتمثل المشكلة الحقيقية في معايير التطبيق في مناقشة قضية بعينها، حيث يتم الاستشهاد عادة بالآراء الفقهية السابقة كما لاحظنا في الأمثلة التي ناقشناها فيما سلف. وحين يتساءل متسائل عن طبيعة «القواعد والمبادئ الكلية» التي تمثل مضمون مفهوم كلمة «شريعة» تتم الإشارة إلى مفهوم «المقاصد الكلية»، رغم أن تلك «المقاصد» ليست سوى استنباطات علماء «أصول الفقه» — خاصة «أبو حامد الغزالي» و«أبو إسحاق الشاطبي». وبعبارة أخرى نجد أن مفهوم «الشريعة» يشير على مستوى التطبيق إلى التأويلات والاستنباطات البشرية.
ولعل منشأ الالتباس أن مفهوم الشريعة أو مصطلح «الشريعة» ليس واضحًا؛ لأنه لم تتح مناقشته مناقشة حرة كاملة من منظور معرفي خالص. لقد ساد اعتقاد فحواه أن الإسلام «عقيدة وشريعة»، أي أنه مكون من جزأين يمكن الفصل بينهما، وإن كانا متكاملين. الجزء الأول هو العقيدة كما تتمثل في الإيمان بالله (الواحد الأحد) وملائكته وكتبه ورسله، وباليوم الآخر (البعث والحساب والجنة والنار) وبالقدر خيره وشره. والجزء الآخر المكمل للعقيدة، لأنه منبثق عنها، هو «الشريعة» كما تتمثل في منظومة الأوامر والنواهي التي تنظم السلوك الفردي والاجتماعي للمؤمنين، كما تنظم عَلاقة الجماعة المؤمنة بالجماعات الأخرى، سواء داخل المجتمع الواحد (كما كان الحال في مجتمع يثرب، الذي كان يضم اليهود والمشركين إلى جانب المسلمين) أو بين المجتمعات المسلمة وتلك غير المسلمة. هذا هو الفهم المستقر والاعتقاد السائد بين المسلمين عوامهم وعلمائهم، وهو اعتقاد غير قابل للنقاش أو التساؤل؛ لأنه في نظر الأغلبية الغالبة من «الثوابت» الإيمانية التي يتعرض من يحاول فتح النقاش حولها للطعن في عقيدته وإيمانه وإخراجه كلية من زمرة المسلمين.
ولا بأس من الاعتقاد الفكري أيًّا كان ما دام لا يلتبس بيقين «الإيمان» الديني داخل النفس، ولكن الذي حدث في النصف الثاني من القرن العشرين أن الاعتقاد بوجود «شريعة» — بمعنى القوانين والتشريعات المعروفة في المجتمعات الحديثة، بل ومساوية لها من حيث الندِّية وأرقى منها من حيث الكفاءة — أفضى إلى خلق حالة من اضطراب المفاهيم، تداخلت مع عاطفة الإيمان الديني، فصارت الفكرة عقيدة دينية، وصارت «الشريعة» بهذا الفهم هي الوجه الآخر للعقيدة، ولا يكتمل الإسلام إلا بهما معًا. من هنا صار «تطبيق الشريعة» مطلبًا ملحًّا؛ إذ بدونه تفقد المجتمعات المسلمة صفة «الإسلامية» وتصبح مجتمعات «جاهلية». تلك هي المقولة التي صاغها «أبو الأعلى المودودي» في سياق الصراع السياسي الطائفي في الهند عشية الاستقلال، والذي أفضى إلى سعي المسلمين الهنود للانفصال وتأسيس دولتهم التي صارت «باكستان». وقد تلقف الفكرة وأشاعها في العالم العربي المفكر المصري «سيد قطب» في سياق مشابه، هو صراع «الإخوان المسلمين» في مصر مع حركة «الضباط الأحرار» حول اقتسام السلطة السياسية بعد نجاح الحركة في طرد الملك وحل كل الأحزاب السياسية — باستثناء «الإخوان المسلمين» — والانفراد بالحكم. هكذا لم يعد الإسلام/العقيدة كافيًا، وصارت «الشريعة» مكونًا جوهريًّا من مكونات الإيمان الديني. لكن هذا الرباط الوثيق المحكم الذي جعل من «الشريعة»، أو بالأحرى من القوانين الفقهية، عقيدة ودينًا لم يكن من صنيع «المودودي»، وإن كان المودودي هو الذي أعطاه الصياغة المتداولة الآن في الخطاب الديني معتدلة ومتطرفة على السواء. إنما منشأ ذلك الفهم يرتد في الحقيقة إلى الربط بين مفهوم «الخلافة» السياسي وبين الدين، وهو الربط الذي تولد في سياق النقاش الذي دار في العالم الإسلامي بعد أن قام الكماليون الأتراك في نهاية الربع الأول من القرن العشرين بالفصل بين «السلطنة» و«الخلافة» أولًا، ثم قاموا بإلغاء منصب الخلافة إلغاء كليًّا بعد ذلك. في سياق هذا النقاش اختلطت الأطماع السياسية في شغل المنصب — الذي صار خاليًا — بالمعارك الفكرية التي دارت بين مؤيدي القرار، مثل علي عبد الرازق صاحب «الإسلام وأصول الحكم» وبين معارضيه، وعلى رأسهم محمد رشيد رضا صاحب «الخلافة أو الإمامة العظمى»، إلى درجة أن مؤسسة «الأزهر» في سبيل تأييد مطامع الملك فؤاد في ارتقاء عرش الخلافة أقامت محكمة تفتيش ضد «علي عبد الرازق» وكتابه، انتهت بالحكم على الرجل بالكفر، ولم تكتف بفصله من منصب القضاء، بل وحرمته من ألقابه العلمية بأن سحبت منه شهادة «العالمية». في هذا السياق تبلور مفهوم «الدولة الدينية»، ربما لأول مرة في تاريخ الفكر الإسلامي، وهو المفهوم الذي ما زال يمثل بؤرة الصراع الفكري منذ تأسيس «حسن البنا» — تلميذ رشيد رضا — لجماعة «الإخوان المسلمين» في مصر ١٩٢٨م.
من أجل فتح باب النقاش — المغلق — حول مفهوم «الشريعة» وعَلاقتها بالدين/الإسلام من الضروري العودة إلى ما يسمى مجال التداول الأصلي للألفاظ والعبارات، وهو المجال السابق على تحولها إلى «مفاهيم» و«مصطلحات» محملة بثقل الصراعات التاريخية — الاجتماعية السياسية — وتعبيراتها الفكرية والثقافية وما تحدثه من تراكمات دلالية. ولعل من شأن هذه العودة التحليلية أن تكشف بعض جذور الخلط الذي يعاني منه الخطاب الديني المعاصر. و«القرآن» الكريم هو دائمًا مجال التداول الأصلي لكل ما اندرج فيما بعد في منظومة، أو بالأحرى منظومات، الفكر الإسلامي من خلال طبقات التفسير والتأويل التي كونت المفاهيم وصكت المصطلحات.
وردت مادة «شرع» في القرآن الكريم ٥ مرات فقط: مرة في صيغة الوصف وفي موقع الحال «شُرَّعًا»؛ وصفًا لظهور الحيتان يوم السبت لبني إسرائيل (الأعراف: ١٦٣)، ومرة في صيغة المصدر وفي موقع المفعول «شرعة»، ومرة واحدة فقط بالصيغة المتداولة الآن «شريعة». بالإضافة إلى ذلك وردت المادة مرتين في صيغة الفعل، والمعنى في الحالتين هو إظهار «الدين» بعد أن كان خافيًا غير معروف، فالله سبحانه هو الذي شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى (الشورى: ١٣).
والأصل في الاستخدام اللغوي لكلمة «شريعة» مأخوذ من شق الطريق إلى الماء لتشرب الدواب، ومن هنا سميت المواضع التي تنحدر الدواب إلى الماء منها «الشريعة» و«الشراع» و«المشرعة». ويكون معنى أن الله «شرع لكم من الدين … إلخ» أنه سبحانه «أظهر لكم طريقًا، وشرع لكم منهاجًا». لذلك يسخر القرآن من المشركين؛ لأنهم يتصورون أنهم على الطريق الصحيح، وهم في الحقيقة في ضلال أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ (الشورى: ٢١).
ومن الطبيعي أن يكون الدين «شرعة» بمعنى «المنهاج» والطريق والصراط الذي يسير عليه الإنسان. ولذلك فالدين واحد في حقيقته وأصله، رغم اختلاف الناس الذي هو من طبائع الأمور. ويجب ألا يُحل الاختلافُ بالتقاتل والصراعات الدموية، إذ على اليهود اتباع توراتهم، وعلى النصارى اتباع إنجيلهم. يقول الله: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ، ويقول: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ، وليتبع المسلمون كتابهم: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً (المائدة: ٤٣، ٤٧، ٤٨ على التوالي). قال المفسرون: «الشرعة: الدين، والمنهاج: الطريق، وقيل: الشرعة والمنهاج جميعًا الطريق، والطريق ها هنا: الدين» (انظر: لسان العرب). وعلى ذلك فقوله تعالى مخاطبًا محمدًا عليه السلام: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (الجاثية: ١٨) هو أمر باتباع الطريق وسلوك «الشريعة» التي أقامه الله عليها، لا سلوك شرائع الأهواء التي يتبعها المشركون «الذين لا يعلمون». ومعنى ذلك أن الشرك «شريعة» من الأمر، و«الإسلام» شريعة أخرى من الأمر، كما أن اليهودية «شريعة» والنصرانية «شريعة»، والعادات والتقاليد «شريعة» كذلك.
ليس في القرآن إذن تمييز بين «عقيدة» و«شريعة»، بل الشريعة هي الدين في الاستخدام القرآني، وقد ظل هذا الاستخدام ماثلًا حتى عصر ابن رشد الذي يرى أن البرهان و«الشريعة» أختان في الرضاعة، والمعنى واضح، إذ يقصد بالشريعة «الدين» لا الأحكام. في الخطاب الصوفي تنعقد المقارنة دائمًا بين «الشريعة» و«الحقيقة» ويتم التمييز بينهما على أساس أن «الشريعة» «تنزيل» يعتمد بناء الحقيقة فيها على «النقل»، بينما تعتمد «الحقيقة» على المعاينة والمشاهدة من خلال «المعراج» الصوفي. وإنما وقع التمييز بين «الشريعة» و«العقيدة»، واستقل مفهوم «الشريعة» بالأحكام القانونية في سياق المشكلات التي سبقت الإشارة إليها في العالم المعاصر. صحيح أن بعض المطالبين بقيام دولة دينية تعتمد على تطبيق أحكام الشريعة يميزون — نظريًّا على الأقل — بين «الشريعة» و«الفقه»، أو بين «الثابت» و«المتغير» في بنية النظام القانوني الإسلامي، لكن هذا التمييز يفضي في النهاية إلى حصر مفهوم «الشريعة» الواجبة التطبيق في العقوبات — الحدود — التي ذُكرت في القرآن الكريم، مثل «قطع يد» السارق والسارقة و«جلد» الزانية والزاني، بالإضافة إلى عقوبة «الرجم» للمحصنات من الرجال والنساء، وهو أمر لم يرد له ذكر في القرآن، كما لم يرد ذكر لعقوبة «جلد» شارب الخمر. قيل عن عقوبة «الرجم» إنها وردت في آية منسوخة التلاوة، لكن حكمها محكم، وهو أمر يصعب تقبله بسهولة، خاصة مع عدم تقبل نقد المرويات التي تزعم أن النبي أقام مثل ذلك الحد على إحدى النساء، أو على مناقشة احتمال أن يكون ذلك قد وقع اتباعًا للعادة والعرف الشائع قبل تشريع «الجلد». أما حد «الخمر» فهو بلا خلاف اجتهاد من المسلمين، أي أنه عقوبة وضعية.
وحصر مفهوم الشريعة في تطبيق «الحدود» — التي تدرأ بالشبهات حسب وصية الرسول — ليس مجرد استنتاج؛ ذلك أن قوانين «الميراث» و«الزواج» و«الطلاق» و«الولاية» … إلخ هي القوانين السارية والمطبقة تطبيقًا حرفيًّا في معظم الدول الإسلامية، وليتها مطبقة بمنهج قرآني منفتح، أي بمنهج متسق مع «مقاصد» القرآن الكلية، بل هي مطبقة وَفق تأويلات وتفسيرات فقهية تعكس تقاليد وشرائع مجتمعات خارج التاريخ. يكفي هنا الاستشهاد بالقيود البشعة المفروضة على حق المرأة في «الطلاق» مع استحالة العشرة، و«تقييد» حقها في الاشتراط في عقد الزواج، فضلًا عن حق «العمل».
إن «الأحكام» الواردة في القرآن لا تمثل أكثر من سدس عدد آياته، فهل تنحصر الشريعة في هذا الإطار الصغير؟ وهل تمثل «العقيدة» — قسيم الشريعة عند دعاة الدولة الدينية — أساس الشريعة، بينما هي منتشرة في بنية القرآن، في قصصه وأمثاله وعبره وعظاته، أي باختصار في بنائه الأدبي الشاهق؟ لقد عكس القوم الوضع فجعلوا من البناء أساسًا لبعض أطرافه وهوامشه، لأن الأحكام التي تقبل التطور كما تقبل النسخ بطبيعتها لا يمكن أن تقع على نفس مستوى البناء الذي لا يجوز فيه النسخ أو التطور. إن ما شرعه الله لمحمد — الإسلام — هو ما سبق أن شرعه للرسل قبله، فالدين واحد و«الأحكام» تختلف باختلاف الزمان والمكان. والتمييز الذي يقيمه البعض نظريًّا بين «الشريعة» و«الفقه» لا يلبث عند التطبيق العملي أن يتلاشى لحساب «الفقه» بأصوله وفروعه وقياساته وفروضه وحواشيه وشروحه. وحين يصبح «الفقه» شريعة واجبة التطبيق يصبح فقيه العصر — أو بالأحرى دارس الفقه — مرجعًا للفتوى في كل شيء، من مشكلات «الحيض والنفاس» إلى قضايا «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» إضافة إلى «الاستنساخ» و«العولمة». يصبح المفتي باختصار مرجعًا في العلم والثقافة والأدب والفنون والتكنولوجيا، وفي السياسة والاقتصاد والاجتماع وعلم النفس والفلسفة. أليس في الشريعة حل لكل مشكل وإجابة على كل سؤال! ألا يفضي هذا الافتراض الأخير إلى حصر النقاش في دائرة «التأويل» و«التأويل المضاد»؟
(ج) التراث وإشكالية التأويل والتأويل المضاد
حين تثار مشكلة حقوق المرأة في الإسلام يلجأ المدافعون عن الإسلام — المجددون غالبًا — إلى «النصوص القرآنية» لبيان أن الإسلام أعطى المرأة حقوقًا سبق بها التشريعات الحديثة بأربعة عشر قرنًا من الزمان. ويتم في هذا السياق التركيز على النصوص التي تؤكد المساواة وإبرازها. أما السلفيون التقليديون فإنهم يرون أن تلك المساواة تتمثل في الثواب والعقاب في الآخرة؛ فهي مساواة دينية وليست اجتماعية. لكن تظل هذه المساواة مشروطة بتأكيد الفروق الفاصلة بين المرأة والرجل، وهي فروق طبيعية، أي من حيث الخِلقة، تتمثل في الفروق البيولوجية بينهما. في سياق تأكيد هذه الفروق يتم الاستشهاد أيضًا بالقرآن الكريم، وذلك دون إدراك السياق السجالي في مخاطبة القرآن الكريم للعرب. وفي عملية إهدار السياق تلك يُعتمد التأويل كما يُعتمد التأويل المضاد على نهج التلاعب الدلالي بالنص الديني — قرآنًا أو سنة — دون اعتبار لطبيعة تلك النصوص تاريخًا وسياقًا وتأليفًا، بمعنى التركيب والتكوين (لا بمعنى أنها من وضع البشر وتأليفهم)، لغة ودلالة. ألا يستدعي ذلك كله، من الباحث أن يحاول تطوير منهج لفهم النصوص قادر على إخراج الفكر الإسلامي من أزمة التأويل والتأويل المضاد ذات التاريخ الطويل في الممارسة؟
ولعله من المفيد أن نستعرض نموذجًا واحدًا فقط يكشف عن سيطرة نهج التأويل والتأويل المضاد في ثقافتنا الدينية المعاصرة، وذلك على أساس نفعي براجماتي يهدر السياق في كل مستوياته، فضلًا عن التداخل بين هذه المستويات. ونعرض هنا للفتوى التي بثتها وكالة الأنباء الفرنسية ونشرتها الصحف الكويتية نقلًا عن لسان الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس هيئة البحوث والإفتاء في السعودية، بعنوان «عمل المرأة من أعظم وسائل الزنا»:
والآية محل النزاع التأويلي هي: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (الأحزاب: ٣٣) وهي جزء من مجموعة من الآيات تتعلق بتنظيم العَلاقة بين النبي ونسائه، تبدأ بتخييرهن بين التسريح بإحسان (الطلاق) — إن كن يردن الحياة الدنيا وزينتها — وبين البقاء في عصمة النبي والوعد بالأجر العظيم في الآخرة، وتنتهي بأمرهن بالقرار في بيوتهن وذكر ما يتلى فيهن «من آيات الله والحكمة» (من ٢٨–٣٤) والسياق دون شك هو سياق خطاب موجه لنساء النبي، لكن يبقى السؤال حول «الحكم» — حكم الأمر بالقرار في البيوت — هل هو «خاص» بنساء النبي، أم أن الاعتبار يجب هنا أن يكون عامًّا؟ والسؤال بلغة الفقهاء والمفسرين: هل العبرة هنا بخصوص السبب — «سبب النزول» — أم بعموم اللفظ؟ من الواضح أن الشيخ «الألباني» يعطي الأولوية لعموم اللفظ في حين يركز «هويدي» على خصوص السبب. ومن الواضح هنا أن انشغال «هويدي» بالتأويل الدفاعي جعله يُغفل باقي الأوامر في الآية وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وهي أوامر من الصعب إدخالها في حيز «الخصوص». قد يكون التركيز على النداء وما يليه في مفتتح الآية ٣٢ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ — مع إهمال السياق السردي العام لتسلسل الآيات — هو المسئول بصفة خاصة عن إمكانية التلاعب الدلالي لحد التناقض والتضاد.
نجد «ابن كثير» في تفسيره يرى أن الأمر بالقرار في البيوت يشمل كل النساء ولا يختص بنساء النبي فقط، وينقل سؤال «العموم والخصوص» من حكم الأمر بالقرار إلى مفهوم «أهل البيت» الذين يريد الله أن يذهب عنهم الرجس: هل المقصود بهم أزواج النبي فقط أم المقصود عموم أهله، خاصة «فاطمة» و«علي» وأولادهما؟ والخلاف الذي يناقشه ابن كثير حول تأويل الدلالة يعكس بلا شك خلافات تاريخية بين «السنة» و«الشيعة» لا مجال للخوض فيها هنا. والشاهد هنا أن استخدام ثنائية «العموم والخصوص» أداة للتأويل والتأويل المضاد ليست عملية ناجعة في الكشف عن الدلالة. فهذه الثنائية — شأنها في ذلك شأن ثنائيات تأويلية أخرى مثل «الناسخ والمنسوخ»، و«المحكم والمتشابه» — تنتمي لأدوات التأويل الكلاسيكية التي يمكن أن تنتج المعنى ونقيضه على حد سواء.
بالإضافة إلى أداة التأويل غير الناجعة نجد أن كلًّا من «هويدي» و«الألباني» يستخدمان «شواهد التاريخ» لتعزيز تأويلَيهما؛ فيلجأ الثاني لنفي مشاركة المرأة في الحياة السياسية، بينما يؤكد الأول عكس ذلك. ولا شك أن الواقع التاريخي، خاصة في موقعة «الجمل» بين «علي بن أبي طالب» من جهة، وبين كل من «طلحة» و«الزبير» والسيدة «عائشة» من جهة أخرى، يؤكد مشاركة المرأة في الصراع السياسي. لكن السؤال الغائب في تأويل «هويدي»: ألا يعد خروج «عائشة» للحرب ضد «علي» خروجًا على الأمر القرآني بالقرار في البيوت، سواء كان الحكم بالقرار في البيوت خاصًّا بنساء النبي أم كان عامًّا على كل النساء؟! ولعل هذا الخروج أن يكون أشد «مخالفة» للأمر الإلهي إذا كان الأمر خاصًّا. أم تُرى فهمت السيدة عائشة أن الأمر بالقرار في البيوت — دون غيره من الأوامر بالطبع — مؤقت بحياة النبي، أي أنه «خاص» بالمعنى الزمني وليس بالمعنى الاجتماعي؟ تضعنا محاولة الإجابة على السؤال أمام أحد احتمالين: احتمال أن الأمر «مؤقت»، واحتمال ارتكاب السيدة «عائشة» لخطيئة «الخروج» دينيًّا وليس سياسيًّا فقط. وفي أي من الاحتمالين تكمن أزمة التأويل والتأويل المضاد معًا، وهي أزمة مصدرها — كما سنحلل فيما يلي — التعامل مع القرآن بوصفه نصًّا مفارقًا لتاريخه وللواقع الذي أنشأه مفارقة مطلقة.
يواصل هويدي الاستشهاد بالنصوص القرآنية التي تؤكد مفهوم المساواة بين الرجل والمرأة:
يصف البيان الإلهي عَلاقة الرجل والمرأة بعبارة بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ (آل عمران: ١٩٥) أي أن كلًّا منهما مكمل للآخر، هي جزء من الرجل والعكس صحيح. وهو ما عبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «النساء شقائق الرجال». ساوى القرآن بين الرجل والمرأة في الأهلية، ومن ثم في التكليف (سورة الأحزاب: ٣٥) … ولئن تحققت المساواة في التكاليف الدينية، فإن ذلك يفتح إلى أبعد الحدود أبواب المساواة بين الجنسين في التكاليف الدنيوية التي هي دونها بيقين. قرر القرآن أيضًا — في نص بالغ الدلالة — أن المرأة مسئولة مع الرجل عن إصلاح الواقع وعمارة الأرض (سورة التوبة: ٧١) … فالرجال والنساء فيه أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ هم ليسوا ذكرًا وأنثى، ولا سيدًا ومَسُودًا، ولا جنسًا أعلى وآخر أدنى، ولكن كلًّا منهما معين للآخر وناصره … في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي أنهم جميعًا مسئولون عن إصلاح المجتمع وتقويمه، ومن ثم عن تقدمه والنهوض به، الأمر الذي يستلزم انتشارًا واسعًا — متكافئًا — في كافة ميادين التربية والتنمية والتوجيه. ولكي تنهض المرأة بواجبها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا بد أن تتسلح بما تقتضيه تلك المسئولية الكبرى من علم وخبرة. ليس ذلك فحسب، وإنما لا بد لها أن تكون هناك في قلب موقع الإصلاح، وشريكة في اتخاذ القرار.
ومن الطبيعي أن يدافع المستنيرون عن حق المرأة في «العمل»، وأن يجدوا مبررًا مشروعًا للاختلاط بين الرجال والنساء، وهو الاختلاط الذي لا يمكن تجنبه في عَلاقات العمل. وفي سياق موافقة مجلس الأمة الكويتية بأغلبية قدرها ٩٥٪ من الأصوات على قانون يمنع «الاختلاط» في المؤسسات التعليمية كافة — من المراحل الأولى إلى التعليم الجامعي — يؤكد «هويدي» ضرورة التمييز بين منع الاختلاط احترامًا للتقاليد وبين منعه على أساس ديني.
وبعد أن يستشهد هويدي بالنصوص القرآنية التي يعتمد عليها المتشددون — وهي الآيات الخاصة بنساء النبي والتي سبق مناقشتها — ويقوم بتأويلها بنفس المنهج المشار إليه، يورد أدلتهم من الأحاديث النبوية الشريفة كاشفًا عن أوجه الخطأ في تأويلهم لها:
هكذا يتم الاعتماد في تأويل المرويات على نفس منهج الاختلاف حول «الدلالة» دون التطرق إلى «سلامة» الرواية من حيث السند والمتن من ناحية، ودون التطرق إلى ما إذا كان النص المروي — في حالة سلامته سندًا ومتنًا — نصًّا تشريعيًّا بالمعنى الديني، أم كان نصًّا واصفًا لتقاليد العصر. وبعبارة أخرى: هل تلك النصوص المنسوبة إلى النبي ﷺ — مع فرض صحتها سندًا ومتنًا — والموصوفة بأنها «سُنَّة» تنتمي إلى «العادات والتقاليد»؛ وهي من ثَم غير ملزمة خارج سياقها الاجتماعي التاريخي، أم أنها من السنن التشريعية؟ ونلاحظ في التأويل السابق أن تبرير مشروعية الاختلاط مشروط بأن يكون اختلاطًا جماعيًّا بلا «خلوة»، وهو تأويل يسلِّم بداهة بصحة القول المنسوب إلى الرسول ﷺ بأنه: «ما اجتمع رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما.» بل وبأنه قول مشرع. ولعلنا يمكن أيضًا أن نلاحظ أنه في الحماس — المشكور بالطبع — لإثبات أن «المساواة» بين الرجل والمرأة مبدأ قرآني يشمل جميع ميادين العَلاقة بينهما لا يتعرض التأويل المستنير لشرح مسألة «القِوامة» و«الأفضلية» وحق «التأديب».
(د) منهج القراءة السياقية
يعتمد منهج التجديد أساسًا على ما يسمى بمنهج «القراءة السياقية» للنصوص. وليس هذا المنهج جديدًا تمامًا، بقدر ما هو تطوير لمناهج علم «أصول الفقه» التقليدي من جهة، وتواصل مع جهود رواد النهضة — خاصة الإمام محمد عبده والشيخ أمين الخولي — من جهة أخرى. يعتمد علماء الأصول منظومة «علوم القرآن» — خاصة علم «أسباب النزول» وعلم «الناسخ والمنسوخ» — إلى جانب منظومة «علوم اللغة» كأدوات أساسية للتفسير واستخراج الأحكام واستنباطها من النصوص. وهذه الأدوات من أهم أدوات منهج «القراءة السياقية». وإذا كان علماء الأصول يؤكدون أهمية «أسباب النزول» لفهم المعنى، فإن القراءة السياقية تنظر للمسألة من منظور أوسع هو مجمل السياق التاريخي الاجتماعي — القرن السابع الميلادي — لنزول الوحي؛ لأنه هو السياق الذي يمكن للباحث من خلاله أن يميز، في إطار الأحكام والتشريعات مثلًا، بين ما هو من إنشاء الوحي أصلًا وبين ما هو من العادات والأعراف الدينية أو الاجتماعية السابقة على الإسلام. كما يمكن التمييز في هذه الأخيرة بين ما تقبله الإسلام تقبلًا كاملًا مع تطويره كالحج مثلًا، وبين ما تقبله تقبلًا جزئيًّا مع الإيحاء بأهمية تطويره للمسلمين مثل مسألة «العبودية» وقضايا «حقوق النساء» و«الحروب».
وإذا كان علماء الأصول يرون أن «أسباب النزول» لا تعني «وقتية» الأحكام ولا اقتصارها على السبب فوضعوا قاعدة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»، فإن القراءة السياقية تضع تمييزًا بين «المعاني» والدلالات التاريخية المستنبطة من السياق من جهة، وبين «المغزى» الذي يدل عليه المعنى في السياق التاريخي الاجتماعي للتفسير من جهة أخرى. وهذا التمييز هام جدًّا بشرط أن يكون المغزى نابعًا من المعنى ومرتبطًا به ارتباطًا وثيقًا مثل ارتباط النتيجة بالسبب أو المعلول بالعلة، وألا يكون تعبيرًا عن هوى المفسر ووثبًا على «المعنى» أو إسقاطًا عليه.
إلى جانب السياق الكلي الاجتماعي التاريخي لعصر ما قبل الوحي، هناك مستويات أخرى عديدة للسياق يجب مراعاتها في المنهج المقترح. نذكر من هذه المستويات على سبيل المثال ما يلي:
-
(١)
سياق ترتيب النزول، وهو السياق التاريخي التتابعي للوحي، وهو سياق مغاير لترتيب تلاوة السور والآيات في المصحف الشريف. ولقد درج المفسرون عمومًا على تناول تفسير القرآن وَفق هذا الترتيب الأخير، وهو نهج يغفل حقيقة أن ألفاظ القرآن قد أصاب معانيها تطور في سياق السنوات العشرين التي استغرقها نزول الوحي؛ فاللفظ القرآني ليس من الضروري أن يدل على نفس المعنى في المواقع المختلفة، وليس معنى ذلك التقليل من شأن «ترتيب التلاوة»، بل لا بد من الاهتمام به من زاوية الكشف عن التأثير الجمالي النفسي للقرآن؛ لأنه هو الترتيب الذي استقر به النص في أفق التلقي العام. فإذا كانت القراءة بحسب ترتيب النزول أساسية للكشف عن المعاني والدلالات فإن القراءة بحسب ترتيب التلاوة تكشف عن «المغزى» والتأثير. ومنهج القراءة السياقية هو مراعاة السياقَين في نسق كُليٍّ تركيبي لا يُغفل الفروق بينهما؛ لأن القراءة التاريخية قادرة على اكتشاف تطور الدلالة داخل بنية النص (من المكي إلى المدني مثلًا) لكنها عاجزة عن اكتشاف التأثير الدلالي الكلي للبنية الراهنة للقرآن، في حين أن القراءة التتابعية لعلماء التفسير ربما تنجح في الكشف عن التأثير الدلالي الكلي وإن كانت تغفل في أحيان كثيرة عن مسألة التطور الدلالي. ومهمة منهج التجديد الحرص على الجمع بين البعدين التاريخي والتتابعي في عملية التفسير.
-
(٢)
يتبع المستوى السابق مستوى آخر هو سياق «السرد»، وهو يمثل السياق الأوسع الذي يحيط بما يُظَن أنه أمر أو نهي تشريعي، كأن يرد في سياق قصصي أو وصفًا لأحوال أمم سابقة، أو في سياق الرد على الطاعنين أو المهاجمين أو الساخرين من القرآن ومحمد، سواء كانوا من مشركي مكة أم كانوا من أهل الكتاب. وتتمثل أهمية الاهتمام بسياق السرد في تمكين الدارس من التمييز بين ما ورد على سبيل «التشريع» (وهو يتضمن مستويات فرعية لا يتسع المجال للإفاضة فيها) وبين ما ورد على سبيل «المساجلة»٧ أو «الوصف» أو «التهديد والوعيد» أو «العبرة والموعظة» … إلخ.
-
(٣)
مستوى التركيب اللغوي، وهو مستوى أعقد من مستوى التركيب النحوي الذي اهتم به المفسرون؛ لأنه يتناول بالتحليل عَلاقات مثل «الفصل» أو «الوصل» بين الجمل النحوية، وعَلاقات «التقديم والتأخير» و«الإضمار والإظهار» — الذكر والحذف — أو «التَّكرار» … إلخ. وكلها عناصر دلالية أساسية في الكشف عن مستويات المعنى. وتلك هي العناصر الدلالية التي تناولها «عبد القاهر الجرجاني» في كتابه الهام «دلائل الإعجاز» تحت مفهوم «النظم»، وقد تناولناها بالتحليل في ضوء علم «الأسلوب» أو «الأسلوبية» في دراسة مستقلة.٨ ثم يلي ذلك مستوى التحليل النحوي والبلاغي الذي لا يقف عند حدود علم البلاغة التقليدي بل يوظف أدوات علم «تحليل الخطاب» وعلم «تحليل النصوص» في إنجازاتها المعاصرة. ومن شان هذا التوظيف أن يكشف عن مستويات أكثر عمقًا وتركيبًا في الخطاب الإلهي لا مجال هنا لشرحها. أما فيما يتعلق بالنص التأسيسي الثاني، وهو السنة النبوية الشريفة، فلا بد من الجمع بين نقد «المتن» ونقد «السند»، أي بين منهج الإمامين «أبي حنيفة» و«الشافعي»، مع الإفادة كذلك من كل إمكانيات منهج نقد النصوص وتوثيقها في اللغويات الأسلوبية المعاصرة. أهم من ذلك ضرورة فتح باب الاجتهاد للفصل بين ما يندرج من كلام الرسول ﷺ في مفهوم «السنة» بالمعنى الاصطلاحي، أي الواجبة الاتباع بوصفه رسولًا ونبيًّا، وبين أقواله العادية التي يؤخذ منها ويُترك بوصفه بشرًا.
من منظور المنهج المشار إليه نتوقف بالتحليل هنا عند النصوص المتعلقة بالمرأة وحقوقها — في الخطاب القرآني بشكل خاص — تحليلًا تاريخيًّا نقديًّا، وسنجد أن كثيرًا من الأحكام التي يستند إليها المهاجمون للإسلام وللثقافة العربية الإسلامية في مسألة «حقوق المرأة» لم تكن تاريخيًّا من التشريعات التي أتى بها القرآن. ولذلك فإن الوصول إلى حقيقة موقف الإسلام من مسألة «حقوق الإنسان» عمومًا و«حقوق المرأة» خصوصًا لا بد أن يتم عبر عملية مقارنة تاريخية بين وضع «حقوق المرأة» قبل الإسلام وبين الحقوق الجديدة التي شرعها الإسلام. وبين «ما قبل» الإسلام و«ما بعد» الإسلام منطقة مشتركة تمثل منطقة «الالتقاء» بين القديم والجديد، وهي المنطقة «الجسر» أو «المعبر» التي عليها ومن خلالها يؤسس «الجديد» قبوله المعرفي في وعي الناس الذين يخاطبهم الوحي. هذا التحليل للفروق بين «جديد» الرسالة وبين منطقة العبور الوسيطة هو ما يسمى بعملية «استعادة المعنى الأصلي» للخطاب من خلال إعادة زرعه في السياق التاريخي الذي فارقه منذ أربعة عشر قرنًا حتى توهم الناس أن كل ما ذكره القرآن عن المرأة تشريع وما هو بتشريع.
كما نتناول بالنقد عمليات التوجيه الأيديولوجي للمعنى الديني في مسألة حقوق المرأة في بعض اتجاهات الفكر الإسلامي، وهي عمليات توجيه سارت أساسًا في سياق تبرير «الاجتماعي» البدوي المعادي لا للمرأة وحقوقها فقط، بل للوجود الاجتماعي للإنسان لحساب ارتهانه «تُرسًا» في مؤسسة «القبيلة»، وهي المؤسسة التي اتخذت في التاريخ أشكالًا شتى ما زالت بعض تجلياتها ماثلة في بعض المجتمعات العربية المعاصرة. هذا التوجيه للمعنى ضد سياقه الأصلي سيطر على مجرى التاريخ الاجتماعي والسياسي لأمة العرب إلا قليلًا من الاستثناءات التي يجب إبرازها لتبرئة «الإسلام» من انقلاب أبنائه على قيمه في سياق سيطرة أشكال مختلفة من الديكتاتوريات العسكرية التي ورثت مؤسسة «القبيلة» ومنحتها دماء ضخت فيها روح الحياة. وإذا كان رواد عصر النهضة قد حاولوا استعادة سياق المعنى من أجل الوصول إلى «المغزى» الملائم للعصر والتاريخ وغير المتناقض مع «المعنى الأصلي»، أي «السياقي»، فإن فشل المشروع النهضوي سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا — أو بالأحرى تعثره — قد فتح مجددًا باب العودة لمناقشة الإشكاليات التي سبق طرحها. وليس من المنطقي الاكتفاء باستعادة الإجابات السابقة أو استدعائها؛ فالسياق لم يعد نفس السياق، وليست التحديات هي نفس التحديات. من هنا استلزم الأمر طرح منهج القراءة السياقية للخروج من المأزق التأويلي الذي ما يزال الفكر الديني أسيرًا له.
(ﻫ) السياق السجالي والسياق الوصفي
ولكن لأن القرآن نزل على قوم كان التمييز بين الرجل والمرأة؛ أو بين الأنثى والذكر، جزءًا من ثقافتهم ونظامهم الاجتماعي، فمن الطبيعي أن ينعكس هذا التمييز في مساجلات القرآن معهم. ولكن الخطأ كل الخطأ يكمن في أنْ تُعامَل التعبيرات السجالية على أساس أنها تشريعات جاء بها الإسلام، وهو الأمر الذي يفسر لنا كثرة الفتاوى والتأويلات الخاطئة النابعة من ذلك الخلط بين السياق السجالي والسياق التشريعي. إن «المساواة» بين المرأة والرجل تتجلى بوصفها مقصدًا من مقاصد القرآن الكريم من جانبين: الجانب الأول هو المساواة في أصل الخلق من «نفس واحدة»، ومرة أخرى خلافًا للتوراة التي تعتبر حواء جزءًا من آدم (خلقت من ضلع من ضلوعه، قيل فيما بعد إنه الضلع الأعوج الذي يحتاج دائمًا للتقويم بالتأديب). والجانب الثاني هو المساواة في التكاليف الدينية وما يترتب عليها من ثواب أو عقاب وذلك كما نرى في النصوص التالية:
-
(١)
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (النساء: ١).
-
(٢)
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا (الأعراف: ١٨٩).
-
(٣)
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (النحل: ٩٧).
-
(٤)
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (النساء: ١٢٤).
-
(٥)
مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (غافر: ٤٠).
-
(٦)
فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (آل عمران: ١٩٥).
-
(٧)
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (التوبة: ٧١-٧٢).
أما النصوص السجالية، والتي يبدو فيها تمييز بين الذكر والأنثى، فقد وردت في سياق الرد على المشركين من العرب حين نسبوا لله الإناث فقالوا إن الملائكة بنات الله. ولعلهم كانوا ينطلقون في ذلك من عقائدهم الموغلة في القِدَم، والتي كانت بقاياها ما تزال باقية حين نزل القرآن. ذلك أن أسماء الآلهة التي كان العرب يعبدونها، والتي ذكرها القرآن، وهي «اللات» و«العُزَّى» و«مَناة»، أسماء مؤنثة. والدليل على تلك السجالية أن القرآن يجمع الأمرين — عبادة الآلهة المؤنثة ونسبة الإناث (الملائكة) إلى الله — في سياق واحد أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى * أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى * وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى * إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (النجم: ١٩–٢٨). ومن المنطقي أن نفترض أن المجتمع العربي قبل الإسلام مباشرة كان قد تجاوز منذ فترة طويلة مرحلة المجتمع الأمومي الأنثوي، وصار مجتمعًا ذكوريًّا؛ لأن عبادة آلهة مؤنثة يتناقض مع قواعد التعامل مع الأنثى بوصفها كائنًا منحطًّا يجلب العار كما هو واضح من ممارسة «وأد البنات». لذلك اعتبر القرآن أن إصرار العرب على نسبة الإناث إلى الله يُعتبر من منطق القيم الاجتماعية السائدة آنذاك نوعًا من التحقير، خاصة وأنهم كانوا ينطلقون في هذه النسبة من تصور أشدَّ وثنيةً فحواه وجود عَلاقة «نسب» بين الله والجن (الصافات: ١٥٨) نتج عنها ولادة الملائكة (الصافات: ١٥١–١٥٢). وكان طبيعيًّا أن يرد القرآن ردًّا سجاليًّا بقوله: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (النساء: ١١٧). ولهذا فمن الخطأ أن يُفهم من الخطاب القرآني في هذا السياق أي تحقير للأنثى، كيف وهو يدين ممارسات العرب في وأد البنات، سواء كان السبب في ذلك خوف الفقر أو خوف العار!
-
(١)
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (النحل: ٥٧–٥٩).
-
(٢)
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ * أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ * وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (الزخرف: ١٥–١٩).
-
(٣)
فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (الصافات: ١٤٩–١٥٥).
-
(٤)
أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (الإسراء: ٤٠).
إذا تجاوزنا النصوص التي وردت في سياق سجالي نجد نصوصًا أخرى وردت في سياق وصفي، فما ورد على لسان أم مريم مثلًا حين ولادتها ورد في سياق سردي قصصي، وهو سياق من شأنه أن يكون تعبيرًا عن المتكلم. وقد كان الحال أن امرأة عِمران — التي كانت قد نذرت ما في بطنها لله — ظنت أن الأنثى لا تصلح لوفاء النذر، ولكن الجملة الاعتراضية «والله أعلم بما وضعت» تنفي هذا التصور والظن من جانب الأم: إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا (آل عمران: ٣٥–٣٧). ونفس الأمر يصح فيما ورد على مفاهيم العرب، مثل قوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (آل عمران: ١٣).
(و) النصوص التشريعية: المعنى والمغزى
(١) الزواج والطلاق
ويواصل الإمام نقده للتقاليد والأعراف التي جعلت من الاستثناء قاعدة، ومن المباح واجبًا وفرضًا، حتى يصل إلى مشروعية سن القوانين التي تحد من ظاهرتي «تعدد الزوجات» و«حرية الطلاق» المتاحة للرجل بلا حدود ولا ضوابط. وهو في ذلك ينطلق من وعي واضح بطبيعة المشكلات الاجتماعية الناجمة عن تلك الفوضى في الفهم وضيق الأفق في التفسير والتأويل، الناجم بدوره من عدم التمييز بين «المنطوق» و«المفهوم» في دلالة النصوص، وبين «العام» و«الخاص» في بنيتها. ينطلق الإمام في تحليله من وعي واضح كذلك بالفرق بين سياقين: سياق التنزيل وملابساته التاريخية، وسياق التأويل ومتغيرات التاريخ والواقع الاجتماعي. وهو الذي مهد بذلك السبيل أمام كلٍّ من «قاسم أمين» في مصر و«الطاهر الحداد» في تونس. يقول الإمام:
ولكن السؤال العملي الذي يشغل عقل الإمام هو: كيف يتم تقنين هذا المبدأ في مصر التي يعمل قضاؤها وَفق المذهب الحنفي الذي صار مذهبًا رسميًّا للدولة منذ الاحتلال العثماني، وهو المذهب الذي يرى المرأة كائنًا ناقص الأهلية؟ يرد الإمام أولًا على هذا الرأي الفقهي مفندًا إياه بمنطق نفتقده في الخطاب الديني في أيامنا هذه. يقول:
والسبب الذي يجعل الإمام يفضل الاستمرار على مذهب أبي حنيفة، رغم أن مذهب مالك قد وفَّى «للمرأة بحقها في ذلك وقرر أن لها أن ترفع أمرها إلى القاضي في كل حالة يصل لها من الرجل ضرر» بالإضافة إلى الأسباب العملية المتمثلة في صعوبة، بل ربما في استحالة، تغيير القوانين المعمول بها في المحاكم؛ السبب هو خشية الإمام — في حالة تطبيق المذهب المالكي — من احتمال:
بالإضافة إلى النص الذي أورده الإمام من الفقه المالكي لتأكيد حق المرأة في طلب الطلاق مثلها مثل الرجل، نحب أن نضيف هنا تعزيزًا لموقف الإمام ولكل موقف إصلاحي في إطار الشريعة الإسلامية نموذج وثيقة زواج كان معمولًا بها في القرن الرابع الهجري، الحادي عشر الميلادي، بالأندلس. هذه الوثيقة النموذجية تكشف بجلاء عن الحقوق التي كانت تتمتع بها المرأة بالنص عليها في شروط عقد الزواج في بعض المجتمعات الإسلامية، الأمر الذي يؤكد أنَّ تمتُّع المرأة بحقوقها التي تصل إلى حد المساواة بالرجل لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية. وبعبارة أخرى يمكن القول إن الإسلام لا عَلاقة له بتخلف وضع المرأة في بعض المجتمعات التي يدين أهلها بالإسلام.
تجري عبارات نموذج عقد الزواج كالتالي:
وعَلِم فلان بن فلان أن زوجه فلانة هذه ممن لا تَخدم نفسها، وأنها مخدومة لحالها ومنصبها، فأقر أنه ممن يستطيع إخدامها وأن ماله يتسع لذلك فطاع بالتزام إخدامها.
تزوجها بكلمة الله عز وجل وعلى سنة نبيه محمد ﷺ ولتكون عنده بأمانة الله تبارك وتعالى وبما أخذه الله وجل للزوجات على أزواجهن من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
مثل هذا الطرح للمشكل يقدم تبريرًا أكثر مما يقدم تفسيرًا؛ فتفسير تلك السيادة التاريخية للذكر على الأنثى يجب أن ينطلق من «أنثروبولوجيا» التطور لا من «الطبيعة» البيولوجية. والارتكان على مشاهدات المجموعة الحيوانية — إن صحت المشاهدة — وقياس الإنسان على الحيوان يتجاهل حقيقة كون الإنسان كائنًا ثقافيًّا. ونتيجة مثل ذلك الطرح للقضية أن يتحول «التعدد» — الشذوذ — إلى قانون طبيعي. لكن علينا أن نقرر أن ذلك الطرح يختزل الوجود الإنساني في إطار الكائن البيولوجي، الذي لا تاريخ له سوى تاريخه الطبيعي، ولا ثقافة له تفصل تاريخه عن تاريخ الكائنات الطبيعية الأخرى. إن القول بأن «الذكر» يتمتع بدرجة نهم جنسي أعلى من درجة نهم الأنثى، وذلك بسبب انشغال الأنثى لفترة قد تطول أو تقصر بعملية «الإنجاب» سواء عن طريق الحمل أو عن طريق احتضان البيض، قول لا دليل علميًّا عليه. أما الاستناد إلى واقع تحول «الجنس» إلى تجارة في بعض المجتمعات، فهو بدوره يُغفل حقيقة المشكل في تلك المجتمعات، ويكتفي باتخاذ هذه الأوضاع المخزية مبررًا لتقنين امتهان المرأة. إنه تحليل مسجون في سجن البيولوجيا التي يتعامل معها باعتبارها «جوهر الوجود الإنساني»، حيث تتحول القضية إلى قضية «الذكر والأنثى» في حين أن القضية هي قضية «الرجل والمرأة»، وهي قضية ذات بعد ثقافي اجتماعي تاريخي.
(٢) الميراث
في نفس سياق سورة «النساء»، وفي سياق تأكيد حقوق اليتامى على وجه الخصوص والنهي عن أكل أموالهم وضرورة الحفاظ عليها لتُردَّ لهم بعد بلوغ الرشد (النكاح)، تأتي أحكام الميراث على الوجه التالي:
لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا * يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (النساء: ٧–١١).
ومما هو جدير بالملاحظة أن القرآن يحض على إشراك أولي القربى واليتامى والمساكين ممن لا ميراث لهم بالتصدق عليهم إذا حضروا وقت التقسيم، وتلك علامة دالة لا يجوز إهمالها في تحليل مفهوم الإسلام للميراث. الملاحظة الثانية هي حرص القرآن على التنبيه بأن عَلاقة «العصبية» — الأبوة والبنوة — ليست أهم العَلاقات الإنسانية. وإذا كان هذا التنبيه يمثل موقفًا قرآنيًّا عامًّا، فإن حرص القرآن على ذكره في سياق آيات المواريث — التي يعتمد التقسيم فيها على عَلاقات العصبية والقرابة — يمثل علامة أخرى دالة لا يصح إهمالها في التحليل كذلك. ومن هاتين العلامتين يمكن استنباط أن مفهوم القرآن لعدالة توزيع المال والثروة في المجتمع أوسع كثيرًا من المفهوم من «الزكاة» و«الصدقات» و«المواريث»؛ إذ الغاية والهدف ألا يكون المال «دولة بين الأغنياء»، أي يتداولونه ويحتكرونه بين بعضهم البعض. في إطار هذا الفهم العام يتحتم تحليل معنى «المواريث» في القرآن، ثم الانتقال بعد ذلك من المعنى السياقي التاريخي إلى «المغزى» المتضمن في ذلك المعنى، والذي يمكن أن ينبثق عنه في وعينا الديني المعاصر.
يلاحظ الإمام محمد عبده البُعد السياقي للتشريع القرآني، ويستنبط من خلال تحليل العَلاقات التركيبية في الآيات، كالعطف والتَّكرار، أن النص على حق النساء في «نصيب» مما ترك الوالدان والأقربون يعني «الفرض» المعروف. وهو يخالف المفسرين الذين ذهبوا إلى أن الآيات أعلاه تمثل سياقًا جديدًا لا عَلاقة بينه وبين ما سبقه في السورة. يقول الإمام إن السياق متصل في الحديث عن اليتامى وحقوقهم، والدليل قوله بعد ثلاث آيات: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا.
ويواصل الإمام تحليله للعبارة «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» من حيث عَلاقاتها بعبارة «يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ»، فيرى أنها:
ويهمنا في هذا التحليل أن نتوقف عند دلالة «المعنى» الذي استنبطه الإمام من التركيب، معنى أن القرآن جعل إرث الأنثى بمثابة الأصل المقرر المعروف الذي يُحمل عليه نصيب الذكر ويُعرف بالإضافة إليه. هذا المعنى الذي استنبطه الإمام ذو «مغزًى» هام في السياق السُّسيوتاريخي الذي كان فيه الذكر هو معيار القيمة وأصلها. ما هو هذا المغزى القرآني إن لم يكن خلْقَ توازنٍ بين محورين ساد أحدهما وسيطر واستأثر بكل قيمة إنسانية واجتماعية واقتصادية، وهذا هو محور الذكر؟ ولا يتحقق التوازن إلا بنقل الثِّقل مؤقتًا إلى المحور الآخر، محور الأنثى، حتى يستقر مبدأ المساواة المبدوءةُ به السورة، ويمتد من أفق «المساواة الدينية» لينتشر في أفق «المساواة الاجتماعية». تتأكد أبعاد المساواة بالإضافة إلى ذلك بأن يكون «الفرض» إقرار حق النساء في الميراث؛ فهذا الحق «فريضة من الله»، وهو من ثَم «حق معين مقطوع به لا محاباة فيه وليس لأحد أن ينقصهم شيئًا» بحسب شرح الإمام. يتحول هذا الفرض إلى أصل يتقرر على أساسه حظ الذكر بألا يزيد عن «حظ الأنثيين»، وتصبح تلك هي «حدود الله» (الآية ١٣).
وفي ختام السورة تتكرر عبارة «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَييْنِ» يليها النص على أن ذلك بيان من الله يعصم من الضلال: يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (الآية ١٧٦). إن فهم «الحدود» على أساس أن المقصود به نصيب الأنثى، والذي يجب أن يظل محصورًا في إطار النصف من نصيب الذكر، فهم يخالف كلًّا من دلالتي المعنى والمغزى، على السواء، لكنه هو الفهم الذي ساد واستقر كما سادت واستقرت باسم الإسلام كثير من الأعراف والتقاليد التي حاول الإسلام تغييرها. إن السياق التاريخي، بالإضافة إلى دلالتي المعنى والمغزى، يبين بجلاء أن الهدف القرآني من التشريع — البيان الذي يعصم من الضلال — هو «تحديد» نصيب الذكر، الذي كان يحصل على كل شيء، بوضع حد أقصى لما يمكن أن يحصل عليه لا يتجاوز ضعف نصيب الأنثى. هذا مع فرض نصيب للأنثى، التي لم تكن تحصل على أي شيء، بحد أدنى لا يقل عن نصف نصيب الذكر. فالتحديد إذن هو وضع حد للفوضى والاستئثار بفرض نصيب للمحروم بهدف الاقتراب من تحقيق المساواة في أفق الحياة الاجتماعية. وكل اجتهاد في سبيل تحقيق هذه المساواة، التي هي مقصِد أصلي وهدف أسمى للحياة الدينية، إنما هو اجتهاد مشروع، أو لنقُلْ هو اجتهاد في نفس اتجاه المقاصد الكلية للتشريعات. أما الاجتهاد المخالف للاتجاه المقاصدي، أو التأويل الذي يقف على أفق اللحظة التاريخية للوحي فكلاهما في دائرة «الخطأ» المعرفي بصرف النظر عن النوايا الطيبة والإخلاص الإيماني.
(٣) الحجاب والعورة
في تقديري أن مسألة «الزي» لا تستحق كل الجهود التي تُبذل في مناقشتها سواء من جانب المتزمتين الذين يريدون سجن المرأة في ثوب لا يظهر منها سوى العينين، أو من جانب أولئك الذين يريدون أن يستنطقوا القرآن بالتأويلات أنه لم يفرض على المرأة زيًّا معينًا. لكن الذي جعل منها قضية عامة في السنوات الأخيرة هو تنامي التيارات السياسية ذات اللافتات الإسلامية، خاصة بعد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران ونجاح الثورة التي خاضتها الجماهير ضد حكم الشاه. وكان زي المرأة — غطاء الرأس والنقاب — واحدًا من أهم العلامات والرموز التي أحياها ذلك المد الثوري تعبيرًا عن «رفض» العلامات والرموز «الغربية» التي ارتبطت بحكم الشاه. ثم حصول بعض التصرفات مثل قرار إحدى المحاكم الفرنسية بحرمان الطالبات المسلمات اللائي يغطين رءوسهن من الانتظام في المدارس بدعوى أن هذا الزي يمثل نوعًا من التمييز الديني غير المسموح به في نظام التعليم العلماني في فرنسا. وكان من الطبيعي أن يُحدث هذا الحكم رد فعل قوي في العالم الإسلامي ضد ما اعتُبر تحيزًا ضد الإسلام وممارسةً للتمييز العنصري والديني ضد المسلمين. وإذا أضفنا إلى ذلك سياق الحرب الأهلية في البوسنة، وما حدث فيها من اعتداءات جنسية وحشية على النساء المسلمات، ومِن عَمْد إلى إذلالهن لدرجة استخدام مَنِيِّ الكلاب لتلقيحهن، أدركنا مدى انجراح الشعور الإسلامي العام وتصديه للدفاع عن كرامته بمزيد من التمسك بما اعتُبر شارة للهوية المتميزة للشخصية الحضارية للمرأة المسلمة بصفة خاصة.
والحق أن مفهوم «العورة» ليس مفهومًا مفارقًا لبنية الثقافة — أي ثقافة — في سياقها السُّسيوتاريخي، فهو ليس مفهومًا كليًّا ثابتًا قارًّا في الجماعة البشرية كما يتوهم البعض. وإذا نظرنا للسياق القرآني — بمعزل عن السياق التاريخي لنزوله — لقلنا إن العورة هي الأعضاء الجنسية فقط بالنسبة للأحياء، وهي جثة الشخص الميت. هكذا ورد ذكر «السوأة» في الخطاب القرآني في سياقين: الأول في سياق قصة آدم وحواء وكيف بدت لهما سوءاتهما بعد الأكل من الشجرة المحرمة (الأعراف: ٢٠، ٢٢، ٢٦، ٢٧؛ وطه: ١٢١). والسياق الثاني هو سياق قصة ابني آدم وقتل أحدهما للآخر وعجز القاتل عن أن يواري سوأة أخيه حتى أرسل الله إليه الغراب ليعلمه (آل عمران: ٣١). لكن مثل هذا التأويل يفترض أن النص القرآني يمكن فهمه خارج نطاق المجال التداولي لِلُّغة في عصر نزوله من جهة، ويتجاهل من جهة أخرى أن السياق الداخلي هو سياق القص عن الحياة الاجتماعية في بداياتها البُدائية.
وقد أثارت القضيةَ مؤخرًا جريدةٌ مصرية (الدستور) في تحقيق صحفي تحت عنوان «جسد المرأة: هل هو عورة؟» وبدأت الجريدة ببسط رأي المتصوف الكبير محيي الدين بن عربي (ت. ٦٣٨ﻫ) الذي أخذ التصوف عن كثير من الشيوخ بينهم بعض النساء. ولعل شخصية «فاطمة» من أهم تلك الشخصيات الصوفية التي يدين لها ابن عربي بالكثير؛ فيكثر من ذكرها في كتابه «الفتوحات المكية» على وجه الخصوص، فهي التي كشفت له — مثلًا — أسرار سورة «الفاتحة» من القرآن الكريم وما تتضمنه وتشير إليه من المقامات والأحوال العرفانية. وهي أيضًا التي كانت تخاطب أم محيي الدين قائلة: يا نور، أنت أمه الترابية وأنا أمه الروحانية. ولعله من الهام هنا أن نذكر أن المكانة التي تمتعت بها شخصية «رابعة العدوية» في تاريخ التصوف كانت كفيلة بدعم النظرة الإيجابية للمرأة، تلك النظرة التي ميزت التصوف الفلسفي العرفاني خاصة، باستثناء أبي حامد الغزالي (ت. ٥٠٥ﻫ). لذلك ليس غريبًا أن ينفي ابن عربي المنظور الفقهي لجسد المرأة بوصفه «عورة». تنقل الصحيفة عنه وهو يستعرض مختلِف الآراء، ثم يعرض قوله هو مبرهِنًا على صحته ومستدلًّا على عدم مخالفته للشرع: «فمِن قائلٍ إنها كلها عورة ما خلا الوجه والكفين، ومن قائل بذلك وزاد أن قدمها ليس بعورة، ومن قائل إنها كلها عورة. وأما مذهبنا فليست العورة في المرأة أيضًا إلا السوأتين كما قال تعالى: وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ (الأعراف: ٢٢، وطه: ١٢١) فسوى بين آدم وحواء في ستر العورتين وهما السوأتان. وإن أُمرت المرأة بالستر فهو مذهبنا لكن لا من كونها عورة، وإنما ذلك حكم شرعي ورد بالستر ولا يلزم أن يُستر الشيء لكونه عورة.» وابن عربي هنا يعتمد المذهب الظاهري في الفقه، وهو المذهب الذي ينفي «تعليل» الأحكام الشرعية — أو استنادها إلى علل — ويرفض بناءً على ذلك مبدأ «القياس» المعتمَد عند فقهاء المذاهب الفقهية المختلفة الأخرى. وإذا كان فقهاء المذاهب الأخرى يعللون الحكم الشرعي الوارد بستر جسد المرأة بأن «علة» الأمر بالستر كونه — أي جسد المرأة — عورة، فإن ابن عربي يرفض التعليل أصلًا، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإن قرينة إشارة ضمير المثنى في الآية — والمضاف إلى السوأتين في قوله: فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا — إلى كل من آدم وحواء يعني اشتراكهما في الحكم. وتلك هي إشارة النص — أي مدلول اللفظ بطريق الالتزام، وهو هنا التزام ظاهر — بناء على منهج الظاهرية.
وقد استطلع كاتب التحقيق — عبادة علي — رأي بعض العلماء في رأي ابن عربي، وهي آراء كاشفة عن سيطرة المنظور الفقهي القديم على ذهنية علماء الدين المعاصرين، لذلك نوردها هنا:
-
(١)
رأي الدكتور محيي الدين الصافي، عميد كلية أصول الدين جامعة الأزهر: «الفتوى تخالف القول السائد بأن عورة المرأة هي جسمها كله ما عدا الوجه والكفين إذا كانت «حرة»، أما الجارية أي «المملوكة» فعورتها مثل الرجل من فوق الركبة إلى تحت السرة.» ولاحظ في أي عصر يتردد الكلام!
-
(٢)
رأي الدكتور علي مرعي، عميد كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر: «السوأة لا تعني العورة في الآيات التي استند إليها ابن عربي … فمعيار فرض الحجاب هو أنوثة المرأة وضرورة منع مفاتن الأنثى عن إثارة شهوات الرجال.»
وبالعودة إلى الإمام محمد عبده مجددًا ندرك أنه هو الذي وضع الأساس التأويلي لمسألة «الحجاب» في الفكر الإسلامي الحديث، وهو الأساس الذي ما زال يحكم اتجاه المستنيرين من ممثلي التيارات الدينية السياسية كما سنرى:
ويرى الإمام أن أمر الحجاب (بمعنى الاحتجاب عن الاختلاط بالرجال) أمر خاص بنساء النبي ﷺ دون عامة النساء. ويؤكد الإمام — خلافًا للمعاصرين — عدم جواز الحجاب لغير نساء النبي ولو من باب التأسي والاستحباب، وذلك على أساس أن:
ويعدد الإمام الحِكَم من عدم فرض الحجاب على النساء — باستثناء نساء النبي ﷺ — في مجموعة من الأغراض العملية الخاصة بشئون البيع والشراء والوكالة والشهادة في المحاكم أو المخاصمة، وكلها أغراض تتطلب التعرف على الشخص برؤية الوجه، الأمر الذي يستحيل في حالة «الاحتجاب» بالنقاب أو البرقع:
ويعجب المرء بعد هذه المرافعة الإنسانية البليغة دفاعًا عن كينونة المرأة وعن حقها في التمتع بنعم الكون الذي سخره الله للإنسان، لماذا لم يجد الإمام «الحِكَم» أو حتى حكمة واحدة فَرَضَت الحجاب على نساء النبي ﷺ، وهل كان هذا الفرض تمييزًا لهن بالأفضلية؟ وإذا كان الأمر كذلك — وهو كذلك بالفعل — ألا يكون «الحجاب» أفضل؟! ومع ذلك فإن ما قدمه الإمام لم يلحقه فيه أحد من مستنيري تيارات الإسلام السياسي.
هكذا نرى أن التأويل والتأويل المضاد يعتمد كلاهما على «الانتقاء»؛ أي إبراز النصوص التي تخدم غرض المؤوِّل بوصفها «الأصل» وتأويل النصوص التي تخالف غرضه وتخدم غرض الخصم تأويلًا يسلبها الدلالة غير المرغوب فيها. وسواء اعتمد التأويل ثنائية «الخصوص والعموم» أو اعتمد آلية «الإبراز والإخفاء» فالنتيجة واحدة: التلاعب الدلالي بالنص الديني — قرآنًا أو سُنةً — دون اعتبار لطبيعة تلك النصوص تاريخًا وسياقًا وتأليفًا — بمعنى التركيب والتكوين (لا بمعنى أنها من وضع البشر وتأليفهم) — ولغة ودلالة.
مسألة النشوز التي قيل إنها تبرر ضرب النساء، جرى التذكير بأن النشوز يعالَج أولًا بالنصح وثانيًا بالهجر، وإذا لم يجديا فللرجل أن يؤدب زوجته بما لا يمس وجهها ولا يوجعها أو يترك عليها أثرًا. واتفق الفقهاء على أن ذلك يتم بما يعادل ضربة المسواك. وقد فسر الشيخ شلتوت نشوز المرأة بانحرافها، وقال إن تأديب الزوج لها على ذلك النحو يسترها بدلًا من أن تساق إلى المحاكم لتفضح أمام الملأ هناك. ورأى الشيخ محمد الغزالي أن للنشوز في التصور الشرعي حالتين: أن تستكبر المرأة على زوجها حتى تكره الاتصال به في أخص وظائف الزوجية، أو أن تأذن في دخول بيته لغريب يكرهه دون علمه أو إذنه. والحالتان مما يقتضي الستر أن لا يعالجا خارج البيت ولا يُقحم في أمرهما طرف ثالث. جريدة «الأهرام»، السنة ١٢٣، العدد ٤٠٨٧٤، ٣ نوفمبر ١٩٩٨م، «مكلمة حول المرأة!»