أولاد المعتمد وأمهم
وكان قومه وبنوه لتلك الحَلبة زينًا، ولتلك الجملة عينًا، إن ركبوا خلت الأرض فلكًا يحمل نجومًا، وإن وهبوا رأيت الغمام سَجومًا، وإن أقدموا أحجم عنترة العبسي، وإن فخروا أفحم عرابة الأوسي.
وكان له من بنيه عدة أقمار نظمهم نظم السلك، وزين بهم سماء ذلك الملك، فكانوا معاقل بلاده، وحُماة طارفه وتلاده.
وقبل أن أثبت ما جمعته من شتات الأخبار في سيرة أولاد المعتمد أذكر طرفًا من أخبار أمهم، التي اقترن سعدُها بسعد المعتمد، ونحسُها بنحسه وقبرُها بقبره، ولها في الأدب أخبار سائرة وأشعار.
ثم يقص صاحب النفح من طرائفها عبارات تدل على ولوعها بالنادرة وكلفها بالجناس حتى في أيام المحنة: قال: «ولما خُلع المعتمد وسُجن بأغمات قالت له: يا سيدي لقد هُنَّا هُنَا. فقال مجنسًا أيضًا:
وحكى أنها قالت له وقد مرض: يا سيدي، ما لنا قدرة على مَرضاتك في مَرَضاتك.
ولما قال ابن عمار قصيدته اللامية الشهيرة في المعتمد والرميكية أغرت المعتمد به حتى قتله وضربه بالطبرزين ففلق رأسه وترك الطبرزين في رأسه.
فقالت الرميكية: صار ابن عمار هدهدًا.
وقد قدمتُ خبر هذه القصيدة في ترجمة ابن عمار.
كان المعتمد كثيرًا ما يأنس بها ويستظرف نوادرها، ولم تكن لها معرفة بالغناء، وإنما كانت مليحة الوجه، حسنة الحديث، حلوة النادرة، كثيرة الفكاهة لها في كل ذلك نوادر محكية.
وكانت في عصرها ولادة بنت محمد بن عبد الرحمن، وهي أبدع منها مُلَحًا، وأحسن افتنانًا وأجل منصبًا، وكان أبوها أمير قرطبة ويُلقب بالمستكفي بالله، وأخبار أبي الوليد بن زيدون معها وأشعاره فيها مشهورة.
هذا ما نقله المقري عن ابن سعيد.
ومن أخبار الرميكية القصة المشهورة التي قال فيها المعتمد لها: ولا يوم الطين.
وخلاصة ما ذكره المقري وغيره في هذه القصة، أن الرميكية أطلت من قصرها فرأت القرويات في يوم مطير، يمشين في الوحل في طرق إشبيلية، وعلى رءوسهن الجرار، فاشتهت أن تتشبه بهن، فأمر المعتمد فسُحقت أنواع من الطيب في ساحة القصر ثم صُب عليها ماء الورد من غرابيل، وعُجنت بالأيدي حتى صارت كالطين، فمشت الرميكية وجواريها في هذا الوحل.
وقد غاضبت المعتمد يومًا فأقسمت أنها لم ترَ منه خيرًا قط! فقال: ولا يوم الطين؟! فاستحت واعتذرت.
•••
أُسرت الرميكية مع زوجها، وقضت أيام المحنة في صحبته، ودُفنت في جواره، وتناقل المغاربة أخبار المعتمد وأخبارها عصورًا بعد وفاتهما، وكانت أخبارهما شائعة في المغرب حتى عصر المقري مؤلف نفح الطيب المتوفى سنة ١٠٤١ﻫ.
(١) أولاد المعتمد
في كتب التاريخ الأندلسي والأدب، أخبار شتى من أخبار أولاد المعتمد، وكانوا كأبيهم أنجادًا أجوادًا شعراء.
يقول الشاعر أبو بكر الداني المعروف بابن اللبانة يمدح المعتمد وبنيه:
هؤلاء الأربعة هم الرشيد عبد الله والراضي يزيد والمأمون والمؤتمن كما روى ابن خلكان، وأحسب أن هؤلاء كانوا الكبار من بني المعتمد، وللمعتمد أولاد آخرون نجد أسماءهم في كتب التاريخ والأدب، نجد الظافر والمعتد ومالكًا وعبد الجبار وأبا هاشم وبثينة وشرف الدولة وفخر الدولة.
أبدأ بالحديث عن هؤلاء الأربعة الذين عدهم ابن اللبانة، ثم أثبت نُتفًا من أخبار الآخرين.
وأبدأ من الأربعة بالراضي؛ إذ ترجم له الفتح بن خاقان بعد ترجمة أبيه، ولم يترجم لإخوته؛ فدل على أنه بلغ درجة الشعراء الذين يترجم لهم الفتح.
(١-١) الراضي بالله أبو خالد يزيد بن المعتمد
ملك تفرع من دوحة سناء، أصلها ثابت وفرعها في السماء، وتحدَّر من سلالة أكابر، ورُقاة أسرَّة ومنابر، وتصرَّف أثناء شبيبته بين دراسة معارف، وإفاضة عوارف، وكَلِف بالعلم حتى صار ملهج لسانه، وروضة أجفانه، لا يستريح منه إلا إلى فرس سائل الغُرَّة، ميمون الأسرَّة، يسابق به الرياح، ويحاسن بغرته البدر اللياح، عرنين في السناء، عتيق الاقتناء، سريع الوخد والإرقال، من ولد أعوج أو وُلد لذي العقال.
إلى أن ولاه أبوه الجزيرة الخضراء وضم إليها رُندة الغراء.
فانتقل من متن الجواد إلى ذروة الأعواد، وأقلع عن الدراسة، إلى تدبير السياسة، وما زال يدبرها بجوده ونهاه، ويُورد الآمل فيها مُناه، حتى غدت عِراقًا، وامتلأت إشراقًا، إلى أن اتفق في أمر الجزيرة ما اتفق، وخاب فيها الرجاء وأخفق، واستحالت بهجتها، وأحالت عليها من الحوادث لُجَتها، فانتقل إلى رُندة معقل أشِب، ومنزل إلى السماك منتسب، وأقام فيها رهين حصار، ومَهين حُماة وأنصار، ولقيتْ ريحُه كلَّ إعصار، حتى رمته سهام الخطوب عن قِسِيِّها، وأمكنت منه يدى مُسيِّها، فحواه رمسه، وطواه عن غده أمسه، حسبما بسطنا القول فيما مر من أخبار أبيه. ا.ﻫ.
كان الراضي والي الجزيرة الخضراء حين عبر يوسف بن تاشفين إلى الأندلس، ومما يؤثر من أخباره: أنه قبض على ابن عمار في شقورة سنة ٤٧٧ كما تقدم في أخبار هذا الشاعر.
كان الراضي كَلِفًا بمطالعة الكتب والدواوين، مولعًا بالشعر، ومما يؤثر من شعره، ما كتب إلى أبيه حين عَتب إليه قعوده عن لقاء العدو، وعكوفه على دفاتره، وكان العدو قصد لُورقة والراضي في رُندة؛ فأمره المعتمد بالخروج إليه فتلكأ، فوجه المعتمد ابنه المعتد للقاء العدو فهزم جيش المعتد، واشتد غضب المعتمد على الراضي؛ فكتب الراضي إليه:
فلم يرضَ أبوه عنه، ولا غفر له زلته، ثم كتب إليه ساخرًا به:
فكتب إليه الراضي:
فقربه وأدناه وصفح عما كان جناه.
ويؤخذ من سيرة الراضي أن أباه كان يلومه بين الحين والحين فيعتذر ويستعتب، وأنه كان يعتب على أبيه لتقديم إخوته عليه، ويظهر أن سيرة الراضي في العكوف على الكتب والاشتغال بها عن أمور الدولة أحيانًا، كانت منشأ خلاف بينه وبين أبيه.
وكان المعتمد رحمه الله كثيرًا ما يرميه بملامه، ويُصميه بسهامه، فربما استلطفه بمقال أفصح من دمع المزون، وأملح من روض الحَزون، فإنه كان ينظم من بديع القول لآلئَ وعقودًا، تسلُّ من النفوس سخائمَ وحقودًا … فمن ذلك قوله وقد أنهض جماعة من إخوته وأقعدهم:
ومن شعر الراضي وقد مر به ركب فيه جماعة من أُلَّافه في صباه بعدوا عنه زمنًا:
وكان الراضي على الجزيرة؛ إذ طلب المرابطون أن يحتلوها حين عبورهم إلى الأندلس فطير إلى أبيه الخبر فأمره بتسليمها.
وقد انتهى أمر الراضي إلى أن قتله المرابطون في القوارع التي نزلت بساحة بني عباد حين دهمهم من المرابطين ما دهمهم.
كان الراضي في رُندة — إحدى معاقل الأندلس المنيعة وقواعدها السامية الرفيعة — فقصده جيش من جيوش المرابطين لم يطمع في حربه وهو في البلد الحصين والمعقل الأشِب، فلما كان في إشبيلية ما كان أمر المعتمد أن يكتب إلى ابنه الراضي ليسالم المرابطين، وينزل إليهم من معقله، فنزل إليهم إشفاقًا على أبيه وذويه «بعد أن عاقدهم مستوثقًا وأخذ عليهم عهدًا من الله وموثقًا، فلما وصل إليهم، وحصل في يديهم، مالوا به عن الحصن وجرَّعوه الردى.»
وكانوا قتلوا أخاه المأمون في قرطبة، وللمعتمد مرثية فيهما. أُثبتُها بَعدُ في الحديث عن المأمون.
(١-٢) الرشيد عبد الله بن المعتمد
وهو، كأبيه وأمه وإخوته، أديب شاعر، له أخبار قليلة متفرقة في نفح الطيب والمغرب والذخيرة.
منها أن أباه أنشأ مصراعًا في قبته المسماة سعد السعود فوق المجلس المسمى الزاهي:
واستجاز الحاضرين فعجزوا فقال الرشيد:
وفي أخبار المعتمد أنه أمر بصياغة غزال وهلال من ذهب فصيغا، فجاء وزنهما سبعمائة مثقال فأهدى الغزال إلى السيدة ابنة مجاهد والهلال إلى ابنه الرشيد وقال:
كنت بين يدي الرشيد بن المعتمد في مجلس أنسه فورد الخبر بأخذ يوسف بن تاشفين غرناطة سنة ٤٨٣ﻫ فتفجع وتلهف واسترجع وتأسف، وذكر قصر غرناطة فدعونا لعزِّه بالدوام، ولملكه بتراخي الأيام، وأمر عند ذلك أبا بكر الإشبيلي بالغناء فغنى:
فتأكد تطيره، واشتد اربداد وجهه وتغيره، وأمر مغنية أخرى بالغناء فغنت:
قال: فتلافيت الحال بأن قلت:
فلعمري لقد بسطت من نفسه، وأعدت عليه بعضَ أنسه، على أني وقعت فيما وقع فيه الكل لقولي: البيت كالبيت.
وأمر إثر ذلك أبا بكر فغنى:
وقد قدمت في أخبار الشاعر ابن اللبانة قوله في موشحته:
أخبرني الحكيم النديم المطرب أبو بكر بن الإشبيلي، قال: حضرت مجلس الرشيد بن المعتمد بن عباد وعنده الوزير أبو بكر بن عمار، فلما دارت الكأس وتمكن الأنس وغنيت أصواتًا ذهب الطرب بابن عمار كل مذهب فارتجل يخاطب الرشيد:
وقد تقدمت في سيرة المعتمد أبيات الرشيد التي أولها:
(١-٣) المأمون بن المعتمد
اسمه عباد ويكنَّى أبا الفتح وأبا نصر أيضًا.
يقول المراكشي: هو أكبر أولاده، وُلد له في حياة أبيه المعتضد وسماه عبادًا.
ولاه أبوه قرطبة حينما استولى عليها ثانية سنة ٤٧١ﻫ ولقبه المأمون وبقي أميرًا عليها إلى أن دهيت الدولة العبادية بغارات الملثمين سنة ٣٨٤ﻫ فقاتل المأمون حتى قُتل في صفر من هذه السنة.
ولما بدت الفتنة وسال سيلها، وانسحب على بهجة الهدنة ذيلها، نازل المرابطون قرطبة وفيها ابنه المأمون، وكان أشهر ملوك زمانه خيرًا، وأيمنهم طيرًا، ما اشتغل بمعاطاة المدامة، ولا توغل للعصيان شعب ندامة، فأقاموا عليها شهورًا، وأرخوا من محاصرتها والتضييق عليها ستورًا، يساورونها مساورة الأراقم، ويباكرونها بداء من الحصار فاقم، والمأمون قد أوجس في نفسه خيفة، وتوقع منهم داهية مطيفة، فنقل ماله وأهله إلى المدور بعد أن حصنه، وملأه بالعدد وشحنه، وأقام بقصر قرطبة مضطربًا، ولأول نَبْأة مرتقبًا، إلى أن صبحوه يومًا لعِدَة كانت بينهم وبين أهلها في تسنم أسوارها، وتقحُّم أنجادها وأغوارها …
«إلى أن يقول: فلما أحس بهم المأمون خرج بعدد قليل وحدَّ فليل … فقطع رأسه وحيز، وخيض به النهر وأجيز، ولما استقر بالمحلة رفع على سن رمح وطيف به في جوانبها، وأخيف به قلب مجانبها.»
وللمعتمد في رثاء المأمون هذا وأخيه الراضي الذي ذكرناه قبلًا قصيدة باكية من أبلغ شعر الأحزان الذي أنشأه المعتمد في نكبته.
وفي ذلك يقول المعتمد يرثيهما، وقد رأى قمرية بائحة بشجنَها نائحة بفَنَنِها على سكَنها، وأمامها وكر فيه طائران يرددان نغمًا ويغردان ترحة وترنمًا:
وللأمير المرزأ في رثاء المأمون والراضي أبيات أخرى أشار فيها إلى ابنه أبي عمرو، وهو الظافر الذي يأتي ذكره، وقد تقدم أنَّ الظافر قُتل في دولة المعتمد، فشغل عن رثائه بطلب ثأره، وأما المأمون والراضي فقتلهما المرابطون؛ الأول في قرطبة ثم الثاني في رندة، وقد أخذوا قرطبة قبل إشبيلية ورندة بعدها.
وهذه الأبيات:
وللمعتمد في رثائهما قصيدة أخرى في الديوان أولها:
(١-٤) الظافر بن المعتمد
وجاء المأمون بن ذي النون محاصرًا لقرطبة من طليطلة، فاستغاثا (ابنا أبي الوليد) بالمعتمد بن عباد، فوجه لهم ابنه الظافر بعسكر، فأقلع المأمون عنهم، فغدرهم الظافر وأخذ قرطبة منهم، وحملهم إلى شَلْطيش فسُجنوا هناك، وأقام الظافر ملكًا على قرطبة إلى أن دخل عليه بالليل حُرَيز بن عكاشة فقتله، وصارت قرطبة للمأمون بن ذي النون.
وكان عكاشة هذا من أنصار ابن ذي النون، وكان استيلاء المعتمد على قرطبة المرة الأولى سنة ٤٦١ﻫ، ثم استولى عليها مرة أخرى سنة ٤٧١ﻫ وولى عليها ابنه الراضي كما تقدم.
ولما كان من الغد حُزَّ رأسه ورفع على سن رمح وهو يشرق كنار على علم، ويرشق نفس كل ناظر بألم، فلما رمقته الأبصار وتحققته الحماة والأنصار، رموا أسلحتهم، وسووا للفرار أجنحتهم، فمنهم من اختار فِراره وجَلاه، ومنهم من أتت به إلى حينه رجلاه.
ويقول الفتح: إن المعتمد شُغل عن رثاء ابنه الظافر بطلب ثأره، إلا إشارة إليه في تأبين أخويه الراضي والمأمون، وتقدمت هذه المرثية.
(١-٥) عبد الجبار بن المعتمد
وللمعتمد ابن اسمه عبد الجبار ثار على المرابطين وتمنى أن يعيد سلطان بني عباد، فحالت المنية دون الأمنية.
فوصلوا إلى قبضة الملمات، وحصلوا في غصة الممات، فوسمهم الحيف، وتقسمهم السيف.
وقدمت في أخبار المعتمد أن ثورة ابنه هذا أرابت المرابطين فيه فضيقوا عليه وأرهقوه بالأغلال والقيود، وبينت وقع هذه الثورة على المعتمد ألمًا وأملًا.
ولما زأر الشبل خيفت سورة الأسد، ولم يرجُ صلاح الكل والبعض قد فسد، فاعتقل المعتمد خلال تلك الحال وفي أثناءها، وأحل ساحة الخطوب وفناءها، وحين أركبوه أساودًا وأورثوه حزنًا بات له معاودًا، قال:
وقد أثبتُّ الأبيات في الكلام على محنة المعتمد.
من معاقل الأندلس المنيعة المستورة، وقد ثار فيها ولد المعتمد بن عباد فأذاق إشبيلية شرًّا حتى قُتل بسهم.
ولا أدري ما الشر الذي ذاقته إشبيلية من ثورة ابن المعتمد بعد انقضاء دولة بني عباد، واعتقال ملكها في أغمات؟! لعل ثورة عبد الجبار أرابت المرابطين بأهل إشبيلية فضيقوا عليهم، كما فعلوا بالمعتمد نفسه حين ثار ابنه.
(١-٦) المعتد بن المعتمد
يأتي ذكر المعتد في نتف متفرقة، ذكر في أبيات نظمها أبو بكر الإشبيلي في مجلس الرشيد بن المعتمد، وقد أثبتها في الكلام على الرشيد.
وهذا البيت الذي ذكر فيه المعتد:
وذكر كذلك في أخبار أخيه الراضي أمير رُنْدَةَ، حينما أمره أبوه بالخروج إلى عدو فتَلَكَّأَ، فوجه المعتمد جيشًا يقوده ابنه المعتد.
قد تقدم أن المعتمد بن عباد نشأ فيها وولاه أبوه المعتضد مملكتها، ولما استقل المعتمد بإشبيلية ولى على شلب ابنه المعتد.
وهذا يدل على أنه من كبار أبناء المعتمد؛ إذ كان أهلًا لولاية شلب حين تولى أبوه المُلك.
وتقدم أن المعتمد حين أحيط به في إشبيلية كتب إلى ابنيه الراضي والمعتد ليستسلما للمرابطين، وكان المعتد في حصن مارتُلة، فلم يسعُه هو وأخوه إلا النزول على حكم أبويهما؛ إشفاقًا عليهما وعلى أهليهما.
والمراكشي الذي ذكر كتابة المعتمد إلى ابنه المعتد أن يستسلم للمرابطين، يقول: إن المرابطين أخذوا كل ماله ولم يذكر أنهم قتلوه كما قتلوا أخاه الراضي.
(١-٧) أبو هاشم
قدمت أن المعتمد تذكر وقد اشتد البأس وحمي الوطيس يوم الزلاقة طفلًا له اسمه أبو هاشم فأنشد بيتين:
وقدمت كذلك أن ابنه أبا هاشم دخل عليه وقد ثقلت القيود برجليه فأنشأ أبيات من الحسرات والزفرات:
… إلى آخر الأبيات.
(١-٨) شرف الدولة وفخر الدولة
وهذا من بنيه أحسن الناس سمتًا، وأكثرهم صمتًا، تخجله اللفظة، وتجرحه اللحظة، حريص على طلب الأدب، مسارع في اقتناء الكتب، مثابر على نسخ الدواوين، مفتح فيها من خطه زهر الرياحين.
وفخر الدولة الذي رآه الشاعر في دكان صائغ ينفخ في الفحم فتقطع قلبه كمدًا وصعدت نفسه زفرات في الأبيات التي قدمتها في فصل «المعتمد في أغمات»، ومنها:
(١-٩) بثينة بنت المعتمد
ومنهن بثينة بنت المعتمد بن عباد، وأمها الرميكية السابقة.
وكانت بثينة هذه نحوًا من أمها في الجمال والنادرة ونظم الشعر، ولما أحيط بأبيها ووقع النهب في قصره كانت في جملة من سُبي، ولم يزل المعتمد والرميكية عليها في وله دائم لا يعلمان ما آل أمرها إلى أن كتبت إليهما بالشعر المشهور المتداول بين الناس والمغرب.
وكان أحد تجار إشبيلية اشتراها على أنها جارية سرية ووهبها لابنه، فنظر من شأنها وهيئت له، فلما أراد الدخول بها امتنعت وأظهرت نسبها، وقالت: لا أحل لك إلا بعقد نكاح إن رضي أبي بذلك. وأشارت عليهم بتوجيه كتاب من قِبلها لأبيها وانتظار جوابه، فكان الذي كتبته بخطها من نظمها ما صورته:
فلما وصل شعرها لأبيها وهو بأغمات واقع في شراك الكروب والأزمات، سُرَّ هو وأمها بحياتها، ورأيا أن ذلك للنفس من أحسن أمنياتها؛ إذ علما مآل أمرها وجبر كسرها، إذ ذاك أخف الضررين، وإن كان الكرب قد ستر القلب منه حجاب زين، وأشهد على نفسه بعقد نكاحها من الصبي المذكور وكتب إليها في أثناء كتابه ما يدل على حُسن صبره المشكور:
(١-١٠) أولاد آخرون
وقدمنا أن بنات المعتمد دخلن عليه يوم عيد في أغمات وهن في أطمار يكسوهن الشحوب والاكتئاب والذل والحزن، فأنشأ أبياته التي أولها:
فقد كان له وهو في معتقله بنات كبار يغزلن للناس.
ويقول المعتمد في الأبيات التي أنشأها حين دخل عليه ابنه أبو هاشم وهو مغلول مكبل، يقول لقيده:
فهذا يدل على أنه كان له أيام المحنة أطفال ترعرعوا، وأطفال لا يزالون رُضَّعًا.