إلهيات ابن سينا
العالم العلوي – نظرية انبثاق الأفلاك – اختراع المسبَّب الأول – الموجود الأول والمسبب الأول – مبدأ العلة وتحليله عند ابن سينا – التوحيد بين العقل والعلة – نظرية الكليات المتفرِّعة عن نظرية العلل – واجب الوجود.
***
اعْلَم أن ما بعد الطبيعة، الذي يُطلق عليه فلاسفةُ العرب اسمَ «الحكمة الأولى»، والذي يدعوه كتاب النجاة ﺑ «الإلهيات» على الخصوص هو علم عالَم الموجودات العلوية واللهِ، وهو يؤلِّف في منهاج ابن سينا رسمًا كريمًا، تُلْقِي سطوره الرئيسة شعاعًا حول مذهبين كبيرين، وهما: انبثاق الموجودات، والسببية.
ثم العالم النفسي هو يشتمل على جملة كثيرة من ذوات معقولة، ليست مفارقةً للمواد كلَّ المفارقة، بل هي ملابستها نوعًا من الملابسة، وموادها مواد ثابتة سماوية، فلذلك هي أفضل الصور المادية، وهي مدبِّرات الأجرام الفلكية وبواسطتها للعنصرية، ولها في طباعها نوع من التغير ونوع من التكثر لا على الإطلاق، وكلها عشاق للعالم العقلي، لكل عدة مرتبطة في جملة منها ارتباطًا بواحد من العقول، فهو عامل على المثال الكلي المرتسم في ذات مبدئه المفارق مستفادٌ عن ذات الأول، ثم عالَم الطبيعة، ويشتمل على قوًى سارية في الأجسام، ملابسة للمادة على التمام، تفعل فيها الحركات والسكونات الذاتية، وترقى عليها الكمالات الجوهرية على سبيل التسخير، فهذه القوى كلُّها فعَّال، وبعدها العالم الجسماني، وهو ينقسم إلى أثيري وعنصري، وخاصية الأثيري استدارة الشكل والحركة … وخاصية العنصري التهيؤ للأشكال المختلفة والأحوال المتغايرة.»
ومع ذلك، فإن الشكل الاعتياديَّ الذي تشتمل عليه نظرية انبثاق الأفلاك لدى ابن سينا، وفي جميع المدرسة الفلسفية العربية كما هو ظاهر، ليس الشكلَ المعروضَ بهذه الرسالة الجميلة، وتكون هذه النظريةُ أكثرَ جفاءً بمظهرها المعتاد، ومع أن عالم العقل موجود فيها أيضًا لم يُذكر فيها باسمه، ولا يُستخلص منها بصراحة، وإليك هذا الشكل المشترك: وفوق الكل يكون الله الذي لا يدعوه الفلاسفة باسمه، بل يدلُّون عليه بتعابير ما بعد الطبيعة، وهي: الواحد، والأول، وواجب الوجود، والسبب الأول، والحق الأول، وعن الله يصدر موجود واحد ثانٍ، وهو الذي يُسَمَّى العقل المحض المسبَّب الأول، وعن المسبَّب الأول تَصْدُر نفس فَلَك العالم المحدود وجسمه معًا كما يصدر عقل، وعن هذا العقل تصدر نفس زحل، الذي هو أبعد السَّيَّارات، كما يصدر عقل ثالث، وعن هذا العقل الثالث تصدر نفس المشتري، الذي هو سيارة تالية، كما يصدر عقل رابع يكون عقل الفلك، الذي يتبع المشتري في نظام السيارات، ويدوم الانبثاق وَفْقَ هذا النظام، وعن عقل القمر الذي هو آخر سيارة يصدر آخر عقل محض، وهو العقل الفعَّال، وعن العقل الفعال يصدر العالم الأرضيُّ.
فمن هذا البيان يُرى أنه يتألَّف من العقل الفعَّال وعقول الكواكب الصرفة مجموع عالم العقول، الذي كان أكثر وضوحًا في المنهاج الأول.
ولكننا نشعر بأنه سيكون لدى القراء أثر سيئ ضد ابن سينا عند سماع هذه النظرية، فيستعدون، كما يلوح لنا — لإغلاق الكتاب — لائمين إيانا على إنفاق كثير من العلم والتدقيق لنيل إعجابهم، ثم لجعلهم ينقضُّون نهائيًّا، على منهاج همجي أو منهاجِ صبيٍّ، فنرى — والحالة هذه — أن من الواجب أن نُدافع عن بطلنا حِيَال هذه المشاعر الجائرة، كما نرى من الواجب أن نساعد القارئ، الذي يمكن أن تؤدِّي دقيقة غيظٍ أو خور إلى خسرانه جميع ثمرة صبره السابق.
إذن ليس هذا مريبًا، فنظرية روح الأفلاك في الفلسفة اليونانية وفلسفة القرون الوسطى مواصلة لعبادة النجوم الابتدائية وعبادة النجوم لدى الكَلْديين تمامًا؛ ويُرفع شأن هذا الاعتقاد باعتبارات عن انسجام الأعداد، فتسيطر على فلسفة فيثاغورس، ويكون لها موقع في فلسفة أفلاطون، ويزعم شارحو العرب أنها موجودة في كتب أرسطو، وإن كُنَّا نرى أنها ظاهرة فيها قليلًا، ثم عادت إلى الظهور في الأفلاطونية الجديدة، وغَدَتْ غير مادية في سُنُوحات الأدريين، ثم لمَّا بدت في السِّكُلاسية الشرقية وُجد أنها أعيدت إلى مكانها الأصلي؛ أي إلى كَلْدَة ذات الفَلَك الصافي، حيث كان الناس قد عَلَّقوا أبصارهم في النجوم مع التأمل. وقد قلنا: إن عبادة النجوم كانت لا تزال موجودةً في ذاك الحين؛ فقد كان علماء حَرَّان عبدة نجوم؛ ولذا فإن النظرية عندما رجعت إلى هذه البقاع بشكلها الفلسفي وجدت أذهانًا لم تزل خاضعةً لنفوذ شكلها الديني، فلم تلقَ صعوبةً في دخول دماغ المفكرين بفضل هذه الحال.
ولنرجع الآن إلى مجرى عرضنا: إن المعضلة الكبرى التي كانت أولَ ما تُوضَعُ في النظرية العامة لانبثاق الموجودات هي معضلة انبثاق التكثُّر، والأمر يدور حول معرفة الكيفية التي يصدر بها عالم كثير عن الموجود الواحد، والمبدأ القائم هو في أنه «لا يمكن أن يخرج من الواحد غير الواحد»، ولو بوجه غير مباشر على الأقل. فلا بُدَّ — إذن — من اكتشاف طريقة تسمح باستخراج المتكثر من الواحد على وجه مباشر، ففي سبيل هذا الغرض تُصُوِّر المُسَبب الأول.
كان لاختراع المسبب الأول فائدة رياضية يسهل تَبَيُّنُها، وذلك بما أنه لا يوجد أيُّ تَكَثُّر في الواحد إذا ما نُظر إليه على انفراد، فإن من المتعذر استخراج تَكَثُّر الأشياء من الواحد فقط، ولكن بما أن المسبب الأول — الذي هو واحد — قد خَرَجَ من الواحد الأول، ذات مرة، فقد ظهر اثنان، ووقع تكثُّر علاقات، وما هنالك من مفاهيم نفسية عن الشعور والمعرفة ممزوجة بمفاهيم ما بعد الطبيعة عن الممكن والواجب كان يُعَين طبيعةَ هذه العلاقات، وكان المسبب الأول يعرف نفسه ويعرف الموجود الأول، فكان هذا يكوِّن اثنينيةً، ثم إن المسبب الأول كان ممكنًا بذاته، واجبًا بالموجود الأول، وبما أنه كان يعرف نفسه فإنه كان يعرف نفسه بهذين الوجهين، وهكذا كانت تحدث ثلاثية.
وفي هذا المنهاج يُرى كيف أنَّ تدخُّل المسبب الأول لإحداث بدء التكثُّر أمر بارع، ولكنه لا يُرَى في أول الأمر كيف أن وجوهَ معرفة المسبب الأول والعقول التالية تؤدِّي إلى حدوث أجرام الموجودات الفلكية ونفوسها، فهنا أعترف بصعوبة تقديم إيضاح عقلي حول هذه النقطة، ولنا أن نعتقد أن هذا الارتباك لا يأتينا عن عدم اختصاصنا أو عن نقص استيعابنا لمنهاج ابن سينا؛ فقد أراد الغزالي — الذي هو فيلسوف عربي آخر — أن ينتقد هذه النظرية، فلم يَرَ من الضروري أن يستعين بأيِّ دليل أو برهان لدحضها، وإنما اكتفى بتصريحه أنها لا تُفهم، ومع ذلك فإنه لا بُدَّ من وجود دواعٍ حملت ذهنًا قويًّا مثل ذهن ابن سينا والفارابي على التزام هذا المنهاج.
وأرى أن العوامل الحقيقية التي حَمَلَتْ فيلسوفنا على قَبُول هذا المذهب تُرد إلى أمرين، وهما: أولًا: إمكان عَدِّ هذا المذهب ردًّا لنظريات الانبثاق إلى حدود العقيدة الإسلامية؛ وذلك أن الانبثاق وُجِدَ أمرًا نافعًا بدلالته عظماءَ فلاسفة الشرق — حتى أكثرهم حكمةً — إلى ما يَحُلُّون به الوجودَ الإلهي جمعًا له بالعالم، وذلك عن رد فعل حيال بساطة المفهوم القرآني نحو الله، وعن ميلٍ بادٍ إلى المذاهب المعارضة لهذه البساطة. ثانيًا: إنه كان يساوِر هؤلاء الفلاسفة في كلِّ وقت مفهوم عميق، قائل: إن الجواهر الحقيقية كانت فعالةً، وإن فعَّالية الموجود كانت تُحدث ظاهرات وموجودات، وإنه لم يكن — من حيث النتيجة — شيء غير طبيعي في كون أعلى العقول تُحدِث موجودات علويةً أيضًا. وسنعود إلى هذه الفكرة القوية.»
وتُوَاصَلُ نظرية انبثاق الأفلاك بنظرية تحريك الأفلاك التي يُرى بها تَبَدُّد جفاء الأولى بضربٍ من الفيض الشعري.
كنا قد ذكرنا في الطبيعيات وجود ثلاثة أنواع للحركة، وهي: الحركة الطبيعية، التي تَرُدُّ الجسم إلى مكانه الطبيعي عندما تبتعد عنه، والحركة القسرية، التي تُحْدِث ابتعاد الجسم هذا عن مكانه الطبيعي، أو التي تمنع من رجوعه إليه، والحركة الإرادية الخاصة بالموجودات الحية، والتي يقوم مبدؤها في القوى المُحَرِّكة للنفس، فحركة الأفلاك من هذا النوع الثالث.
وماذا يمكن أن يكون هذا الخير الذي تبحث النفس الفلكية عنه؟ إنه يُستَخرَج من كون الحركة الفلكية أزليةً ظاهرًا: «فبقي أن يكون الخير المطلوب بالحركة خيرًا قائمًا بذاته، ليس من شأنه أن يُنال، وكلُّ خيرٍ هذا شأنه فإنما يطلب العقلُ التَّشَبُّهَ به بمقدار الإمكان»، ووجب أن يكون الفلك في حال ثبات ما بُلِغَ قسم من هذا الخير، ووجب أن يتحرك الفلك دائمًا؛ كيما يبلغ القسم البعيد المنال.
ويقول ابن سينا على سبيل المثال إن مادة الماء إذا ما سُخِّنَتْ تصير بالتناقص مستعدة لتقبل صورة الماء، كما تصير بالتزايد مستعدةً لتقبل صورة النار، بيد أن الوجه الذي تحدُث به هذه النوعية يَبْقَى غامضًا في نظرنا، كما نعتقد أن الأمر كان هكذا في نظر ابن سينا. ومع ذلك فإن هذه المسألة تسوقنا إلى دراسة العالم الطبيعي، التي لا تدخل ضمن موضوع هذا الفصل، وتجرنا إلى مدخل علم الفلك، الذي لا نرى الخوض فيه في هذا الكتاب؛ ولذا فلنقف نظرية انبثاق الموجودات عند هذا الحد، ولنُعنَ الآن بمذهب العلل العظيم.
•••
وإن لم يكن المبدأ كالجزء، فإما أن يكون مباينًا أو ملاقيًا لذات المعلول، فإن كان ملاقيًا لذات المعلول، فإما أن يُنعت المعلول به، وهذا كالصورة للهيولي، وإما أن يُنعت بالمعلول، وهذا هو كالموضوع للعرض، وإن كان مباينًا لذات المعلول، فإما أن يكون الذي منه الوجود، وهذا هو الفاعل، وإما أن يكون الذي لأجله الوجود، وهذا هو الغاية.
وحاصل القول أنه يوجد للعلل ستة أنواع، وهي: الهيولي للمركب، وصورة للمركب، وموضوع للعرض، وصورة للهيولي، وفاعل، وغاية، وتشترك الهيولي للمركب والموضوع للعرض بأنها للشيء الذي فيه قوة وجود الشيء، وتشترك الصورة للمركب والصورة للهيولي بأنه ما به يكون المعلول موجودًا بالفعل.
وهكذا؛ فإنه يوصَل إلى مذهب العلل الأربع المشهور، الذي كان قد أُلِمَّ به في المنطق، وهذه العلل الأربعة هي: الهيولانية، والصورية، والفاعلية، والغائية.
وأكثر أجزاء هذا المذهب اصطباغًا بما بعد الطبيعة هو الجزء الذي يبحث المؤلِّف فيه عن المكان النسبيِّ في وجود العلة الفاعلة والعلة الغائية، فالغاية تتأخَّر في حصول الوجود عن المعلول، وتتقدم سائرَ العلل في الشَّيْئِيَّة، ومن البيِّن أن الشيئية غير الوجود في الأعيان، فإن المعنى له وجود في الأعيان، ووجود في النفس وأمر مشترك، وذلك المشترك هو الشيئية، والغاية بما هي شيء فإنها تتقدَّم سائر العلل، وبما هي موجودة في الأعيان قد تتأخر، والعلل لا تصير عللًا بالفعل إلا بالغاية؛ ولذا فإن الفاعل الأول والمحرك الأول في جميع الأشياء غايته؛ ولهذا المذهب — البسيطِ الجميل معًا — تطبيقه المباشر في النظرية التي عَرَضْناها آنفًا حول تحريك الأفلاك، حيث رأينا أن المسبب الأول هو المحرك الأول وغاية حركة الأفلاك معًا.
وبجانب العلل يوجد شيء آخر؛ أي توجد العوامل الثلاثة التي كنا قد ألمعنا إليها آنفًا، وهي: الطبيعة، والإرادة، والقسر، ويلاحظ ابن سينا — في معرض الكلام عن الحركة الطبيعية — أن الطبيعة ليست سببَ هذه الحركة القريبَ ما دام الجسم يَبْتَعِدُ عن طبيعته عند تَحَرُّكه، فهو يتحرك ليعود إليها؛ ولذا فإن الأَحْرى أن يقال: إن هذا هو عدم التوافق بين كلٍّ من أحواله المتعاقبة وحاله الطبيعية التي هي علةُ حركةِ الجسمِ القريبةُ الفاعلة، على حين لا تبدو الطبيعة في ذلك غير علة بعيدة نهائية.
وعدم التوافق هذا يَسِير متناقصًا بالتدريج في أثناء الحركة، وهذا يُعَيِّن معناه، وكذلك، في الحركة الإرادية، ليست الإرادة الكلية التي تسيطر عليها غير عامل عام، ثابت، قائم على اعتبار العلة الغائية، بيد أن كلَّ جزء من الحركة يحدث بشيئية تتغيَّر وتتجدَّد بتقدُّم المتحرك، ويقوم هذا الشيء على ما يلازم النفسَ في كل ثانية من الحركة من تخيلات غائية خاصة ومن إرادات مختلفة. والحق أن النفس هي المبدأ الذي يتمُّ فيه هذا التجدد في الإرادات القريبة مع كون العقل المحض ليس سوى محرِّك بعيد؛ ولذا فإن ابن سينا يقول: «قال أرسطو: إن لذلك — أي العقل النظري — الحكمَ الكليَّ، وأما لهذا فالأفعال الجزئية والتعقُّلات الجزئية، أي العقل العملي.» ولا يمكن سوى الابتهاج بمثل هذه النظريات الدقيقة.
وإنما يَعقِل وجودَ الكل عنه على أنه مبدؤه، وكل ذات تعلم ما يصدر عنه ولا تخالطه معاوقة ما، والأول راضٍ بفَيَضَان الكل عنه، ثم إن الأول يعقل ذاته التي هي لذاتها مبدأ لنظام الخير في الوجود، فهو عاقل لنظام الخير في الوجود كيف ينبغي أن يكون، لا عقلًا خارجًا عن القوة إلى الفعل، ولا عقلًا متنقِّلًا من معقول إلى معقول، فإن ذاته بريئة عما بالقوة من كل وجه، بل عقلًا، واحدًا، معًا، ويَلزَم ما يعقله من نظام الخير في الوجود إذ يعقل كيف يمكن، وكيف يكون أفضل ما يكون أن يحصل وجود الكل على مقتضى معقوله؛ فإن الحقيقة المعقولة عنده هي بعينها — على ما علمت — علمٌ وقدرةٌ وإرادة، وأما نحن فنحتاج في تنفيذ ما نتصوره إلى قصد وإلى حركة وإرادة حتى توجد، وهو لا يَحسُن فيه ذلك، ولا يصحُّ لبراءته عن الاثْنَيْنِيَّة، وهو فاعل الكل، بمعنى أنه الموجود الذي يَفِيضُ عنه كل وجود فيضًا تامًّا مباينًا لذاته.»
وأخصُّ ما صَنَعَ ابن سينا في هذا البيان هو أنه وحَّدَ بين العقل والعلة، كما أنه وحَّد في مكان آخر بين الوجود والعقل.
ولذا فإن هذا النوع من الإدراك لا يمكن أن يوافق الموجود الأول، «وكما أن إثبات كثير من الأفاعيل للواجب الوجود نقص له، كذلك إثبات كثير من التعقلات، بل واجب الوجود إنما يعقل كلَّ شيء على نحو كُلِّيٍّ، ومع ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصي، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وهذا من العجائب التي يُحْوِج تصورها إلى لطف قريحة.»
•••
وتوجد نظرية الكليات التي تفرَّعت عن نظرية العلل، وسنرى كيف يعرض ابن سينا قضاياها الجوهرية في إلهياته، ثم نوضح صلتها بمذهب العلل.
والكلي بلا شرط يوجد بالفعل في الأشياء، وهو محمول على كل منها، لا لأنه واحد بالذات، ولا لأنه كثير؛ وذلك لأن هذا غير خاص به ما دام كليًّا، والكلي ليس في الوجود شيئًا واحدًا بعينه محمولًا على كل واحد وقتًا ما، والإنسان الذي اكتنفته الأعراض المخصصة بشخص لم تكتنفه أعراض شخص آخرَ حتى يكون ذلك بعينه في شخص زيد وشخص عمرو، «فلا كلي عامي في الوجود، بل وجود الكلي عامٌّ بالفعل إنما هو في العقل، وهي الصورة التي في العقل التي نسبتها بالفعل أو بالقوة إلى كل واحد واحدة.»
ولذا فإنه منذ أُخِذَ في البحث عن علل الأشياء وُصل إلى التفريق بين درجات الوجود المختلفة هذه، وإذا ما تَوَخَّيْنَا زيادة دقة في التعبير وجدنا أن مذهب ابن سينا انتهى إلى التفريق بين ماهية الشيء ووجوده؛ فالماهية؛ أي الشيء بعينه هو — في مفهومه وتعريفه — غيرُ التحقيق العيني الخارجي لهذا الشيء في الوجود؛ ومن ثم يكون للشيء علة لماهيته وعلة أخرى لوجوده.
وكما أنه لا بُدَّ من علتين مختلفتين للماهية وللوجود لا بُدَّ من علتين للكلي والجزئي، ولكل نوع علته، ولكل واحد من النوع علته، ولا بُدَّ من أن تكون تحت العلل العامة التي تُعَيِّن النوع علل خاصة تعين الفرد، قال ابن سينا: «اعلم أن الأشياء التي لها حد نوعي واحد فإنما تختلف بعللٍ أخرى، وأنه إذا لم تكن مع الواحد منها القوة القابلة لتأثير العلل — وهي المادة — لم يتعيَّن إلا أن يكون من حق نوعها أن يوجِد شخصًا واحدًا. وأما إذا كان يمكن في طبيعة نوعها أن تُحمل على كثيرين، فتعين كل واحد بعلة.»
والآن — وقد بَيَّنَّا كيف تلتحم نظريات الوجود والعلة والكليات — لا نقف عندها أكثر مما صنعنا، وإنما نُتِمُّ تركيب جميع هذه المذاهب الكبيرة وما بعد الطبيعة بعرضنا نظريةَ العلة الأولى المشهورةَ وَفْقَ ابن سينا.
•••
وقد يكون واجب الوجود واجبًا بذاته، وقد لا يكون واجبًا بذاته؛ فأما الذي هو واجب الوجود بذاته فهو الذي لِذَاته لا لشيء آخر؛ أي شيء كان لزم محال من فرض عدمه، وأما واجب الوجود لا بذاته فهو الذي لو وُضِع شيء مما ليس هو صارَ واجبَ الوجود؛ مثلًا إن الأربعة واجبةُ الوجود لا بذاتها، ولكن عند فرض اثنين واثنين، والاحتراق واجب الوجود لا بذاته، ولكن عند فرض التقاء القوةِ الفاعلة بالطبع والقوةِ المنفعلة بالطبع؛ أعني المُحرِقة والمُحْتَرِقة.
ولا يجوز أن يكون شيء واحد واجبَ الوجود بذاته وبغيره معًا، وكل واجب الوجود بغيره ممكن الوجود بذاته، وهذا ينعكس، فيكون كل ما هو ممكن الوجود بذاته — إن حصل وجوده — واجب الوجود بغيره.
ولا يجوز أن يحدث من اثنين واجبُ وجود واحد، حتى يكون «أ» واجب الوجود ﺑ «ب»، و«ب» واجب الوجود ﺑ «أ» معًا. والواقع أن كلًّا من الاثنين إذ كان واجبًا بالآخر يكون ممكنًا بذاته، وأن لكل ممكن الوجود بذاته علةً في وجوده أقدم منه، ولكن ليس ذاتُ أحدهما أقدمَ من ذات الآخر؛ فلهما — إذن — علل خارجة عنهما وأقدم منهما، فلا وجوب — إذن — لوجود كل واحدٍ منهما من الآخر.
ولا يجوز أن يكون لذات واجب الوجود مبادئ تجتمع، فيقوم منها واجب الوجود حتى تُمْكِنَ قسمتُه مادةً وصورةً أو على وجه آخر، وذلك من حيث الكمية أو الحد؛ وذلك لأن كل ما كانت هذه صفته فذات كل جزء منه ليس هو ذاتَ الآخر ولا ذات المجتمع؛ فإما أن يصحَّ لكل واحد من جزأيه مثلًا وجود منفرد، لكنه لا يصحُّ للمجتمع وجود دونها، فلا يكون المجتمع واجبَ الوجود، أو يصح ذلك لبعضها، ولكنه لا يصح للمجتمع وجودٌ دونه، فما لم يصح له من المجتمع والأجزاء الأخرى وجود منفرد فليس واجبَ الوجود. وأعمُّ من هذا أن يقال: «إن الأجزاء بالذات أقدم من الكل»، فتكون العلة الموجبة للوجد أول ما تُوجِب الأجزاء ثم الكل، ومن ثَمَّ تَرَى أن كلَّ موجود قابلٍ للقسمة لا يمكن أن يكون واجبًا.
«فقد اتَّضح من هذا أن واجب الوجود ليس بجسم، ولا مادة جسم، ولا صورة جسم، ولا مادة معقولة لصورة معقولة، ولا صورة معقولة في مادة معقولة، ولا له قسمةٌ لا في الكم، ولا في المبادئ، ولا في القول؛ فهو واحد من هذه الجهات.»
وواجب الوجود بذاته واجبُ الوجود بجميع جهاته، فلو وُجدت جهة لا يكون بها واجبًا لاحتاج إلى علة من هذه الجهة، ولكان غيرَ واجبٍ على الإطلاق، بل مع هذه العلة، فبَيِّنٌ من هذا أن الواجب الوجود لا يتأخر عن وجوده وجودٌ منتظر، بل كل ما هو ممكن له واجب له، فليس له إرادة منتظرة، ولا طبيعة منتظرة، ولا علم منتظر، ولا صفة من الصفات التي تَكُون لذاته منتظرة.
وبعد هذا يسمو فكر ابن سينا نحو النواحي الخُلُقية، وذلك أنه إذ أثبت أن واجب الوجود واحد على الإطلاق، بيَّن — وفق المذهب الأفلاطوني — أنه خير محض وحقٌّ محض؛ فنرجو من القارئ أن يلاحظ صيغ التفاؤل التي يلقاها في هذا المعرض، قال ابن سينا: «وكل واجب الوجود بذاته فإنه خير محض وكمال محض، والخير بالجملة هو ما يَتَشَوَّقه كل شيء ويتم به وجوده، والشر لا ذات له، بل هو إما عدم جوهر أو عدم صلاح حال الجوهر، فالوجود خيرية، وكمال الوجود خيرية الوجود، والوجود الذي لا يقارنه عدم ولا عدم جوهر ولا عدم شيء للجوهر، بل هو دائم بالفعل، فهو خير محض، والممكن الوجود بذاته ليس خيرًا محضًا؛ لأن ذاته بذاته لا يجب له الوجود، فذاتُه بذاته تحتمل العدمَ، وما احتمل العدمَ بوجه ما فليس من جميع جهاته بريئًا من الشرِّ والنقص؛ فإذن ليس الخيرُ المحضُ إلا الواجبَ الوجودِ بذاته، وقد يقال أيضًا خيرٌ لما كان نافعًا ومفيدًا لكمالات الأشياء، وسنبيِّن أن الواجب الوجود يجب أن يكون لذاته مفيدًا لكل وجود، ولكل كمال وجود، فهو من هذه الجهة خير أيضًا، لا يَدخُلُه نقص ولا شر.»
وقال ابن سينا أيضًا: «وكلُّ واجب الوجود بذاته فهو حق محض؛ لأن حقيقةَ كلِّ شيء خصوصيةُ وجوده الذي يَثْبُت له، فلا حق — إذن — أحق من الواجب الوجود، وقد يقال — أيضًا — حق لما يكون الاعتقاد بوجوده صادقًا، فلا حَقَّ أحق بهذه الحقيقة مما يكون الاعتقاد بوجوده صادقًا ومع صدقه دائمًا، ومع ذلك دوامه لذاته، لا لغيره.»
ثم عُيِّنَ تحليل مفهوم واجب الوجود، وأُكمل بالقضايا القائلة: إن نوعَ واجب الوجود لا يقال على كثيرين، وإن واجبَ الوجود وحيد في نوعه، وإنه كامل في وجوده لهذا السبب، ثم ينتهي المؤلف إلى إثبات وجود واجب الوجود إثباتًا مباشرًا، وهنا تبدو نظريةُ العِلِّيَّة جَلِيَّةً.
قال ابن سينا: «لا شكَّ أن هنا وجودًا، وكلُّ وجود فإما واجب وإما ممكن، فإن كان واجبًا فقد صَحَّ وجودُ الواجب، وهو المطلوب، وإن كان ممكنًا فإنا نُوضِح أن الممكن ينتهي وجوده إلى واجب الوجود.»
- المقدمة الأولى: لا يُمْكِن أن يكون لكل ممكن في زمان واحد علل ممكنة بلا نهاية. والواقع أنه إذا كان لا يوجد واجب وجود في جملة الممكنات فإن هذه الجملة تكون — ما دامت جملة — إما واجبةً أو ممكنة، فإن كانت واجبةً فيما أن كلَّ واحد من حدودها ممكن، فإن الواجب يكون بالممكنات، وهذا محال، وإن كانت ممكنةً فجملتها تكون محتاجةً في الوجود إلى مفيد الوجود، وهذا الشيء إما أن يكون خارجًا من الجملة أو داخلًا فيها، فإن كان داخلًا واجبًا فإن أَحَدَ حدود الجملة يكون واجبًا، وقد فُرض أنها ممكنة، وإن كان داخلًا ممكنًا فإن هذا الشيء يكون علة الجملة؛ ولذا فإنه يكون علة أقسامها وعلةَ وجوده؛ ولذا فهو واجب، وقد فُرض أنها ممكنة، وإن كان الشيء خارجًا فإنه لا يكون علةً ممكنة؛ وذلك لأن جميع الممكنات في الجملة؛ ولذا فهو واجب الوجود، وحينئذٍ تؤدِّي جميعُ الممكنات إلى هذه العلة الواجبة.
- المقدمة الثانية: إنه لا يَجُوز أن يكون للعلل عددٌ متناهٍ، وأن يكون كل واحد من هذا العدد ممكنَ الوجود في نفسه، لكنه واجب بالآخر إلى أن ينتهي إليه دَوْرًا، وكنا فيما تقدم قد بَيَّنَّا أمرَ العلتين، ويمكن تعميم هذا البيان بنَمَط مماثل في أمر المقدمة الأولى، وذلك مع القول بأن هذا يؤدي إلى النتيجة القائلة: إن كل حَدٍّ يكون علةً ومعلولًا بوجوده الخاص، وهذا محال.
- المقدمة الثالثة: لكل حادث علة في حدوثه، فلا يخلو أن يكون حادثًا باطلًا مع الحدوث لا يبقى زمانًا، أو أن يَبْطُل بعد الحدوث بلا فصل زمان، أو أن يَكُون بعد الحدوث باقيًا. والقسم الأول محال ظاهر، والقسم الثاني أيضًا محال؛ وذلك لأن الآناتِ تتعاقب بلا انقطاع، وقد بَطَلَ هذا؛ ولذا فإن لكلِّ موجود علةً من وجوده وعلةً من جوهره، ويمكن اتحاد هاتين العلتين مثل القالَب في تشكيل الماء، ويمكن أن تكونا منفصلتين مثل الصورة الصنمية التي يُحدِثها الصانع، والتي تُثَبِّتها يُبُوسة العنصر المتخذة منه، ولا يثبت الحادث لأنه أُحدث، وإنما يَثْبُت بتحقيقه شرطَ علته الذي يجعله يَثْبُت، فإذا ما حُقِّق هذا الشرط ثَبَتَ الحادث ما بَقِيَ الشرط، ويصير الممكن واجبًا بشرط، فهو يكون حينئذ واجبًا بشيء آخر غير ذاته، والممكن الحقيقي معدوم، وكل ما يكون موجودًا عند وجود هذا الممكن يكون واجبًا. وبالعكس يكون معدومًا وجوبًا كل ما يكون معدومًا عند كون ذلك معدومًا.
وتُعَد هذه المقدمة الأخيرة تكملةً لنظرية العلية وتطبيقًا لها، ونحن نصوغها هكذا: «لكل حادث علة، وكلة علة مسبِّبة.»
ويُتِمُّ اتحاد هذه المقدمات الثلاث نظرية الموجود الأول في ثانية، وذلك أن الممكنات الموجودة تحتاج إلى علل (المقدمة الثالثة)، وأن هذه العلل لا تتسلسل إلى غير نهاية (المقدمة الأولى)، وأنها لا ترتد على نفسها (المقدمة الثانية)؛ ولذا فهي تؤدي إلى واجب الوجود.
ونَوَدُّ لو نَصمُت هنا بعد هذا البرهان، فندع القارئ يتذوق بنفسه إبداعه وانسجامه وقوَّته، ومع ذلك فإننا لا نستطيع أن نَمَّحي تمامًا أمام مؤلفنا، وأن نَتَخَلَّى عن قيادة هذا الكتاب في وقتٍ يُفرَض علينا تعيينُ نتائجه. والواقع أن ما بقي علينا أن نقوله من شيء قليل عن التصوف ليس له غير قيمة تكميلية، فما يَنْطَوِي عليه سِفْرُنا من أمرٍ جوهري قد تَمَّ منذ الآن.
ثم يلوح لي أن الخطَّ العامَّ للحركة الفلسفية — كما أشرنا إليه — صائب؛ وذلك أن المعضلة التي تبدَّت للمدرسة العربية قامت على التأليف بين الحقيقتين: الحقيقة الفلسفية والحقيقة الدينية، وكانت المدرسة العربية قد سُبِقَت بعضَ الشيءِ في بحث مماثلٍ من قبل المدرسة السريانية. ولا بُدَّ لمعرفة نصيب فلاسفة العرب من الابتكار في حلِّ هذه المعضلة ضبطًا، من أن يُعرف تاريخ التعليم الفلسفي حتى القرن التاسع من الميلاد معرفةً تامة، ويمكن أن يوكِّد — عند عدم هذه المعرفة الدقيقة — كون عمل التنسيق والبرهنة حول القضايا في المدرسة العربية، ولا سيما عند ابن سينا، كان أمرًا مهمًّا جدًّا.
وإذا ما نُظِرَ إلى حال الروح العامِّ الذي كان عليه هؤلاء المفكِّرون وَجَبَ أن يُذكَرَ — كما قلنا غير مرة — أن أمرَ التوفيق ظلَّ عادةً ذهنيةً منتشرةً في الشرق عدة قرون، وتُوضِحُ هذه العادة كون مؤلفي الإسلام استطاعوا أن يَضَعُوا المعضلة السكلاسية من غير أن يساورهم أيُّ شك في إمكان حلها، هذه المعضلة التي أخافت الباحثين في بلاد أخرى أو أخمدت إقدامهم. ولم يكن المنهاج السكلاسي الذي تألَّف منه أحد حدود هذه المعضلة — ويمكن التسليم بهذا مثل نتيجة أيضًا — منهاجًا فرديًّا، أو أفلاطونيةً، أو مشَّائيةً، أو غير ذلك، وإنما كان مجموع توفيق قام بطريق العنعنات واقعًا تحت تأثير الأفلاطونية الجديدة مع بعض رواسب أدريةٍ بصريح القول. وفضلًا عن ذلك فإن هناك تذكرات عقديةً دينيةً قديمةً مرتبطةً في الاثنينة والأدرية، وعوداتٍ عاطفية باديةً نحو المذاهب القائلة بوحدة الوجود، كانت تظهر في الحين بعد الحين لدى سكلاسيي العرب، حتى عند أكثرهم حكمةً. ومع ذلك فإنه لا يشار إلى هذه الملاحظة الأخيرة إلا بإيجاز؛ وذلك لأنها أكثر تعلقًا بدراسة الفلسفة الصوفية.
وكذلك يمكننا أن نتساءل عما إذا كان جهد فلاسفة العرب الذهني — وقد يقال العبقري — قد وَصَلَ نهائيًّا إلى حل مقبول — تقريبًا — للمعضلة السكلاسية، فنخشى أن يكون الجواب بالنفي، وهذا لعوامل ذاتية وغير ذاتية، وقد أحسسنا العواملَ الذاتية، وإذا كنا نذكر ماذا كان الإله التَّوْرائي والقرآني من جهة، وماذا كان إله الفلاسفة الآخر، ساوَرَنا انطباعٌ قائل: إن مسافةً كبيرةً لا تزال تفصل بين هذين المفهومين، اللذين لا يُعَدُّ توفيقُ ما بينهما حول هذه النقطة قد تَمَّ حتمًا.
ولا مراء في أن التصوف هناك هو لإصلاح ما يكون من زهوٍ، وإيصادٍ، وجَفَافٍ، وتجريدٍ في المفهوم الفلسفيِّ الإلهيِّ، ولكن التصوف نفسَه يَعرِض أخطارًا هائلةً على الأُرْتُدُكسية، فإذا كان ما بعد الطبيعة ينطوي على آثار من وحدة الوجود، فليس التصوف هو الذي يطهره منها. والواقع أنه إذا رُجِعَ البصر إلى ما هو عالق بالخيال من ناحية العقيدة الإسلامية وُجد أن إله الفلاسفة مذهل غير مقبول؛ وذلك أنه يشتمل على إنجاز وعدم إحساس في الوجود، فلا يُعرف فيه ما يُعرف في إله التوراة من فعَّالية حية متقلِّبة، وفضيلة مبدعة، ودَعَةٍ ربانيةٍ، ومقاصدَ واسعة، ورأفة رحيمة، وانتقامات هائلة، ولإله الفلسفة، ذي القوة الوجودية بالفعل، ما يلوح أنه عادم الحركة، فعُدنا لا نستطيع أن نعرفه، وعدنا غير محمولين على محبته، مهما وقع من إثبات لنا أنه الحق الأعلى، ونحن لا نشعر بأنه صالح، وإن كان يُثبَت لنا أنه هكذا عقليًّا.
وأخص ما نخافه هو أن نَرَى صفاته الذاتيةَ — من إرادة وعلم وقدرة — تَتَّحِد وتُسبك في نوع من القوة لا قِبَل لنا بتصورها، فيصدُر عنها العالَم، وذلك من غير أن نُدرِك النقطة التي يبقى هذا الإله عندها فاعلًا حرًّا للعالم، أو حرًّا شاعرًا كما أقول، ولم نشدد في تحليلنا حول مسألة اختيار الله في إحداث العالم هذه؛ لِمَا لا نَرَى غُنمًا في محاولة الغوص فيها، ويكون الله خفيًّا خفاءً مطلقًا في هذا الموضع، فيمكن أن يقال: إن رأيَ ابن سينا يَتَوَارَى هنا على غِرَار رأيه في الموجود الأول.
وقد أثار مذهب ابن سينا — كما هو الواقع، وهنا العامل غير الذاتي، الذي أشرنا إليه آنفًا — مَقْتَ ذوي النفوس الدينية، ومن ذلك أن الغزالي — الذي يمثِّل في الإسلام ذُورة السكلاسية اللاهوتية، كما يمثِّل ابن سينا السكلاسية الفلسفية — حَمَلَ حملةً عنيفة على منهاج ابن سينا، وقضى على نصيبه في المشرق، ويَمضي قرن بعد الغزالي، فتُبعث هذه المذاهب في المغرب، وتجاوز حدود الإسلام فتُلقِي ذعرًا في العالَم النصراني تحت اسم الرُّشدية، وذلك على نَمَطَ ضلالة هائلة.