الإسلام والديمقراطية والمرأة: دوائر الخوف عند فاطمة المرنيسي
-
(٣)
الخوف من الغرب الأجنبي.
-
(٤)
الخوف من الإمام.
-
(٥)
الخوف من الديمقراطية.
-
(٦)
ميثاق الأمم المتحدة.
-
(٧)
القرآن.
-
(٨)
الخوف من حرية الفكر.
-
(٩)
الخوف من الفردية.
-
(١٠)
الخوف من الماضي.
-
(١١)
الخوف من الحاضر.
-
(١٢)
أغنية النساء: المصير الحرية.
كان سقوط «الحدود» وانتزاع «الحجاب» بداية الفزع الجماعي والخوف الأكبر. وإذا كان الخوف الفردي يفضي إلى الانتحار — وهو مسألة شخصية — فإن الخوف الجماعي يفضي إلى الفتنة، إلى انتشار العنف وتمزيق أواصر العَلاقات الاجتماعية (ص٦). هكذا تفسر المؤلفة تنامي العنف الأصولي الذي يستخدم الدين أداة لحماية الذات المنتهَكة. اللجوء إلى الدين — في أشد تفسيراته عداءً لكل ما هو جميل وحق وخير — إذن مؤشر خوف وعلامة علة في الجسد والروح، وليس دليل صحة وعافية و«نهضة» كما يحلو للبعض أن يروج. لكن ما هي العَلاقة بين حرب الخليج وما أثارته من خوف وفزع وبين «الديمقراطية»؟ وما عَلاقة هذه الحرب بالأصولية ونمو نزعتها «الانتحارية» في العنف ضد المجتمع باسم «الإسلام»، خاصة وأن نمو النزعة الأصولية الراديكالية لم يبدأ مع حرب الخليج؟ وما عَلاقة ذلك كله بقضايا المرأة وأزمة تحررها، وهو الموضوع الأساسي والجوهري المؤسِّس لخطاب المرنيسي؟ هذه أسئلة يصعب الإجابة عليها دون الإشارة إلى البنية الاستدلالية التي يقوم عليها الكتاب، وهي بنية تعتمد على قضايا كبرى، وأخرى صغرى، يتولد عنهما نتائج ودلالات، وذلك على النحو التالي:
- القضية الكبرى الأولى: هي حرب الخليج، وما أثارته من خوف وحركته من فزع. وهذه القضية غائبة عن عنوان الكتاب، لكنها ماثلة في كل سطر من سطوره.
- القضية الكبرى الثانية: هي الإسلام، وما يمثله من مرجعية معرفية حضارية تاريخية ثقافية. والعَلاقة بين القضيتين عَلاقة لزوم كما سيتضح فيما بعد. وفهم الإسلام يستدعي تحليل الجاهلية، بوصفها «السياق» السُّسيوتاريخي الكاشف عن دلالة الرسالة المحمدية في أفقها التاريخي من جهة، وفي تطورها الثقافي والحضاري من جهة أخرى.
- القضية الكبرى الثالثة: هي قضية الديمقراطية، وما يرتبط بها من مفهوم المشاركة، سواء على مستوى الوطن الواحد — مشاركة الجماهير في السلطة وصنع القرار، ومشاركة الفقراء للأغنياء في الثروة عن طريق التمتع بحق التعليم وتكافؤ الفرص، ومشاركة المرأة للرجل في صنع الحياة — أو على مستوى العَلاقات بين الشعوب والأوطان، سواء تلك التي يضمها إطار تاريخي ثقافي متشابه — أقطار العالم العربي والإسلامي — أو تلك التي تنتمي إلى أطر ثقافية حضارية مختلفة؛ أوروبا والعالم الإسلامي.
(١)
وستكون مهمتنا في هذا العرض النقدي لهذا الكتاب الهام أن نتتبع منطق الاستدلال في كل قضية من القضايا الثلاث السابقة، لنرى مدى حضور — أو غياب — الدلالة الرابطة بينها، وهي الدلالة التي تمنح عملية الاستدلال منطقها، وتفضي إلى صلابة النتائج الناتجة عنها. والسؤال الذي يطرح نفسه في البداية: لماذا تكتسب حرب الخليج الثانية هذا الحضور المركزي في نقاش حول الديمقراطية والإسلام وحقوق المرأة، أو بالأحرى حول قضية أزمة الحداثة والخوف منها في العالم العربي الإسلامي؟ ألم يكن مشكل «الحداثة» ماثلًا في الوعي العربي الإسلامي منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وبالتحديد حين كانت تركيا العثمانية تنزع عن نفسها رداء «الخلافة» الإسلامية، وتتهيأ للدخول الفعلي في عصر «الدولة القومية»؟ كانت الدولة التركية قد بدأت بالفعل عملية «التحديث»، والتي بدأها في مصر «محمد علي» منذ بداية القرن التاسع عشر. والفارق بين «التحديث» و«الحداثة» أن التحديث إجراءات عملية — ذات طابع سياسي اجتماعي — تفرضها ضرورات نفعية حيوية، في حين أن «الحداثة» تمثل عملية التأسيس المعرفي للتحديث في برنامج ثقافة ما، أي نقل الخبرة الحداثية من مجال الضروري النفعي إلى مجال الوعي. ألم تكن المعركة التي أثارها كتاب الشيخ علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» (١٩٢٥م) معركة بين دعاة الحداثة — ممثلة في الدولة المدنية القومية الديمقراطية — وبين دعاة الدولة الدينية البطريركية؟ أليس في هذا السياق كانت نشأة «جماعة الإخوان المسلمين» في مصر (١٩٢٨م) تعبيرًا سياسيًّا عن تيار التقليد المعادي للحداثة، وانقلابًا فكريًّا ضد إنجازات عصر الإصلاح الديني الذي مثله الشيخ «محمد عبده»، وهو انقلاب تم بزعامة صديقه وتلميذه «محمد رشيد رضا» الملهم للشيخ «حسن البنا» بإنشاء تنظيم على غرار تنظيم «الإخوان» السعودي في القرن التاسع عشر؟ ألم يكن «تحرير المرأة» في القلب من مشروع فكر الحداثيين آنذاك، كما عبرت عنه كتابات «قاسم أمين» في مصر و«الطاهر الحداد» في تونس؟ أوَلم يكن من أهم أهداف برنامج الإخوان المسلمين، إلى جانب إعادة تأسيس الخلافة، إعادة المرأة إلى «البيت» و«الحجاب»؟ هكذا قامت «زينب الغزالي» بإنشاء تنظيم «الأخوات المسلمات» بإشراف حسن البنا، على أن يكون مستقلًّا عن تنظيم «الإخوان» في نفس فترة نشاط هدى شعراوي وسيزا نبراوي؟ ليس هذا السياق التاريخي غائبًا تمامًا عن الكتاب (١٦٠)، وإن كان لا يمثل نقطة البدء والانطلاق.
الغائب عن الكتاب بشكل لافت في سياق تحليل إشكالية الحداثة في العالم العربي والإسلامي حدثان كان لهما وما يزال مردود مضاد أدى إلى تشويهها وابتسارها. الحدث الأول: إنشاء دولة إسرائيل وطنًا قوميًّا لليهود على حساب الفلسطينيين، وهنا لا بد من ملاحظة أن أوروبا — العلمانية! — قامت بدور لافت في تشويه «حداثتها» في الوعي العربي والإسلامي. ألا ينطوي مفهوم «دولة قومية لليهود» على تناقض حادٍّ بين «القومية» — التي تفترض تاريخًا مشتركًا وثقافة متجانسة — وبين «اليهود» بانتماءاتهم التاريخية والثقافية، بل والعِرقية، المختلفة إلى حد التنافر والتضاد؟! وفي مقابل هذا التناقض نجد تناقضًا في اتجاه معاكس في حرص بريطانيا على إنشاء «وطن قومي للمسلمين» يفصلهم عن إخوانهم الهندوس، رغم التاريخ المشترك والثقافة المتجانسة مع تعدديتها. في الحالتين اعتُبر «الدين» أساسًا للقومية المشتركة من جانب أوروبا العلمانية؛ وتشابه مفهوم «الحداثة» في الوعي العربي الإسلامي حتى أضحى ملتبسًا. ثم جاء الحدث الثاني — الهزيمة العربية الشاملة للعرب من جانب إسرائيل (١٩٦٧م) — ليعمق الالتباس؛ فصار «الدين» في الوعي العام هو «المفسرة» الوحيدة لا للانتصارات والهزائم فحسب، بل للتقدم والتخلف بالمثل. في هذا السياق كان يمكن للمؤلفة أن تفسر لماذا كان العداء للغرب — ولكل ما يمكن أن يمثله الغرب من قيم ليبرالية ديمقراطية حداثية علمانية — جزءًا جوهريًّا في أيديولوجيا القوميين والاشتراكيين والشيوعيين على السواء (٤٢-٤٣).
لكن حرب الخليج — التي هي حلقة في مسلسل فرض أيديولوجيا الإذعان على العرب والمسلمين وعلى شعوب العالم الثالث كافة — تختلف في رأي المؤلفة؛ لأنها عرضت الهزيمة إعلاميًّا لحظة بلحظة عبر الأقمار الصناعية. كان العالم يتلقى الهزائم السابقة سماعًا أو قراءة، أما تلك الهزيمة فقد شاهدها الناس كلهم في أنحاء العالم كله بالعين المجردة وعايشوا أحداثها ووقائعها في بيوتهم. لقد أحيت تلك الحرب المضمر والكامن من ذكريات ضد الغرب وضد الحكومات في الوقت نفسه؛ فخرجت النساء في مظاهرات احتجاج، لا ضد الحرب فقط بل ضد قهرهن في المدن العربية. ألم تخرج المرأة السعودية في الرياض تقود سيارتها في تحدٍّ سافر للقوانين التي تحرم على المرأة المسلمة قيادة سيارتها، في الوقت الذي شاهدن فيه فتيات القوات الأميركية يتجولن أحرارًا — دون أن يتعرض لهن أحد من «المطاوعة» — سافرات في نفس المدينة؟ وبالمثل قامت مظاهرات الشباب في أنحاء العالم العربي كله تندد بالحرب والعدوان على شعب العراق، والأهم من ذلك تندد بالأنظمة المتخاذلة العاجزة أمام الأعداء والمستأسدة في وجه شعوبها. لقد كان هتاف الشباب في المغرب لافتًا في دلالته:
لكن للحرب التي أثارت الخوف وأطلقته حرًّا كالمارد — إلى جانب تأثيرها التطهيري — تأثيرَها المَرَضي كذلك؛ فالمارد الذي أطلقته يمكن أن يكون — مثل مارد مصباح علاء الدين في قصص ألف ليلة وليلة — تحت سيطرة إنسان «طيب» أو تحت سيطرة إنسان «شرير»؛ لأن المارد يخدم مالك «المصباح»، وينفذ أوامره. لقد كان للُّغة الدينية، التي وظفتها جميع الأطراف، تأثير لا يمكن إنكاره أو تجاهله في إضفاء مزيد من المشروعية على المد الأصولي الإسلامي في العالم العربي. لم يكن الرئيس الأمريكي «بوش» وحده هو الذي وظَّف هذا التاكتيك في بياناته للأمة الأمريكية، وللجنود وعائلاتهم؛ فأخذ يردد عبارات مثل: بارك الله في أمريكا، كان الله معنا، الليلة وقواتنا تطير إلى الشرق الأوسط نصلي من أجل جنودنا وعائلاتهم. بارك الله في كل واحد منهم وفي القوات المتحالفة معنا في الخليج (١٠٢). كان الرئيس «صدام حسين» — من الجهة الأخرى — الذي استخدم اللغة الدينية ضد النظام الشيعي في إيران في حرب الخليج الأولى؛ فأيقظ ذكريات «قادس» إلى جانب نعرة «الشعوبية» التي وسمت العصر العباسي الأول، والصراع بين دولة بني العباس والدولة الشيعية في العصر العباسي الثاني. لكنه في حرب الخليج الثانية — ولدهشة كل المراقبين — استعار لغة «الخميني» في الحديث عن «الشيطان الأكبر» الأمريكي، وعن «الطغيان» الذي يمثله الطاغية «بوش». كانت مفردات اللغة المستخدمة مستعارة من اللغة القرآنية لإحياء رمزيتها المقدسة عن الصراع بين «الطغيان» الذي يمثله «فرعون» وبين الخير الذي يمثله الأنبياء (١٠٦). ومن وجهة نظر الجماهير التي تظاهرت ضد الحرب كان نموذج «الطاغية» هو الذي قاد تلك الجماهير للوقوف إلى جانب العراق. إذ كان الأمراء المتربعون على آبار البترول، والتي كان يمكن أن تغير ميزان القوى لو كانت في خدمة مصالح الأمة، مناسبين تمامًا لصورة الطاغية؛ لأن محركهم الأساسي هو المصالح الشخصية. هكذا صورتهم الصحف والشعارات العربية: الفراعنة المتجاهلين للرحمة التي وعد محمد المكي بها الدنيا كلها (١١٢).
وكان على الجناح العربي من «التحالف» أن يقدم مسوغًا دينيًّا لتبرير الاستعانة بغير المسلمين في قتال الفئة الباغية من الفئتين المقتتلتين من المسلمين بعد أن فشلت محاولات الإصلاح السلمي بينهما. ووجد الخطاب الديني الرسمي، ممثَّلًا في شيخ الجامع الأزهر آنذاك، سابقة في السيرة النبوية تسوغ «جواز» الاستعانة بغير المسلم — حيث استعان الرسول بأحد مشركي مكة ليكون دليلًا له في طريق رحلته مهاجرًا من مكة إلى المدينة. كانت فتوى تثير الضحك في قلب المأساة؛ لا بسبب الفساد الواضح لهذا «القياس» والاستدلال فحسب، بل بسبب التعمد الواضح لتغييب أساس القضية، ألا وهو فزع الغرب كله وأمريكا على وجه الخصوص من استيلاء «صدام» على مخازن البترول في المنطقة. وبسبب هذا التغييب اتجه الغضب وجهة أخرى؛ أولًا: ضد الغرب ومبادئه السامية، وضد المواثيق العالمية والدولية كافة وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وثانيًا: ضد تكنولوجيا «الغرب» وعلمه. أحس المسلمون — من جهة — أنهم يعيشون تحت مراقبة القمر الصناعي غير المسلم، والذي يمكن له إذا راد أن يخدم مصالح الجشعين فيوجه صواريخهم ضد السكان المدنيين. كما ساهمت الحرب — من جهة أخرى — في تأكيد إمكانية التلاعب بالأمم المتحدة وبمواثيقها؛ حيث استُخدمت المبادئ السامية وشعارات المسئولية العالمية لتقنين استخدام القوة (٦٧).
هكذا تحول «الغرب» إلى ممثل للجاهلية المناقضة لإسلام المنطقة، وصار الصراع — في سياق الغضب الذي سحبته اللغة الدينية إلى مياه الماضي العميقة والمليئة بالدوامات — صراع «الإسلام» ضد طغيان طواغيت «الجاهلية» الجهلاء. وبدا أن الجاهلية، التي تم القضاء على عنفها بمعجزة الإسلام في الماضي، تنتقم في الحاضر بطريقة أكثر وحشية؛ ﻓ «مكة» «تحميها» الآن الصواريخ الأمريكية، صواريخ يطلقْنَها شابات ذوات وجوه ملائكية تعلوها خوذاتهن العسكرية (١١٥). في إطار هذا التحويل المكثف صارت الحداثة — بكل منجزاتها عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني، وبكل عقلانيتها: التنوير والعلم والتقدم … إلخ — منتجًا غربيًّا غريبًا عن ثقافتنا وهويتنا. تَجسَّد «الغرب» وتَشخَّص في «الفاشية» العسكرية التي مورست عبر الأقمار الصناعية، وتحملت الحداثة المسئولية الجنائية بأثر رجعي حتى وجدنا من يكتبون عن البنية الفاشية العنصرية الصهيونية للحداثة والتنوير الغربيين. هذا العداء الذي استفحل ضد الحداثة بزعم أنها منتج أوروبي خالص — كأن تاريخ البشرية الموغل في القدم لم يساهم عبر انتقال الحضارات وتلاقح الثقافات في صياغة كثير من مكوناتها — ومعادٍ للإسلام والمسلمين هو الجانب «المَرَضي» المشار إليه للحرب. لكن المفارقة أن أنظمة الحكم ورجال السياسة في العالم العربي والإسلامي يغذون شعور العداء للحداثة الغربية رغم أنهم غارقون سياسيًّا في أحضان الغرب عشاقًا مهجورين. أليست قيم الحداثة — خاصة الديمقراطية وما تضمنه من حريات — خطرًا يتهدد وجودهم ذاته؟!
(٢)
إذا كانت حرب الخليج بإطلاقها الخوف المكبوت من مكمنه قد مهدت للتحرر منه، فإن تحليل أسباب الخوف ومكوناته السُّسيوتاريخية شأنه أن يعالج النتائج المَرَضية لتلك الحرب. تؤكد المؤلفة منذ البداية: سيكون هذا الكتاب الصغير قد أدى مهمته تمامًا إذا نجح في بيان بعض الوسائل والتقنيات التي استُخدمت في عملية «تغريب الديمقراطية»، بما في ذلك التلاعب بالمخاوف عن طريق إعادة توظيف التوترات التاريخية القديمة في سياق التوترات الحديثة وتركيب الأولى على الثانية (١٥). وتقول أيضًا: إذا فهمنا ماضينا فهمًا صحيحًا سنكون أقل إحساسًا بالغربة بالنسبة للغرب وللديمقراطية (٢٠). وإذا كان تحليل الماضي والتراث من أجل تعميق الوعي بالحاضر — الذي هو نقطة التقاء الماضي بالمستقبل — أمرًا لا خلاف على أهميته؛ لأن إعادة قراءة الماضي وإعادة فحص كل مكونات حضارتنا هي السبيل إلى تحررنا (١٦١)، فإن الأمر الذي يجب أن نخالف المؤلفة فيه هو اعتبار العام ٦٢٢م بداية التاريخ لكل شعوب المنطقة العربية والإسلامية. كأن هذا العالم على تنوع تجارِبه التاريخية، وتعدد مرجعياته الحضارية والثقافية قبل الإسلام، لم يكن شيئًا مذكورًا. تقول: قبل السنة الأولى للهجرة (٦٢٢ ميلادية) لا تاريخ للبشرية، لم يكن سوى الظلام — الزمن صفر فقط. الخوف الذي تثيره الجاهلية يمكن أن يشرح بنفسه لماذا يثير كل ما يستدعيها القلق والتوتر الذي لم نتخلص منه أبدًا (١٢٠).
من هنا تصبح «الجاهلية» — تاريخ شمال الجزيرة العربية قبل الإسلام — هي منطقة اللاوعي الجمعي لكل شعوب العالَمين العربي والإسلامي؛ هي منطقة الرغائب المحبطة والكوابيس المرعبة؛ لذلك: يجب أن نعالج تلك الفترة المظلمة إذا أردنا أن نفهم مخاوفنا القديمة ونعقلها.
لقد كان العنف الجاهلي مسيطرًا، حتى إن كثيرًا من القبائل لم تكن تحترم الأشهر الحرم (١٢٦). ومن المؤكد أن معلوماتنا عن الجاهلية قليلة رغم أهميتها في تحديد هويتنا (١٢٢). لقد ارتبطت العُزَّى دائمًا في الذاكرة بالقتل والفوضى (١٢٦)؛ وإلى هذه الذاكرة تُرجِع المؤلفة مشاعر الخوف من «المرأة»، تلك المشاعر التي تأججت بمشهد المرأة الأمريكية تشارك في الحرب ضد الرجال المسلمين. لكن ألم يقض الإسلام على الجاهلية جملة وتفصيلًا؟ أم تُراه فقط تفاوض معها واستعار بعض مكوناتها بعد أن ملأها بمضمون جديد؟! لا شك أننا — مرة أخرى — نتفق مع المؤلفة أننا نحتاج لفهم «الجاهلية» من أجل فهم الإسلام؛ لأنها تمثل كما سبق القول «السياق» السُّسيوتاريخي للرسالة، كما تمثل ثقافتُها ولغتُها مرجع التأويل والتفسير لبيان «الجديد» وفصله عن «القديم» المدمَج بالضرورة في اللغة المشتركة. لكن «الإسلام» في سياق حركته خارج شمال الجزيرة العربية — موطنه الأصلي — تفاعل مع ثقافات الشعوب وحضارات الأمم التي تقبلته دينًا لها، بحيث يمكن القول دون أدنى مبالغة أننا صرنا إزاء ثقافات إسلامية عديدة لا ثقافة واحدة متجانسة. والتجانس الملموس، والذي يضخم من شأنه الأصوليون تهوينًا من شأن تلك التعددية، إنما نجده في مجال الشعائر والعبادات دون أفق «الثقافة» وما تتضمنه من أنظمة دلالية وأبنية معرفية تتضمن «العقائد». إن عقيدة والتوحيد الإسلامية، والتي تبدو من منظور سلفي أو أصولي عقيدة موحدة، تتشكل في الثقافات الإسلامية المختلفة في صياغات تبدو أحيانًا متعارضة إلى حد الاقتتال. ويكفي للتدليل على صحة ذلك الاطلاع على كتب «العقائد» — بالجمع وليس بالمفرد — لنرى بعض الفروق بين عقائد الفرق الإسلامية.
لذلك نوافق المؤلفة أنه: من أجل صياغة هوية شاملة ودينامية علينا أن نعيد اكتشاف كل شيء ساهم في صنع الحضارة الإسلامية: تاريخنا كله بمكوناته التاريخية والأسطورية، بحقائقه وأكاذيبه، وفي مرتفعاته ومنحدراته. ومن الأهمية بمكان دراسة المقموع؛ فمن خلاله نعالج الجزء اللاواعي من تراثنا والذي تتولد عنه وتتشكل من خلاله مخاوفنا الراهنة (١٢٢). الجاهلية في نظر المؤلفة — وهنا خلاف يحتاج التفصيل — هي «الحرية» — حرية الرأي! — والفردية — حق الفرد في الاختيار! — وكلاهما أفضى إلى سيطرة «العنف» و«القسوة» المتمثلَين في الإلهات المؤنثة الثلاث: «اللات» التي يدل اسمها على الألوهية (إلاهات)، و«العزى» التي يدل اسمها على القوة والبأس، ثم «مناة» التي يحيل اسمها مباشرة إلى المنية أي الموت. في هذا الاختصار المخل للجاهلية يصبح من السهل الوصول إلى استنتاجين على درجة عالية من الخطورة من حدث تحطيم الأصنام يوم فتح مكة؛ الاستنتاج الأول: أن هذا التحطيم كان تعبيرًا عن «الخوف» من الحرية الشخصية أو من الفردية، والاستنتاج الثاني: رغبة الإسلام في استبعاد المرأة من مجال السياسة؛ لأن معظم الأصنام التي تم تحطيمها، فيما ترى الكاتبة، كانت لإلهات مؤنثات يفتقدن وجه «الرحمة» المفترض أن يعبرن عنه. وهذا الاستنتاج الثاني من شأنه أن يكون مقدمة لاستنتاج آخر عن علة فرض «الحجاب»؛ فترى المؤلفة أن الإسلام أوجب «حجب» وجوه النساء لسببين؛ الأول: أنهن صرن متوحدات بآلهة العنف، الثاني: لتوحيد «الأمة» وتطهير المدينة من بقايا فوضى الجاهلية (٨٦). هل يمكن أن نستنتج من ذلك أن المرأة الجاهلية كانت تتمتع بالمشاركة في الحياة السياسية؛ لأنها كانت غير محجبة؟! وإذا كان الأمر كذلك، فما هو سر «الوأد» — وأد البنات — الذي حرمه الإسلام، والذي تطيل المؤلفة في تحليل مغزاه من منظور عَلاقته بإلهات العنف الثلاث (١٢٢)؟! هنا يبدو أن المؤلفة لا تهتم بإبراز التمييز الواجب بين «الإسلام» والفكر الديني في تطوره التاريخي، هذا رغم أن هذا التمييز واضح تمامًا في مواطن كثيرة من الكتاب. لكن الأمر أحيانًا يكون مربكًا للقارئ إلى درجة لا يستطيع معها الحسم ما إذا كان التحليل في نقاط نقاش بعينها للإسلام — في نصوصه الأساسية — أم للفكر الإسلامي.
من قبيل فائض القول — وإن كان ضرورة أساسية في مناقشة هذا الكتاب — أن «الحرية» و«الفردية»، وما نتج عنهما من «عنف» و«قسوة»، مفاهيم تم زرعها عَنوة في أرض لا تصلح لها على الإطلاق. فأي «حرية» للفرد في ظل نظام اجتماعي قبلي بالغ الضراوة في إخضاع الفرد لمواضعات القبيلة وأعرافها الصارمة؟! وأي «فردانية» يمكن الحديث عنها و«المخاليع» من الشعراء وغيرهم أفراد خالفوا أعراف القبائل فأُهدِرت دماؤهم. إن المعلقات السبع — ديوان العرب قبل الإسلام ودستور حياتهم — ليست سوى أصوات القبائل من خلال أصوات الشعراء، لا يُستثنى من ذلك «عنترة العبسي» ومعلقته. ونموذج حق ممارسة «الفردانية» و«الحرية» تستنتجه الكاتبة من مرويات «ابن الكلبي» في كتابه «الأصنام»، رغم وجوب الحذر النقدي في التعامل مع المصادر الإسلامية حين يتصل الأمر بوصف الحياة الدينية قبل الإسلام. هكذا من إحدى تلك القصص عن الشاعر «امرئ القيس» تستنتج أنه: في الجاهلية كانت الآلهة سجينة إرادة الإنسان وواقعة تحت إرادته الناقدة، وليس العكس. كانت السلطة للفرد ينقد الآلهة ويعيد تقييم أدائها باستمرار طبقًا لمعاييره هو (١٠٥). وتتجاهل قصة «عبد المطلب» — التي تعرضها في سياق آخر نسبيًّا — وحرصه على إرضاء الآلهة تجنبًا للتضحية بابنه «عبد الله» قربانًا برًّا بقسمه. إن طه حسين محقٌّ تمامًا حين يقول إن «القرآن» يجب أن يكون مرجعًا أساسيًّا لفهم الحالة الدينية لعرب الجاهلية. أما الكاتبة فما أسرع ما تقفز في الفضاء؛ فتعتبر أن كلمة «شرك» — التي هي التعريف الحقيقي للجاهلية فيما تزعم — هي الكلمة الأكثر ملاءمة لترجمة كلمة «الحرية» في المادة ١٨ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وفي هذا الارتباط بين مفهوم «الشرك» والمادة ١٨ يكمن التناقض — فيما ترى هي — بين الإسلام والديمقراطية، ذلك التناقض الذي يعبر عن نفسه في نقاش فلسفي، هو النقاش الأساسي المسكوت عنه خمسة عشر قرنًا بدعم من سلطة القصور (٨٧).
والسؤال هنا: كيف يمكن تعميم القول بأن «الشرك» يلخص الحياة الدينية الجاهلية، كأن «المسيحية» التي استقطبت عددًا من القبائل العربية و«اليهودية» التي كانت في «يثرب» ينتميان إلى عصور أخرى؟! يبدو هنا أن مفهوم «الجاهلية» مفهوم غير زمني في وعي المؤلفة، مفهوم يتلخص في «الشرك» و«الوثنية». و«الجهل» بالمعاني والدلالات المكتسبة والمضفاة من عصور لاحقة أرادت — وما تزال — أن تنفي تاريخ ما قبل الإسلام في غياهب الظلمات، متصورة أن تلك هي الوسيلة الوحيدة لإبراز «نور» الإسلام الباهر. صحيح أن المؤلفة لا تعني ذلك، لكن المفهوم الذي تتبناه للجاهلية ينزع عنها رداءها التاريخي ويجردها من سياقها الزمني. هذا التصور للجاهلية لا يشرح لنا لماذا حين عاد الرسول إلى زوجته «خديجة» بعد أول تجرِبة للوحي مرتعدًا خائفًا «تَرجُف بَوادِره» كان أول ما تبادر لذهنها أن يذهبا إلى راهبٍ نصراني — ورقة بن نوفل — ليستشيراه في الأمر. أليس في هذا المسلك من جانب النبي وزوجه ما يعلمنا شيئًا عن مكانة هذا الراهب عندهما بصرف النظر عن قرابته للسيدة خديجة؟! ولماذا — في رواية تلك الواقعة — يربط «البخاري» في صحيحه، وكذلك «ابن إسحق» في السيرة، بين موت «ورقة» وانقطاع الوحي؟! وسؤال أخير — له عَلاقة بقضايا المرأة — لماذا كانت «خديجة» الزوجة الوحيدة التي لم تشاركها زوجة أخرى في حياة الرسول، وهل لهذا عَلاقةٌ ما بتأثير «ورقة»؟! ليس وراء إثارة تلك الأسئلة إلا بيان أن اختصار الحياة الدينية قبل الإسلام في الشرك اختصار يناقض التاريخ ويتجاهل عمق تلك الحياة. إن مفاهيم «الشقاق» و«الأحزاب» — والتي يصعب أن يُستنبط منها أية دلالات سياسية — وردت في القرآن غالبًا في سياق نعي أحوال الأمم السابقة، وورد اختلاف الأحزاب بصفة خاصة في سياق نعي الاختلاف المسيحي حول طبيعة السيد المسيح، الأمر الذي يؤكد أن «الشرك» وحده لا يمثل الحياة الدينية الجاهلية. وليس الأمر أن «معارضة الواحد» اكتسبت إلى الأبد طابعًا سلبيًّا بسبب جذورها الدينية في الحياة القرشية؛ لأن قريشًا كانت وراء حرية الفكر! وتعدد الآلهة (٩٩)، فالحقيقة أن المسلمين مارسوا الشقاق والاختلاف بسبب عودة «الجاهلية» وليس بسبب غيابها كما سيأتي.
لاحظنا أن مفهوم المرنيسي للجاهلية يتضمن في منهج استدلالها بذور قيم «الحداثة» وبصفة خاصة قيم الحرية والفردية وما يحيلان إليها من بذور «ديمقراطية» محتملة، وما يعكسانه بنفس القدر من مساواة جنسية «محتملة» في سياق ثقافي وديني تمارس فيه الإلهات المؤنثات الثلاث سلطات تدميرية. ماذا يعني «الإسلام» في هذا الإطار الاستدلالي؟ للقضاء على «العنف» و«القسوة»، واستبدال «السلام» بهما، كان لا بد من التضحية بالحرية. هكذا كان استبدال «الرحمة» بالحرية — فيما ترى المرنيسي — هو العقد الاجتماعي الذي اقترحه الدين الجديد لمواطني مكة. إدانة حرية الفكر وإخضاع الذات الفردية للجماعة كان الاتفاق الذي يحقق السلام. يتأسس السلام إذا وافق الفرد على التضحية بفرديته، والتي لا تعني مجرد الرغبات والعواطف فقط، بل تعني أيضًا «الرأي الشخصي» (٨٩). هكذا تكمن عبقرية الإسلام لا في الاستبعاد التام والنهائي للأهواء والعواطف، بل في وضع «حدود» يجب ألا يتجاوزها الفرد بأهوائه؛ فالاعتدال هو نموذج الإسلام ومبدؤه الأساسي (٩٠). وإذا كان منطق الاستدلال هنا لا يختلف كثيرًا — في بنيته على الأقل — عن منطق استدلال الإسلاميين في تبرير «شروط» و«قواعد» و«حدود» ممارسة حرية الرأي ومخالفة الإجماع، فإن فاطمة المرنيسي تعود لتؤكد أنه: من الضروري أن تؤسس الأمة أمنها على شيء آخر غير مصادرة حرية الفكر. لا يمكن أن نستمر في خنق الخيال، حرية التأمل والحلم، لأنه موطن الإبداع ومصدر الثراء في عصر الإلكترونيات. تلك هي القضية العظمى التي ينبغي أن تشغل بال المسلمين (٩١).
ولكن هل صحيح أن الحرية كلمة غامضة دائمًا في الثقافة الإسلامية لارتباطها بالجاهلية؟! (٩٢) وهل صحيح أن كلمات مثل «خلق» أو «أبدع» مفردات خطرة موسومة بالتحري، لأن ابن منظور يقرر أن كلمة «خَلَقَ» ترادف «كذب» في حالة الإنسان؟! وهل صحيح أن الخيال هو موطن كل الضلالات لمجرد أنها كلمة تتشارك في الجذر اللغوي مع «الاختيال» الملعون في القرآن إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (النساء، آية: ٣٦)؟! أليس «الخيال» و«الخيل» من جذر لغوي واحد (٩١)، وليست الخيل ملعونة في القرآن، بل مذكورة في إطار النعم التي أنعم الله بها على الإنسان؟! ويمكن الغلو في تتبع الارتباط الدلالي في عَلاقة الاستبدال بين الكلمتين أحيانًا (أرخى لخياله العِنان/أرخى لفرسه العِنان). مثل هذه التحليلات اللغوية متناثرة في الكتاب منذ الصفحات الأولى كقضايا استدلالية، لكن التحليل في معظم الشواهد بالكاد يلمس السطح الدلالي دون الغوص في أعماق طبقات التراكم التاريخي للتحولات الدلالية للمفردات. وابن منظور — ككل مصنفي المعاجم العربية — يحشد الدلالات وَفقًا للجذر اللغوي — ثلاثيًّا كان أم رباعيًّا — دون مراعاة «تطور الدلالة» أو تحولاتها بين المجاز والحقيقة مثلًا، ودون تمييز كذلك بين تحولات الجذر الواحد وَفقًا للحركات الداخلية القصيرة (فتحة، ضمة، كسرة) أو الطويلة (ألف، واو، ياء المد) بين عناصر الفونيمات (الحروف) المكونة له. ويحتاج الأمر من الباحث والمحلل اللغوي كثيرًا من العناء والخبرة للفصل بين مستويات الدلالة من جهة، وتخمين التطور من جهة أخرى. هذا فضلًا عن وجوب التمييز بين الصيغ الصرفية (المورفولوجية) للكلمة الواحدة أو للجذر نفسه؛ لأن للصيغ دلالات في ذاتها، وهذا من أبجديات «علم اللغة». وهكذا فإن كلمات مثل «خلق» و«اختلق» — على سبيل المثال — لا تحيل كلتاهما إلى «الكذب» وإن كانت الثانية تدل على ذلك بالصيغة؛ لأن «خلق» — في مجال تداولها الدلالي في عصر ما قبل الإسلام — كانت تعني «التخطيط» على رقائق الجلود لصناعة شيء، أما التنفيذ فهو «الفَرْي»، ثم انتقلت — بالمجاز — لتدل على «التخطيط» المعنوي. بهذا المعنى وصف شاعر ممدوحه قائلًا:
واستنادًا إلى هذا التحليل اللغوي أكد المعتزلة أن الإنسان «خالق» أفعاله، وأنها ليست مخلوقة بواسطة الله الذي هو «أحسن الخالقين»، واستدلوا من صيغة الجمع في القرآن جواز أن يسمى الإنسان «خالقًا». وهذا ما خالفهم فيه خصومهم واعتبروا أن لا خالق إلا الله «خالق كل شيء»، واعتبروا كذلك أن تسمية الإنسان «خالقًا» شرك والعياذ بالله. هذا التمييز الواجب بين الصيغ ودلالاتها ينطبق أيضًا على «خيال» و«اختيال»، كما يجب أن ينطبق على تحليلات الكاتبة لدلالات «الغرب» و«الغروب» و«الغرابة» و«الاغتراب» — التي وردت في المقدمة؛ لأننا إزاء مجالين دلاليين: الطبيعي الجغرافي، والفلسفي السيكولوجي. والانتقال من أحدهما إلى الآخر في سياق ثقافي بعينه يتطلب بحثًا في أركيولوجيا اللغة، ولا يكفي فيه التخمين اعتمادًا على المهارة الشخصية.
ونعود إلى صُلب مناقشتنا بتأكيد أهمية التمييز بين «الإسلام» — في نصوصه الأساسية — وبين الفكر الإسلامي أو التراث الديني. الحرية والفردية من قيم الإسلام الواضحة في النصوص؛ إذ الإسلام — على عكس ما تذهب المؤلفة — لم يأت لينقض الحرية والفردية بل جاء في تناقضه مع «الجاهلية» وقيمها المرتبطة أساسًا بالعصبية ليؤسسهما. وبالمناسبة فالمعنى اللغوي للجاهلية هو العصبية؛ ألا يفتخر عمرو بن كُلثوم بهذه العصبية في قوله:
ثم أليست الشكوى من القبيلة العاجزة عن مناصرة الفرد — ظالمًا كان أم مظلومًا — رغم ولائه الكامل لقيمها وأعرافها ظاهرةً نلمسها عند بعض الشعراء، فأحد شعراء الحماسة لا يخجل أن يقول:
تأسيس الحرية والفردية في القرآن قضية أوضح من الاستشهاد لها بكثرة من النصوص، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ وكل إنسان يأتي ربه يوم القيامة «فردًا» … إلخ. والجاهلية هي تلك العصبية التي أمر الرسول بتركها «دعوها فإنها مُنتِنة»، «لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى»، وأعاد تفسير مبدأ «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» بقوله: «بأن تكفه عن ظلمه».
(٣)
هذا الإسلام وتلك النصوص كانت مجال ممارسة الاختلافات السياسية منذ فترة مبكرة في تاريخ المجتمع. وليس غريبًا أن يكون نمط الاغتيالات السياسية التي بدأت باغتيال الخليفة الثاني «عمر بن الخطاب» هو النمط الذي ساد وسيطر، كما تلاحظ المؤلفة بحق. إذا كان الإسلام قد جاء لتحقيق السلام والرحمة (أُفضِّل «العدل» بدلًا من «الرحمة») والمساواة — وتأسيس الفردانية والحرية على عكس ما ترى المؤلفة — فإن انتقام «الجاهلية» وعودتها المظفرة — أعني العصبية القبلية — كان سريعًا. كان الصراع بين «الإسلام» وقيم «الجاهلية» مكتومًا في عصر الراشدين بنسب متفاوتة، لكن الباحث يجد شواهد متناثرة هنا وهنالك في كتب المؤرخين في أحداث مثل: خلاف السقيفة بين المهاجرين والأنصار قبل دفن جثمان النبي؛ خلاف عمر وأبي بكر حول جواز محاربة الممتنعين عن دفع الزكاة من العرب، ظنًّا أنها كانت إتاوة تُدفع لمحمد؛ خلافهما أيضًا حول نظام تقسيم الرواتب والعطاءات: هل بالتسوية التامة — رأي أبي بكر، أم طبقًا لأسبقية الدخول في الإسلام، وهو رأي عمر الذي طبقه بعد تولي الخلافة؛ ثم — أخيرًا — الطبيعة التمثيلية — لعناصر توازن القوة في الصراع المكبوت — للجنة الستة التي عينها عمر بن الخطاب لاختيار من يخلفه، وطبيعة الشروط التي حددها لهم لتكون دليلًا في طريقة الاختيار. لكن هذا الصراع المكتوم تحول تدريجيًّا إلى العلن في عصر الخليفة الثالث «عثمان بن عفان»، حتى إن مقتله لم يتم غيلة كسلفه، بل تم في سياق ثورة ضد المظالم. كان اختيار الخليفة الرابع بغير إجماع أهل الحل والعقد — الذين هم في الحقيقة رءوس قريش — لذلك تصدى له أولًا ثلاثة من أرستقراطية قريش — بينهم عائشة زوج الرسول — وحين فشلوا في موقعة «الجمل» نهض معاوية لمناجزته فيما بدا أنها «حرب أهلية» بين بطون قريش. لذلك نجد صرخة الذين أصروا على قبول التحكيم في موقعة «صِفِّين» — فيما يروي نصر بن مزاحم في كتابه بنفس الاسم — «لا نريد أن يحكمنا مُضَريٌّ إلى قيام الساعة» تعبيرًا عن الإحساس بأزمة «استرداد القبائل لمفاتنها» على حد تعبير الشاعر «مريد البرغوثي».
في سياق هذا الصراع حدث الانقسام إلى شيعة وخوارج وسنة، وفي سياق هذا الصراع أيضًا بدأ الفكر الديني حركة تأويل النصوص. هنا يمكن الاتفاق مع المؤلفة بأن تراث التمرد يمثله الخوارج (٢٧) وأن تراث العقل يمثله المعتزلة، كما يمكن أن نتفق معها أيضًا في أنه: «رغم اختلاف المعتزلة والخوارج في المنهج فقد اتفقوا في فكرة أساسية واحدة فحواها أن الإمام يجب أن يكون متواضعًا لا طاغية، أما الاختلاف فكان في الوسيلة لتحقيق ذلك النموذج المثالي للإمامة» (٣٣). لكنا نعلم أن تراث «التمرد» — بأسلوب الخوارج دون فكر المعتزلة وعقلانيتهم — هو التراث الذي ساد وهيمن؛ إذ: «بسبب اضطهاد المعارضة الفكرية والقضاء عليها لم يتحقق بعض النجاح إلا للتمرد السياسي والإرهاب كما هو الحال اليوم» (٣٤). كانت الدولة «الأموية»، ثم «العباسية»، تجسيدًا لدولة القبيلة، وفي ظل الأخيرة وبفعل عوامل التفتت الداخلي والخطر الخارجي انتعشت كل القبائل والعشائر — البويهيون، السلاجقة، العبيديون، الصفويون، المماليك، العثمانيون إلخ. والأمر نفسه تكرر في «إسبانيا» التي حكمها ملوك «الطوائف». في ظل القبائل والعشائر والطوائف من الطبيعي أن تزدهر ثقافة «الطاعة» و«الجماعة» و«التقليد» بدلًا من «الرأي» و«الفردية» و«الاجتهاد». «يتضمن كتاب الملل والنحل للشهرستاني كل المصطلحات المستخدمة في النقاش حول الديمقراطية، والتي تزلزل العالم الإسلامي اليوم وتتخلل مطبوعات اليسار واليمين على السواء. يتركز النقاش حول ست مفردات أساسية تؤسس قطبي النقاش: القطب الأول هو الولاء للقادة وطاعة أولي الأمر، المعتمد على أساس الإيمان بالله وطاعته. والمفردات الثلاث الرابطة لهذا القطب هي: الدين والعقيدة والطاعة. القطب الآخر تمثله المفردات الثلاث الأخرى التي هي: الرأي والإحداث والإبداع. ويكمن الصراع في حقيقة أن هذا القطب الآخر قد تمت إدانته عبر العصور؛ لأن الثقة بالنفس والإيمان بالرأي الشخصي معناه إضعاف القصر وإضعاف قوة الجماعة المتركزة كلُّها في يدَي الخليفة، أي معناه الوقوف مع الأعداء» (٤٠).
هل اختلف حال المسلمين كثيرًا في عصر «التحديث»؟ أم أن «التحديث» قشرة طالت المدينة، ومسَّت سطح الحياة فقط ومظهرها الخارجي دون أن تتجاوز السطح إلى أي عمق في الوعي؟! ومَن المسئول عن ذلك: الأنظمة — كما تقترح المؤلفة — أم النخبة التي فشلت في إحداث تغيير في الوعي، أم الجماهير، أم الغرب في عصر الإمبريالية، أم كل تلك العناصر متفاعلة متداخلة؟! لا شك أن مسئولية الأنظمة العربية — القبلية الطائفية العشائرية بالحقيقة أو بالمجاز — مسئولية عظمى. مع بعض الاستثناءات النادرة (تركيا تحديدًا) لم تدَّعِ أي دولة مسلمة حديثة أبدًا أنها دولة علمانية، ولم يحدث أبدًا أن دولة منها حملت على عاتقها مهمة تعليم المواطنين ممارسة حق المبادرة الفردية. بل على العكس من ذلك نجد ان مفهوم الفردية احتل مكانة غامضة عند «إصلاحيي» الحركة القومية في القرن التاسع عشر. كانت هذه الحركة، بحكم تركيزها على الصراع ضد الاستعمار وعدائها الشديد من ثم للغرب، مضطرة لتجذير نفسها بشكل غير مسبوق في الإسلام. في مواجهة الغرب الإمبريالي العسكري كان القوميون مدفوعين للاحتماء بماضيهم ومن ثم لإحيائه فتيًّا ثائرًا وحدودًا ثقافية للحماية من العنف الاستعماري. لم يتسع الماضي المسلم الذي استدعَوه وأثاروه لهوية التراث العقلاني الحديثة؛ لأن القوميين كانوا في الحقيقة سجناء وضع تاريخي جعل من الحداثة اختيارًا غير ناجح بالضرورة. كان عليهم سلوك أحد سبيلين، أسهلهما وعر؛ الطريق الأول: أن يتبنوا الحداثة على أساس التراث الإنساني للغرب المستعمِر، مخاطرين بفقدان الوَحدة؛ (لأن الحديث عن التراث العقلاني يعني الحديث عن «الرأي» و«العقل» وما يترتب على ذلك من احتمال اختلاف الآراء)، والطريق الثاني هو الحفاظ على معنى الوَحدة في مواجهة المستعمِر بالتعلق بأهداب الماضي، مع تفضيل تراث «الطاعة»، وإغلاق الباب نهائيًّا في وجه تجديدات الغرب (٤٢-٤٣).
هكذا يتشارك في المسئولية رجال النخبة والسلطة، مسئولية الربط بين الحداثة والغرب، وإسقاط كراهية الغرب السياسي ومعاداته — بالتالي — على الحداثة نفسها. ولا شك أن الغرب الاستعماري يتحمل قدرًا من المسئولية؛ لما خلفه من فقر نتج عن النهب المنظم لثروات الشعوب المستعمَرة. وفي حالة الشعوب العربية بصفة خاصة كان زرع الكِيان الصهيوني الإسرائيلي في المنطقة مسببًا لتجميد الصراعات الداخلية — وإعاقة أي تغيير حقيقي في بنية السلطة من ثم — من جهة، ولإجهاض كل محاولات التنمية بسبب حالة الحرب المستمرة من جهة أخرى. ولكن يبدو أحيانًا أن المؤلفة لا تبالغ فقط في تفسير حالة الضعف السياسي والركود الاجتماعي والفقر الفكري بالأزمة الاقتصادية، بل وتختزل هذه الأزمة الاقتصادية أحيانًا في «استيراد السلاح». تقول: ويرجع ضعف الدول العربية إلى الاعتماد على استيراد السلاح بدلًا من تشجيع البحث العلمي من أجل تصنيعه محليًّا (٤٤). ثم تتابع: وأنا ألح في تَكرار مشكلة شراء السلاح؛ لأنني بوصفي امرأة أعتقد أن هذه المسألة من المسائل الملحة التي يجب أن تناقش في العلن. والسؤال هو: هل نحتاج حقًّا لتسليح أنفسنا بهذه الطريقة البشعة والغبية؟ ألم يكن من الأفضل أن نسلك مسلك اليابان، والتي هي بلد على درجة عالية من التقدم، وذلك تحديدًا بفضل تخليها عن تسليح نفسها، واتجاهها للبحث عن القوة في مجال التقدم في البحث العلمي (٤٥). في هذا التساؤل عن احتياجنا للسلاح تتجاهل الكاتبة تمامًا حقيقة الوجود الصهيوني في المنطقة، وما يمثله من تهديد وخطر. وإحقاقًا للحق فهي تتذكر وجود هذا الكِيان الصهيوني في سياق بيان وقوف المرأة الفلسطينية الأم في وجه ممارسات الجند الإسرائيليين ضد الفلسطينيين. لكن من اللافت أنها تسمح لنفسها بالحديث عن عواطف أُولاءِ الأمهات بطريقة تجعلهن قديسات لا يشعرن بأدنى كراهية تجاه الجنود الإسرائيليين: أمهات يقفْنَ في صلابة في الشوارع، لسْنَ مُرْهَبات من الجنود الإسرائيليين، ولا مليئات بكراهيتهم، يوبخْنَهم كما لو كانوا مراهقين يعانون من اضطرابات مرحلة الانتقال إلى الرجولة (١٥٠). لا شك أن هذا التصوير المثالي للأمهات الفلسطينيات القديسات يعكس فكرًا قائمًا على التمني أكثر مما يصور واقعًا عينيًّا. ونحن نتفق مع المؤلفة بالقطع في أن الاعتماد على الاستيراد — السلاح وغيره — سياسة رعناء أفضت إلى التبعية والدَّيْن وتحول عالمنا — رغم الثروات التي هبطت عليه بلا عمل، وربما بسبب أنها هبطت عليه بلا عمل — إلى سوق لفضلات المنتجين. لكن الحل الياباني الذي تقترحه لنزع سلاحنا في وجه عدو مدجج بأخطر الأسلحة إنما يؤكد أن هناك غيابًا كاملًا للعدو الصهيوني من إطارها التحليلي، وهو غياب يعزز إصرارها على اعتبار حرب الخليج نقطة البداية في إدراك الأزمة.
إن حرب الخليج ما كان يمكن أن تقع بهذا الشكل في تقديري لولا انتفاء تعددية النظام العالمي بتفكك الاتحاد السوفييتي، من جهة، وغياب الديمقراطية وحق الجماهير في المشاركة في اتخاذ القرار في العالم العربي من جهة أخرى. إن «صدام حسين»، النموذج الفذ للديكتاتور القاهر لشعبه، فكر ثم فكر فتفتقت عبقريته عن مغامرة استولى بها لبعض الوقت على مخيِّلة العامة وبعض النخب، بزعم أنه بصدد تحقيق العدل في توزيع الثروة العربية، خاصة بعد الفشل المروع للثورة العربية. قرر صدَّام احتلال الكويت وضمها إلى العراق ليستخدم الثروة ربما في مزيد من الإذلال لشعبه، أو للاستمرار في حربه ضد إيران. وتخلى الأمراء عن رعيتهم — بحثًا عن السلامة — ولجَئوا إلى أميركا، حامية إسرائيل والصديقة الوفية للعرب! ولم يكن كل ذلك ممكنًا لو كان للشعوب مشاركة في اتخاذ القرار. وبالمثل أدى اختفاء الثنائية القطبية وانتفاء التعددية في النظام العالمي إلى «الديكتاتورية» الأمريكية، التي تصدت للطاغية الصغير دفاعًا عن مصالح الغرب في آبار النفط وحمايةً لأنظمة ديكتاتورية أقل فظاظة وأكثر حياء. إن نظامًا عالميًّا ثنائي القطبية يظل — رغم عيوبه التي تتمثل أساسًا في الاستقطاب والتكتل — أفضل بكثير من نظام أحادي لا يسمح بأي قدر من المناورة، ولا يقبل بأقل من «الإذعان» الكامل لإرادة السيد الأمريكي. ولكي يعطي نظام الهيمنة الجديد غطاء أيديولوجيًّا مشروعًا يبرر انفراده بقرار إدارة العالم أعلن «نهاية التاريخ» وانتهاء عصر الأيديولوجيا والدخول في عصر «الكوكبية». صار «رامبو» — الفرد القادر على هزيمة جيوش العالم الثالث كلها مجتمعة، والذي لا يُقهر أبدًا — نموذج «البطل» الملحمي في عصر السينما والكومبيوتر. هكذا خلق النظام العالمي الجديد أساطيره وملاحمه، ومستغلًا نمو الحركات الأصولية الإسلامية — بحكم عوامل معقدة داخلية أساسًا كما سبقت الإشارة — نصَّب الإسلام «العدو» القادم؛ فأضفى مشروعية ثقافية على تلك الحركات، ومنح شعاراتها — خاصة شعارات العداء للغرب — مصداقية لدى الجماهير. هذا الوضع العالمي الجديد منح حكومات العشائر والقبائل والطوائف في عالمنا العربي السعيد زادًا جديدًا من «جرعة» الديكتاتورية، استنادًا إلى الخطر الأصولي الذي يهدد المجتمع المدني. ووافقت النُّخَب صراحة أو ضمنًا على «القيود» و«الاحتياطات» اللازمة لممارسة الحريات وتأسيس الديمقراطية خشية على المجتمع المدني الوهمي الذي لم يقم إلا في خيال النُّخَب. وأصبح غاية ما تستطيعه تلك النُّخَب هو مطالبة الحكومات بإصلاح التعليم وإصلاح القوانين (٤٧)، أو الدفاع عن حرية الفكر والتسامح بتأكيد عدم التعارض بينها وبين الدين (٤٥).
(٤)
في هذا التحالف — غير المقدس — بين «سلطة الداخل» و«سلطة الخارج»، لا يفوز سوى التيار الإسلامي المعادي أيضًا للديمقراطية؛ وذلك لسبب بسيط أنه يستند في مشروعيته إلى سلطة عليا هي «الحاكمية الإلهية» مهما تعددت الأسماء. تحاول الأنظمة أن تنازعه هذه السلطة؛ فتبالغ في مظاهر تدينها وفي دعم الفكر التقليدي الذي ينتج خطابًا دينيًّا لا يختلف في جوهره عن خطاب الأصوليين — بل الإرهابيين أحيانًا — فتدعم «التطرف» الذي تزعم أنها تحاربه. وليس صحيحًا ما تذهب إليه الكاتبة أن المستفيدين من الديمقراطية: «هم الذين يعرفون اللغات الأجنبية ولهم صلة بالمعرفة والثقافة الغربية (بما يتضمنه ذلك من التمتع بنظام الائتمان البنكي والضمان الاجتماعي والإجازات المدفوعة وغيرها). هذا هو وضع بورجوازية المدن بصفة عامة رجالًا ونساء ممن يعملون في مجالات الأعمال والاقتصاد. وهذا أيضًا هو الوضع بالنسبة لأساتذة الجامعات والفنانين والمثقفين، وكل من هم مهمومون بإبداع المعرفة أو التعامل معها، سواء التقليدية أو الحديثة. لكن هناك من يحس أن الديمقراطية تهدد مصالحه … هذا هو حال المستبعدين من الاستمتاع بالأشياء السالف ذكرها» (٥٣). فتجعل من التيار الإسلامي نداء ودعوة للعدل الاجتماعي على أساس أن: «صخب الشباب الأصولي وضجيجه اليوم نداء لإسلام الرحمة من بين أشياء أخرى، الرحمة التي تجعل أغنياء المدن يحسون أوجاع الفقراء … الحل هو أن يتمكنوا من المشاركة» (٨٨). هذا تبسيط يصل أحيانًا إلى حد «التبرير» الذي تقع فيه دون أن تدري — ودون أن تقصد — النخبة المعارضة للسلطة السياسية.
العداء للديمقراطية إذن صار سمة مشتركة بين النظام العالمي الجديد أولًا، والسلطات السياسية في بلادنا ثانيًا، وبين تيارات الإسلام السياسي ثالثًا، ولكل أسبابه الخاصة. وانعدام الديمقراطية في عالمنا السعيد هو استبعاد للمواطن — رجلًا وامرأة — من حق المشاركة في الحياة العامة، ثم يحاول الذكَر المستبعَد والمقموع سياسيًّا واجتماعيًّا أن يمارس على الأنثى — الأخت والزوجة والابنة والأم أيضًا — سلطة المقموع باسم التقاليد والدين والتراث. وليس «عباس مدني» وحده الذي يرى في حرية المرأة — وبالتالي عُرْيها حسب تصوره — ضياعًا لشرف الرجل (١٥٥)؛ لأن الوعي العام يرى المرأة «مستباحة إذا لم تكن في كنف رجل يحميها ويمنحها الحصانة بالزواج» (١٥٦). وهكذا توضع كل «الموبقات» — الحرية، الديمقراطية، حرية المرأة — في سلة «الحداثة» الغربية التي لا تناسبنا ولا تتفق مع هويتنا. ويقال: أفسدت الحداثة — بخروج النساء من البيوت إلى الشوارع بالتعليم والعمل المدفوع — المدينة المثالية المتجانسة، وألقت بها في منطقة خطرة حيث النساء السافرات بلا حياء يتحدثن لغة غير معروفة. إن المساواة التي يطالبن بها فكرة أجنبية مستوردة، هكذا يقول مؤيدو الخلافة وإسلام الطغيان. هؤلاء النساء خائنات، عملاء للغرب ولفلسفاته، مثل المعتزلة وعقلانيي الأمس الذين حاولوا استيراد فلسفة اليونان وأفكارهم (١٥٧).
والأمر بالنسبة للأنظمة والحكومات أن خروج المرأة المتحررة لميدان العمل — بعد أن اجتازت بنجاح مراحل التعليم — يعني الحاجة إلى توفير فرص عمل، وهو أمر يبرز فشلها في تحقيق تنمية متوازنة. لذلك ترحب بالاقتراحات الداعية إلى عودة النساء للبيوت حفظًا لكرامتهن التي تُمتهن بسبب الاختلاط بالرجال. وهكذا يمكن اعتبار «الحجاب منة من الله للحكومات في سياق الأزمات التي تواجهها، إنه لم يعد مجرد قطعة من القماش بقدر ما هو تقسيم للعمل، بإعادة النساء إلى المطبخ. وهكذا يمكن لأي دولة مسلمة أن تخفض نسبة البطالة إلى النصف بالدعوة إلى الشريعة بمعناها الخلافوي الطغياني» (١٦٥). والحل للخروج من تلك الدائرة الجهنمية للحداثة المبتسرة — التحديث بلا حداثة — لا يكمن في الاعتصام بهوية وهمية اسمها الخصوصية، ولا في عدم الاندماج في الزمن «الزمن العالمي المتساوي» كما يبدو أن المؤلفة تقترح (١٤٠) ولا يكمن بالطبع في الاندماج التابع بالدول الغربية المحتاجة للبترول والتي خرجت منتصرة في حرب الخليج وسؤالها أن تدفع بعملية الدمقرطة في العالم العربي، ولو باستخدام الضغوط الاقتصادية! لأننا نعلم أن الغرب يؤيد أشد الأنظمة العربية المعادية للديمقراطية في العالم الثالث ما دامت لا تهدد مصالحه (١٦٧). كل ذلك ضرب من الأماني الكاذبة. إن معركة الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي معركة واحدة. ويجب أن تدرك النُّخَب أن الحريات لا تتجزأ، وأن درس «ابن المقفع» في أمثولته «كليلة ودمنة» يجب أن يكون شعارًا لنا في تلك المعركة. لقد شارك الثور الأبيض في مؤامرة اغتيال الأسد لزميله الثور الأسود، أملًا في أن يكون نائبًا للملك الذي سرعان ما أحس بالجوع؛ فأدرك الثور الأبيض مصيره؛ فقال: «لقد أُكِلت يوم أُكِل الثور الأسود.»
وعلينا أن نناضل ضد ديكتاتورية الولايات المتحدة الأمريكية، التي تفرض نفسها حامية للنظام العالمي، متخلصين من وهمين: الأول أن «نهاية التاريخ» قد حلت بالفعل بانتصار الديمقراطية! لأننا نعلم أزمة ديمقراطية هذا النظام. الوهم الثاني: أننا لسنا تحت رحمة هذا النظام؛ بل إن أنظمتنا هي التي تروج لهذا الادعاء حفاظًا على تبعيتها التي تضمن لها الحماية فيما تتخيل. إن التمرد الأوروبي ضد هيمنة الولايات المتحدة عسكريًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا أصبح ظاهرة ملموسة وجديرة بالانتباه. وهناك من ناحية أخرى التنين الآسيوي — اليابان والصين وما يسمى مجموعة النمور الاقتصادية الآسيوية، التي تم توجيه ضربة قاسية لها خوفًا من تزايد حضورها، — يمثل قطبًا ثالثًا في النظام العالمي، وقد آن أوان النظر المتسع إلى رقعة العالم المتنامية الأطراف؛ لأن ما نسميه «الحضارة الغربية» إنما ينتسب إلى الغرب بسبب قصور رؤيتنا. هل يمكن أن نتحدث عن العالم العربي باعتباره مرشحًا — ولو في المستقبل البعيد نسبيًّا ليكون قطبًا في نظام العالم الذي يتخلق؟ هذا مرهون بالانتقال من الاستهلاك إلى المشاركة في الإنتاج، وليس على المستوى الاقتصادي وحده. من المؤكد أن: «نظام العولمة الاقتصادية والكوكبة المعلوماتية لا بد أن يخلق رؤًى من التضامن بين الشعوب» القادرة على المشاركة دون أن تذوب في التبعية، وليس المطلوب من «الغرب ودول الشمال «الرحمة» في التعامل مع دول الجنوب» كما تعبر المؤلفة؛ فالحل ليس بالصدقة، والغرب في الصيغة الحاليَّة من جهة أخرى — عاجز — ككل الأغنياء الجشعين والأغبياء — عن تحمل مسئوليته التاريخية ما لم يُرغَم عليها. من هنا يصبح نداء المؤلفة الدائم للغرب بنزع السلاح الشامل، في سياق تحطيم القوة العسكرية لصدام حسين، ضربًا من خداع النفس (١٦٨).
إن عالمًا موحدًا في إطار حضارة متعددة الثقافات والمرجعيات، حضارة تعتمد مبادئ المشاركة والاعتماد المتبادل — لا التبعية والإذعان — هو العالم المرغوب، إذا كان للبشرية أن تحمي نفسها من الدمار. لكن شرط ميلاد هذا العالم أن تكون التعددية — الاجتماعية والسياسية والثقافية — سمة كل وَحدة من الوَحَدات المكونة لهذا العالم؛ لأن ديمقراطية الجزء تؤسس ديمقراطية الكل بنفس القدر الذي تحمي به الثانية الأولى. و«الإسلام» ليس عائقًا في هذا الجزء من العالم إذا نزعنا عن تفسيره وتأويله طبقات التلاعب الدلالي السياسية المتراكمة — السلطوية والأصولية على السواء — وفهمنا رسالته الأصلية في سياقها التاريخي ومرجعيتها اللغوية والثقافية. إنه رسالة ضد القبلية والطائفية والعشائرية، وضد كل القيم المتولدة عنها والتي تعيد إنتاجها؛ ضد القهر والظلم والعنف بكل أشكاله، ومع الإنسان الحر — ذكرًا وأنثى — في نضاله النبيل من أجل الحق والخير والجمال. وفهم الإسلام مشروط بالدرس النقدي للتاريخ وللتراث، الدرس الذي يكف عن النظر إلى التاريخ بوصفه تاريخ ملائكة أبرار «لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون» وإلى «التراث» بوصفه مخزن المعارف والحقائق الثابتة الخالدة. وهي الصورة التي ثبَّتها في الأوهام نموذجُ استخراج «الثروة» العربية — البترول — التي كانت مخبوءة، والتي لم تحتج إلا للحفر لتتحول إلى ملايين بلا عرق أو عمل أو كفاح؛ لأنه حتى الحفر قام به الأجانب نيابة عنا. الإسلام في سياقه السُّسيوتاريخي، والتراث في سياقه المعرفي التاريخي، بالدرس العلمي والفهم الموضوعي، بالإضافة إلى تحليل الواقع ونقده، تلك هي بعض أدواتنا المعرفية في معركة «الحداثة» وتأسيس الديمقراطية القائمة على الحرية بكل أنماطها وعلى المساواة والعدل. ولا شك في النهاية أن كتابًا يفتح للحوار كل تلك القضايا التي ناقشناها لهو كتاب ليس فقط جديرًا بالقراءة، بل بالمناقشة النقدية الجادة كذلك.