شعر المعتمد في دولته
سيمر القارئ بكثير مما نظم المعتمد زفراتٍ وحسراتٍ في أربع السنين التي احتواه فيها الأسر في المغرب.
وأثبت هنا بعض ما نظم أيام عزته وصولته في دولة أبيه المعتضد ودولته، في معاهد أنسه وأندية سمره ومجالس أدبه، وفي خطاب الأدباء وملاطفة الخلطاء.
مما نظم في عهد أبيه المعتضد أبيات أرسلها إليه حين أرسله قائد جيش إلى مالَقة فانهزم فغضب أبوه غضبًا شديدًا وعنَّفه واتهمه أنه ضيَّع الحزم باللهو واللعب:
وتوجه إليه الوزير أبو الأصبغ بن أرقم رسولًا من المعتصم بن صُمادح ملك المرية ومعه الوزير أبو عبيد البكري والقاضي أبو بكر بن صاحب الأحباس، فلما قارب إشبيلية أرسل إلى المعتمد أبياتً منها:
فكتب المعتمد إليه:
وقال المعتمد في معاهد نعيمه وأنسه في إشبيلية:
وقال وقد لمع البرق فارتاعت جارية كانت تسقيه:
وله مع شعرائه مساجلات تدل على أنه لا يتخلف عنهم في النظم رويَّةً وارتجالًا، ولا يقع دون كبار الشعراء في لفظه ومعناه، ويقول ابن حمديس في ختام قصيدة مدح بها المعتمد:
(١) الشعراء الذين صحبوا المعتمد
كانت حضرته مَلقى الرحال، وموسم الشعراء، وقبلة الآمال ومألَف الفضلاء، حتى إنه لم يجتمع بباب أحد من ملوك عصره من أعيان الشعراء وأفاضل الأدباء ما كان يجتمع ببابه.
وكيف لا يقصد الشعراءُ والأدباءُ — في عصر زها فيه الشعر والأدب — ملكًا أديبًا شاعرًا يأنس بهم، ويغدق عليهم العطاء، ويصادقهم ويُجلُّهم، ويتخذ منهم وزراء وندماء.
وهذا ذكر من عرفوا بصحبة المعتمد من شعراء الأندلس؛ ومن هؤلاء ثلاثة ذهبوا مثلًا سائرًا في الوفاء، وسيأتي ذكرهم في محنة المعتمد؛ وهم: ابن اللبانة، وابن حمديس، وأبو بحر بن عبد الصمد.
(١-١) أبو بكر الداني المعروف بابن اللبانة
أذكره هنا في جملة شعراء المعتمد. وأعظم مآثر هذا الشاعر وأكبر مفاخره وفاؤه للأمير في أسره، ومواساته في محنته، وسيأتي ذكره في أيام هذه المحنة، فحسبي هنا أن أقول: إنه اتصل ببني عباد منذ أيام المعتضد وأحسن مدحهم وأحسنوا جزاءه.
يقول فيها:
وله موشحة أخرى يقول فيها مادحًا الرشيد بن المعتمد:
وقد ألف هذا الشاعر كتابًا سماه «الاعتماد في أخبار بني عباد»، كما ألف كتابًا في أخبارهم بعد نكبتهم سماه «نظم السلوك في مواعظ الملوك».
(١-٢) ابن حمديس
ومن الشعراء الذي أظلتهم دولة بني عباد، فنعموا في ظلالها، وغرَّدوا في أفيائها، ابن حمديس الصقلي.
فارق عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمديس الصقلي بلده سَرقوسة من جزيرة صقلية حينما استولى النرمانديون على الجزيرة سنة سبعين وأربعمائة ﻫ، وانتهى به المسير إلى إشبيلية، فقرَّبه المعتمد بن عباد، وأشاد هو بالأمير، وسيَّر في مدحه قصائده، وصحبه في سِلْمه وحربه، ثم واساه في أسره.
أقمت بإشبيلية، لما قدمتها على المعتمد بن عباد، مدة لا يلتفت إليَّ ولا يعبأ بي حتى فطنت لخيبتي مع فرط تعبي، وهممت بالنكوص على عقبي، فإني لكذلك ليلة من الليالي في منزلي إذا بغلام معه شمعة ومركوب، فقال لي: أجب السلطان. فركبت من فوري ودخلت عليه، فأجلسني على مرتبة فنَك، وقال لي: افتح الطاق التي تليك. ففتحتها فإذا بكور زجاج على بُعد، والنار تلوح من بابيه، وواقدة تفتحهما تارة وتسدُّهما أخرى، ثم دام سدُّ أحدهما وفتح الآخر، فحين تأملتهما قال لي: أجز:
فقلت:
فقال:
فقلت:
فقال:
فقلت:
فاستحسن ذلك وأمر لي بجائزة سنية وألزمني خدمته.
وللشاعر في مدح المعتمد الأمير الجواد الشاعر ووصف حروبه؛ قصائد غراء تضمنها ديوانه.
ولم يقصر ابن حمديس في الوفاء لأميره حين حلت به الفاجعة، وذهب إليه في أغمات كما ذهب ابن اللبانة.
وسيأتي في الحديث على محنة المعتمد طَرَفٌ من أخبار الشاعر معه في هذه المحنة، وبعضُ ما أنشأ من الشعر؛ توجعًا للأمير، وتفجعًا.
(١-٣) أبو بحر بن عبد الصمد
ومن شعراء المعتمد أبو بحر بن عبد الصمد، ومن مديحه قوله:
وقد رثى هذا الشاعر ممدوحه ووقف على قبره وأنشد قصيدة باكية ومرَّغ وجهه في التراب، فأبكى الحاضرين، وسيأتي ذكر هذا.
(١-٤) ابن زيدون
اتصل ابن زيدون بالمعتضد العبادي والد المعتمد سنة ٤٤١ﻫ فاحتفى به واستوزره، ثم سماه ذا الوزارتين؛ فلبث في كنفه زهاء عشرين عامًا، ومدحه؛ وفاء ما لقي في جنابه من عزة ونعماء.
ولما مات المعتضد رثاه ابن زيدون، واتصل بالمعتمد؛ فكان قرة عينه وزينة دولته، ولما فتح المعتمد قرطبة بلد ابن زيدون رجع إلى بلده في كنف المعتمد وعلت مكانته، ثم أرسله المعتمد إلى إشبيلية لفتنة وقعت بها ومعه أحد أبناء المعتمد فمات ابن زيدون هناك سنة ٤٦٣ﻫ.
وله قصائد في مدح المعتضد يسير بها الذكر، ويزهو بها الشعر، منها قصيدة هي في ترتيب الديوان أول ما مدح به المعتضد … يقول فيها:
وقد ذكر المنذرين ومحرقًا وعمرًا وجذيمة والنعمان وهم من ملوك المناذرة؛ إذ كان بنو عباد ينتسبون إليهم.
ويقول في قصيدة أخرى:
وأما المعتمد فلابن زيدون فيه مدائح كثيرة في إمارة أبيه وإمارته، تُعرب عن إحماد صحبته، وشكر نعمته، وقد أولع المعتمد بالإلغاز عن أبيات من الشعر يطلب إلى ابن زيدون بيانها، وفي ديوان ابن زيدون كثير منها.
وحسب الشاعر أن يكتب إليه المعتمد قصيدة يعاتبه بها على تأخر جوابه عن شعر بعث به، يقول فيها:
فأجاب ابن زيدون بقصيدة منها:
وفي أبيات المعتمد وابن زيدون ما يُري القارئ أن المعتمد لا يقصر في النظم عن الشاعر الكبير، ويطَّرد هذا فيما نراه في ديوان ابن زيدون من شعر له وللمعتمد في مراسلاتهما ومساجلاتهما، ما عدا القصائد المطولة التي لا نجد للمعتمد أمثالها.
ومما ينبغي ذكره هنا أن أحد حساد ابن زيدون أرسل إلى المعتمد شعرًا يعرِّض فيه بابن زيدون، ويغري المعتمد بقتله وقتل كل من يرتاب فيه ويتبع سنة أبيه في قتل أعدائه، وأول الشعر:
وهي سبعة وعشرون بيتًا.
فكتب المعتمد على ظهر الورقة التي فيها الشعر:
وبلغت القصة ابن زيدون فأنشأ خمسين بيتًا يمدح المعتمد ويشكره على تخييب مسعاة الساعين، منها:
(١-٥) ابن عمار
اتصل الشاعر ابن عمار بالمعتضد بن عباد وبالمعتمد في أيام أبيه المعتضد، وله فيهما مدائح، وكان المعتمد قاد جيشًا إلى شِلب ففتحها سنة ٤٤٤ﻫ ولقي هناك أبا بكر بن عمار، وتمكنت بينهما المودة ومدح الشاعر أميره وصديقه بقصائدَ بليغةٍ سارت بين الأدباء وذاعت.
وصحب ابن عمار المعتمد إلى إشبيلية فأقام معه إلى أن أنكر المعتضد شغل ابنه بهذا الشاعر فنفاه إلى سَرَقُسطة.
ولما تولى المعتمد بعد وفاة أبيه دعا صديقه الشاعر وخيَّره في ولاية يُوَلَّاها فاختار شلب.
ثم لم يصبر المعتمد عنه فدعاه إلى حضرته واستوزره، وشارك ابن عمار في حروب المعتمد التي دفع بها الإسبان عن إشبيلية كما شارك من قبلُ أبو الطيب في حروب سيف الدولة.
وفتح ابنُ عمار مرسية للمعتمد فملكه العُجب، وتزيا بزيِّ الأمراء حتى ارتاب فيه المعتمد.
ونظم ابن عمار قصيدة يفخر فيها ويحرِّض أهل بلنسية على الثورة على أميرها، وكان صديق المعتمد وأول القصيدة:
ويقول فيها:
فغضب المعتمد على ابن عمار وعارض قصيدته بشعر فيه سخرية ببني عمار.
فثار الشاعر وأنشأ شعرًا هجا به المعتمد وأم أولاده الرميكية هجاءً مقذعًا.
ووقعت نسخة من الشعر بخط ابن عمار في يد المعتمد، وانتهت الحادثات بأسر ابن عمار في بعض مغامراته فأسلمه آسره إلى المعتمد فحبسه وقتله.
ومما كتب المعتمد للوزير ابن عمار أيام صداقتهما:
ركب المعتمد في بعض الأيام قاصدًا الجامع والوزير أبو بكر بن عمار يسايره، فسمع أذان المؤذن؛ فقال المعتمد:
فقال ابن عمار:
فقال: المعتمد:
فقال ابن عمار:
وأدخلت على المعتمد يومًا باكورة نرجس فكتب إلى ابن عمار يستدعيه:
فأجابه ابن عمار:
وكان المعتمد غضب على ابن عمار في بعض الحادثات، وعتب ابن عمار على المعتمد فكتب إليه يعتب ويطلب الصفح في قصيدة أولها:
ويقول فيها:
إلى أن يقول:
فأجاب ابن عباد:
ولكن الشاعر أشفق من العودة إلى المعتمد، فاستمر على نفاره حتى أسلمته الحوادث إلى يد المعتمد، وقصيدة ابن عمار التي هجا فيها المعتمد مطلعها:
ويومين قرية بإشبيلية كان منها أولية بني عباد.
ويقول فيها عن الرُمَيكية أم أولاد المعتمد:
إلى أن يقول:
ومنها:
وهذا من ابن عمار كفران نعمة وحُمق، أنشأ هذا الهجاء وظن أنه يخفى على المعتمد فبلغه بخط ابن عمار كما قيل، فكان فيه حتفه.
ومما استعطف به المعتمد — وهو في سجنه — قصيدة أولها:
ويقول فيها:
ويختمها بقوله:
(١-٦) عبد الجليل بن وهبون
يقول صاحب قلائد العقيان في ترجمة هذا الشاعر: إنه كان متصلًا بالوزير الشاعر ابن عمار «فأعلقه بدولته وألحقه بجملته ونفقه بعد الكساد، وطوَّقه من استخلاصه ما أغاظ به الحساد، كان يعتقد تقدمه، ويعقد بنواصي الشعراء قَدَمه، إلا أنه مع تمييزه به بالإحظاء، وتجويزه إياه عند الاقتضاء، لم يوصله عند المعتمد إلى حظ، ولم ينله منه إلا كرَّة لحظ.»
ودخل المرية وقد أحرج المعتمدَ على الله وأضجره، حتى أبعده وهجره، فلما كان يوم العيد وحضر المعتصمَ شعراؤه، واجتمع كُتَّابه ووزراؤه، بعث في عبد الجليل فتأخر وزرى بالحال وسخر، وقال: أبعد المعتمد أحضر منتَدى؟ أو أستمطر جودًا أو ندى؟ وهل تروق الأعياد إلا في فنائه؟ أو تحسن الأمداح إلا في سنائه؟
أقول: المعتصم المذكور هو ابن صُمادح أمير المرية. ولعل القارئ يسأل: كيف جرؤ ابن وهبون على الامتناع عن حضرة المعتصم يوم عيد وهو في بلده؟ وكيف قال: إنه لا يمدح إلا ابن عباد؟ والجواب: أنَّا لا نعلم أن ابن وهبون جهر بهذا القول في المرية، ثم مدحه المعتمد ولو جهر به، يحميه من نقمة المعتصم؛ إذ كان المعتمد أميرًا يهابه أمراء الطوائف ويتوددون إليه.
وأنه كان في قصر المعتمد فيل من الفضة، يتدفق الماء من فمه إلى بركة، فقال عبد الجليل بن وهبون قصيدة في وصفه.
وهكذا يُعد ابن وهبون من الشعراء الذين اتصلوا بالمعتمد وعاشوا في كنفه.
وسيأتي في أخبار وقعة الزلَّاقة أنه كان ممن حضر مجلس المعتمد حين هنأه الناس، وأنه أعد قصيدة في هذا؛ فلما سمع القارئ احتقر قصيدته.
(٢) شعراء آخرون
ومن الشعراء الذين مدحوا المعتمدَ ابنُ القزاز محمد بن عُبادة.
وله قصيدة يذكر فيها جرح يد المعتمد في وقعة الزلاقة — التي قدمنا ذكرها — يقول فيها:
ومنها:
وقلَّ أن تجد شاعرًا في الأندلس أو ما يقاربها من البلاد إلا اتصل بالمعتمد ومدحه ونال جوائزه.
ومن غريب ما يُروى أن الحصري الشاعر، كان ألَّف للمعتمد كتاب «المستحسن من الأشعار»، فلم يُقدَّر له لقاء المعتمد إلى حين اجتاز إلى طنجة أسيرًا.