الرسالة الرابعة
لقد أذكرتني بالشجرة اليابسة يومًا جميلًا وكلامًا أجمل منه، فأنا باعث به إليك، وإن كان قد بعُد به العهد؛ إذ وقع أول معرفتي بها في قرية … بلبنان. هناك زهر أصفر يلوح للعين كوجوه الدنانير يسمونه «الوزَّال» وهو طيب الرائحة، ولكنه خبيث النَّبْتة لا يكون إلا في مثل الرماح من الشوك. وكان لها ولعٌ شديد بهذا الزهر لطبع من أشواكها وأشواكه، فقد نلت من كلَيهما … وسنحَت لها على زهرة منه فراشة زاهية مصبوغة فوثبت إليها واشتدَّت وراءها، وكانت الفراشة تفوتها وتستطرد لها، وتعبث بها عبثًا بين أن تلوح وتختبئ، ثم رجعت «الفراشة الكبيرة» بعدما انقطعت وقد تزاحمت الأنفاس على صدرها، وجعل قلبها يغيظني بدقَّاته غيظًا شديدًا؛ إذ كان يخفق من البهر والإعياء لا من شيء آخر … وتساقطَت تحت شجرة من التين، فلما أراحَت وثابَت إليها نفسها قالت: فراشة لا تبلغ عقدة إصبع من ثوبي وتعنِّيني هذا العناء كله، ثم أرتد عنها خائبة؟ قلت: بل خائبة خيبة المفلس يعدو يومه وراء «الدينار الطائر» فلا يدركه. فاجتذبتها إليَّ كلمة «الدينار الطائر»، ومن خصائصها أنها لا تعجب بشيء إعجابها بدقَّة التعبير الشعري، وسأستوفي لك هذا في رسالة أخرى. إنها تريد أن تجمع إلى صفاء وجهها وإشراق خدَّيها وخلابتها وسحرها؛ صفاءَ اللفظ وإشراقَ المعنى وحسنَ المعرض، وجمالَ العبارة، وهذا هو الحب عندها. تحبك كما تحب كلمةً تكتبها أو معنًى تتخيله، فإذا سئمتك لم تكن عندها إلا الثالثة … إلا صحيفة تمزِّقها …
•••
قلت: هذه لَعَمْري هي المعجزة، تموت الشجرة وثراها حي، وتجري اللعنة في أعوادها فتتشرَّب ماءها وتتركها يبسًا لا تصلح إلا للحريق، وتنقلب الشجرة الخضراء في ليلة من خشب الله إلى خشب الناس، ولكن ما ذنبُ الشجرة المسكينة إذا لم يكن موعدَ فاكهتها ويريدها المسيح على غير طبيعتها؟ قالت: فإن الذنب في اخضرارها كأنها ذات ثمر، قلت: أوليس للثمر وقتٌ قد مضى، وهل الشجرة إلا شجرة؟ أم تحسبينها تُدير الشمس وتقلب الفصول لتعقدَ الماء ثمرًا حلوًا؟ ألا إن الشمس تدور ثم يحين الفصل ثم ينعقد الماء، ثم يحلو التين فينضج فيُؤكل. قالت: إنك لتجيء بالدواهي فماذا تقول أنت؟
•••
وكنت أتكلَّم وكأني مُرتفِقٌ تحت جناح جبريل، كما قلتَ، وإن الكلام لينفذ إلى دمها مع أنفاسها، فما أتيت على آخره حتى رأيتها قد اصفرَّت وارتاعت، وقالت: ويلي منك، فهل أنت مسيح جديد؟ إني لأسمع ألفاظك هذه وكأني أسمعها من يوم بعيد لم يأتِ بعد ولكنه آتٍ؛ لأنه يتكلم ويقول بكلامه أنا موجود وإن كنت بعيدًا عنك. فأردت أن أخفِّف عنها فرفعت طرفي إلى خيمتنا، وقلت: اسمعي يا شجرة التين … فانفجرت ضاحكةً وقالت: كم قلت لي أنتِ دُوَيهية، وزعمتَ أن هذا يسمونه تصغير التعظيم فأنت دُوَيهِتان. فضحكتُ وقلت: أولستِ معي …
لقد حلَّ ذلك اليوم الذي سمعته يتكلم في الغيب، وآه من تلك الدُّوَيْهية ومن كبريائها وفلسفتها، آه من فتاة تقول لك فيما تقول: إن أمي ولدت نفسي ونفسي هي ولدتني؛ فلا تَرْجُ أن تصيب فيَّ طباعَ أنثى، وإلا ضلَّ ضلالك أيها الحبيب … قلتُ: فماذا بقي من معنى «أيها الحبيب» إذن؟
فضحكت من عبوسها — وهي حين تتفلسف تُظلِّلها سحبٌ من الفكر فتراها قد غامت فيها، ولا يبقى لك أمل إلا في وميض من ابتسامها يلمع أحيانًا، كما تنظر للشمس من فَتْق في السحاب يتمزَّق ثم يُسرع فيلتئم — أتدري ماذا كان جوابها؟ قالت: خُلقنا لهذا الحب من قبل يومنا، ولعل يومنا إذا جاء كان يوم بغض منك أو مني. قلت: فمعنى «أيها الحبيب» في فلسفتكِ «أيها البغيض» …؟ قالت: كلا كلا … لا أدري، ولكني أتكلم بلغة النطق؛ وفي ناموس الفهم الإنساني لغةٌ غيرها وفي ناموس الأقدار لغة غير اللغتَين، فإنك لتراني ولكني أرى فيَّ أخرى، والأخرى ترى فيها ثالثة. هذا أشعر به ولا أدري كيف أصِفُه فإن عبَّرت عنه بلغة النطق، انقلب كلامي عن جهته فصار من كلام الموسوسين والمَمْرورين والمجانين. أنا أُحسن الكلام مع السماء وأنت تحسن الفهم عن السماء، فحاجتي إليك هي أن تتكلَّم في روحي وحاجتك إليَّ هي أن أتكلم في قلبك.
أتستطيع أن تُلبسني جلدك وتَخيطه عليَّ و… فقلت: مهلًا مهلًا، إنك أنتِ الآن لا تتكلمين ولا التي فيك بل تلك الثالثة … وإذا كان استهلال كلامها سلخ جلدي … وهنا وضعت يدها على فمها، وجعل يَغُتُّ ضحكها ويتكسَّر على صلابة قلبها تكسُّر قِطَع البلور الثمين في غير نظام ولا مهل.
ولما سكنَت مما غشيَها قالت: أنت بَرْهَميٌّ؟ قلت: وهذه شرٌّ من الأولى فهل خطر لكِ أني أعبد بقرة؟ قالت: وهذه شر من الاثنتَين فقد انتقمت مني بلطف … ولكن ألا تعرف أن الحب في رأي أكثر الناس كزواج البراهمة، إذا اقترن الرجل منهم بامرأة فقد أعدَّها للحرق إن بقيَت بعده، وللموت إن بقي بعدها؟ قلت: أعرف هذا في عَقْد البراهمة وحسب، فلا تنزُ بكِ الفلسفة نزوتها فلسنا في النار ولا في دخانها. قالت: وما تقول في نارٍ تعرفها؟ ولفظَت هذه العبارة بصوت خرج يرتجف كأنه جاذب قلبها وفرَّ إليَّ فرارًا؛ وأنزلت في مقطعها نبرة استفهام حلو رقيق يمازجه شيء من التوبيخ في منتهى الظرف.
فأطرقت شيئًا وقلت: اسمعي؛ ما أنتِ محاطة بست جهات بل بست علامات استفهام؛ وإن فلسفتك هذه جعلتك ما لا أدري: ألغزًا في إنسانة أم إنسانة في لغز؛ وعلى أيهما فإن العمر يذهب في فهمك، وأحتاج بعد إلى عمر جديد في حبك، ولن تبعثني فلسفتك من قبري يومًا إذا سُوِّيت بجسدي الحفرة. لقد وضعك حسنك في طريقي موضع البدر يُرى ويُحبُّ ولا تناله يد ولا تَعلَق بنوره ظلمةُ نفس، لكنَّ كبرياءكِ نصبتك نصبة الجبل الشامخ، كأنه ما خُلق ذلك الخلق المنتثر الوعر إلا لتدقَّ به قلوب المصعدين فيه، وتهتز أجراسها اهتزازًا عنيفًا متصلًا في حبال الأنفاس والزفرات، كوني من شئتِ أو ما شئت؛ خلقًا مما يَكبُر في صدرك أو مما يَكبُر في صدري، كوني ثلاثًا من النساء كما قلتِ أو ثلاثة من الملائكة، ولكن لا تكوني ثلاثة آلام، انفحي نفح العطر الذي يُلمس بالروح، واظهري مظهر الضوء الذي يُلمس بالعين، ولكن دعيني في جوِّكِ وفي نورك، اصعدي إلى سمائك العالية، ولكن ألبسيني قبل ذلك جناحَين، كوني ما أرادت نفسك ولكن أشعري نفسك هذه أني إنسان.
•••