الفصل الثاني

حقوق المرأة في الإسلام

دراسة في تاريخ النصوص
مع تشابك العَلاقات بين المجتمعات في العصر الحديث، فإن لقضية حقوق المرأة١ أبعادها الاجتماعية والثقافية والفكرية داخل كل بنية مجتمعية، كما أن لها أبعادًا ذات طبيعة إنسانية تتجاوز حدود البنية المجتمعية الخاصة. يضاف إلى هذا التشابك والتعقد بُعد خاص في مجتمعاتنا العربية الإسلامية، هو بُعد «الدين» الذي ما زال يمثل مرجعية شرعية وقانونية مستمدة من مرجعيته الأخلاقية والروحية. ومنذ بداية ما يسمى بعصر النهضة العربي في النصف الأول من القرن التاسع عشر وقضية «تعليم المرأة» (أولًا)، ثم «تحريرها» من التقاليد البالية الراكدة التي تعوق حركة المجتمع بأسره (ثانيًا) تحتل أولوية في سُلم المهام النهضوية العاجلة. كان رفاعة رافع الطهطاوي (١٨٠١–١٨٧٣م) — الشيخ الذي كانت مهمته في «باريس» أن يؤم أعضاء البعثة العسكرية في الصلوات وأن يفتيهم ويرشدهم في شئون دينهم — معجبًا أشد الإعجاب بالمرأة الباريسية المتعلمة، بل والمتبرجة ما دامت تحافظ على عفتها. يقول في ختام كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريس»:

«إن وقوع اللخبطة بالنسبة لعفة النساء لا يأتي من كشفهن أو سترهن، بل منشأ ذلك التربية الجيدة أو الخسيسة.»

وهكذا جعل الطهطاوي واحدة من واجباته الدينية والوطنية الدعوة إلى تعليم المرأة. فكتب «المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين». ومن رفاعة الطهطاوي يتسلم الراية محمد عبده (ت. ١٩٠٥م) فقاسم أمين (١٨٦٣–١٩٠٨م) ثم الطاهر حداد (ت. ١٩٣٠م) وجميعهم انطلق — كما سنرى — من المرجعية الدينية ذاتها التي يستند إليها خصوم المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق كما في الواجبات.

ولا شك أن العودة مجددًا لمناقشة قضايا المرأة في العالم العربي والإسلامي لا ينفصل عن نمو الظاهرة التي يطلق عليها أصحابها عادة اسم «الصحوة الإسلامية» بينما يسميها البعض الآخر «الإسلام السياسي»، وتسمى في الإعلام الغربي «الأصولية الإسلامية». وأيًّا كانت الصفات التي تلحق بالظاهرة في تسمياتها المختلفة؛ فإن حضورها يمثل حضورًا مركزيًّا في إثارة الأسئلة التي كنا نظن جميعًا أن خطاب النهضة قد قدم الإجابات الحاسمة لها، خاصة تلك الأسئلة التي تتعلق بحقوق المرأة في الشريعة الإسلامية.

ولعلنا نكرر هنا بأن أزمة الوجود العربي التي بلغت ذروتها في هزيمة يونيو/حزيران ١٩٦٧م تمثل بداية نقطة المراجعة والمساءلة لكل ما كان ثابتًا ومتفقًا عليه سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وفكريًّا. هكذا بدأت حركة المساءلة على جميع المستويات والأصعدة، وهي حركة لم تتوقف ولا نظن أنها ستتوقف؛ لأن «توابع» الهزيمة ما زالت تتوالى وتتواتر بشكل حاد. فما كاد الوعي العربي يستوعب الهزيمة، ويظن أنه قادر على احتوائها والتعامل معها — أكتوبر ١٩٧٣م — حتى اكتشف أن مزيدًا من الهزائم يترصده: اتفاقية «كامب ديفيد» بين مصر وإسرائيل، وتفتت الجبهة السياسية العربية، اجتياح بيروت، حرب الخليج الأولى، عاصفة الصحراء (أو حرب الخليج الثانية)، الغطرسة الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، مفاوضات السلام (مدريد أوسلو - غزة وأريحا) … إلخ.

وقد أفضى تواتر الهزائم هذا إلى إيقاظ النعرات العرقية الطائفية وبعثها من مرقدها؛ فاتخذت شكل النعرات القُطرية على المستوى السياسي، واتخذت على المستوى الاجتماعي أشكالًا أخرى يندرج فيها اضطهاد الأقليات بالتهميش تارة وبالاستبعاد تارة أخرى. وفي جميع الأحوال، ينشط خطاب سلطوي قاهر عاجز عن الإنصات ورافض للحوار، يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ويزعم لنفسه مرجعية عليا مستمدة من السماوي المقدس. وسواء كان الخطاب سياسيًّا أو اجتماعيًّا، فالمحصلة هي استبعاد الفرد — رجلًا وامرأة — وقهره، وفي هذا القهر يقع قهر مضاعف للمرأة والطفل معًا.

إذا تجاوزنا الواقع العربي إلى الواقع الدولي فقد أدى اختفاء الثنائية القطبية — بتفكك دولة «الاتحاد السوفييتي» — وانتفاء التعددية في النظام العالمي إلى «الديكتاتورية» الأمريكية. وقد أفضى هذا الوضع الجديد إلى حالة من الفوضى ناتجة بالمثل عن انتهاء عصر اليقينيات وبداية التساؤلات الكبرى، وتمثلت تلك الفوضى في ظهور ما كان كامنًا ومضمرًا من الصراعات الطائفية والعرقية في المجتمع الدولي ككل لا في المجتمعات التي كانت تعرف باسم مجتمعات «النظم الشمولية» فقط. إن المغزى الثقافي والسياسي لمفهوم «الوَحدة الأوروبية» وخاصة بعد تحقيق «السوق الأوروبية المشتركة»، يتضمن معنى «التسوير»، أي إيجاد «سور» حاجز بين الشعوب الأوروبية والشعوب غير الأوروبية. تسقط الأسوار داخل أوروبا، ويتسع حلف شمال الأطلنطي؛ من أجل حصار «العالم الثالث» خارج الأسوار، وذلك من أجل مزيد من التحكم في مقدراته واستغلال ثرواته الباقية. في هذا السياق يصبح مفهوم «الشرعية الدولية» هو شرعية مصالح الشمال ضد مصالح الجنوب؛ فيتم حصار «العراق»، بعد تدميره، و«ليبيا» و«سوريا» بدعوى تحدي الشرعية الدولية ومساندة الإرهاب، ويتم الصمت عن ممارسات الكِيان الصهيوني الإرهابية والمتحدية للقرارات الدولية ضد الفلسطينيين واللبنانيين.

هذه الحالة الدولية تساهم دون شك في تغذية الوضع العربي بمزيد من الطائفية العرقية التي لا تجد متنفسًا لها في منازلة الخصم الفعلي الحقيقي — التخلف والديكتاتورية والهيمنة الأمريكية الصهيونية — فترتد على ذاتها، وتتحصن بأوهامها. ففي السياق الدولي الذي تم فيه صك مصطلح «صراع الحضارات»، كما تم فيه إعلان «الإسلام» عدوًّا للغرب، لا سبيل أمام المسلمين — بفعل هذا التحدي — إلا «الالتفاف» حول ممثلي الخطاب الإسلامي الذين لا يكتفون بإشعال نار الغضب الجماهيري ضد الغرب السياسي الإمبريالي، بل يشملون بهذا الغضب مجمل الحضارة والثقافة والتراث الإنساني المستوعَب فيما يسمى «الحضارة الغربية». وبعبارة أخرى يمكن القول: إذا كانت الهزائم العربية المتوالية قد أثارت من جديد طرح أسئلة «الهوية» و«التراث» و«الخصوصية» من منظور عرقي طائفي في الغالب، فإن الحالة الدولية تساهم في تعميق هذا المنظور.

(ا) الأسئلة الجديدة: أين نحن منها؟

فيما العالم الآن مشغول بقضايا تتجاوز كثيرًا مسائل تعليم المرأة وخروجها للعمل ومساواتها للرجل ومسئوليتها الاجتماعية ككائن بشري مستقل، ليس قادرًا فقط على المشاركة في اتخاذ القرار، بل قادرًا على القيادة والإنجاز، وفيما بدأت المرأة تتحرر من مسألة المطالبة بنديتها للرجل، وتحاول التعبير عن هويتها «المستقلة» عن هوية «الرجل»، والمساوية لها في نفس الوقت، ما زلنا نحن مشغولين بمسألة مدى كفاءة المرأة وأهليتها للتمتع بحق «الطلاق»، أو لاعتلاء منصة «القضاء»، أو مدى أهليتها للمشاركة الفعلية المستقلة في الحياة السياسية. ورغم أن عمر الحركة النسائية العربية يناهز قرنًا من الزمان أو يزيد، ورغم أن المرأة تشغل منصب «الوزارة» في بعض الأقطار العربية، بالإضافة إلى اعتلاء المرأة منصة القضاء بالفعل في تونس والأردن واليمن وسوريا ولبنان، فإن الأمر يبدو في الخطاب العام في مصر الآن كما لو كنا نعيش بداية عصر النهضة.

لقد كان أمرًا مفاجئًا أن تصدر إحدى محاكم الأحوال الشخصية المصرية — ومفاجآت تلك المحاكم صارت في السنوات الأخيرة أكثر من أن تحصى — حكمًا يُلزم أستاذة جامعية متخصصة في بحوث الذَّرَّة أن ترضخ لرغبة الزوج في الإنجاب، ولو على حساب التضحية بعملها البحثي ودورها التعليمي في الجامعة. وفي مبررات الحكم استند القاضي إلى ما تصوره هو مهمة المرأة، ودورها الأساسي الذي اختصره الحكم في الزواج والأمومة: «إن الحياة الأسرية للزوجة تأتي في الأهمية الأولى.» وكانت الزوجة قد هجرت زوجها بعد زواج دام خمس سنوات بعد خلافهما على مسألة الإنجاب، حيث أصرت الزوجة على عدم الإنجاب خوفًا على الجنين من تأثير الأشعة والمواد الكيماوية التي تتعامل معها في المعمل.٢ لم يَدُر بخلد القاضي أن اختلاف الزوجين حول مسألة «الإنجاب» لا يمكن حلها بحكم قضائي يطالب الزوجة بالإذعان، كما لو كانت كائنًا بيولوجيًّا بلا إرادة أو اختيار. كان يمكن للقاضي أن يخير الزوجة بين تحقيق رغبة الزوج أو الطلاق، ونفس الأمر كان يمكن أن يوجه للزوج، لأن عقد الزواج ليس عقد إذعان. لكن يبدو أن هذا المفهوم «الاستعبادي» لعقد الزواج هو المفهوم الذي ينطلق منه القاضي بوصفه مفهومًا «إسلاميًّا». ليس مما يشغل بال القاضي الدور الذي تؤديه الأستاذة الجامعية في مجالي البحث والتعليم، وهو دور يعلو في قيمته وأهميته التفرغ للزواج والإنجاب. وليس مما يؤرق القاضي من الإسلام سوى الرضوخ لأقوال بعض الفقهاء الذين أنتجوا فكرهم في سياق اجتماعي تاريخي، سادت فيه تقاليد أُدمجت في «الإسلام» قسرًا وعَنوة. لا يؤرق القاضي وضع التخلف الذي يعانيه العالم الإسلامي اليوم في مجال المعرفة العلمية والتعليم. ويبدو أنه لم يتابع النقاش حول أزمة البحث العلمي في مصر، وهو النقاش الذي أثير أولًا في سياق زيارة الدكتور «أحمد زويل» لمصر والاحتفالات التي أقيمت لتكريمه بمناسبة حصوله على إحدى الجوائز العلمية في الولايات المتحدة حيث يعمل، ثم احتدم في سياق التفجيرات النووية التي قامت بها كل من باكستان والهند، وتوالت سلسلة من المناقشات التي لم تلبث أن هدأت، ليدخل المتناقشون في دوائر أخرى من المناقشات.

إذن القوانين المنظمة لحركة المجتمع، خاصة في مجال «الأحوال الشخصية»، ما تزال تستند إلى مرجعية «الشريعة»، دون أن تصاغ الشريعة صياغة قانونية منضبطة لا تسمح إلا بقدر من الاجتهاد في تنزيل النص «القانوني» على الواقعة المنظورة أمام القاضي. دون تحقيق الصياغة القانونية الدقيقة المنضبطة تلك سيظل القضاء في مصر — في مجال الأحوال الشخصية بصفة خاصة — بناءً هشًّا رخوًا يخضع أمر الأحكام فيه لاتجاه تفكير القاضي المتأثر حتمًا بالمناخ الاجتماعي والسياسي العام.

لكن ماذا عن صلاحية المرأة لتكون قاضيًا؟ حصيلة النقاش من جانب المؤيدين والمعارضين تستند في مجملها إلى أقوال الفقهاء. المعارضون يستندون إلى إجماع «الجمهور» — المقصود أغلبية الفقهاء — من المالكية والشافعية والحنابلة على أن المرأة لا تصلح للقضاء؛ إذ تُعتبر الذكورة شرطًا أساسيًّا، فالقضاء فرع من «الولاية» أو «الإمامة»، وكلاهما يشترط «الذكورة». المؤيدون يستندون إلى «محمد بن جرير الطبري» — المؤرخ والمفسر والفقيه — وإلى «ابن حزم» الظاهري، وكلاهما — إضافة إلى موقف «الخوارج» — يقول إن الذكورة ليست شرطًا لتولي القضاء، ومن حق المرأة أن تمارس دور القاضي كالرجل سواء بسواء. البعض يقف موقفًا وسطًا بين المتحمسين والرافضين، فيرى استنادًا إلى الموقف الذي اتخذه الفقهاء الأحناف أن أهلية المرأة للقضاء تقاس على أهليتها للشهادة، وعلى ذلك يجيزون أن تتولى المرأة شئون القضاء، ولكن في غير الجنايات (الحدود والقِصاص). لكن الاعتماد على أقوال السلف يتم تبريره من جانب الرافضين والمتحفظين بحجج تستحضر الفروق «الطبيعية» بين المرأة والرجل بوصفها فروقًا أزلية أبدية، من مثل «عاطفية» المرأة و«ضعفها» مقابل «عقلانية» الرجل و«قوته»، أو من قبيل أن عمل المرأة في السلك النيابي — الممهِّد وظيفيًّا لاعتلاء منصة القضاء — يتطلب أحيانًا الانتقال إلى مكان الجريمة في الأماكن البعيدة النائية في أوقات متباينة من الليل والنهار، الأمر الذي يمثل مشقة لا تتحملها المرأة من جهة، ويتعارض مع واجباتها الأسرية والعائلية من جهة أخرى.

وقد كان متوقعًا من أعلى سلطة دينية في البلاد أن تكون في جانب المتحمسين لعمل المرأة بالقضاء، لا أن تكتفي بمجرد الموافقة المتحمسة. ولكن الواضح أن الإمام الأكبر يتبنى موقف المعارضين، استنادًا إلى نفس الحجج التقليدية التي تقيم التمييز بين الرجل والمرأة على أساس طبيعي. في حوار معه بدأ فضيلة الإمام الأكبر بإعلان عدم وجود نص في القرآن أو السنة يحول بين المرأة والوصول إلى منصة القضاء. وكان هذا البيان الواضح كافيًا، لكن فضيلة الإمام استطرد مبينًا الصعوبات العملية ومعوقات التقاليد التي لا تسمح للمرأة بالعمل بكفاءة في سلك النيابة العامة. وحين تساءل المُحاور في صيغة التقرير: نفهم من ذلك أن هذا رأي شخصي لشيخ الأزهر، وليس نابعًا من الشرع، أجاب الشيخ على الفور: ولكنه مبني على قواعد فقهية وأصولية مستمدة من الدين. هكذا سحب فضيلته بيده اليسرى ما سبق له أن أعطاه باليد اليمنى، والمحصلة النهائية أن خطاب الاستنارة وقع في جُب تبرير «التقاليد» بمبررات شرعية تغطي تشوهاتها «الذكورية».٣ تأخذ «التقاليد» عادة اسمًا تتجمل به هو «التراث»، الذي أصبح هاجسًا ملحًّا منذ الهزيمة الكبرى. ومع نمو تيار «الإسلام السياسي» صار «التراث» شريعة، وتوحدت الشريعة بالدين ذاته.

(ب) مصطلح «الشريعة» بين «الفقه» و«الدين»:

يميز كثير من الباحثين بين مفهوم «الشريعة» ومفهوم «الفقه»، على أساس أن الشريعة تشير إلى القواعد والمبادئ الكلية الموحى بها من الله عز وجل في حين يمثل «الفقه» الاجتهادات البشرية لعلماء المسلمين في مختلف العصور والأرجاء في تنزيل المبادئ على الوقائع الفعلية. وهذا تمييز دقيق في ذاته ولا غبار على صياغته من حيث الشكل. وإنما تتمثل المشكلة الحقيقية في معايير التطبيق في مناقشة قضية بعينها، حيث يتم الاستشهاد عادة بالآراء الفقهية السابقة كما لاحظنا في الأمثلة التي ناقشناها فيما سلف. وحين يتساءل متسائل عن طبيعة «القواعد والمبادئ الكلية» التي تمثل مضمون مفهوم كلمة «شريعة» تتم الإشارة إلى مفهوم «المقاصد الكلية»، رغم أن تلك «المقاصد» ليست سوى استنباطات علماء «أصول الفقه» — خاصة «أبو حامد الغزالي» و«أبو إسحاق الشاطبي». وبعبارة أخرى نجد أن مفهوم «الشريعة» يشير على مستوى التطبيق إلى التأويلات والاستنباطات البشرية.

ولعل منشأ الالتباس أن مفهوم الشريعة أو مصطلح «الشريعة» ليس واضحًا؛ لأنه لم تتح مناقشته مناقشة حرة كاملة من منظور معرفي خالص. لقد ساد اعتقاد فحواه أن الإسلام «عقيدة وشريعة»، أي أنه مكون من جزأين يمكن الفصل بينهما، وإن كانا متكاملين. الجزء الأول هو العقيدة كما تتمثل في الإيمان بالله (الواحد الأحد) وملائكته وكتبه ورسله، وباليوم الآخر (البعث والحساب والجنة والنار) وبالقدر خيره وشره. والجزء الآخر المكمل للعقيدة، لأنه منبثق عنها، هو «الشريعة» كما تتمثل في منظومة الأوامر والنواهي التي تنظم السلوك الفردي والاجتماعي للمؤمنين، كما تنظم عَلاقة الجماعة المؤمنة بالجماعات الأخرى، سواء داخل المجتمع الواحد (كما كان الحال في مجتمع يثرب، الذي كان يضم اليهود والمشركين إلى جانب المسلمين) أو بين المجتمعات المسلمة وتلك غير المسلمة. هذا هو الفهم المستقر والاعتقاد السائد بين المسلمين عوامهم وعلمائهم، وهو اعتقاد غير قابل للنقاش أو التساؤل؛ لأنه في نظر الأغلبية الغالبة من «الثوابت» الإيمانية التي يتعرض من يحاول فتح النقاش حولها للطعن في عقيدته وإيمانه وإخراجه كلية من زمرة المسلمين.

ولا بأس من الاعتقاد الفكري أيًّا كان ما دام لا يلتبس بيقين «الإيمان» الديني داخل النفس، ولكن الذي حدث في النصف الثاني من القرن العشرين أن الاعتقاد بوجود «شريعة» — بمعنى القوانين والتشريعات المعروفة في المجتمعات الحديثة، بل ومساوية لها من حيث الندِّية وأرقى منها من حيث الكفاءة — أفضى إلى خلق حالة من اضطراب المفاهيم، تداخلت مع عاطفة الإيمان الديني، فصارت الفكرة عقيدة دينية، وصارت «الشريعة» بهذا الفهم هي الوجه الآخر للعقيدة، ولا يكتمل الإسلام إلا بهما معًا. من هنا صار «تطبيق الشريعة» مطلبًا ملحًّا؛ إذ بدونه تفقد المجتمعات المسلمة صفة «الإسلامية» وتصبح مجتمعات «جاهلية». تلك هي المقولة التي صاغها «أبو الأعلى المودودي» في سياق الصراع السياسي الطائفي في الهند عشية الاستقلال، والذي أفضى إلى سعي المسلمين الهنود للانفصال وتأسيس دولتهم التي صارت «باكستان». وقد تلقف الفكرة وأشاعها في العالم العربي المفكر المصري «سيد قطب» في سياق مشابه، هو صراع «الإخوان المسلمين» في مصر مع حركة «الضباط الأحرار» حول اقتسام السلطة السياسية بعد نجاح الحركة في طرد الملك وحل كل الأحزاب السياسية — باستثناء «الإخوان المسلمين» — والانفراد بالحكم. هكذا لم يعد الإسلام/العقيدة كافيًا، وصارت «الشريعة» مكونًا جوهريًّا من مكونات الإيمان الديني. لكن هذا الرباط الوثيق المحكم الذي جعل من «الشريعة»، أو بالأحرى من القوانين الفقهية، عقيدة ودينًا لم يكن من صنيع «المودودي»، وإن كان المودودي هو الذي أعطاه الصياغة المتداولة الآن في الخطاب الديني معتدلة ومتطرفة على السواء. إنما منشأ ذلك الفهم يرتد في الحقيقة إلى الربط بين مفهوم «الخلافة» السياسي وبين الدين، وهو الربط الذي تولد في سياق النقاش الذي دار في العالم الإسلامي بعد أن قام الكماليون الأتراك في نهاية الربع الأول من القرن العشرين بالفصل بين «السلطنة» و«الخلافة» أولًا، ثم قاموا بإلغاء منصب الخلافة إلغاء كليًّا بعد ذلك. في سياق هذا النقاش اختلطت الأطماع السياسية في شغل المنصب — الذي صار خاليًا — بالمعارك الفكرية التي دارت بين مؤيدي القرار، مثل علي عبد الرازق صاحب «الإسلام وأصول الحكم» وبين معارضيه، وعلى رأسهم محمد رشيد رضا صاحب «الخلافة أو الإمامة العظمى»، إلى درجة أن مؤسسة «الأزهر» في سبيل تأييد مطامع الملك فؤاد في ارتقاء عرش الخلافة أقامت محكمة تفتيش ضد «علي عبد الرازق» وكتابه، انتهت بالحكم على الرجل بالكفر، ولم تكتف بفصله من منصب القضاء، بل وحرمته من ألقابه العلمية بأن سحبت منه شهادة «العالمية». في هذا السياق تبلور مفهوم «الدولة الدينية»، ربما لأول مرة في تاريخ الفكر الإسلامي، وهو المفهوم الذي ما زال يمثل بؤرة الصراع الفكري منذ تأسيس «حسن البنا» — تلميذ رشيد رضا — لجماعة «الإخوان المسلمين» في مصر ١٩٢٨م.

من أجل فتح باب النقاش — المغلق — حول مفهوم «الشريعة» وعَلاقتها بالدين/الإسلام من الضروري العودة إلى ما يسمى مجال التداول الأصلي للألفاظ والعبارات، وهو المجال السابق على تحولها إلى «مفاهيم» و«مصطلحات» محملة بثقل الصراعات التاريخية — الاجتماعية السياسية — وتعبيراتها الفكرية والثقافية وما تحدثه من تراكمات دلالية. ولعل من شأن هذه العودة التحليلية أن تكشف بعض جذور الخلط الذي يعاني منه الخطاب الديني المعاصر. و«القرآن» الكريم هو دائمًا مجال التداول الأصلي لكل ما اندرج فيما بعد في منظومة، أو بالأحرى منظومات، الفكر الإسلامي من خلال طبقات التفسير والتأويل التي كونت المفاهيم وصكت المصطلحات.

وردت مادة «شرع» في القرآن الكريم ٥ مرات فقط: مرة في صيغة الوصف وفي موقع الحال «شُرَّعًا»؛ وصفًا لظهور الحيتان يوم السبت لبني إسرائيل (الأعراف: ١٦٣)، ومرة في صيغة المصدر وفي موقع المفعول «شرعة»، ومرة واحدة فقط بالصيغة المتداولة الآن «شريعة». بالإضافة إلى ذلك وردت المادة مرتين في صيغة الفعل، والمعنى في الحالتين هو إظهار «الدين» بعد أن كان خافيًا غير معروف، فالله سبحانه هو الذي شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى (الشورى: ١٣).

والأصل في الاستخدام اللغوي لكلمة «شريعة» مأخوذ من شق الطريق إلى الماء لتشرب الدواب، ومن هنا سميت المواضع التي تنحدر الدواب إلى الماء منها «الشريعة» و«الشراع» و«المشرعة». ويكون معنى أن الله «شرع لكم من الدين … إلخ» أنه سبحانه «أظهر لكم طريقًا، وشرع لكم منهاجًا». لذلك يسخر القرآن من المشركين؛ لأنهم يتصورون أنهم على الطريق الصحيح، وهم في الحقيقة في ضلال أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ (الشورى: ٢١).

ومن الطبيعي أن يكون الدين «شرعة» بمعنى «المنهاج» والطريق والصراط الذي يسير عليه الإنسان. ولذلك فالدين واحد في حقيقته وأصله، رغم اختلاف الناس الذي هو من طبائع الأمور. ويجب ألا يُحل الاختلافُ بالتقاتل والصراعات الدموية، إذ على اليهود اتباع توراتهم، وعلى النصارى اتباع إنجيلهم. يقول الله: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ، ويقول: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ، وليتبع المسلمون كتابهم: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً (المائدة: ٤٣، ٤٧، ٤٨ على التوالي). قال المفسرون: «الشرعة: الدين، والمنهاج: الطريق، وقيل: الشرعة والمنهاج جميعًا الطريق، والطريق ها هنا: الدين» (انظر: لسان العرب). وعلى ذلك فقوله تعالى مخاطبًا محمدًا عليه السلام: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (الجاثية: ١٨) هو أمر باتباع الطريق وسلوك «الشريعة» التي أقامه الله عليها، لا سلوك شرائع الأهواء التي يتبعها المشركون «الذين لا يعلمون». ومعنى ذلك أن الشرك «شريعة» من الأمر، و«الإسلام» شريعة أخرى من الأمر، كما أن اليهودية «شريعة» والنصرانية «شريعة»، والعادات والتقاليد «شريعة» كذلك.

ليس في القرآن إذن تمييز بين «عقيدة» و«شريعة»، بل الشريعة هي الدين في الاستخدام القرآني، وقد ظل هذا الاستخدام ماثلًا حتى عصر ابن رشد الذي يرى أن البرهان و«الشريعة» أختان في الرضاعة، والمعنى واضح، إذ يقصد بالشريعة «الدين» لا الأحكام. في الخطاب الصوفي تنعقد المقارنة دائمًا بين «الشريعة» و«الحقيقة» ويتم التمييز بينهما على أساس أن «الشريعة» «تنزيل» يعتمد بناء الحقيقة فيها على «النقل»، بينما تعتمد «الحقيقة» على المعاينة والمشاهدة من خلال «المعراج» الصوفي. وإنما وقع التمييز بين «الشريعة» و«العقيدة»، واستقل مفهوم «الشريعة» بالأحكام القانونية في سياق المشكلات التي سبقت الإشارة إليها في العالم المعاصر. صحيح أن بعض المطالبين بقيام دولة دينية تعتمد على تطبيق أحكام الشريعة يميزون — نظريًّا على الأقل — بين «الشريعة» و«الفقه»، أو بين «الثابت» و«المتغير» في بنية النظام القانوني الإسلامي، لكن هذا التمييز يفضي في النهاية إلى حصر مفهوم «الشريعة» الواجبة التطبيق في العقوبات — الحدود — التي ذُكرت في القرآن الكريم، مثل «قطع يد» السارق والسارقة و«جلد» الزانية والزاني، بالإضافة إلى عقوبة «الرجم» للمحصنات من الرجال والنساء، وهو أمر لم يرد له ذكر في القرآن، كما لم يرد ذكر لعقوبة «جلد» شارب الخمر. قيل عن عقوبة «الرجم» إنها وردت في آية منسوخة التلاوة، لكن حكمها محكم، وهو أمر يصعب تقبله بسهولة، خاصة مع عدم تقبل نقد المرويات التي تزعم أن النبي أقام مثل ذلك الحد على إحدى النساء، أو على مناقشة احتمال أن يكون ذلك قد وقع اتباعًا للعادة والعرف الشائع قبل تشريع «الجلد». أما حد «الخمر» فهو بلا خلاف اجتهاد من المسلمين، أي أنه عقوبة وضعية.

وحصر مفهوم الشريعة في تطبيق «الحدود» — التي تدرأ بالشبهات حسب وصية الرسول — ليس مجرد استنتاج؛ ذلك أن قوانين «الميراث» و«الزواج» و«الطلاق» و«الولاية» … إلخ هي القوانين السارية والمطبقة تطبيقًا حرفيًّا في معظم الدول الإسلامية، وليتها مطبقة بمنهج قرآني منفتح، أي بمنهج متسق مع «مقاصد» القرآن الكلية، بل هي مطبقة وَفق تأويلات وتفسيرات فقهية تعكس تقاليد وشرائع مجتمعات خارج التاريخ. يكفي هنا الاستشهاد بالقيود البشعة المفروضة على حق المرأة في «الطلاق» مع استحالة العشرة، و«تقييد» حقها في الاشتراط في عقد الزواج، فضلًا عن حق «العمل».

إن «الأحكام» الواردة في القرآن لا تمثل أكثر من سدس عدد آياته، فهل تنحصر الشريعة في هذا الإطار الصغير؟ وهل تمثل «العقيدة» — قسيم الشريعة عند دعاة الدولة الدينية — أساس الشريعة، بينما هي منتشرة في بنية القرآن، في قصصه وأمثاله وعبره وعظاته، أي باختصار في بنائه الأدبي الشاهق؟ لقد عكس القوم الوضع فجعلوا من البناء أساسًا لبعض أطرافه وهوامشه، لأن الأحكام التي تقبل التطور كما تقبل النسخ بطبيعتها لا يمكن أن تقع على نفس مستوى البناء الذي لا يجوز فيه النسخ أو التطور. إن ما شرعه الله لمحمد — الإسلام — هو ما سبق أن شرعه للرسل قبله، فالدين واحد و«الأحكام» تختلف باختلاف الزمان والمكان. والتمييز الذي يقيمه البعض نظريًّا بين «الشريعة» و«الفقه» لا يلبث عند التطبيق العملي أن يتلاشى لحساب «الفقه» بأصوله وفروعه وقياساته وفروضه وحواشيه وشروحه. وحين يصبح «الفقه» شريعة واجبة التطبيق يصبح فقيه العصر — أو بالأحرى دارس الفقه — مرجعًا للفتوى في كل شيء، من مشكلات «الحيض والنفاس» إلى قضايا «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» إضافة إلى «الاستنساخ» و«العولمة». يصبح المفتي باختصار مرجعًا في العلم والثقافة والأدب والفنون والتكنولوجيا، وفي السياسة والاقتصاد والاجتماع وعلم النفس والفلسفة. أليس في الشريعة حل لكل مشكل وإجابة على كل سؤال! ألا يفضي هذا الافتراض الأخير إلى حصر النقاش في دائرة «التأويل» و«التأويل المضاد»؟

(ج) التراث وإشكالية التأويل والتأويل المضاد

صار هاجس إشكالية «العودة» إلى «التراث» — وما يزال — هو الهاجس المسيطر على مجمل الإجابات التي طُرحت في الخطاب العربي على الأسئلة التي أثارتها الهزائم. وتشعبت من هذا الهاجس الأساسي والمحوري ثلاثة اتجاهات في التعامل مع التراث: أقوى هذه الاتجاهات — من المنظور الجماهيري والشعبي — الاتجاه الإحيائي السلفي، وهو اتجاه يرى في التراث — الديني الإسلامي بصفة خاصة — مستودعًا للحلول، وتعبيرًا عن «الهوية» الخاصة، وتجسيدًا لمشروع حضاري متميز، هو وحده الكفيل بالخروج بالأمة من أزمتها الراهنة وتحقيق النهضة المأمولة. الاتجاه الثاني هو اتجاه القطيعة مع التراث، وهو اتجاه يرى أن للتراث وجودًا ضارًّا مسئولًا عن بعض جوانب الأزمة الراهنة، ويرى أن الحل يكمن في ضرورة تحليل هذا التراث — أو تفكيكه — سعيًا لإحداث قطيعة معرفية تحررنا منه ومن تأثيراته الضارة. وكان من الطبيعي أن يوجد اتجاه ثالث، هو اتجاه تجديد التراث، وهو تيار تلفيقي، وإن كان يحاول أن يضفي على نفسه صفة «التوفيق» بين «التراث» والعصر عن طريق تجديد التراث بإعادة تأويله بما يحقق متطلبات العصر. ولعل الذي يهمنا في هذا العرض هو منهج «المجددين»؛ خاصة من زاوية تعارض النتائج التي يتوصل إليها مع خطاب السلفيين المتشددين رغم الاتفاق في مسألة المرجعية الشمولية للنصوص.

حين تثار مشكلة حقوق المرأة في الإسلام يلجأ المدافعون عن الإسلام — المجددون غالبًا — إلى «النصوص القرآنية» لبيان أن الإسلام أعطى المرأة حقوقًا سبق بها التشريعات الحديثة بأربعة عشر قرنًا من الزمان. ويتم في هذا السياق التركيز على النصوص التي تؤكد المساواة وإبرازها. أما السلفيون التقليديون فإنهم يرون أن تلك المساواة تتمثل في الثواب والعقاب في الآخرة؛ فهي مساواة دينية وليست اجتماعية. لكن تظل هذه المساواة مشروطة بتأكيد الفروق الفاصلة بين المرأة والرجل، وهي فروق طبيعية، أي من حيث الخِلقة، تتمثل في الفروق البيولوجية بينهما. في سياق تأكيد هذه الفروق يتم الاستشهاد أيضًا بالقرآن الكريم، وذلك دون إدراك السياق السجالي في مخاطبة القرآن الكريم للعرب. وفي عملية إهدار السياق تلك يُعتمد التأويل كما يُعتمد التأويل المضاد على نهج التلاعب الدلالي بالنص الديني — قرآنًا أو سنة — دون اعتبار لطبيعة تلك النصوص تاريخًا وسياقًا وتأليفًا، بمعنى التركيب والتكوين (لا بمعنى أنها من وضع البشر وتأليفهم)، لغة ودلالة. ألا يستدعي ذلك كله، من الباحث أن يحاول تطوير منهج لفهم النصوص قادر على إخراج الفكر الإسلامي من أزمة التأويل والتأويل المضاد ذات التاريخ الطويل في الممارسة؟

ولعله من المفيد أن نستعرض نموذجًا واحدًا فقط يكشف عن سيطرة نهج التأويل والتأويل المضاد في ثقافتنا الدينية المعاصرة، وذلك على أساس نفعي براجماتي يهدر السياق في كل مستوياته، فضلًا عن التداخل بين هذه المستويات. ونعرض هنا للفتوى التي بثتها وكالة الأنباء الفرنسية ونشرتها الصحف الكويتية نقلًا عن لسان الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس هيئة البحوث والإفتاء في السعودية، بعنوان «عمل المرأة من أعظم وسائل الزنا»:

«إن إخراج المرأة من بيتها الذي هو مملكتها ومنطلقها الحيوي في هذه الحياة إخراج لها عما تقتضيه فطرتها وطبيعتها التي جبلها الله عليها. فالدعوة إلى نزول المرأة إلى الميادين التي تخص الرجال أمر خطير على المجتمع الإسلامي، ومن أعظم آثاره الاختلاط الذي يُعتبر من أعظم وسائل الزنا الذي يفتك بالمجتمع ويهدم قيمه وأخلاقه.»٤
ولا شك أن اهتمام وكالة الأنباء الفرنسية ببث هذه الفتوى لا يخلو من مغزًى أيديولوجي في إطار حملة تشويه صورة الإسلام والمسلمين في الإعلام الغربي بصفة عامة. وفي سياق ممارسات «طالبان» في أفغانستان ضد المرأة، حيث جعلوا مسألة «حجاب» المرأة وحبسها في البيت على رأس أولويات إصلاحاتهم، تكتسب تلك الفتوى أهمية خاصة في عمليات التشويه المشار إليها. لذلك كان من الضروري أن يتصدى الكاتب «فهمي هويدي» — أحد الرموز الممثلة لتيار النهضة الإسلامية — للرد على هذه الفتوى الخطيرة، والتي تمثل تهديدًا مباشرًا لصورة الإسلام «الحضاري» التي تدعي بعض الفصائل الإسلامية الدعوة إليها. في هذا الرد يعتمد الكاتب على آراء الشيخ «محمد رشيد رضا» — أحد تلاميذ الشيخ محمد عبده ومحرر مَجلة «المنار» التي صدر عنها تفسير الإمام بتعليق تلميذه — حيث لاحظ أنه خصص فصلًا في كتابه «حقوق النساء في الإسلام» لمشاركة النساء والرجال في الشعائر الدينية والأعمال الاجتماعية والسياسية. وفي إحدى الطبعات البيروتية تولى التعليق على الكتاب الشيخ محمد ناصر الألباني وهو محدِّث من علماء السلفية المعاصرة، فلم يعجبه العنوان والفصل كله فأثبت هامشًا في الصفحة الأولى منه قال فيه: هذا الإطلاق لا يخفي ما فيه، بل هو باطل لمنافاته لعموم آية «وقرن في بيوتكن» وما كان عليه نساء السلف من عدم التدخل في السياسة. يتولى «هويدي» الرد على تعليق الشيخ الألباني قائلًا:
في هذا الهامش وقع المحدث الكبير في خطأين: أولهما أنه تحدث عن عموم آية وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ، وهي خاصة بنساء النبي وحدهن بصريح نص القرآن. وثانيًا قوله إن نساء السلف لم يتدخلن في السياسة، لأن وقائع عصر النبوة والخلافة الراشدة، وهم خير سلف، كانت على نقيض ما ذهب إليه.٥

والآية محل النزاع التأويلي هي: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (الأحزاب: ٣٣) وهي جزء من مجموعة من الآيات تتعلق بتنظيم العَلاقة بين النبي ونسائه، تبدأ بتخييرهن بين التسريح بإحسان (الطلاق) — إن كن يردن الحياة الدنيا وزينتها — وبين البقاء في عصمة النبي والوعد بالأجر العظيم في الآخرة، وتنتهي بأمرهن بالقرار في بيوتهن وذكر ما يتلى فيهن «من آيات الله والحكمة» (من ٢٨–٣٤) والسياق دون شك هو سياق خطاب موجه لنساء النبي، لكن يبقى السؤال حول «الحكم» — حكم الأمر بالقرار في البيوت — هل هو «خاص» بنساء النبي، أم أن الاعتبار يجب هنا أن يكون عامًّا؟ والسؤال بلغة الفقهاء والمفسرين: هل العبرة هنا بخصوص السبب — «سبب النزول» — أم بعموم اللفظ؟ من الواضح أن الشيخ «الألباني» يعطي الأولوية لعموم اللفظ في حين يركز «هويدي» على خصوص السبب. ومن الواضح هنا أن انشغال «هويدي» بالتأويل الدفاعي جعله يُغفل باقي الأوامر في الآية وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وهي أوامر من الصعب إدخالها في حيز «الخصوص». قد يكون التركيز على النداء وما يليه في مفتتح الآية ٣٢ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ — مع إهمال السياق السردي العام لتسلسل الآيات — هو المسئول بصفة خاصة عن إمكانية التلاعب الدلالي لحد التناقض والتضاد.

نجد «ابن كثير» في تفسيره يرى أن الأمر بالقرار في البيوت يشمل كل النساء ولا يختص بنساء النبي فقط، وينقل سؤال «العموم والخصوص» من حكم الأمر بالقرار إلى مفهوم «أهل البيت» الذين يريد الله أن يذهب عنهم الرجس: هل المقصود بهم أزواج النبي فقط أم المقصود عموم أهله، خاصة «فاطمة» و«علي» وأولادهما؟ والخلاف الذي يناقشه ابن كثير حول تأويل الدلالة يعكس بلا شك خلافات تاريخية بين «السنة» و«الشيعة» لا مجال للخوض فيها هنا. والشاهد هنا أن استخدام ثنائية «العموم والخصوص» أداة للتأويل والتأويل المضاد ليست عملية ناجعة في الكشف عن الدلالة. فهذه الثنائية — شأنها في ذلك شأن ثنائيات تأويلية أخرى مثل «الناسخ والمنسوخ»، و«المحكم والمتشابه» — تنتمي لأدوات التأويل الكلاسيكية التي يمكن أن تنتج المعنى ونقيضه على حد سواء.

بالإضافة إلى أداة التأويل غير الناجعة نجد أن كلًّا من «هويدي» و«الألباني» يستخدمان «شواهد التاريخ» لتعزيز تأويلَيهما؛ فيلجأ الثاني لنفي مشاركة المرأة في الحياة السياسية، بينما يؤكد الأول عكس ذلك. ولا شك أن الواقع التاريخي، خاصة في موقعة «الجمل» بين «علي بن أبي طالب» من جهة، وبين كل من «طلحة» و«الزبير» والسيدة «عائشة» من جهة أخرى، يؤكد مشاركة المرأة في الصراع السياسي. لكن السؤال الغائب في تأويل «هويدي»: ألا يعد خروج «عائشة» للحرب ضد «علي» خروجًا على الأمر القرآني بالقرار في البيوت، سواء كان الحكم بالقرار في البيوت خاصًّا بنساء النبي أم كان عامًّا على كل النساء؟! ولعل هذا الخروج أن يكون أشد «مخالفة» للأمر الإلهي إذا كان الأمر خاصًّا. أم تُرى فهمت السيدة عائشة أن الأمر بالقرار في البيوت — دون غيره من الأوامر بالطبع — مؤقت بحياة النبي، أي أنه «خاص» بالمعنى الزمني وليس بالمعنى الاجتماعي؟ تضعنا محاولة الإجابة على السؤال أمام أحد احتمالين: احتمال أن الأمر «مؤقت»، واحتمال ارتكاب السيدة «عائشة» لخطيئة «الخروج» دينيًّا وليس سياسيًّا فقط. وفي أي من الاحتمالين تكمن أزمة التأويل والتأويل المضاد معًا، وهي أزمة مصدرها — كما سنحلل فيما يلي — التعامل مع القرآن بوصفه نصًّا مفارقًا لتاريخه وللواقع الذي أنشأه مفارقة مطلقة.

يواصل هويدي الاستشهاد بالنصوص القرآنية التي تؤكد مفهوم المساواة بين الرجل والمرأة:

يصف البيان الإلهي عَلاقة الرجل والمرأة بعبارة بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ (آل عمران: ١٩٥) أي أن كلًّا منهما مكمل للآخر، هي جزء من الرجل والعكس صحيح. وهو ما عبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «النساء شقائق الرجال». ساوى القرآن بين الرجل والمرأة في الأهلية، ومن ثم في التكليف (سورة الأحزاب: ٣٥) … ولئن تحققت المساواة في التكاليف الدينية، فإن ذلك يفتح إلى أبعد الحدود أبواب المساواة بين الجنسين في التكاليف الدنيوية التي هي دونها بيقين. قرر القرآن أيضًا — في نص بالغ الدلالة — أن المرأة مسئولة مع الرجل عن إصلاح الواقع وعمارة الأرض (سورة التوبة: ٧١) … فالرجال والنساء فيه أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ هم ليسوا ذكرًا وأنثى، ولا سيدًا ومَسُودًا، ولا جنسًا أعلى وآخر أدنى، ولكن كلًّا منهما معين للآخر وناصره … في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي أنهم جميعًا مسئولون عن إصلاح المجتمع وتقويمه، ومن ثم عن تقدمه والنهوض به، الأمر الذي يستلزم انتشارًا واسعًا — متكافئًا — في كافة ميادين التربية والتنمية والتوجيه. ولكي تنهض المرأة بواجبها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا بد أن تتسلح بما تقتضيه تلك المسئولية الكبرى من علم وخبرة. ليس ذلك فحسب، وإنما لا بد لها أن تكون هناك في قلب موقع الإصلاح، وشريكة في اتخاذ القرار.

ومن الطبيعي أن يدافع المستنيرون عن حق المرأة في «العمل»، وأن يجدوا مبررًا مشروعًا للاختلاط بين الرجال والنساء، وهو الاختلاط الذي لا يمكن تجنبه في عَلاقات العمل. وفي سياق موافقة مجلس الأمة الكويتية بأغلبية قدرها ٩٥٪ من الأصوات على قانون يمنع «الاختلاط» في المؤسسات التعليمية كافة — من المراحل الأولى إلى التعليم الجامعي — يؤكد «هويدي» ضرورة التمييز بين منع الاختلاط احترامًا للتقاليد وبين منعه على أساس ديني.

فالقول بأن «الفصل من مستلزمات الالتزام الديني» و«أن معارضته تُعَد دعوة إلى التحلل من أوامر الله» وأن «كل داع للاختلاط هو في الحقيقة يدعو إلى معصية الله ورسوله ومخالفة كتابه»، قول لا يصح السكوت عليه؛ فالأمر في الحدود الأولى يصبح مختصًّا بمجتمعات بذاتها، لكنه في ظل ذلك الطرح الأخير يخص المسلمين بعامة. ولذلك يتعين علينا أن نتثبت منه، وأن نضعه في إطاره الشرعي الذي نتصور أنه صحيح. فنحن لا نعرف نصًّا شرعيًّا من قرآن أو سنة دعا إلى منع اختلاط الرجال والنساء. وبين فقهائنا المعاصرين، فإننا لا نكاد نجد فقيهًا معتبرًا دعا إلى ذلك، نستثني من ذلك فقهاء المدرسة السلفية في زماننا الذين نُجِلُّ أكثرهم ونحسبهم من أهل الإخلاص والغَيرة على الدين. لكن مذهبهم يتسم بغلو لا يقرهم عليه أهل المدارس الفقهية الأخرى، وبخاصة تيار الإحياء الديني الذي يمثله الأعلام والشيوخ: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وشلتوت ودراز، وصولًا إلى الشيخين محمد الغزالي ويوسف القرضاوي. وحدهم فقهاء السلف هم الذين اختاروا موقفًا متشددًا من المرأة بوجه أخص، ربما لأنهم يمثلون أكثر المدارس الفقهية تأثرًا بالتقاليد العربية التي هونت من شأن المرأة وقلصت من نشاطها ومجال حيويتها واعتبرتها مصدرًا للفتنة ينبغي الحذر منه والتحسب له، وإحاطته بسياج كثيف من المحاذير والحوائل.٦

وبعد أن يستشهد هويدي بالنصوص القرآنية التي يعتمد عليها المتشددون — وهي الآيات الخاصة بنساء النبي والتي سبق مناقشتها — ويقوم بتأويلها بنفس المنهج المشار إليه، يورد أدلتهم من الأحاديث النبوية الشريفة كاشفًا عن أوجه الخطأ في تأويلهم لها:

عَمَدوا إلى تأويل الأحاديث النبوية لكي تعبر عن الموقف الذي تحيزوا له ابتداءً من قبيل ذلك الحديث القائل: إياكم والدخولَ على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحَمْو قال: الحَمْو الموت (أي هل ينطبق ذلك الحظر على شقيق الزوج وأبناء عمومته ونحوهم؟) والصحيح أن مقصود الحديث هو النهي عن خَلوة الرجل بالمرأة، وليس النهي عن مجرد الدخول على النساء في حضرة آخرين. وهو ما ذهب إليه أئمة حفاظ الحديث كالبخاري والترمذي، وأئمة الشراح كابن حجر في شرحه لحديث البخاري، والنووي في شرحه لحديث مسلم. على هذا النسق تعامل أولئك الفقهاء مع النصوص فعمموا الخاص، وضيقوا ما اتسع، وأشاعوا تدريجيًّا ثقافة إلغاء مشاركة المرأة في حركة المجتمع.

هكذا يتم الاعتماد في تأويل المرويات على نفس منهج الاختلاف حول «الدلالة» دون التطرق إلى «سلامة» الرواية من حيث السند والمتن من ناحية، ودون التطرق إلى ما إذا كان النص المروي — في حالة سلامته سندًا ومتنًا — نصًّا تشريعيًّا بالمعنى الديني، أم كان نصًّا واصفًا لتقاليد العصر. وبعبارة أخرى: هل تلك النصوص المنسوبة إلى النبي — مع فرض صحتها سندًا ومتنًا — والموصوفة بأنها «سُنَّة» تنتمي إلى «العادات والتقاليد»؛ وهي من ثَم غير ملزمة خارج سياقها الاجتماعي التاريخي، أم أنها من السنن التشريعية؟ ونلاحظ في التأويل السابق أن تبرير مشروعية الاختلاط مشروط بأن يكون اختلاطًا جماعيًّا بلا «خلوة»، وهو تأويل يسلِّم بداهة بصحة القول المنسوب إلى الرسول بأنه: «ما اجتمع رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما.» بل وبأنه قول مشرع. ولعلنا يمكن أيضًا أن نلاحظ أنه في الحماس — المشكور بالطبع — لإثبات أن «المساواة» بين الرجل والمرأة مبدأ قرآني يشمل جميع ميادين العَلاقة بينهما لا يتعرض التأويل المستنير لشرح مسألة «القِوامة» و«الأفضلية» وحق «التأديب».

(د) منهج القراءة السياقية

يعتمد منهج التجديد أساسًا على ما يسمى بمنهج «القراءة السياقية» للنصوص. وليس هذا المنهج جديدًا تمامًا، بقدر ما هو تطوير لمناهج علم «أصول الفقه» التقليدي من جهة، وتواصل مع جهود رواد النهضة — خاصة الإمام محمد عبده والشيخ أمين الخولي — من جهة أخرى. يعتمد علماء الأصول منظومة «علوم القرآن» — خاصة علم «أسباب النزول» وعلم «الناسخ والمنسوخ» — إلى جانب منظومة «علوم اللغة» كأدوات أساسية للتفسير واستخراج الأحكام واستنباطها من النصوص. وهذه الأدوات من أهم أدوات منهج «القراءة السياقية». وإذا كان علماء الأصول يؤكدون أهمية «أسباب النزول» لفهم المعنى، فإن القراءة السياقية تنظر للمسألة من منظور أوسع هو مجمل السياق التاريخي الاجتماعي — القرن السابع الميلادي — لنزول الوحي؛ لأنه هو السياق الذي يمكن للباحث من خلاله أن يميز، في إطار الأحكام والتشريعات مثلًا، بين ما هو من إنشاء الوحي أصلًا وبين ما هو من العادات والأعراف الدينية أو الاجتماعية السابقة على الإسلام. كما يمكن التمييز في هذه الأخيرة بين ما تقبله الإسلام تقبلًا كاملًا مع تطويره كالحج مثلًا، وبين ما تقبله تقبلًا جزئيًّا مع الإيحاء بأهمية تطويره للمسلمين مثل مسألة «العبودية» وقضايا «حقوق النساء» و«الحروب».

وإذا كان علماء الأصول يرون أن «أسباب النزول» لا تعني «وقتية» الأحكام ولا اقتصارها على السبب فوضعوا قاعدة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»، فإن القراءة السياقية تضع تمييزًا بين «المعاني» والدلالات التاريخية المستنبطة من السياق من جهة، وبين «المغزى» الذي يدل عليه المعنى في السياق التاريخي الاجتماعي للتفسير من جهة أخرى. وهذا التمييز هام جدًّا بشرط أن يكون المغزى نابعًا من المعنى ومرتبطًا به ارتباطًا وثيقًا مثل ارتباط النتيجة بالسبب أو المعلول بالعلة، وألا يكون تعبيرًا عن هوى المفسر ووثبًا على «المعنى» أو إسقاطًا عليه.

إلى جانب السياق الكلي الاجتماعي التاريخي لعصر ما قبل الوحي، هناك مستويات أخرى عديدة للسياق يجب مراعاتها في المنهج المقترح. نذكر من هذه المستويات على سبيل المثال ما يلي:

  • (١)

    سياق ترتيب النزول، وهو السياق التاريخي التتابعي للوحي، وهو سياق مغاير لترتيب تلاوة السور والآيات في المصحف الشريف. ولقد درج المفسرون عمومًا على تناول تفسير القرآن وَفق هذا الترتيب الأخير، وهو نهج يغفل حقيقة أن ألفاظ القرآن قد أصاب معانيها تطور في سياق السنوات العشرين التي استغرقها نزول الوحي؛ فاللفظ القرآني ليس من الضروري أن يدل على نفس المعنى في المواقع المختلفة، وليس معنى ذلك التقليل من شأن «ترتيب التلاوة»، بل لا بد من الاهتمام به من زاوية الكشف عن التأثير الجمالي النفسي للقرآن؛ لأنه هو الترتيب الذي استقر به النص في أفق التلقي العام. فإذا كانت القراءة بحسب ترتيب النزول أساسية للكشف عن المعاني والدلالات فإن القراءة بحسب ترتيب التلاوة تكشف عن «المغزى» والتأثير. ومنهج القراءة السياقية هو مراعاة السياقَين في نسق كُليٍّ تركيبي لا يُغفل الفروق بينهما؛ لأن القراءة التاريخية قادرة على اكتشاف تطور الدلالة داخل بنية النص (من المكي إلى المدني مثلًا) لكنها عاجزة عن اكتشاف التأثير الدلالي الكلي للبنية الراهنة للقرآن، في حين أن القراءة التتابعية لعلماء التفسير ربما تنجح في الكشف عن التأثير الدلالي الكلي وإن كانت تغفل في أحيان كثيرة عن مسألة التطور الدلالي. ومهمة منهج التجديد الحرص على الجمع بين البعدين التاريخي والتتابعي في عملية التفسير.

  • (٢)
    يتبع المستوى السابق مستوى آخر هو سياق «السرد»، وهو يمثل السياق الأوسع الذي يحيط بما يُظَن أنه أمر أو نهي تشريعي، كأن يرد في سياق قصصي أو وصفًا لأحوال أمم سابقة، أو في سياق الرد على الطاعنين أو المهاجمين أو الساخرين من القرآن ومحمد، سواء كانوا من مشركي مكة أم كانوا من أهل الكتاب. وتتمثل أهمية الاهتمام بسياق السرد في تمكين الدارس من التمييز بين ما ورد على سبيل «التشريع» (وهو يتضمن مستويات فرعية لا يتسع المجال للإفاضة فيها) وبين ما ورد على سبيل «المساجلة»٧ أو «الوصف» أو «التهديد والوعيد» أو «العبرة والموعظة» … إلخ.
  • (٣)
    مستوى التركيب اللغوي، وهو مستوى أعقد من مستوى التركيب النحوي الذي اهتم به المفسرون؛ لأنه يتناول بالتحليل عَلاقات مثل «الفصل» أو «الوصل» بين الجمل النحوية، وعَلاقات «التقديم والتأخير» و«الإضمار والإظهار» — الذكر والحذف — أو «التَّكرار» … إلخ. وكلها عناصر دلالية أساسية في الكشف عن مستويات المعنى. وتلك هي العناصر الدلالية التي تناولها «عبد القاهر الجرجاني» في كتابه الهام «دلائل الإعجاز» تحت مفهوم «النظم»، وقد تناولناها بالتحليل في ضوء علم «الأسلوب» أو «الأسلوبية» في دراسة مستقلة.٨ ثم يلي ذلك مستوى التحليل النحوي والبلاغي الذي لا يقف عند حدود علم البلاغة التقليدي بل يوظف أدوات علم «تحليل الخطاب» وعلم «تحليل النصوص» في إنجازاتها المعاصرة. ومن شان هذا التوظيف أن يكشف عن مستويات أكثر عمقًا وتركيبًا في الخطاب الإلهي لا مجال هنا لشرحها. أما فيما يتعلق بالنص التأسيسي الثاني، وهو السنة النبوية الشريفة، فلا بد من الجمع بين نقد «المتن» ونقد «السند»، أي بين منهج الإمامين «أبي حنيفة» و«الشافعي»، مع الإفادة كذلك من كل إمكانيات منهج نقد النصوص وتوثيقها في اللغويات الأسلوبية المعاصرة. أهم من ذلك ضرورة فتح باب الاجتهاد للفصل بين ما يندرج من كلام الرسول في مفهوم «السنة» بالمعنى الاصطلاحي، أي الواجبة الاتباع بوصفه رسولًا ونبيًّا، وبين أقواله العادية التي يؤخذ منها ويُترك بوصفه بشرًا.

من منظور المنهج المشار إليه نتوقف بالتحليل هنا عند النصوص المتعلقة بالمرأة وحقوقها — في الخطاب القرآني بشكل خاص — تحليلًا تاريخيًّا نقديًّا، وسنجد أن كثيرًا من الأحكام التي يستند إليها المهاجمون للإسلام وللثقافة العربية الإسلامية في مسألة «حقوق المرأة» لم تكن تاريخيًّا من التشريعات التي أتى بها القرآن. ولذلك فإن الوصول إلى حقيقة موقف الإسلام من مسألة «حقوق الإنسان» عمومًا و«حقوق المرأة» خصوصًا لا بد أن يتم عبر عملية مقارنة تاريخية بين وضع «حقوق المرأة» قبل الإسلام وبين الحقوق الجديدة التي شرعها الإسلام. وبين «ما قبل» الإسلام و«ما بعد» الإسلام منطقة مشتركة تمثل منطقة «الالتقاء» بين القديم والجديد، وهي المنطقة «الجسر» أو «المعبر» التي عليها ومن خلالها يؤسس «الجديد» قبوله المعرفي في وعي الناس الذين يخاطبهم الوحي. هذا التحليل للفروق بين «جديد» الرسالة وبين منطقة العبور الوسيطة هو ما يسمى بعملية «استعادة المعنى الأصلي» للخطاب من خلال إعادة زرعه في السياق التاريخي الذي فارقه منذ أربعة عشر قرنًا حتى توهم الناس أن كل ما ذكره القرآن عن المرأة تشريع وما هو بتشريع.

كما نتناول بالنقد عمليات التوجيه الأيديولوجي للمعنى الديني في مسألة حقوق المرأة في بعض اتجاهات الفكر الإسلامي، وهي عمليات توجيه سارت أساسًا في سياق تبرير «الاجتماعي» البدوي المعادي لا للمرأة وحقوقها فقط، بل للوجود الاجتماعي للإنسان لحساب ارتهانه «تُرسًا» في مؤسسة «القبيلة»، وهي المؤسسة التي اتخذت في التاريخ أشكالًا شتى ما زالت بعض تجلياتها ماثلة في بعض المجتمعات العربية المعاصرة. هذا التوجيه للمعنى ضد سياقه الأصلي سيطر على مجرى التاريخ الاجتماعي والسياسي لأمة العرب إلا قليلًا من الاستثناءات التي يجب إبرازها لتبرئة «الإسلام» من انقلاب أبنائه على قيمه في سياق سيطرة أشكال مختلفة من الديكتاتوريات العسكرية التي ورثت مؤسسة «القبيلة» ومنحتها دماء ضخت فيها روح الحياة. وإذا كان رواد عصر النهضة قد حاولوا استعادة سياق المعنى من أجل الوصول إلى «المغزى» الملائم للعصر والتاريخ وغير المتناقض مع «المعنى الأصلي»، أي «السياقي»، فإن فشل المشروع النهضوي سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا — أو بالأحرى تعثره — قد فتح مجددًا باب العودة لمناقشة الإشكاليات التي سبق طرحها. وليس من المنطقي الاكتفاء باستعادة الإجابات السابقة أو استدعائها؛ فالسياق لم يعد نفس السياق، وليست التحديات هي نفس التحديات. من هنا استلزم الأمر طرح منهج القراءة السياقية للخروج من المأزق التأويلي الذي ما يزال الفكر الديني أسيرًا له.

(ﻫ) السياق السجالي والسياق الوصفي

بتتبع النصوص الدينية المتعلقة بقضايا المرأة في القرآن الكريم خاصة، يمكن لنا القول إن «المساواة» بين الرجل والمرأة تمثل مقصدًا من مقاصد الخطاب القرآني، والنصوص الواردة بهذا الشأن لا تحتمل تأويلًا يتجاوز دلالاتها المباشرة. ومن الأهمية بمكان إبراز أن القرآن على عكس التوراة مثلًا لا يجعل من «حواء» — نموذج الجنس النسائي — وسيلة الشيطان لإغواء آدم بالأكل من الشجرة المحرمة عصيانًا للأمر الإلهي. القرآن واضح في التسوية بين آدم وحواء في المسئولية والعقاب معًا. ولكن المفسرين المسلمين أدمجوا القصة التوراتية في تفسيرهم؛ وحملوا حواء مسئولية الخطيئة،٩ وهكذا صارت المرأة في الخطاب المتشدد في كل عصور التخلف عنوانًا للرجس والخطيئة ومدخلًا للشيطان، وصار حبسها وحجبها عن الاختلاط والفعالية الاجتماعية هو الحل لا لصونها هي وحدها فقط من إغراء إبليس بل لصون الرجل كذلك. وباستثناء بعض الأقوال والتأويلات الفقهية فقد لاحظنا أن الفكر الإسلامي في مجمله شُغِل بقضية الإنسان وعَلاقته بالله والعالم من الزاويتين الوجودية والمعرفية معًا، وذلك دون اعتبار للجنس.

ولكن لأن القرآن نزل على قوم كان التمييز بين الرجل والمرأة؛ أو بين الأنثى والذكر، جزءًا من ثقافتهم ونظامهم الاجتماعي، فمن الطبيعي أن ينعكس هذا التمييز في مساجلات القرآن معهم. ولكن الخطأ كل الخطأ يكمن في أنْ تُعامَل التعبيرات السجالية على أساس أنها تشريعات جاء بها الإسلام، وهو الأمر الذي يفسر لنا كثرة الفتاوى والتأويلات الخاطئة النابعة من ذلك الخلط بين السياق السجالي والسياق التشريعي. إن «المساواة» بين المرأة والرجل تتجلى بوصفها مقصدًا من مقاصد القرآن الكريم من جانبين: الجانب الأول هو المساواة في أصل الخلق من «نفس واحدة»، ومرة أخرى خلافًا للتوراة التي تعتبر حواء جزءًا من آدم (خلقت من ضلع من ضلوعه، قيل فيما بعد إنه الضلع الأعوج الذي يحتاج دائمًا للتقويم بالتأديب). والجانب الثاني هو المساواة في التكاليف الدينية وما يترتب عليها من ثواب أو عقاب وذلك كما نرى في النصوص التالية:

  • (١)
    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (النساء: ١).
  • (٢)
    هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا (الأعراف: ١٨٩).
  • (٣)
    مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (النحل: ٩٧).
  • (٤)
    وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (النساء: ١٢٤).
  • (٥)
    مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (غافر: ٤٠).
  • (٦)
    فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (آل عمران: ١٩٥).
  • (٧)
    وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (التوبة: ٧١-٧٢).

أما النصوص السجالية، والتي يبدو فيها تمييز بين الذكر والأنثى، فقد وردت في سياق الرد على المشركين من العرب حين نسبوا لله الإناث فقالوا إن الملائكة بنات الله. ولعلهم كانوا ينطلقون في ذلك من عقائدهم الموغلة في القِدَم، والتي كانت بقاياها ما تزال باقية حين نزل القرآن. ذلك أن أسماء الآلهة التي كان العرب يعبدونها، والتي ذكرها القرآن، وهي «اللات» و«العُزَّى» و«مَناة»، أسماء مؤنثة. والدليل على تلك السجالية أن القرآن يجمع الأمرين — عبادة الآلهة المؤنثة ونسبة الإناث (الملائكة) إلى الله — في سياق واحد أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى * أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى * وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى * إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (النجم: ١٩–٢٨). ومن المنطقي أن نفترض أن المجتمع العربي قبل الإسلام مباشرة كان قد تجاوز منذ فترة طويلة مرحلة المجتمع الأمومي الأنثوي، وصار مجتمعًا ذكوريًّا؛ لأن عبادة آلهة مؤنثة يتناقض مع قواعد التعامل مع الأنثى بوصفها كائنًا منحطًّا يجلب العار كما هو واضح من ممارسة «وأد البنات». لذلك اعتبر القرآن أن إصرار العرب على نسبة الإناث إلى الله يُعتبر من منطق القيم الاجتماعية السائدة آنذاك نوعًا من التحقير، خاصة وأنهم كانوا ينطلقون في هذه النسبة من تصور أشدَّ وثنيةً فحواه وجود عَلاقة «نسب» بين الله والجن (الصافات: ١٥٨) نتج عنها ولادة الملائكة (الصافات: ١٥١–١٥٢). وكان طبيعيًّا أن يرد القرآن ردًّا سجاليًّا بقوله: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (النساء: ١١٧). ولهذا فمن الخطأ أن يُفهم من الخطاب القرآني في هذا السياق أي تحقير للأنثى، كيف وهو يدين ممارسات العرب في وأد البنات، سواء كان السبب في ذلك خوف الفقر أو خوف العار!

  • (١)
    وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (النحل: ٥٧–٥٩).
  • (٢)
    وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ * أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ * وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (الزخرف: ١٥–١٩).
  • (٣)
    فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (الصافات: ١٤٩–١٥٥).
  • (٤)
    أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (الإسراء: ٤٠).

إذا تجاوزنا النصوص التي وردت في سياق سجالي نجد نصوصًا أخرى وردت في سياق وصفي، فما ورد على لسان أم مريم مثلًا حين ولادتها ورد في سياق سردي قصصي، وهو سياق من شأنه أن يكون تعبيرًا عن المتكلم. وقد كان الحال أن امرأة عِمران — التي كانت قد نذرت ما في بطنها لله — ظنت أن الأنثى لا تصلح لوفاء النذر، ولكن الجملة الاعتراضية «والله أعلم بما وضعت» تنفي هذا التصور والظن من جانب الأم: إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا (آل عمران: ٣٥–٣٧). ونفس الأمر يصح فيما ورد على مفاهيم العرب، مثل قوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (آل عمران: ١٣).

ومما يندرج في سياق الوصف القرآني، ولكنه اعتُبر تشريعًا، مسألة قِوامة الرجل على المرأة — والتي فُهمت بأنها تعني مسئولية الرجل عن المرأة بكل ما يترتب على المسئولية من سلطة عقاب يمارسها الرجل تأديبًا للمرأة (الهجر والضرب) — والتي ورد ذكرها في قوله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (النساء: ٣٤). والذي يتأمل المرويات التي أوردها «السيوطي» في سبب نزول هذه الآية يدرك مسألة مراعاة الوحي لأحوال المخاطبين وأخذها في الاعتبار؛ إذ تحكي رواية أن امرأة جاءت إلى النبي تشكو زوجها لأنه لطمها، فقال النبي: «ليس له ذلك». وفي رواية أخرى أن النبي حكم للمرأة أن تقتص من زوجها — أي تلطمه كما لطمها — ولعل ذلك الحكم من جانب النبي — إن صحت الرواية — كان إعمالًا لمبدأ القِصاص الوارد في قوله تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا (التوراة) أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ (المائدة: ٤٥) ولا شك أن إنكار النبي هذا الفعل من جانب الزوج له دلالة واضحة في تأكيد مبدأ «المساواة» الأصلي في الإسلام، ولكن لأن المخاطبين لم يكونوا بعدُ قادرين على احتمال تلك المساواة نزلت آية القِوامة.١٠ لكن السؤال: هل الآية تشرِّع للقِوامة أم تصف واقع الحال في عصر ما قبل الإسلام؟ من السهل أن يستنبط البعض — وهو الأمر الذي حدث بالفعل — من ظاهر قوله تعالى: بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ أن القوامة تستند إلى تفضيل إلهي مطلق لجنس الرجال على جنس النساء؛ ومن ثم تصبح القِوامة حكمًا إلهيًّا لا تجوز مناقشته. لكن النظر بعين الاعتبار لمجمل السياق القرآني في مسألة «التفضيل» الإلهي لبعض البشر على بعض — أو رفعه للبعض درجة أو درجات فوق البعض الآخر — يكشف أن المقصود وصف التفاوت الاجتماعي والاقتصادي الملحوظ بين البشر، وهو تفاوت تحكمه قوانين الحَراك الاجتماعي، أي تحكمه قوانين تندرج بحسب الخطاب القرآني تحت «السنن» والقوانين الإلهية الاجتماعية القابلة للتغيير بحكم وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ (البقرة: ٢٥١). والمقصود من هذا الوصف العظة والاعتبار — بحسب فهم العلامة ابن خلدون، مؤسس عِلمَي فلسفة التاريخ والاجتماع — ولاحظ دلالة لفت النظر في الفعل «انظر»: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (الإسراء: ٢١). ولو فهمنا مثلًا أن التفاوت بين البشر في الأرزاق هو حكم إلهي بالفقر على بعض الناس وبالغنى للبعض الآخر لما جاز أن يسعى القرآن ذاته للحض على توزيع المال والثروة كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ (الحشر: ٧). هكذا يجب فهم أن رفع الله الناس بعضهم فوق بعض ليس إلا تعبير وصفي — للاعتبار — عن واقع مرغوب في تغييره لتحقيق «العدل»، وليس المقصود منه أن يتخذ بعض الناس من البعض الآخر موقف السخرية والتحقير، إذ اللام في الآية ليست للتعليل، بل هي «لام العاقبة»، أي إن السخرية والاحتقار وكل أشكال الإهانة هي النتيجة اللازمة عن التفاوت الحاد بين البشر اجتماعيًّا واقتصاديًّا. وانظر إلى السياق في قوله تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (الزخرف: ٣٢) وحاشا العدل الإلهي أن يكون سخرية البعض من البعض الآخر — بسبب الثروة والجاه أو السلطان — مراد الله الذي يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى (النحل: ٩٠).
القِوامة إذن ليست تشريعًا بقدر ما هي وصف للحال، وليس تفضيل الرجال على النساء قدرًا إلهيًّا مطلقًا بقدر ما هو تقرير للواقع المطلوب تغييره تحقيقًا للمساواة الأصلية؛ فالدرجة التي للرجال على النساء فرع على أصل: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (البقرة: ٢٢٨) أي بحسب التقاليد والأعراف المستقرة في المجتمع. ولم يقل أحد أبدًا، ولا يصح لأحد أن يقول أبدًا، إن التقاليد والأعراف أحكام إلهية أبدية مطلقة. وحتى مع افتراض أن الوصف وصف تشريعي، فإن معنى «القِوامة» ليست السلطة المطلقة العمياء بمعنى التحكم والاستئثار بسلطة اتخاذ القرار من جانب الرجل ووجوب الطاعة المطلقة — العمياء أيضًا — من — من جانب المرأة. إن معنى «القِوامة» القيام بتحمل المسئولية الاقتصادية والاجتماعية، أليس الله سبحانه هو الْحَيُّ الْقَيُّومُ (البقرة: ٢٦٦، آل عمران: ٢، طه: ١١١) بمعنى القائم بحفظ الوجود ورعايته! وهو القائم بالقسط، أي بالعدل (آل عمران: ١٨) والقائم عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ (الرعد: ٣٣)! القِوامة إذن مسئولية يتحملها من يستطيع من الطرفين، الرجل أو المرأة، أو يتشاركان فيها بحسب ملابسات الأحوال والظروف. ولعل مما له دلالةٌ أن القرآن جعل علة القِوامة أمرين: الأفضلية والقدرة على الإنفاق، لكنه لم يحدد بشكل قاطع أفضلية مَن على مَن، وتركها دون تعيين، الأمر الذي يعني تداول القِوامة أو المشاركة فيها.١١ ولعله من المفيد في هذا السياق أن نطرح سؤالًا استنكاريًّا: هل يسمح الرجل للمرأة بكل حقوق «القِوامة» عليه — بما فيها سلطة «الوعظ» أو «الهجر في الفراش» أو «الضرب» — إذا كانت هي التي تعمل وتعول الأسرة، بينما هو بلا عمل؟!١٢
كذلك يجب أن يدرج في سياق الوصف ما ورد على لسان الهدهد وصفًا لمملكة بلقيس: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (النمل: ٢٣) وأي استنتاج لدلالة تحريم أن تتولى امرأة سلطة الحكم من هذه الآية استنتاج باطل. ألا يكفي أن هذه المرأة — بنص القرآن ذاته — كانت تمارس ديمقراطية الحكم، ولم تكن تتخذ قرارًا دون استشارة «الملأ» المحيطين بها!١٣

(و) النصوص التشريعية: المعنى والمغزى

(١) الزواج والطلاق

النصوص التشريعية الخاصة بالمرأة ورد معظمها في السورة المخصصة لشئون المرأة «سورة النساء»، وهي السورة السادسة في ترتيب السور المدينية، أي التي نزلت في المدينة.١٤ نزلت بعد موقعة أُحُد في السنة الرابعة للهجرة؛ فكان من الطبيعي أن تتناول كثيرًا مما يتعلق بقضايا المرأة التي أثيرت بعد هزيمة المسلمين واستشهاد عدد كبير منهم، وما نتج عن ذلك من وجود عدد كبير من اليتامى والأرامل. في هذا السياق تم تقنين «الزواج والطلاق» و«المواريث». لكن من الضروري أن تُفهَم هذه الأحكام في ضوء افتتاحية السورة التي تؤكد مفهوم «المساواة» الأصلية في بدء «الخلق والتكوين» من جهة، وفي ضوء قواعد المساواة في التكاليف والأحكام الدينية الدنيوية والأخروية من جهة أخرى. فبعد افتتاح السورة بالنص على أن كلًّا من الرجل والمرأة خُلِقا من «نفس واحدة» انقسمت «فخلق منها زوجها» ومنهما معًا بث الله «رجالًا كثيرًا ونساء»، تنتقل السورة في الآية الثانية مباشرة إلى بيان حقوق اليتامى، وفي هذا السياق يرد موضوع النكاح: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا * وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (النساء: ٢-٣). وسياق النزول بالإضافة إلى سياق التركيب اللغوي — صيغة الشرط التي تربط بين الإباحة وبين الخوف من عدم العدل مع اليتامى — يؤكد كلاهما معًا أن الأمر ليس أمر تشريع دائم، وإنما هو تشريع مؤقت لمعالجة موقف طارئ. لكن الذي خلق اللبس أن عادة «تعدد الزوجات» عادة سابقة على الإسلام بشكل لم يكن يخضع لأي معايير. وإذا كان الإسلام قد حاول أن يضع لهذه العادة غير المنضبطة بعض المعايير والقواعد التي تحد من امتهان المرأة والتعامل معها بوصفها متاعًا أو متعة، فإن التأويل الفقهي لهذه المعايير والقواعد قد خرج بها عن سياق المساواة وأعاد زرعها من جديد في سياق سيطرة الذكر وتحكمه في مصير المرأة. وإلى هذا التأويل الفقهي تحديدًا يتوجه نقد الإمام محمد عبده في نص جدير بالإبراز:
«رأيت في كتب الفقهاء أنهم يعرِّفون الزواج بأنه «عقد يملك به الرجل بُضع المرأة». وما وجدت فيها كلمة واحدة تشير إلى أن بين الزوج والزوجة شيئًا آخر غير التمتع بقضاء الشهوة الجسدانية، وكلها خالية من الإشارة إلى الواجبات الأدبية التي هي أعظم ما يطلبه شخصان مهذبان كلٌّ منهما من الآخر. وقد رأيت في القرآن الشريف كلامًا ينطبق على الزواج ويصح أن يكون تعريفًا له، ولا أعلم أن شريعة من شرائع الأمم التي وصلت إلى أقصى درجات التمدن جاءت بأحسن منه، قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً (الروم: ٢١)، والذي يقارن بين التعريف الأول الذي فاض عن علم الفقهاء علينا وبين التعريف الثاني الذي نزل من عند الله يرى بنفسه إلى أي درجة وصل انحطاط المرأة في رأي فقهائنا وسرى منهم إلى عامة المسلمين، ولا يستغرب بعد ذلك أن يرى المنزلة الوضيعة التي سقط إليها الزواج حيث صار عقدًا غايته أن يتمتع الرجل بجسم المرأة ليتلذذ به، وتبع ذلك ما تبعه من الأحكام الفرعية التي رتبوها على هذا الأصل الشنيع.»١٥

ويواصل الإمام نقده للتقاليد والأعراف التي جعلت من الاستثناء قاعدة، ومن المباح واجبًا وفرضًا، حتى يصل إلى مشروعية سن القوانين التي تحد من ظاهرتي «تعدد الزوجات» و«حرية الطلاق» المتاحة للرجل بلا حدود ولا ضوابط. وهو في ذلك ينطلق من وعي واضح بطبيعة المشكلات الاجتماعية الناجمة عن تلك الفوضى في الفهم وضيق الأفق في التفسير والتأويل، الناجم بدوره من عدم التمييز بين «المنطوق» و«المفهوم» في دلالة النصوص، وبين «العام» و«الخاص» في بنيتها. ينطلق الإمام في تحليله من وعي واضح كذلك بالفرق بين سياقين: سياق التنزيل وملابساته التاريخية، وسياق التأويل ومتغيرات التاريخ والواقع الاجتماعي. وهو الذي مهد بذلك السبيل أمام كلٍّ من «قاسم أمين» في مصر و«الطاهر الحداد» في تونس. يقول الإمام:

تعدد الزوجات هو من العوائد القديمة التي كانت مألوفة عند ظهور الإسلام، ومنتشرة في جميع الأنحاء، يوم كانت المرأة نوعًا خاصًّا معتبرة بين الإنسان وبين الحيوان. وهو من ضمن العوائد التي دل الاختبار التاريخي على أنها تتبع حال المرأة في الهيئة الاجتماعية … وبديهي أن في تعدد الزوجات احتقارًا شديدًا للمرأة … فأراد الله أن يجعل في شرعه رحمة بالنساء وتقريرًا لحقوقهن، وحكمًا عدلًا يرتفع به شأنهن، وليس الأمر كما يقوله كتبة الأوروبيين: إن ما كان عند العرب عادةً جعله الإسلام دينًا، وإنما أخذ الإفرنج ما ذهبوا إليه من سوء استعمال المسلمين لدينهم وليس له مأخذ صحيح منه … فتراه قد جاء في أمر تعدد الزوجات بعبارة تدل على وجود الإباحة على شرط العدل، فإن ظن الجور مُنعت الزيادة على الواحدة، وليس في ذلك ترغيب في التعدد بل فيه تبغيض له … فالإسلام قد خفف الإكثار من الزوجات، ووقف عند الأربعة، ثم إنه شدد الأمر على المكثرين إلى حدٍّ لو عقلوه لما زاد واحد منهم على الواحدة … وأما جواز إبطال هذه العادة، أي عادة تعدد الزوجات، فلا ريب فيه. أما أولًا: فلأن شرط التعدد هو التحقق من العدل، وهذا الشرط مفقود حتمًا، فإن وُجد في واحد من المليون فلا يصح أن يُتخذ قاعدة، ومتى غلب الفساد على النفوس، وصار من المرجح أن لا يعدل الرجال في زوجاتهم جاز للحاكم أن يمنع التعدد أو للعالِم أن يمنع التعدد مطلقًا مراعاة للأغلب. وثانيًا: قد غلب سوء معاملة الرجال لزوجاتهم عند التعدد، وحرمانهم من حقوقهن في النفقة والراحة، ولهذا يجوز للحاكم وللقائم على الشرع أن يمنع التعدد دفعًا للفساد الغالب … وثالثًا: قد ظهر أن منشأ الفساد والعداوة بين الأولاد هو اختلاف أمهاتهم، فإن كل واحد منهم يتربى على بغض الآخر وكراهته، فلا يبلغ الأولاد أشدهم إلا وقد صار كل منهم من أشد الأعداء للآخر، ويستمر النزاع بينهم إلى أن يُخربوا بيوتهم بأيديهم وأيدي الظالمين، ولهذا يجوز للحاكم أو لصاحب الدين أن يمنع تعدد الزوجات والجواري صيانة للبيوت عن الفساد. نعم ليس من العدل أن يُمنع رجل لم تأتِ زوجته منه بأولاد أن يتزوج أخرى ليأتي منها بذُرِّية، فإن الغرض من الزواج التناسل، فإذا كانت الزوجة عاقرًا فليس من الحق أن يُمنع زوجها من أن يضم إليها أخرى. وبالجملة … فيجوز الحجر على الأزواج عمومًا أن يتزوجوا غير واحدة إلا لضرورة تثبت لدى القاضي، ولا مانع من ذلك في الدين البتة، وإنما الذي يمنع ذلك هو العادة فقط.١٦
بالإضافة إلى ذلك الاقتراح الجسور لم يكُفَّ الشيخ الإمام عن المطالبة بالمساواة بين المرأة والرجل في حق طلب الطلاق من جهة، وفي وقف نزيف حق الطلاق العشوائي الممنوح للرجل بالمطالبة بتقنين اشتراط ألا يقع طلاق دون حكم القاضي. لكن من اللافت للانتباه أن جهود الإمام لم تثمر ثمرتها المرجوة إلا في تونس بصدور «مَجلة الأحوال الشخصية» عام ١٩٥٧م، التي تجرم «تعدد الزوجات» وتجعل طلب «الطلاق» حقًّا مشتركًا بين الزوج والزوجة،١٧ ولا يقع إلا بحكم المحكمة، مع ضمان حقوق الطرف المتضرر من الطلاق، سواء كان الزوج أو الزوجة. في دفاعه الجسور عن حقوق المرأة يجد الإمام سوابق فقهية يستند إليها تعزيزًا لموقفه في كلٍّ من المذهب المالكي ومذهب أبي حنيفة؛ على أساس أن ثمة إجماعًا على جواز أن تشترط المرأة في عقد الزواج النص على حقها في تطليق نفسها متى شاءت. والخلاف بين المالكية والأحناف — فيما يرى الإمام — يكمن في مسألة حق المرأة في الطلاق في حالة عدم النص على ذلك في عقد الزواج، فبينما يرى الأحناف عدم أهليتها، يؤكد المالكية حقها في اللجوء إلى القاضي في حالة الضرر طلبًا للطلاق. وقبل مناقشة اختلاف وجهتي النظر فإن المبدأ الذي يعلنه الإمام في قوة ووضوح هو:
لا طلاق إلا أمام القاضي أو «المأذون» وبحضور شاهدين على الأقل، وذلك بعد الاستمهال أسبوعًا للتفكير، وبعد أن يقدِّم الحكمان — واحد من أهل الزوج وآخر من أهل الزوجة — تقريرًا للقاضي باستحالة العشرة وفشلهما في التوفيق بين الزوجين.١٨

ولكن السؤال العملي الذي يشغل عقل الإمام هو: كيف يتم تقنين هذا المبدأ في مصر التي يعمل قضاؤها وَفق المذهب الحنفي الذي صار مذهبًا رسميًّا للدولة منذ الاحتلال العثماني، وهو المذهب الذي يرى المرأة كائنًا ناقص الأهلية؟ يرد الإمام أولًا على هذا الرأي الفقهي مفندًا إياه بمنطق نفتقده في الخطاب الديني في أيامنا هذه. يقول:

لا يمكن — مهما ضيقنا حدود الطلاق — أن تنال المرأة ما تستحق من الاعتبار والكرامة إلا إذا مُنحت حق الطلاق. ومن حسن الحظ أن شريعتنا النفيسة لا تعوقنا في شيء مما نراه لازما لتقدم المرأة. علينا أن نعمل بمذهب غير مذهب الحنفية؛ لأنه حرم المرأة في كل حال من حق الطلاق، حيث قال الفقهاء من أهله: «إن الطلاق مُنع عن النساء لاختصاصهن بنقصان العقل ونقصان الدين وغلبة الهوى.»١٩ مع أن هذه الأسباب باطلة؛ لأن ذلك إن كان حال المرأة في الماضي فلا يمكن أن يكون حالها في المستقبل؛ ولأن كثيرًا من الرجال أحطُّ من النساء في نقصان الدين والعقل وغلبة الهوى (٢/ ١٢٧). أو أن يستمر العمل على مذهب أبي حنيفة، ولكن تشترط كل امرأة تتزوج أن يكون لها الحق في أن تطلق نفسها متى شاءت أو تحت شرط من الشروط، وهو شرط مقبول في جميع المذاهب.٢٠

والسبب الذي يجعل الإمام يفضل الاستمرار على مذهب أبي حنيفة، رغم أن مذهب مالك قد وفَّى «للمرأة بحقها في ذلك وقرر أن لها أن ترفع أمرها إلى القاضي في كل حالة يصل لها من الرجل ضرر» بالإضافة إلى الأسباب العملية المتمثلة في صعوبة، بل ربما في استحالة، تغيير القوانين المعمول بها في المحاكم؛ السبب هو خشية الإمام — في حالة تطبيق المذهب المالكي — من احتمال:

«ألا يجيب القاضي طلب الطلاق من الزوجة التي يتزوج زوجها من امرأة أخرى؛ استنادًا إلى قاعدة أن هذا «مباح» للزوج. فلو اشترطت أن تطلق نفسها متى شاءت أو عندما يتزوج زوجها عليها كان الأمر بيدها، ولكن العمل على الطريقة الأولى أحكم وأجزم، فإنَّ وضعَ الطلاق تحت سلطة القاضي أدعى إلى تضييق دائرته وأدنى إلى المحافظة على نظام الزواج.٢١

بالإضافة إلى النص الذي أورده الإمام من الفقه المالكي لتأكيد حق المرأة في طلب الطلاق مثلها مثل الرجل، نحب أن نضيف هنا تعزيزًا لموقف الإمام ولكل موقف إصلاحي في إطار الشريعة الإسلامية نموذج وثيقة زواج كان معمولًا بها في القرن الرابع الهجري، الحادي عشر الميلادي، بالأندلس. هذه الوثيقة النموذجية تكشف بجلاء عن الحقوق التي كانت تتمتع بها المرأة بالنص عليها في شروط عقد الزواج في بعض المجتمعات الإسلامية، الأمر الذي يؤكد أنَّ تمتُّع المرأة بحقوقها التي تصل إلى حد المساواة بالرجل لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية. وبعبارة أخرى يمكن القول إن الإسلام لا عَلاقة له بتخلف وضع المرأة في بعض المجتمعات التي يدين أهلها بالإسلام.

تجري عبارات نموذج عقد الزواج كالتالي:

«هذا ما أَصْدَقَ عليه فلان بن فلان (الفلاني) زوجه فلانة بنت فلان الفلاني، أصدقها كذا وكذا دينارًا دراهم بدخل أربعين من الضرب الجاري في قرطبة في حين تاريخ هذا الكتاب نقدًا وكالئًا، النقد من ذلك كذا وكذا دينارًا دراهم قبضها لفلانة من زوجها فلان أبوها فلان؛ إذ هي بِكر في حِجره وولاية نظره، وصارت بيده ليجهِّزها بها إليه، وأبرأه منها فبرئ، والكالئ كذا وكذا دينارًا دراهم من الصفة المذكورة، مؤخَّرة عن الناكح ومؤجَّلة عليه كذا وكذا عامًا، أولها شهر كذا من سنة كذا.
والتزم فلان بن فلان لزوجته (فلانة) طائعًا متبرعًا استجلابًا لمودتها وتقصِّيًا لمسرتها ألَّا يتزوج عليها ولا يتسرى معها ولا يتخذ أُمَّ ولد، فإن فعل شيئًا من ذلك فأمرُها بِيَدها والداخلةُ عليها بنكاحٍ طالقٌ وأم الولد حُرةٌ لوجه الله العظيم وأمر السُّرِّية بِيَدها إن شاءت باعت، وإن شاءت أمسكت، وإن شاءت أعتقت عليه.
وألَّا يغيب عنها غَيبة متصلة قريبة أو بعيدة أكثر من ستة أشهر إلا في أداء حجة الفريضة عن نفسه، فإن له في ذلك مَغيبَ ثلاثة أعوام إذا أعلم ذلك من سفره فاصلًا إليه قاصدًا نحوه، مُجريًا لنفقتها وكسوتها وسُكناها، فمتى زاد على هذين الأجلين بعد أن تَحلف في بيتها بحضور شاهدَي عدل يُحلِّفانها٢٢ (بالله) لغاب عنها أكثر مما شَرَطه لها، ثم يكون أمرها بيدها، ولها التلوُّم عليه ما شاءت لا يقطع تلوُّمها شرطها.
وألا يرحِّلها عن دارها التي بحاضرة كذا إلا بإذنها ورضاها، فإن رحَّلها مُكرَهةً فأمرها بيدها، وإن هي طاعت له بالرحيل (فرحَّلها) ثم سألته الرجعة فلم يرجعها من يوم تسأله ذلك إلى انقضاء ثلاثين يومًا فأمرها بيدها وعليه مئُونة انتقالها ذاهبةً وراجعة.
وألا يمنعها من زيارة جميع أهلها من النساء وذوي محارمها من الرجال، وألا يمنعهم من زيارتها فيما يجمُل ويحسُن من التزاور بين الأهلين والقرابات، فإن فعل شيئًا من ذلك فأمرها بيدها. وعليه أن يُحسن صحبتها ويُجمِل بالمعروف عِشرتها جهده، كما أمر الله تبارك وتعالى، وله عليها من حسن الصحبة وجميل العشرة مثل ذلك (كما قال تعالى) وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ.

وعَلِم فلان بن فلان أن زوجه فلانة هذه ممن لا تَخدم نفسها، وأنها مخدومة لحالها ومنصبها، فأقر أنه ممن يستطيع إخدامها وأن ماله يتسع لذلك فطاع بالتزام إخدامها.

تزوجها بكلمة الله عز وجل وعلى سنة نبيه محمد ولتكون عنده بأمانة الله تبارك وتعالى وبما أخذه الله وجل للزوجات على أزواجهن من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.

أنكَحَه إياها أبوها فلان بن فلان بِكرًا في حِجره وتحت ولاية نظره، صحيحةً في جسمها بما ملَّكه الله عز وجل من بُضعها وجعل بيده من عقد نكاحها، شهد على إشهاد الناكح فلان (بن فلان) والمنكح (فلان بن فلان) المذكورَين في هذا الكتاب على أنفسهما بما ذكر عنهما فيه مَن سمع ذلك منهما وعرَفهما وهما بحال الصحة وجواز الأمر، وذلك في شهر كذا من سنة كذا.»٢٣
لكن مسألة «تعدد الزوجات» يعاد الآن طرحها، على استحياء أحيانًا وبشكل سافر أحيانًا أخرى، في سياق سجالي بوصفها — خاصة مع مراعاة الشروط الدينية المنصوص عليها — «أفضل» أخلاقيًّا، وأقل ضررًا من الوجهة الاجتماعية، إذا قورنت بفوضى العَلاقات الجنسية الحرة في الغرب. ولا شك أن المقارنة تعتمد آلية «القياس»، والقياس يتكون من فرع وأصل. فإذا كان القياس قياس «اطراد» فإن حكم الأصل ينتقل إلى الفرع، وإن كان قياس «مخالفة» استقل حكم الفرع عن حكم الأصل. وفي كلتا الحالتين تظل عَلاقة التشابه بين الأصل والفرع عَلاقة مضمرة في عملية القياس. والدفاع عن «تعدد الزوجات» في سياق المساجلة يقوم على افتراض ضمني فحواه أن الغرب هو المقياس الذي تقاس عليه الأمور، وهو منطق معاكس تمام المعاكسة لمشروع النهضة على أساس حضاري مستقل ومتميز، بل هو نقيض له. وقد اخترنا للتحليل هنا — ممثلًا للخطاب المذكور — مفكرًا لا يمكن أن يوصف بالتشدد أو التزمُّت، فضلًا عن الرجعية والتمسك بأهداب الماضي والتقليد. وهو أحد الذين يطرحون المسألة على استحياء، وبتحذيرات متشددة من أن يفهم خطابه بأنه يدعو للتعدد، أو أنه يؤمن بالتفوق المطلق للرجل على المرأة. ينطلق مفكرنا — الأستاذ محمد الطالبي — من اعتبار أن «التعدد» وضع شاذ، لكنه يطرح السؤال: هل الأفضل أن نعالج الحالات الشاذة عن طريق إباحة الزنا أو إباحة التعدد؟ ولتبرير الإجابة المضمرة في بنية السؤال يتم إعلاء حالات الشذوذ من وضعيتها الشاذة إلى قانون من قوانين الوجود الثابتة. ويستند هذا الإعلاء على أمرين: تاريخ العَلاقة بين الرجل والمرأة، وهو تاريخ يعتمد على السيطرة التي تعطي الرجل دور القيادة، والأمر الثاني هو التفاوت في النهم الجنسي بين الرجل والمرأة، وهو تفاوت يبدو طبيعيًّا من الوجهة البيولوجية:
ومعنى ذلك … وجود ثوابت قارَّة داخل الأسرة البشرية من أول الخليقة إلى اليوم تعطي للزوج داخل الحياة الزوجية دور القيادة، كما تعطيه، في رتبة ثانية، ميزات جنسية تكتسي في بعض المجتمعات صيغة تعدد الزوجات، وفي بعض المجتمعات صيغًا أخرى. ولا توجد ثوابت لهذا التواصل وهذا الرسوخ بدون مبررات وبدون علل عميقة وأسباب، في مقدمتها الأسباب البيولوجية، مهما كانت قيمة الأسباب الأخرى العديدة والإضافية … الذكر لا يلد إطلاقًا، كذلك شاء التوزيع البيولوجي، وشاءت البنية البيولوجية أن يكون هناك تفاوت في النهم الجنسي بين الذكر والأنثى يشاهَد في كل المجموعة الحيوانية ويدرَك بالعين المجردة. ولهذا التفاوت في النهم الجنسي انعكاسات في مستوى الأسرة البشرية وتنظيماتها الاجتماعية: منها ظاهرة تعدد الزوجات، ومنها البحث عن إرضاء هذا النهم بمقابل مالي على طريقة ما يُدعى ﺑ «أقدم حرفة في الكون» وهي حرفة تكاد تقتصر على النساء فقط إرضاء لنهم الذكر، وليس لها مقابل يذكر لإرضاء نهم المرأة. فهل يُعقل أن يكون هذا كله بدون أسباب عميقة — عديدة لا محالة، لكن بدون أدنى ريب في مقدمتها الأسباب الراجعة للبنية البيولوجية.٢٤

مثل هذا الطرح للمشكل يقدم تبريرًا أكثر مما يقدم تفسيرًا؛ فتفسير تلك السيادة التاريخية للذكر على الأنثى يجب أن ينطلق من «أنثروبولوجيا» التطور لا من «الطبيعة» البيولوجية. والارتكان على مشاهدات المجموعة الحيوانية — إن صحت المشاهدة — وقياس الإنسان على الحيوان يتجاهل حقيقة كون الإنسان كائنًا ثقافيًّا. ونتيجة مثل ذلك الطرح للقضية أن يتحول «التعدد» — الشذوذ — إلى قانون طبيعي. لكن علينا أن نقرر أن ذلك الطرح يختزل الوجود الإنساني في إطار الكائن البيولوجي، الذي لا تاريخ له سوى تاريخه الطبيعي، ولا ثقافة له تفصل تاريخه عن تاريخ الكائنات الطبيعية الأخرى. إن القول بأن «الذكر» يتمتع بدرجة نهم جنسي أعلى من درجة نهم الأنثى، وذلك بسبب انشغال الأنثى لفترة قد تطول أو تقصر بعملية «الإنجاب» سواء عن طريق الحمل أو عن طريق احتضان البيض، قول لا دليل علميًّا عليه. أما الاستناد إلى واقع تحول «الجنس» إلى تجارة في بعض المجتمعات، فهو بدوره يُغفل حقيقة المشكل في تلك المجتمعات، ويكتفي باتخاذ هذه الأوضاع المخزية مبررًا لتقنين امتهان المرأة. إنه تحليل مسجون في سجن البيولوجيا التي يتعامل معها باعتبارها «جوهر الوجود الإنساني»، حيث تتحول القضية إلى قضية «الذكر والأنثى» في حين أن القضية هي قضية «الرجل والمرأة»، وهي قضية ذات بعد ثقافي اجتماعي تاريخي.

(٢) الميراث

في نفس سياق سورة «النساء»، وفي سياق تأكيد حقوق اليتامى على وجه الخصوص والنهي عن أكل أموالهم وضرورة الحفاظ عليها لتُردَّ لهم بعد بلوغ الرشد (النكاح)، تأتي أحكام الميراث على الوجه التالي:

لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا * يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (النساء: ٧–١١).

ومما هو جدير بالملاحظة أن القرآن يحض على إشراك أولي القربى واليتامى والمساكين ممن لا ميراث لهم بالتصدق عليهم إذا حضروا وقت التقسيم، وتلك علامة دالة لا يجوز إهمالها في تحليل مفهوم الإسلام للميراث. الملاحظة الثانية هي حرص القرآن على التنبيه بأن عَلاقة «العصبية» — الأبوة والبنوة — ليست أهم العَلاقات الإنسانية. وإذا كان هذا التنبيه يمثل موقفًا قرآنيًّا عامًّا، فإن حرص القرآن على ذكره في سياق آيات المواريث — التي يعتمد التقسيم فيها على عَلاقات العصبية والقرابة — يمثل علامة أخرى دالة لا يصح إهمالها في التحليل كذلك. ومن هاتين العلامتين يمكن استنباط أن مفهوم القرآن لعدالة توزيع المال والثروة في المجتمع أوسع كثيرًا من المفهوم من «الزكاة» و«الصدقات» و«المواريث»؛ إذ الغاية والهدف ألا يكون المال «دولة بين الأغنياء»، أي يتداولونه ويحتكرونه بين بعضهم البعض. في إطار هذا الفهم العام يتحتم تحليل معنى «المواريث» في القرآن، ثم الانتقال بعد ذلك من المعنى السياقي التاريخي إلى «المغزى» المتضمن في ذلك المعنى، والذي يمكن أن ينبثق عنه في وعينا الديني المعاصر.

يروي السيوطي في «أسباب النزول» وقائع جديرة بالانتباه، تدور كلها حول تبيان الفارق بين السلوك المتعارف عليه قبل الإسلام من عدم توريث البنات والضعفاء (أي الصغار) من الذكور، وبين التشريع الذي أتى به القرآن. كان الميراث كله من حق الذكور القادرين على القتال، ولم يكن من حق الإناث شيءٌ. وكيف نتخيل أن تتمتع المرأة بأية حقوق، ناهيك عن حق الميراث، في مجتمع يدفن البنات أحياء، ويسمح أن تُورَّث المرأة التي مات عنها زوجها كما يُورَّث المتاع؟! وإذا كان الإسلام هو الذي نهى عن «الوأد» واعتبره جريمة كبرى، فإنه أيضًا هو الذي منع أن تُورَّث النساء كرهًا أو أن يُعضلن (النساء: ١٩–٢٣). ومن الطبيعي أن يكون الإسلام هو الذي يؤسس حق المرأة في ميراث أبيها وزوجها، بل حقها أيضًا في ميراث الكلالة٢٥ من الأخ والأخت. تلك كلها حقوق أتى بها الإسلام، ولم يكن من السهل أن يقبلها المسلمون الأوائل، وكان منطقهم في مسألة الميراث على وجه التحديد أن قالوا: «لا نُوَرِّث من لا يركب فرسًا ولا يحمل كَلًّا ولا ينكأ عدوًّا.»٢٦

يلاحظ الإمام محمد عبده البُعد السياقي للتشريع القرآني، ويستنبط من خلال تحليل العَلاقات التركيبية في الآيات، كالعطف والتَّكرار، أن النص على حق النساء في «نصيب» مما ترك الوالدان والأقربون يعني «الفرض» المعروف. وهو يخالف المفسرين الذين ذهبوا إلى أن الآيات أعلاه تمثل سياقًا جديدًا لا عَلاقة بينه وبين ما سبقه في السورة. يقول الإمام إن السياق متصل في الحديث عن اليتامى وحقوقهم، والدليل قوله بعد ثلاث آيات: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا.

فإنه بعد أن يبين التفصيل في حرمة أكل أموال اليتامى، وأمَرَ بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا، ذكر أن المال الموروث الذي يحفظه الأولياء لليتامى يشترك فيه الرجال والنساء خلافًا لما كان في الجاهلية من عدم توريث النساء، فهذا تفصيل آخر في المال نفسه بعد التفصيل في الإعطاء ووقته وشرطه. ومال اليتامى إنما يكون في الأغلب من الوالدين والأقربين. فمعنى الآية: إذا كان لليتامى مال مما تركه لهم الوالدان والأقربون فهم فيه على الفريضة لا فرق في شَراكة النساء والرجال فيه بين القليل والكثير، ولهذا كرر «مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ» وعنى بقوله: «نَصِيبًا مَفْرُوضًا» أنه حقٌّ معينٌ مقطوع به لا محاباة فيه، وليس لأحد أن ينقصهم شيئًا.٢٧

ويواصل الإمام تحليله للعبارة «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» من حيث عَلاقاتها بعبارة «يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ»، فيرى أنها:

جملة مفسِّرة لا محل لها من الإعراب، واختير فيها هذا التعبير للإشعار بإبطال ما كانت عليه الجاهلية من منع توريث النساء، كما تقدم، فكأنه جعل إرث الأنثى مقررًا معروفًا، وأخبر بأن للذكر مثله مرتين، أو جعله هو الأصل في التشريع وجعل إرث الذكر محمولًا عليه، يُعرف بالإضافة إليه، ولولا ذلك لقال: للأنثى نصف حظ الذكر، وإذ لا يفيد هذا المعنى ولا يلتئم السياق بعده كما ترى.٢٨

ويهمنا في هذا التحليل أن نتوقف عند دلالة «المعنى» الذي استنبطه الإمام من التركيب، معنى أن القرآن جعل إرث الأنثى بمثابة الأصل المقرر المعروف الذي يُحمل عليه نصيب الذكر ويُعرف بالإضافة إليه. هذا المعنى الذي استنبطه الإمام ذو «مغزًى» هام في السياق السُّسيوتاريخي الذي كان فيه الذكر هو معيار القيمة وأصلها. ما هو هذا المغزى القرآني إن لم يكن خلْقَ توازنٍ بين محورين ساد أحدهما وسيطر واستأثر بكل قيمة إنسانية واجتماعية واقتصادية، وهذا هو محور الذكر؟ ولا يتحقق التوازن إلا بنقل الثِّقل مؤقتًا إلى المحور الآخر، محور الأنثى، حتى يستقر مبدأ المساواة المبدوءةُ به السورة، ويمتد من أفق «المساواة الدينية» لينتشر في أفق «المساواة الاجتماعية». تتأكد أبعاد المساواة بالإضافة إلى ذلك بأن يكون «الفرض» إقرار حق النساء في الميراث؛ فهذا الحق «فريضة من الله»، وهو من ثَم «حق معين مقطوع به لا محاباة فيه وليس لأحد أن ينقصهم شيئًا» بحسب شرح الإمام. يتحول هذا الفرض إلى أصل يتقرر على أساسه حظ الذكر بألا يزيد عن «حظ الأنثيين»، وتصبح تلك هي «حدود الله» (الآية ١٣).

وفي ختام السورة تتكرر عبارة «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَييْنِ» يليها النص على أن ذلك بيان من الله يعصم من الضلال: يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (الآية ١٧٦). إن فهم «الحدود» على أساس أن المقصود به نصيب الأنثى، والذي يجب أن يظل محصورًا في إطار النصف من نصيب الذكر، فهم يخالف كلًّا من دلالتي المعنى والمغزى، على السواء، لكنه هو الفهم الذي ساد واستقر كما سادت واستقرت باسم الإسلام كثير من الأعراف والتقاليد التي حاول الإسلام تغييرها. إن السياق التاريخي، بالإضافة إلى دلالتي المعنى والمغزى، يبين بجلاء أن الهدف القرآني من التشريع — البيان الذي يعصم من الضلال — هو «تحديد» نصيب الذكر، الذي كان يحصل على كل شيء، بوضع حد أقصى لما يمكن أن يحصل عليه لا يتجاوز ضعف نصيب الأنثى. هذا مع فرض نصيب للأنثى، التي لم تكن تحصل على أي شيء، بحد أدنى لا يقل عن نصف نصيب الذكر. فالتحديد إذن هو وضع حد للفوضى والاستئثار بفرض نصيب للمحروم بهدف الاقتراب من تحقيق المساواة في أفق الحياة الاجتماعية. وكل اجتهاد في سبيل تحقيق هذه المساواة، التي هي مقصِد أصلي وهدف أسمى للحياة الدينية، إنما هو اجتهاد مشروع، أو لنقُلْ هو اجتهاد في نفس اتجاه المقاصد الكلية للتشريعات. أما الاجتهاد المخالف للاتجاه المقاصدي، أو التأويل الذي يقف على أفق اللحظة التاريخية للوحي فكلاهما في دائرة «الخطأ» المعرفي بصرف النظر عن النوايا الطيبة والإخلاص الإيماني.

إذا كانت حدود الله التي يجب ألا نتعداها هي ألا نعطي الذكر من الميراث «أكثر» من ضعف نصيب الأنثى، وألا نعطي الأنثى «أقل» من نصف حظ الذكر، فإن هذه الحدود تسمح للمجتهد أن يقرر أن المساواة بين الذكر والأنثى لا تخالف حدود الله. إن المساواة معناها أن التسوية بين الحد «الأقصى» للذكر والحد «الأدنى» للأنثى ليس فيها مخالفة لما حده الله.٢٩ ومن البديهي أن تشمل تلك التسوية كل المجالات التي فُهمت فهمًا قاصرًا في الفقه الإسلامي انطلاقًا من تصور أن قيمة المرأة «نصف» قيمة الرجل قياسًا على مسألة الميراث.
نذكر من هذه المجالات «الشهادة» أمام القضاء وحرمان المرأة من شغل بعض الوظائف التي تؤهلها لها إمكانياتها التعليمية مثل القضاء. إن ما ورد بالقرآن بشأن شهادة المرأة كان وصفًا لحالها وليس تشريعًا أزليًّا لوضعيتها. في سياق «المعاملات المالية» بصفة خاصة وقت نزول النص. ولم يكن من ثَم تشريعًا أزليًّا لوضعيتها. والفهم الخاطئ للآية: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى (البقرة: ٢٨٢) مصدره إهمال السياق السردي، فالآية تتحدث أساسًا عن المعاملات المالية التي لم يكن للنساء عهد بها آنذاك. أما وقد انطلقت المرأة في المشاركة في جميع مجالات العمل والحياة، وتساوت خبرتها بخبرة الرجل، وفاقتها في مجالات كثيرة، فلا معنى للقول إن شهادتها نصف شهادة الرجل. من هنا يصبح القول بأن المرأة لا تستطيع أن تتحمل المسئوليات التي يتحملها الرجل في الأسرة والمجتمع إنما هو تَكرار لخطاب ينتمي إلى أزمنة وعصور مضى أمرها.٣٠

(٣) الحجاب والعورة

في تقديري أن مسألة «الزي» لا تستحق كل الجهود التي تُبذل في مناقشتها سواء من جانب المتزمتين الذين يريدون سجن المرأة في ثوب لا يظهر منها سوى العينين، أو من جانب أولئك الذين يريدون أن يستنطقوا القرآن بالتأويلات أنه لم يفرض على المرأة زيًّا معينًا. لكن الذي جعل منها قضية عامة في السنوات الأخيرة هو تنامي التيارات السياسية ذات اللافتات الإسلامية، خاصة بعد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران ونجاح الثورة التي خاضتها الجماهير ضد حكم الشاه. وكان زي المرأة — غطاء الرأس والنقاب — واحدًا من أهم العلامات والرموز التي أحياها ذلك المد الثوري تعبيرًا عن «رفض» العلامات والرموز «الغربية» التي ارتبطت بحكم الشاه. ثم حصول بعض التصرفات مثل قرار إحدى المحاكم الفرنسية بحرمان الطالبات المسلمات اللائي يغطين رءوسهن من الانتظام في المدارس بدعوى أن هذا الزي يمثل نوعًا من التمييز الديني غير المسموح به في نظام التعليم العلماني في فرنسا. وكان من الطبيعي أن يُحدث هذا الحكم رد فعل قوي في العالم الإسلامي ضد ما اعتُبر تحيزًا ضد الإسلام وممارسةً للتمييز العنصري والديني ضد المسلمين. وإذا أضفنا إلى ذلك سياق الحرب الأهلية في البوسنة، وما حدث فيها من اعتداءات جنسية وحشية على النساء المسلمات، ومِن عَمْد إلى إذلالهن لدرجة استخدام مَنِيِّ الكلاب لتلقيحهن، أدركنا مدى انجراح الشعور الإسلامي العام وتصديه للدفاع عن كرامته بمزيد من التمسك بما اعتُبر شارة للهوية المتميزة للشخصية الحضارية للمرأة المسلمة بصفة خاصة.

يصل تناقض الخطابات حول هذه القضية حدود اللامعقول في طرفيه، فبينما نجد من يحدد مواصفات الزي الإسلامي للمرأة تحديدًا تفصيليًّا دقيقًا يكاد يشبه تحديدات خبراء الأزياء والموضة،٣١ نجد على الطرف الآخر من يحاول أن يجد تأويلات للخطاب القرآني، خاصة ما ورد في سورة «النور» متعلقًا بالزينة والعورة. يعرِّف المؤلف الزينة المقصودة في نصوص سورة النور بأنها «جسد المرأة كله»، ولتحديد الفرق بين ما يجب ستره من جسد المرأة وما يجوز كشفه، أي لتحديد «العورة» يقسِّم المؤلف جسد المرأة/الزينة إلى قسمين: الزينة الظاهرة، وهي بحسب التأويل المشار إليه «ما ظهر من جسد المرأة بالخلق، أي ما أظهره الله سبحانه وتعالى في خلقها كالرأس والبطن والظهر والرجلين واليدين»، والقسم الآخر «قسم غير ظاهر بالخلق، أي أخفاه الله في بنية المرأة وتصميمها. هذا القسم المخفي هو الجيوب … وهي ما بين الثديين وتحت الإبطين والفرج والإليتين، هذه كلها جيوب، فهذه الجيوب يجب على المرأة المؤمنة أن تغطيها.» وما عدا ذلك من جسد المرأة فهو من الزينة الظاهرة التي لا تندرج في مفهوم «العورة».٣٢ هكذا يحلق التأويل في سماوات النص خارج سياق مكانه وزمانه ولغته؛ إذ يتعامل مع اللغة بوصفها فضاءً مستقلًّا عن سياق التداول والاستعمال والعرف.

والحق أن مفهوم «العورة» ليس مفهومًا مفارقًا لبنية الثقافة — أي ثقافة — في سياقها السُّسيوتاريخي، فهو ليس مفهومًا كليًّا ثابتًا قارًّا في الجماعة البشرية كما يتوهم البعض. وإذا نظرنا للسياق القرآني — بمعزل عن السياق التاريخي لنزوله — لقلنا إن العورة هي الأعضاء الجنسية فقط بالنسبة للأحياء، وهي جثة الشخص الميت. هكذا ورد ذكر «السوأة» في الخطاب القرآني في سياقين: الأول في سياق قصة آدم وحواء وكيف بدت لهما سوءاتهما بعد الأكل من الشجرة المحرمة (الأعراف: ٢٠، ٢٢، ٢٦، ٢٧؛ وطه: ١٢١). والسياق الثاني هو سياق قصة ابني آدم وقتل أحدهما للآخر وعجز القاتل عن أن يواري سوأة أخيه حتى أرسل الله إليه الغراب ليعلمه (آل عمران: ٣١). لكن مثل هذا التأويل يفترض أن النص القرآني يمكن فهمه خارج نطاق المجال التداولي لِلُّغة في عصر نزوله من جهة، ويتجاهل من جهة أخرى أن السياق الداخلي هو سياق القص عن الحياة الاجتماعية في بداياتها البُدائية.

وقد أثارت القضيةَ مؤخرًا جريدةٌ مصرية (الدستور) في تحقيق صحفي تحت عنوان «جسد المرأة: هل هو عورة؟» وبدأت الجريدة ببسط رأي المتصوف الكبير محيي الدين بن عربي (ت. ٦٣٨ﻫ) الذي أخذ التصوف عن كثير من الشيوخ بينهم بعض النساء. ولعل شخصية «فاطمة» من أهم تلك الشخصيات الصوفية التي يدين لها ابن عربي بالكثير؛ فيكثر من ذكرها في كتابه «الفتوحات المكية» على وجه الخصوص، فهي التي كشفت له — مثلًا — أسرار سورة «الفاتحة» من القرآن الكريم وما تتضمنه وتشير إليه من المقامات والأحوال العرفانية. وهي أيضًا التي كانت تخاطب أم محيي الدين قائلة: يا نور، أنت أمه الترابية وأنا أمه الروحانية. ولعله من الهام هنا أن نذكر أن المكانة التي تمتعت بها شخصية «رابعة العدوية» في تاريخ التصوف كانت كفيلة بدعم النظرة الإيجابية للمرأة، تلك النظرة التي ميزت التصوف الفلسفي العرفاني خاصة، باستثناء أبي حامد الغزالي (ت. ٥٠٥ﻫ). لذلك ليس غريبًا أن ينفي ابن عربي المنظور الفقهي لجسد المرأة بوصفه «عورة». تنقل الصحيفة عنه وهو يستعرض مختلِف الآراء، ثم يعرض قوله هو مبرهِنًا على صحته ومستدلًّا على عدم مخالفته للشرع: «فمِن قائلٍ إنها كلها عورة ما خلا الوجه والكفين، ومن قائل بذلك وزاد أن قدمها ليس بعورة، ومن قائل إنها كلها عورة. وأما مذهبنا فليست العورة في المرأة أيضًا إلا السوأتين كما قال تعالى: وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ (الأعراف: ٢٢، وطه: ١٢١) فسوى بين آدم وحواء في ستر العورتين وهما السوأتان. وإن أُمرت المرأة بالستر فهو مذهبنا لكن لا من كونها عورة، وإنما ذلك حكم شرعي ورد بالستر ولا يلزم أن يُستر الشيء لكونه عورة.» وابن عربي هنا يعتمد المذهب الظاهري في الفقه، وهو المذهب الذي ينفي «تعليل» الأحكام الشرعية — أو استنادها إلى علل — ويرفض بناءً على ذلك مبدأ «القياس» المعتمَد عند فقهاء المذاهب الفقهية المختلفة الأخرى. وإذا كان فقهاء المذاهب الأخرى يعللون الحكم الشرعي الوارد بستر جسد المرأة بأن «علة» الأمر بالستر كونه — أي جسد المرأة — عورة، فإن ابن عربي يرفض التعليل أصلًا، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإن قرينة إشارة ضمير المثنى في الآية — والمضاف إلى السوأتين في قوله: فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا — إلى كل من آدم وحواء يعني اشتراكهما في الحكم. وتلك هي إشارة النص — أي مدلول اللفظ بطريق الالتزام، وهو هنا التزام ظاهر — بناء على منهج الظاهرية.

وقد استطلع كاتب التحقيق — عبادة علي — رأي بعض العلماء في رأي ابن عربي، وهي آراء كاشفة عن سيطرة المنظور الفقهي القديم على ذهنية علماء الدين المعاصرين، لذلك نوردها هنا:

  • (١)

    رأي الدكتور محيي الدين الصافي، عميد كلية أصول الدين جامعة الأزهر: «الفتوى تخالف القول السائد بأن عورة المرأة هي جسمها كله ما عدا الوجه والكفين إذا كانت «حرة»، أما الجارية أي «المملوكة» فعورتها مثل الرجل من فوق الركبة إلى تحت السرة.» ولاحظ في أي عصر يتردد الكلام!

  • (٢)

    رأي الدكتور علي مرعي، عميد كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر: «السوأة لا تعني العورة في الآيات التي استند إليها ابن عربي … فمعيار فرض الحجاب هو أنوثة المرأة وضرورة منع مفاتن الأنثى عن إثارة شهوات الرجال.»

ومفهوم «العورة» يقترن بالحجاب الذي يختلط في أذهان الكثيرين بغطاء الرأس أو النقاب، وإن كان يعني «الفصل» التام بين الرجال والنساء، وهو الفصل الذي يبلغ الحرص عليه حد المطالبة بحبس المرأة حبسًا تامًّا بين الجدران المغلقة، فتتحدد حركتها في الحياة من «رحم» الأم إلى «بيت» الزوج، ومن هذا الأخير إلى القبر.٣٣

وبالعودة إلى الإمام محمد عبده مجددًا ندرك أنه هو الذي وضع الأساس التأويلي لمسألة «الحجاب» في الفكر الإسلامي الحديث، وهو الأساس الذي ما زال يحكم اتجاه المستنيرين من ممثلي التيارات الدينية السياسية كما سنرى:

والحق أن الانتقاب والتبرقع ليسا من المشروعات الإسلامية لا للتعبد ولا للأدب، بل هما من العادات القديمة السابقة على الإسلام والباقية بعده، ويدلنا على ذلك أن هذه العادة ليست معروفة في كثير من البلاد الإسلامية، وأنها لم تزل معروفة عند أغلب الأمم الشرقية التي لم تتدين بدين الإسلام. إنما من مشروعات الإسلام ضرب الخمر على الجيوب، كما هو صريح الآية (النور: ٣٠-٣١)، وليس في ذلك شيء من التبرقع والانتقاب.٣٤

ويرى الإمام أن أمر الحجاب (بمعنى الاحتجاب عن الاختلاط بالرجال) أمر خاص بنساء النبي دون عامة النساء. ويؤكد الإمام — خلافًا للمعاصرين — عدم جواز الحجاب لغير نساء النبي ولو من باب التأسي والاستحباب، وذلك على أساس أن:

قوله تعالى: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ يشير إلى عدم الرغبة في المساواة في هذا الحكم، وينبهنا إلى أن في عدم الحجاب حِكَمًا ينبغي لنا اعتبارها واحترامها، وليس من الصواب تعطيل تلك الحِكَم مرضاةً لاتباع الأسوة.٣٥

ويعدد الإمام الحِكَم من عدم فرض الحجاب على النساء — باستثناء نساء النبي — في مجموعة من الأغراض العملية الخاصة بشئون البيع والشراء والوكالة والشهادة في المحاكم أو المخاصمة، وكلها أغراض تتطلب التعرف على الشخص برؤية الوجه، الأمر الذي يستحيل في حالة «الاحتجاب» بالنقاب أو البرقع:

«وبالجملة … فقد خلق الله هذا العالم، ومكن فيه النوع الإنساني ليتمتع من منافعه بما تسمح له قواه في الوصول إليه، ووضع للتصرف فيه حدودًا تتبعها حقوق، وسوَّى في التزام الحدود والتمتع بالحقوق بين الرجل والمرأة من هذا النوع، ولم يقسم الكون بينهما قسمة ضيزى،٣٦ ولم يجعل جانبًا من الأرض للنساء يتمتعن بالمنافع فيه وحدهن وجانبًا للرجال يعملون فيه في عزلة عن النساء، بل جعل متاع الحياة مشتركًا بين الصنفين، شائعًا تحت سلطة قواهما بلا تمييز. فكيف يمكن مع هذا لامرأة أن تتمتع بما شاء الله أن تتمتع به مما هيأها له، بالحياة ولواحقها من المشاعر والقوى، وما عرضه عليها لتعمل فيه من الكون المشترك بينها وبين الرجل إذا حُظر عليها أن تقع تحت أعين الرجال، إلا ما كان من محارمها؟ لا ريب أن هذا مما لم يسمح به الشرع ولن يسمح به العقل.»٣٧

ويعجب المرء بعد هذه المرافعة الإنسانية البليغة دفاعًا عن كينونة المرأة وعن حقها في التمتع بنعم الكون الذي سخره الله للإنسان، لماذا لم يجد الإمام «الحِكَم» أو حتى حكمة واحدة فَرَضَت الحجاب على نساء النبي ، وهل كان هذا الفرض تمييزًا لهن بالأفضلية؟ وإذا كان الأمر كذلك — وهو كذلك بالفعل — ألا يكون «الحجاب» أفضل؟! ومع ذلك فإن ما قدمه الإمام لم يلحقه فيه أحد من مستنيري تيارات الإسلام السياسي.

هكذا نرى أن التأويل والتأويل المضاد يعتمد كلاهما على «الانتقاء»؛ أي إبراز النصوص التي تخدم غرض المؤوِّل بوصفها «الأصل» وتأويل النصوص التي تخالف غرضه وتخدم غرض الخصم تأويلًا يسلبها الدلالة غير المرغوب فيها. وسواء اعتمد التأويل ثنائية «الخصوص والعموم» أو اعتمد آلية «الإبراز والإخفاء» فالنتيجة واحدة: التلاعب الدلالي بالنص الديني — قرآنًا أو سُنةً — دون اعتبار لطبيعة تلك النصوص تاريخًا وسياقًا وتأليفًا — بمعنى التركيب والتكوين (لا بمعنى أنها من وضع البشر وتأليفهم) — ولغة ودلالة.

١  نُشرت هذه المقالة في مجلة «ألف» للبلاغة المقارنة، التي تصدر عن الجامعة الأميركية في القاهرة، العدد ١٩، ١٩٩٨م.
٢  جريدة الأهرام، ٢١ سبتمبر ١٩٩٨م، الصفحة الأولى، س٢٧.
٣  روز اليوسف، ٢٤ أغسطس ١٩٩٨م (العدد ٣٦٦٣، السنة ٧٣)، ص٢٦-٢٧، حوار أجرته «إقبال السباعي».
٤  نقلًا عن مَجلة «روز اليوسف»، العدد ٣٥٥٣، ١٥ يوليو ١٩٩٦م، ص٢٥.
٥  فهمي هويدي: «تطبيع عَلاقة المرأة بالمجتمع»، جريدة الأهرام، ٩ يوليو ١٩٩٦م.
٦  فهمي هويدي: «بالتعاليم لا بالمراسيم»، جريدة الأهرام، ٢٥ يونيو ١٩٩٦م. من أهم المصادر التي يعتمد عليها الكاتب: يوسف القرضاوي: فتاوى معاصرة، الجزء الثاني، ص٢٨٦. محمد الغزالي: قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة. عبد الحليم أبو شقة: موسوعة تحرير المرأة في عصر الرسالة.
٧  المقصود بالسياق السجالي كما سيتضح من الأمثلة سياق الرد على الطاعنين والساخرين من خلال استخدام منطقهم ذاته، ولكن في اتجاه عكسي مضاد لكشف تهافت البناء الداخلي لهذا المنطق. وقد تنبه الإمام الشافعي لهذا السياق في تفسيره لقوله تعالى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ (الأنعام: ١٤٥) حيث ذهب إلى «أن الكفار لما حرموا ما أحل الله، وأحلوا ما حرم الله، وكانوا على المُضادَّة والمُحادَّة جاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال: لا حلال إلا ما حرَّمتموه ولا حرام إلا ما أحللتموه.» ثم يكشف الشافعي عن الدلالة بمثال توضيحي فيرى أن القرآن يستخدم أسلوبًا يشبه أسلوب «من يقول [لك] لا تأكل اليوم حلاوة، فتقول له لا أكل اليوم إلا حلاوة، والغرض المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة». نقلًا عن الزركشي (بدر الدين محمد بن عبد الله): البرهان في علوم القرآن، دار المعرفة، بيروت، ط٣، ١٩٧٢م، الجزء الأول، ص٢٣-٢٤.
٨  نُشرت الدراسة أولًا في مَجلة «فصول» القاهرية، العدد الأول، المجلد الخامس ديسمبر ١٩٨٤م بعنوان «مفهوم النظم عند عبد القاهر الجرجاني: قراءة في ضوء الأسلوبية». ثم أُعيدَ نشرها في كتاب «إشكاليات القراءة وآليات التأويل»، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط٣، ١٩٩٤م، ص١٤٩–١٨٣.
٩  ناقشنا هذا الموضوع بتفصيل أكبر في مدخل هذا الكتاب بعنوان «حواء بين الدين والأسطورة»، ص١٧–٢٤.
١٠  السيوطي (جلال الدين): أسباب النزول، على هامش «تفسير الجلالين»، دار الفكر، بيروت، بدون تاريخ، ص١١٧.
١١  انظر: محمد شحرور: من الحقوق المغيبة للمرأة، محاضرة ألقيت في مكتبة «الأسد» في ٢٦ /١١ /١٩٩٦م، ضمن فعاليات الأسبوع الثقافي للاتحاد النسائي في دمشق، دار الأهالي ١٩٩٧م، ص١٠-١١. وقد سبق للإمام محمد عبده أن أكد مفهوم المساواة في القِوامة مستشهدًا بقِوامة الأم الأرمل على أطفالها الذكور، أو الرجال بحسب تعبيره. يقول: «والناظر في الأحوال التي فضلت فيها شريعتنا الرجل على المرأة مثل الخلافة والإمامة والشهادة في بعض الأحوال، لا يجد واحدة منها تتعلق بعيشتها الخصوصية وحريتها، وأن الشارع لم يراع في هذه المسائل القليلة إلا عدم الخروج بالمرأة عن وظيفتها في العائلة وحصر الوظائف العامة في الرجال، وهو تقسيم طبيعي جرى على مقتضاه إلى الآن التمدن في أوروبا، ولا يوجد فيه شيء يمنع من ترقية المرأة والوصول بها إلى أعلى مرتبة تستحقها. وما من عاقل يدرك الغرض الصحيح من تلك الحقوق العظيمة التي خوَّلتها الشريعة الإسلامية إلى المرأة في جميع الأحوال المدنية — ومنها أهليتها لتكون وصية على رجل (المقصود «طفل» فيما يبدو من السياق)؛ يستحسن ما يخالفها من عوائدنا التي تؤدي إلى حرمان المرأة بالفعل من استعمال هذه الحقوق.» الأعمال الكاملة، تحقيق: محمد عمارة، المؤسسة العربية للنشر، ط٢، بيروت ١٩٧٢م، المجلد الثاني، ص١٠٦.
١٢  يرى فهمي هويدي في اشتغال المرأة بالشأن العام وفي مسألة القوامة ما يلي، نقلًا عن مناقشات دارت في مؤتمر في الرباط عن موضوع «الإسلام وحقوق المرأة»: عن اشتغال المرأة بالولايات العامة كان الرأي المعلن أنه ليس في الإسلام نص يمنع من ذلك، وموضوع القِوامة والدرجة التي يفضل بها الرجل على المرأة وأشار إليها القرآن، فقد قيل إن المقصود بها هو ترتيب الأدوار، والإنفاق الذي يتحمل مسئوليته الرجل. والتفضيل هنا لا يعني أن أحدًا أحسن من أحد، لأن الله فضل بعض الناس على بعض في الرزق ولم يقل أحد إن ذلك ينتقص من قدر الذين ضاقت عليهم أسباب الرزق. على العكس من ذلك فقد أشارت الأحاديث إلى أن مِن هؤلاء من قد يكون أفضل عند الله ممن يملكون مال قارون.
مسألة النشوز التي قيل إنها تبرر ضرب النساء، جرى التذكير بأن النشوز يعالَج أولًا بالنصح وثانيًا بالهجر، وإذا لم يجديا فللرجل أن يؤدب زوجته بما لا يمس وجهها ولا يوجعها أو يترك عليها أثرًا. واتفق الفقهاء على أن ذلك يتم بما يعادل ضربة المسواك. وقد فسر الشيخ شلتوت نشوز المرأة بانحرافها، وقال إن تأديب الزوج لها على ذلك النحو يسترها بدلًا من أن تساق إلى المحاكم لتفضح أمام الملأ هناك. ورأى الشيخ محمد الغزالي أن للنشوز في التصور الشرعي حالتين: أن تستكبر المرأة على زوجها حتى تكره الاتصال به في أخص وظائف الزوجية، أو أن تأذن في دخول بيته لغريب يكرهه دون علمه أو إذنه. والحالتان مما يقتضي الستر أن لا يعالجا خارج البيت ولا يُقحم في أمرهما طرف ثالث. جريدة «الأهرام»، السنة ١٢٣، العدد ٤٠٨٧٤، ٣ نوفمبر ١٩٩٨م، «مكلمة حول المرأة!»
١٣  انظر: محمد شحرور: من الحقوق المغيبة للمرأة (سبق ذكره)، ص١٢، حيث يرى — محقًّا — أن الهدهد لم يستنكر كونها ملكة صاحبة قِوامة حاكمة على قومها، بل استنكر عبادتهم للشمس.
١٤  ترتيبها أمرٌ مجمَعٌ عليه بين كلٍّ من السيوطي في «الإتقان في علوم القرآن» والزركشي في «البرهان في علوم القرآن».
١٥  كتب محمد عبده هذا في جريدة الوقائع المصرية، العدد ١٠٥٥، ٧ مارس ١٨٨١م. انظر: الأعمال الكاملة، م٢، ص٧٢.
١٦  السابق، الصفحات ٨٤، ٨٥، ٩٢، ٩٣، ٩٤، ٩٥. لا يمل الشيخ من تأكيد رأيه كلما سنحت الفرصة، ففي «التفسير» يرى أن إباحة التعدد في صدر قوله تعالى: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ  أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مقَيَّد بعجُز الآية: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً (النساء: ٣) «والخوف من عدم العدل يصدق بالظن والشك فيه، بل يصدق بتوهمه أيضًا. ولكن الشرع قد يغتفر الوهم؛ لأنه قلَّما يخلو منه علم بمثل هذه الأمور. فالذي يباح له أن يتزوج أو أكثر هو الذي يثق من نفسه بالعدل بحيث لا يتردد فيه أو يظن ذلك ويكون التردد فيه ضعيفًا … وقد قال تعالى في آية أخرى من السورة: وَلَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ (الآية ١٢٩)، وقد يُحمَل هذا على العدل في مَيل القلب، ولولا ذلك لكان مجموع الآيتين منتجًا عدم جواز التعدد بوجه، ولما كان يظهر وجه قوله بعدما تقدم من الآية فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ والله يغفر للعبد ما لا يدخل تحت طاقته من ميل قلبه، وقد كان النبي يميل في آخر عهده إلى عائشة أكثر من سائر نسائه، ولكنه لا يخصها بشيء دونهن، أي بغير رضاهن وإذنهن، وكان يقول: «اللهم هذا قَسْمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك» أي ميل القلب. فمن تأمل الآيتين علم أن إباحة تعدد الزوجات في الإسلام أمر مُضيَّق فيه أشد التضييق، كأنه ضرورة من الضرورات التي تباح لمحتاجها بشرط الثقة في إقامة العدل والأمن من الجور. وإذا تأمل المتأمل مع هذا التضييق ما يترتب على التعدد في هذا الزمان من المفاسد جزم بأنه لا يمكن لأحد أن يُرقِّي أمة فشا فيها تعدد الزوجات (التأكيد من عندنا) … فيجب على العلماء النظر في هذه المسألة، خصوصًا الحنفية منهم الذين بيدهم الأمر وعلى مذهبهم الحكم، فهم لا ينكرون أن الدين أُنزل لمصلحة الناس وخيرهم، وأن من أصوله منع الضرر والضرار، فإذا ترتب على شيء مفسدة في زمن لم تكن تلحقه فيما قبله فلا شك في وجوب تغيير الحكم وتطبيقه على الحال الحاضرة، يعني على قاعدة «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح». بهذا يُعلَم أن تعدد الزوجات محرم قطعًا عند الخوف من عدم العدل» (التأكيد لنا). (الأعمال الكاملة، م٢، ص٧٨، ٨٣، وكذلك م٥، ص١٦٩-١٧٠).
١٧  انظر تحليلنا لهذا القانون من منظور شرعي فقهي في «القسم الأول من هذا الكتاب».
١٨  الأعمال الكاملة، م٢، ص١٢٥-١٢٦.
١٩  السابق، ص١٢٧.
٢٠  نفسه، ص١٢٨.
٢١  نفسه، ص١٢٩.
٢٢  في الأصل «يعرفانها»، وما أثبتناه هو الصواب.
٢٣  ابن العطار (محمد بن أحمد الأموي) كتاب الوثائق والسجلات، تحقيق: ب. شالميتا وف. كورينطي، المعهد الإسباني العربي، مدريد، ١٩٨٣م، ص٧–٩.
٢٤  عيال الله، حوار مع محمد الطالبي، إنجاز: منصف وناس – شكري مبخوت – حسن بن عثمان، دار سراس للنشر، تونس ١٩٩٢م، ص١٢١.
٢٥  ميراث الكلالة هو أن لا يكون للشخص المتوفَّى أبناء يرثونه، وقد مات كل من الأب والأم قبل موته؛ فيرثه الأخوات والإخوة. ذُكر شأن «الكلالة» في القرآن مرتين في سورة النساء: الأولى في الآية ١٢ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ، والمرة الثانية في الآية ١٧٦ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
٢٦  انظر: النيسابوري (أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي): أسباب النزول، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط٢، بدون تاريخ، ص٨٢–٨٤.
٢٧  الأعمال الكاملة، م٥، ص١٧٧.
٢٨  السابق، ص١٨٠.
٢٩  انظر: محمد شحرور: الكتاب والقرآن، قراءة معاصرة، دار الأهالي، دمشق، ط٦، ١٩٩٤م، ص٣٥٨ وما بعدها. يعتمد اجتهاد شحرور على تصور لبنية النص الديني يستند أساسًا على التمييز بين جانبي «النبوة» و«الرسالة» في شخص «محمد ». طبقًا لهذا التصور فالكتاب الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على محمد (القرآن) «يحوي كتابين رئيسيين: الكتاب الأول كتاب النبوة، ويشتمل على بيان حقيقة الوجود الموضوعي، ويفرق بين الحق والباطل، أي الحقيقة والوهم. الكتاب الثاني كتاب الرسالة، ويشتمل على قواعد السلوك الإنساني الواعي، ويفرق بين الحلال والحرام (ص٥٥). يتضمن مستوى «الرسالة» كتاب الآيات المحكمات التي تتضمن بدورها التشريعات والأحكام والحدود، وتلك الأخيرة تخضع لجدلية «الاعتدال والانحراف» أو «الاستقامة والحنيفية»، وهي جدلية تنتجها تناقضات الحياة الإنسانية كما تُدرس في مجالات علم الاجتماع والاقتصاد، وهي تتطلب دائمًا تغييرات وتطورات نوعية وكمية في مجال التشريع والقانون» (ص٤٤٧). ويحاول شحرور أن يشرح هذه الجدلية — الواضحة في ذاتها — استنادًا إلى ما يسمى مفهوم «التوابع المستمرة» في رياضيات نيوتن. ورغم الغموض الذي يحيط بهذه المحاولة — محاولة تركيب مفاهيم رياضية لتأويل التشريعات القرآنية — فالنتيجة التي يصل إليها في النهاية لا تكاد تختلف عن نتيجة تحليلنا. ويعود شحرور لقضية المواريث في محاضرته التي سبقت الإشارة إليها، لكنه استنادًا إلى تمييزه الدلالي بين مفردات آية المواريث — مفردات «نصيب» و«حظ» و«وصية» — يُخرِج عبارة «يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين» من حد «المواريث»؛ لأنها في سياق الحديث عن «الوصية». ودليله على ذلك أن كلمة «نصيب» وردت دائمًا بمعنى «الجزء الموروث»، في حين لم تأت كلمة «الحظ» إلا في سياق «الوصية» دون سياق «الميراث». من هذا التحليل يستنبط شحرور أن المقصود من الآية: «الوصية التي يريدنا الله أن نلتزم بها في حياتنا.» ويؤكد هذا أنه استعمل مصطلح «الحظ» في هذه الوصية، مما لا يدع مجالًا للشك بأن لا عَلاقة لهذه الوصية بالنصيب في التركة» (ص٣٠).
٣٠  انظر: فهمي هويدي: مكلمة حول المرأة، سبق ذكره.
٣١  انظر على سبيل المثال: محمد سعيد المبيض: إلى غير المحجبات أولًا، دار الثقافة، الدوحة، ١٩٨٨م، ص١١٢–١١٤.
٣٢  محمد شحرور: الكتاب والقرآن، سبق ذكره، ص٦٠٦-٦٠٧.
٣٣  جريدة الدستور ٢٧ /٨ /١٩٩٧م، ص٥.
٣٤  الأعمال الكاملة، م٢، ص١١٣.
٣٥  السابق، ص١١٤.
٣٦  في الأصل «أفزاز» ولا معنى لها.
٣٧  السابق نفسه، ص١١٠.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥