المبحث الأول

الميثولوجيا الهيلنستية في مصر

يحدثنا بلوتارك بأن بطليموس الأول كوَّن لجنة من علماء الدين كان من بين أعضائها الكاهن المصري «مانثو» والكاهن الإغريقي «تيموثيوس». وقد استقر رأي اللجنة على أن يكون محور الديانة الجديدة ثالوثًا، يتألف من سرابيس، وإيزيس، وهربوكراتيس، وقامت اللجنة بتنظيم شئون هذه الديانة (نصحي، ٢، ١٩٦٧م، ١٨٠).

حصل ذلك إذن بطريقة صناعية ماهرة كان الميل فيها للديانة المصرية؛ فقد كانت إيزيس هي الإلهة الأم المصرية المرتبطة بالخصب والحب والجنس وغيرها، وكان ابنها الإله هربوكراتيس هو ابنها الإله الطفل حورس من أوزوريس، ويُصوَّر جالسًا على زهرة لوتس وأصبعه على شفتيه كإله الصَّمت. أما كبير الثالوث الإله سرابيس فقد اختلفَت فيه الآراء وتعدَّدَت، وفي جميع الأحوال فقد جمَع هذا الإله في شخصيته إلهًا مصريًّا وإلهًا إغريقيًّا.

(١) سرابيس

(١-١) الأصل المصري لسرابيس

كان الإله أوزوريس هو الأصل المصري للإله سرابيس؛ فقد كان الإله أوزوريس إلهًا عامًّا يُعبد في مصر كلها، ولم يكن إلهًا محليًّا لمنطقة معيَّنة؛ ولذلك فقد كان يمكنه الاتحاد بأي إله مصري آخر ليجسِّد الخصب أو الحياة الآخرة. فقد كان أوزوريس على الأرض يُمثِّل الخصب والحياة، وكان تحت الأرض يُمثِّل إله الموتى والشفيع لهم، لكن المنطقة التي انطلق منها أوزوريس ليكون سرابيس كانت منف حيث عقيدة الإله «بتاح» هي السائدة هناك … فكيف تمَّ الربط بين أوزوريس وبتاح؟

كان الإله «بتاح» يمثل الإله الخالق عن طريق الكلمة وعن طريق دولاب الفخار الذي اشتهر به، وكان يتجسد بصورة الكبش ذي القرنين، وأحيانًا بصورة العجل «أبيس» الذي كان يُسمَّى «حابي» عندما يتعلَّق الأمر بتجسيد النيل الحي. هذا كلُّه والعجل والنيل وبتاح على وجه الحياة. أما عندما يُتوفَّى هذا العجل الذي يُمثِّل كل هؤلاء فإنه كان يسمى (أوزوريس-أبيس) وهذا شأن كل إله أو بَشر مُتوفى؛ حيث يُسْبَق باسم أوزوريس، واختصارًا لذلك كان يُسمَّى «أوسار-حابي» أو «أسار-حابي» (Osar-Hapi).
figure
figure
أوزوريس، وأوزوريس أبيس (أوزر آبي).
وكان الإغريق يدعونه أوسورابيس (Osarapis)، وأوسرابيس (Oserapis)، وسورابيس (Sorapis)، وسارابيس (Sarapis)، وسرابيس (Serapis). وعندما فتح الإسكندر مصر كانت مذاهب منف قد اكتسبَت من الأهمية بين الناس ما فقَدَته مذاهب العاصمة القديمة طِيبة، فإذا أُريد اتباع رغبات الناس وإقامة الديانة الجديدة على أُسس قوية، كان لا بُدَّ من اختيار معبود هذه الديانة من بين آلهة منف. (نصحي٢، ١٩٦٧م، ١٨٢).

كانت هناك مجموعة من مُعضِلات الدمج، أهمُّها التجسيد الحيواني للآلهة في مصر والذي كان مُنفِّرًا عند الإغريق الذين اعتادوا أن يَروا الآلهة في شكل بشري متناسق.

كان الإله المصري يُمثَّل ويُعبَد على هيئة العجل. ولكن خَشِي البطالمة ألَّا يتقبَّل الإغريق هذه الصورة الحيوانية للإله؛ ولذلك قرَّروا عندما أقاموا له معبد السرابيوم بالإسكندرية، أن يُدخِلوا على شخصيته تَعديلين؛ الأول: يمس اسمه فأصبح سرابيس ليسهل على الإغريق نطقه، والآخر: هو تصويره في صورة بشرية، ومَنحُه هيئة تُشبه زيوس نفسه. ورغم جهود البطالمة في الترويج للإله سرابيس والإنفاق على معابده، فإن المصريين لم يُقبِلوا على عبادته أولًا، واعتبروا ما حدَث للإله هو نوع من المسخ لشخصيته، ولذلك سرابيس ظل نحو قرن ونصف من تاريخ الدولة البطلمية إلهًا رسميًّا بعيدًا. (العبادي، ١٩٧٥م، ٥٢).

figure
سرابيس.

وحقيقة الأمر تبدو أعمق من ذلك بكثير؛ لأننا بعودتنا إلى الإيقاع الباطني الذي رافَق ظهور العقائد والآلهة الهيلنستية يمكننا أن نُفسِّر الكثير من حقيقة سرابيس. فقد كان الإله «بتاح» إلهًا باطنيًّا تتجلَّى باطنيَّته هذه في ثلاثة أمور هي: كلمته الخالقة (اللوغوس)، ارتباطه بالنيل (حابي)، ارتباطه بالعجل (أبيس) … وكانت النزعة الباطنية التي غمرت كهنة ورجال الدين في العالمين الشرقي والغربي تدفعهم لإظهار العمق الإسكاتولوجي (ما بعد الموت) في شخصية «بتاح»؛ ولذلك فقد كان أوزوريس هو الذي يُجسِّد هذا العمق الباطني، وبذلك تحوَّل أوزوريس إلى تعبير عن حقيقة مزدوجة للباطن والظاهر كانت تتردَّد في الوقت نفسه في الأورفية الإغريقية.

نقصد من استنتاجنا هذا أن الدافع الباطني هو الذي أعطى لهذا الإله (بتاح، أبيس، حابي) شخصيته الأوزيرية التي تُعنَى بما بعد الموت، وكأن ذلك كان يدفع إلى إيجاد شفيع أو مُخلِّص مثل أوزوريس في شخصية إله لوغوسي مائي خصبي.

figure
الإله بتاح.

(١-٢) الأصل الإغريقي لسرابيس

figure

يرى بلوتارخس، وتاكتيوس أن بطليموس الأول هو من ابتكر عبادة سرابيس عن جذور إغريقية قديمة، ولعل ما يُؤيِّد ذلك أن الشاعر ماندروس، ودمتيريوس الفاليري كانَا يمارسانها في القرن الثالث قبل الميلاد.

كان النظير الإغريقي لأوزوريس هو ديونسيوس إله الخمر والمتعة، وهو الإله الميت أيضًا وشفيع الموتى بعد الموت، وهو إله شعبي شرقي المنشأ، فقد كان يوحي بأساطير ديموزي، وتموز، وأدونيس، وأوزوريس القديمة.

كان ديونيسيوس قد دخل الديانة الأورفية في شكل زاجريوس الذي سينحدر إلى العالم الأسفل، وهذا ما يجعله مشابهًا لأوزوريس ونرى بأن نقطة انطلاق ديونسيوس نحو سرابيس كانت من علاقة ديونسيوس بالإله زاجريوس (Zagreus) وهو الوجه الميت أو المتوفَّى من ديونسيوس.

كان زاجريوس ابن زوس من برسفونة التي اقترن بها على هيئة ثعبان، أما ديونسيوس فقد كان ابن زوس من الآدمية سيميليه التي ذابت عندما نظرَت إلى جلال زوس كله وهي حامل في شهرها السادس، فقام زوس بإنقاذ ديونسيوس وأخفاه في فخذه ليكمل شهور الحمل، وعندما وُلِد حوَّله زوس إلى جَدْي خوفًا عليه من زوجة زوس «هيرا»، ثم أصيب بالجنون وتعلَّم من سيبيل صناعة الخمر، ثم شُفِي وأصبح إله السُّكْر والنشوة. ويُسمَّى زاجريوس أحيانا ﺑ «ديونسيوس الثاني».

figure

كل هذا يتفق مع الإيقاع الباطني الذي كشفناه عند أوزوريس، ولاحظنا أن ظهور العِجل يتكرَّر في أبيس، وديونسيوس، وزاجريوس، وهو ما يكوِّن قاسمًا مشتركًا بينهما، إضافة إلى المستقَر الجنائزي لكل هذه الآلهة وعقائده الإسكاتولوجية.

إن الإيقاع الباطني للاثنين يتجلَّى في العقيدة المُسارِّيَّة؛ أي في العقائد الأورفية السِّرِّية، وفي العقائد الأوزيرية السِّرِّية، واعتبارهما (أوزوريس وديونسيوس) إلهين مُخلِّصَين في حياة الآخرة، ناهيك عن البُعد الخصبي والجنسي للإلهين في الحياة العادية، فأوزوريس هو إله الخصب المرتبط بإيزيس، وديونسيوس إله الخمر والمتعة المرتبط بديمتر والنباتات.

ولذلك كان يمكن إقناع الإغريق بأن إلههم ديونسيوس زاجريوس هو الذي قتَله التيتان، ونفخ زوس في صورته، لم يكن إلا صورة ماقَبلِيَّة لأوزوريس. ولذلك كان إله كهذا خير مَن يصلح لأن تقوم حوله عبادة تجمع بين معتقَدات المصريين ومعتقَدات الإغريق، ويرى فيها المصريون عبادة أوزوريس، والإغريق عبادة ديونسيوس، وذلك بعد أن يُخْلَع عليه اسمٌ جديد، غير أنه كان يتحتَّم ألا يكون الاسم جديدًا كلَّ الجِدَّة، ومن ثم كان يجب اختيار الاسم من بين الآلهة المصرية. (نصحي، ٢، ١٩٦٧م، ١٨١).

نرى أن المُشرِفين على إعداد الآلهة الجديدة نجحوا — بقصد أو بدون قصد — في جمع العبادة الظاهرية والعبادة الباطنية من جهة، وفي رصد إيقاع الثالوث في الديانتين، وتوظيفه بشكل جديد من جهة أخرى. ونرى أيضًا أن عقيدة الثالوث هذه ستمهد للثالوث المسيحي الذي نما أولًا على أرض هيلنستية كنعانية آرامية مصرية حافلة بإيقاع الثالوث أيضًا، فالأب والأم والابن هو أول ثالوث مسيحي مناظِر للثالوث الهيلنستي، ويقودُنا هذا أيضًا على تأكيد صلة الرحم الهيلنستي في ولادة الديانتين الموحِّدَتين (اليهودية والمسيحية). فالديانة اليهودية ديانة قُربَانية، والديانة المسيحية تعتبر المسيح الفادي كذبيحة إلهية افتدت البشر.

(١-٣) تمثال وشكل سرابيس الإغريقي

لعل أشهر وأقدم تماثيل سرابيس هي تمثاله الشهير في معبد السرابيوم في الإسكندرية، والذي يرى البعض أنه جاء من سينوب التي تقع على البحر الأسود، أو أن النحات برياكسيس هو الذي صنعه في صورته الإغريقية. ويظهر هذا التمثال مرتديًا ملابس إغريقية «خيتون» طويلًا تعلوه هيماتيون فضفاضة، وفي شكل يشبه عن قرب الإله زوس وشعر رأسه ولحيته الكث، وهو يحمل فوق رأسه المد «السلة المقدسة» التي كانت مألوفة في طقوس ديمتر الأليوسية، وتطل سنابل قمح ذهبية من هذه السلة تُزيِّنها ثلاثة أشجار زيتون مصورة في شكل بارز، ويجلس الإله على عرش وتعتمد يمناه على صولجان، على حين يبدو أن يده اليسرى تُهدِّئ روع القلب سيربروس الذي له ثلاثة رءوس نابحة (أسد وذئب وكلب)، ويَلتفُّ ثعبان حول جسمه. (نصحي٢، ١٩٦٧م، ١٩٤).

غير أن الصورة الفنية لهذا الإله الجديد، كانت إغريقية وليست على طريقة الرسم المصري؛ فملامحه ولحيته الكثة تُذكِّرنا بصورة زيوس الإغريقي وكان يعلو رأسه القدح (Modius)، أو السلة المقدسة (Calathos)، وتمسك يده بالصولجان رمز القوة، وحينًا قرن الإخصاب (Cornucopia)، وعند قدميه يجلس الكلب الأسطوري كربيروس (Cerberos) ذو الثلاثة رءوس، كرمز لسيادة مسياربيس ونفوذه على العالَم الأسفل تمامًا مثل أوزوريس المصري. أما إيزيس الهيلنستية زوجته فقد صُوِّرَت جالسة على العرش، تُرضِع وليدها هاربوكراتيس، وبذلك تكوَّن الثالوث السكندري (Triad) الذي غزَتْ عبادته أقطار البحر المتوسط خاصة بلاد اليونان وإيطاليا، ووصلَت إلى بريطانيا في العصر الروماني (الناصري، ١٩٩٢م، ١٣٨).
ومما يرويه «بلوتارخوس» نقلًا عن «مانثون» عن قصة مجيء الإله «سرابيس» إله «سينوب» الغامض إلى مصر أن «بطليموس الأول» قد رأى الإله «سرابيس» في منامه وأخذ يرجوه أن يجلب تمثاله إلى مصر، وبالتالي تنتقل عبادته مع التمثال إلى مصر، ولما كان «بطليموس الأول» لم يرَ هذا الإله من قَبْل فإنه استدعى رجلًا من رجاله يدعى «سوسيوس»، وكان قد جاب أقطار العالَم ووقَف على أخبارها وقصَّ عليه، فقال ﻟ «بطليموس» إنه شهد ذلك الإله في مدينة سينوب، وتبعًا لذلك أحضره «بطليموس» إلى الإسكندرية حيث أقام «بطليموس الأول» معبدًا عظيمًا فوق أطلال معبد شُيِّد قديمًا ﻟ «إيزيس» و«سرابيس»، ويذكر «هيرونيوس» نقلًا عن «يوسبيوس» أن إحضار تمثال سرابيس إلى مصر كان عام ٢٨٦ق.م. وكان الإله «سرابيس» (الذي اشتق اسمه من المعبودين «أوزوريس» والعجل «أبيس») إله الخصوبة والشفاء والقيادة العليا والحياة الآخرة (أشرف السيد الشربيني معوض البحيري، سرابيس … إله «سينوب» الغامض في مصر، موقع الموسوعة http://histoc-ar.blogspot.com/2010/02/blog-post.html).

وتذكرنا هذه الصورة بالإله الإغريقي هاديس أو بلوتو تحديدًا وهو إله العالَم الآخَر عندهم والذي يسيطر على الأموات، وهو صاحب الثروة، والذي يضمن خصوبة الأرض أيضًا.

ولهذا من أجْل أغرقة هذا الإله أُدخل عليه تعديلان: الأول يَمسُّ اسمه فأصبح سرابيس بدلًا من أوزور-أبيس ليَسهل على الإغريق نطقه، والآخر هو تمثيله في صورةٍ إنسانية بدلًا من صورة العجل. (العبادي، ١٩٨١م، ٥١) .

figure

(١-٤) علاقة سرابيس بآلهة أخرى

  • (١)

    إله سينوب: هناك روايات كثيرة تتحدث عن أصل سرابيس الذي جاء من سينوب، وخصوصًا ما يخص شكله أو تِمثاله الإغريقي المشهور الذي كان في حقيقته تمثال الإله بلوتو إله العالَم السفلي.

    ومن الجائز أن مَبعَث ذلك كان أن المنطقة الصحراوية التي يقوم فيها سيرابيوم منف كانت تُدعى سينوبيون (Sinopion). وإذا كانت عبادة سرابيس الإسكندرية في الأصل عبادة إله سينوبيون منف، فلا يَبعد أن يكون الأمر قد اختلط على المؤُرِّخين القدماء، ولذلك عزوا أصل تمثال سرابيس إلى مدينة سينوب على البحر الأسود (نصحي، ٢، ١٩٦٧م، ١٩٣).

    وكما نوَّهْنا أن بطليموس الأول حلم بشكل سرابيس قبل أن يراه، وعندما قصَّ رؤياه قِيل له إن هذا يطابق تمثال بلوتو في سينوب فأمر بإحضاره من هناك.

  • (٢)
    الإله أسكلابيوس: كان معبد سرابيس في الإسكندرية مزارًا للناس ليَتعالَجوا فيه. وكان من بين الذين شفاهم أشخاص عظام. فقد قيل إن ديمتريوس الفليري مستشار بطليموس الأول أصابه العَمى، ولم يَسترِدَّ بصره إلا بفضل سرابيس؛ ولذلك وُجِدت هناك رابطة بينه وبين أمحوتب، وشُبِّه بالإله أسكلابيوس (Asklepios) إله الشفاء عند الإغريق، وفيما نعلم لم تكن لأوسار حابي في منف هذه الصفة (نصحي، ٢، ١٩٦٧م، ١٤٨).

    والحقيقة أن علاقته بأسكلابيوس تعكس مرةً أخرى صفاته الغُنُوصِية والهِرْمِسية؛ فمن المعروف بأن هذا الإله كان مقترنًا بالهِرْمِسية ويُشكِّل أحد أقطابها.

  • (٣)

    الإله هيلوس: وذلك لِمَد سلطانه إلى الشمس فقد اقترن بهذا الإله باعتباره مانح الحياة والطاقة.

  • (٤)

    الإله بوزيدون: ولمزيد من بسط سلطانه على عالَم المياه والبحار.

  • (٥)

    الإله زوس: لإعطائه صفة ملك الآلهة؛ ولذلك كان يسمى زوس سرابيس.

  • (٦)

    الإله آمون رع: وهو يشبه زوس عند المصريين، ولذلك كان يسمى سرابيس زوس آمون رع، أو زوس آمون سرابيس.

(١-٥) انتشار سرابيس

كان بطليموس الأول هو مُنشِئ عبادة سرابيس في زمن يتراوح بين (٢٨٦–٢٧٧ق.م.)، وكان السرابيوم في منف أقدم معابده ثم احتل سرابيوم الإسكندرية مركز الصدارة في معابد سرابيس ثم جاء معبد آبيدوس، وكان بطليموس الثالث هو باني سيرابيوم الإسكندرية.

وَجِل الإغريق في البداية من ارتفاع شأن سرابيس كإله أعظم للبطالمة رغم أن إغريق مصر قبل البطالمة تَعرَّفوا على هذا الإله ولكن بشكل محدود.

ولم تلبث عبادة سرابيس أن انتشرت من الإسكندرية في حوض البحر الأبيض المتوسط، بل وصلت حتى الهند، وأصبحت أهم العبادات الغامضة التي غزت عالَم بحر إيجة. وكانت المعابد تقام في مدينةٍ بعد أخرى، إما لسرابيس وحده أو لسرابيس وإيزيس. والطريقة التي انتشرت بفضلها عبادة سرابيس في بحر إيجة خير دليل على أن الطبقة الحاكمة هي التي قامت بنشر هذه العبادة خارج مصر مثل ما فعلت داخلها (نصحي، ٢، ١٩٦٧م، ٢٠٠).

إن انتشار عبادة سرابيس خارج مصر واعتباره الإله الهيلنستي الأكبر كان أمرًا مدفوعًا من قِبل الإغريق أنفسهم لا المصريين، فقد كانت هناك جماعات من أتباع هذا الإله يعيشون في ديلوس ويَلتَقون في أيام مُعيَّنة كل شهر في معبده.

كما أن بعضَ الوثائق البردية الإغريقية التي وصلَت إلينا في هذا الصَّدد وهي الآن محفوظة في المكتبة الأصلية بفيينا عبارة عن التماس من امرأة إغريقية تدعى «أرتيمسيا» إلى الإله «سرابيس» ليُنزِل نقمته على رجل أنجبَت منه ابنة تُوفِّيت وباع جثتها ولم يَفِ بدينه، ونستنتج من ذلك أن «سرابيس» الإله الذي عُبِد في الإسكندرية كان إله العالَم الآخر الذي يُعبَد في المعبد المقام فوق مقابر العجول المُحنَّطة في «منف». كانت عبادة «سرابيس» في بادئ الأمر قاصرة على مجتمعات خاصة، ولكنها أصبحت رسمية كما حدث في «أثينا»، و«ديمترياس»، و«لندوس»، و«ديلوس» وغيرها، وقد وجدت دعاية قوية للإله «سرابيس» في مصر، وانتشرت عبادته بسرعة في العالم «الأيوني»، وفي «أثينا». ومع حلول القرن الأول قبل الميلاد كانت عبادة «سرابيس»، و«إيزيس» تعتبر الديانة العالمية، فقد انتشرت عبادتهما انتشارًا واسعًا حتى إن عبادة «إيزيس» قد وصلَت إلى «بابل» في حين وصلت عبادة «سرابيس» إلى الهند (أشرف السيد الشربيني معوض البحيري، سرابيس … إله «سينوب» الغامض في مصر، موقع الموسوعة http://histoc-ar.blogspot.com/2010/02/blog-post.html).

لكن عبادة سرابيس البطلمية أصيبت فيما بعد بنكستين الأولى هي تحوُّله إلى إله رسمي دون أن يكون إلهًا شعبيًّا؛ حيث اكتفى الناس بتوجيه الدعوات وتقديم القرابين له دون أن يكون إلهَهم الخاص أو مَلاكهم الحارس، والثانية هي أنه منذ بطليموس الرابع تَقرَّر الارتفاع بالإله «ديونسيوس» إلى مرتبة الإله الإغريقي الأعظم عند البطالمة؛ وذلك بسبب زيادة شُقَّة الخلاف بين الشعب المصري والبطالمة وبدء انغماس البطالمة بالتَّرف والمجون ولم يكن سرابيس إلا أوزوريس المصري في حين كان ديونسيوس في شكله الدنيوي إلهًا للمجون واللذة.

لكن عبادته عادت بقوة مع الأباطرة الرومان اللافيين، وانتشرت في روما عبادة سرابيس وإيزيس وعمَّت الإمبراطورية. ولقد دفعت أمواج نزعة التوحيد الهيلنستية الإله سرابيس إلى أن يكون إلهًا واحدًا أو تفريديًّا Henotheism. لكنَّ شراك التعدد الإغريقي خفضته إلى أسفل ثم عادت به أمواج التوحيد إلى الصعود. ويعكس هذا آخر نبضات الوثنية القديمة وهي تحتضر أمام إله اليهودية والمسيحية اللتين أَخذتَا بالتوحيد وتمثَّلَتاه بشكل أفضل.

حتى إذا كان النصف الأخير من العصر البطلمي وجدنا هذا الإله يزداد شعبية تدريجيًّا، ويصبح في العصر الروماني أهم الآلهة المصرية جميعًا وأشهرها. ويبدو أن هذا التحول في شعبية سرابيس لم يحدث إلا بعد أن استعاد شخصيته المصرية في معبد الإسكندرية، وأقيمت له في المعبد تماثيل على هيئة العجل. وأكبر دليل على صحة هذا التفسير هو عثورنا على تمثال كامل جميل من الجرانيت الأسود لعجل أبيس في موقع معبد السرابيوم بجوار عمود السواري. وهذا التمثال موجود حاليًّا في المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية (صالة ٦). وهذا التمثال يعود إلى زمن الإمبراطور هادريان في العصر الروماني، ولكنه يوضح استرداد الإله لشخصيته المصرية (العبادي، ١٩٧٥م، ٥٣).

كانت هذه التحولات في مكانة أزوريس دالة عميقة على بدء العد التنازلي لأفول الآلهة المتعدِّدة أو تحولها إلى نوع من الملائكة التابعة لإله واحد، ولا شك أن المصير النهائي لأوزوريس — في الإسلام مثلًا — قد جعل منه الملاك الأكبر للموت تحت اسم «عزرائيل»، بعد أن انطمر تحت ركام ما حطَّمَته المسيحية في العصر البيزنطي من تماثيل الآلهة المصرية.

figure
الإلهة إيزيس وهي تحمل صليب الحياة (عنخ)، ثم وهي تُرضِع ابنها حورس.
فمع ظهور المسيحية وظهور الدولة البيزنطية ظهرت حملات تدمير المعابد والرموز الوثنية، وأرسل الأسقف «ثيوفيلوس» إلى الإمبراطور «ثيودوسيوس» يعرض عليه أمر هدم «السرابيوم» وجاء الأمر سنة ٣٩١م، محقِّقًا لكل آمال الأسقف «ثيوفيلوس»؛ إذ أمر الإمبراطور بتدمير المعابد التي في الإسكندرية فسار «ثيوفيلوس» ومعه جمع غفير من أتباعه إلى ساحة معبد «السرابيوم» فقرأ الأمر الإمبراطوري على جمع غفير من الوثنيين فدب فيهم الذُّعر وفروا هاربين، فصعد «ثيوفيلوس» إلى المعبد وقام بنفسه بضرب تمثال الإله سرابيس الضربة الأولى وتبعه المسيحيون الآخرون الذين أخذوا يدمرون في المعبد ما استطاعوا من تدمير ونهْب وسلْب، وبعد أن نفَّذ «ثيوفيلوس» الأمر أمر بتحويل البناء إلى كنيسة القديس «يوحنا المعمدان» التي تهدَّمت في عام ٦٠٠م، وأعاد البطريرك «إسحاق» بناءها (٦٨١–٦٨٤م)، واستمرت حتى تهدَّمَت في القرن العاشر الميلادي. (أشرف السيد الشربيني معوض البحيري سرابيس … إله «سينوب» الغامض في مصر، موقع الموسوعة http://histoc-ar.blogspot.com/2010/02/blog-post.htm.

(٢) إيزيس

figure

تحتل أساطير إيزيس وأوزوريس مكانة عريقة في الميثولوجيا المصرية، وتُمثِّل الوجه الشعبي لهذه الميثولوجيا. فقد ظهرت منذ عصر الأهرامات (حوالي ٢٨٠٠ق.م.) واستمرت إلى القرون الميلادية الأولى، وانتشرت في بلاد اليونان والرومان، بل واجتاحت أرجاء العالَم الكلاسيكي القديم. وكانت هذه الأساطير تُمثَّل في عروض تمثيلية بدائية يقوم بها كهنة أوزوريس، وقد انطلقت هذه العروض الأسطورية والطقسية أولًا من معبد «أبيدوس»، وهو المكان المقدَّس الذي يعبد الإله فيه.

figure
تماثيل رومانية من القرن الميلادي الثاني.

شغلت آلام ومراثي إيزيس ونفتيس الجزء التراجيدي الحيوي من مشهد أسرار أوزوريس في أبيدوس، تلك التي كانت تُقام في عيد «الشقيقتين» في الشهر الرابع من فصل الفيضان من اليوم «٢٢–٢٦» من الشهر؛ حيث يتم إحضار امرأتين عَذراوين يتم نزْع شعر أعضائهما، وترتديان على رأسيهما شعرًا مستعارًا وتحملان دفينًا وسيُشَار إلى اسميهما على كتفيهما لتمييز إيزيس من نفتيس، وتُرتِّلان مقاطع شعرية من المراثي الأوزيرية الطويلة جدًّا.

أصبحت إيزيس ربة الأمومة في مصر منذ زمن بعيد، لكن دورها كأم تَكرَّس بصورة جلية وواضحة في العصر الهيلنستي، وامتدت عبادتها خارج مصر باتجاه روما، وكانت عبادتها مسارية المنحى؛ حيث كانت تحفل بطقوس الأسرار والخلاص، وطوبقت في العصر الهيلنستي مع الإلهة أفروديت.

(٣) هاربوقراطيس

figure
هاربوقراطيس من العصر البطلمي.
وهو إله الصمت عند الإغريق، وقد تحوَّر في مصر الهيلنستية إلى إله مصري إغريقي يطابق الإله حورس ابن إيزيس وأوزوريس (سرابيس). مصطلح (هار-با-خريد Har-pa-Khered) يعني بالمصرية: الطفل حورس.

بدأ تشييد المعبد الضخم للإله «حورس» في عهد «بطليموس الثالث – يورجيتس الأول» في سنة ٢٣٧ق.م. واستغرق بناء هذا المعبد حوالي ٢٠٠ سنة، حيث تم الانتهاء من إنشائه في عهد «بطليموس الثالث عشر» في القرن الأول قبل الميلاد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٥