الفصل السادس

فاتحة للموت

(قصائد الوحدة في «فیرمونت»)

إلى رفائيل سانشيز فنتورا.

موت

إلى إيسیدرو دي بلاس.

أي جهد!
أي جهد يبذله الحصان كي يصبح كلبًا!
أي جهد يبذله الكلب كي يصبح عصفورًا!
أي جهد يبذله العصفور کي يصبح نحلة!
أي جهد تبذله النحلة كي تصبح حصانًا!
والحصان،
أي سهم مسنون يعتصره من الوردة!
وأي وردة داكنة يخرجها من شفته!
والوردة،
أي قطيع من النور والصرخات الداوية،
تجمعها في حلاوة جذعها الحي!
والحلاوة،
أي خناجر صغيرة تحلم بها في يقظتها!
والخناجر الصغيرة،
أي قمر مطلق السراح،
أي عري، وأي جلد أزلي وتورد،
تسعى بحثًا عنهم!
وأنا، على حافة الأسطح،
أي ملائكة من نار أنشد،
وأنا منهم!
ولكن،
القوس الجصي …
أي ضخامة، أي خفاء، أي استدقاق!
دونما جهد يبذل.

ليلية الفراغ

١

يا حبيبتي،
حين ترين أن كل شيء قد راح،
حين ترين الفراغات والأردية،
يجب أن تعطيني قفازك القمري،
قفازك الآخر المجبول من العشب.

•••

يمكن للهواء أن يقتلع القواقع،
التي ماتت فوق رئة الفيل،
وأن ينفخ الديدان الخدرة،
من فوق النور الطالع أو التفاحات.
تضرب الوجوه جامدة القسمات بالمجداف،
تحت صرخات العشب الخافتة.
وفي الركن يقبع صدر الضفدعة الصغير،
وقد ران الكدر على فؤاده وماندولينه.

•••

وفي الميدان الكبير المهجور،
كانت رأس الثور المقطوع حديثًا يخور،
وكانت الأشكال التي تبحث عن دورة الثعبان،
مجرد زجاج نهائي متصلب.

•••

يا حبيبتي،
حين ترين أن كل شيء قد راح،
أعطيني دنياك الفارغة،
الحنين إلى الدراسة وإلى السماء الحزينة،
حين ترين أن كل شيء قد راح!

•••

وفي داخليتك يا حبيبتي،
في جسدك،
أي صمت للقطارات المقلوبة!
وكم من أذرع للمومياء المزهرة!
وأي سماء لا منفذ لها!
يا حبيبتي،
أي سماء!

•••

إنه الحجر في المياه والصوت في النسمة،
حدود الغرام الذي يفر من جذعه الدامي.
يكفي أن نلمس نبض حبنا الحاضر،
كيما تنبت الأزاهير على الأطفال الآخرين.
حين ترين أن كل شيء قد راح!
حتى ترین فراغات السحب والأنهار،
أعطيني يديك المكللتين بالغار يا حبيبتي،
حين ترين أن كل شيء قد راح!

•••

تدور الفراغات الخالصة،
على صفحتي وعلى صفحتك وفي الفجر،
وتحافظ على آثار أفنان الدماء،
وبعض من جانبية الجص الهادئ،
الذي يرسم ألمًا فوريًّا،
للقمر المرتشق بالطعان.

•••

انظري الصور المحددة التي تبحث عن فراغك،
كلاب ضالة وتفاحات مقضومة.
انظري شوق وشجن عالم حزين أثري،
لا يجد إيقاع نشيجه الأول.

•••

حين أبحث عن همهمات الخيط في الفراش،
جئت أنت يا حبيبتي کي تغطي سطحي.
فراغ نملة يمكن أن يملأ الهواء،
ولكنك تروحين نائحة في عيني دونما اتجاه،

•••

كلا، ليس في عيني،
لأنك الآن تُرينني أنهارًا أربعة،
مضمومة إلى ذراعك،
في الكوخ الجامد،
حيث القمر السجين يلتهم أحد البحارة أمام الأطفال.
حين ترين أن كل شيء قد راح،
يا حبيبتي المنيعة، يا حبيبتي الآبقة!
كلا، لا تعطيني فراغك،
لأن فراغي يضيع الآن في الهواء!
آه يا لوعتك، آه يا لوعتي،
لوعة النسمات!
حين ترين أن كل شيء قد راح.

٢

أنا
مع الفراغ الشديد البياض،
لأحد الجياد.
أعرافٌ من رماد.
میدانٌ خالص مکنون.

•••

أنا.
فراغي قد اخترمته الإبط المحطومة.
قشر جاف لعنبة محايدة،
ومعادن الفجر.

•••

كل ضياء العالم يمكن أن تحتويه مقلة،
وإليك يغني،
ويعيش غناؤه أكثر من جناحيه.

•••

أنا،
مع الفراغ الشديد البياض،
لأحد الجياد.
محاط بمتفرجين تمتلئ كلماتهم بالنملات.

•••

في ساحة البرودة،
التي تخلو من الجانبية المبتورة،
عبر هامات العمدان المحطومة،
للوجنات الدامية.

•••

أنا،
فراغي الذي يخلو منك أيتها المدينة،
من موتاك الذين يطعمون،
ممتطيًا ظهر الجواد،
عبر حياتي التي ألقت مرساها إلى الأبد.

•••

أنا،

•••

ليس هناك من قرن جديد،
ولا من نور حديث.
ليس هناك غير حصان أزرق وفجر.

منظر طبیعي لقبرين وكلب آشوري

انهض يا صديقي،
لتسمع عواء الكلب الآشوري.
يا ولدي،
إن حوريات السرطان الثلاثة،
أخذن يرقصن وأحضرن جبالًا،
من الشمع الأحمر،
وبعض الملاءات الخشنة،
إلى حيث كان السرطان ينام.
كان للحصان عين في رقبته،
وكان القمر في سماء غاية في البرودة،
حتى اضطر إلى أن يحطم تل الزهرة،
وأن يغرق المقابر العتيقة في الدماء والرماد.

•••

استيقظ يا صديقي،
فالجبال لا تتنفس حتى الآن،
وأعشاب فؤادي ترقد في مكان آخر،
لا يهم أن مياه البحر تملأ جوفك.
لقد همت زمنًا طويلًا،
بطفل كانت له ريشة في لسانه،
وعشنا مائة عام داخل سكين.
استيقظ. واصمت. وأنصت.
تماسك قليلًا.
العواء لسان بنفسجي طويل،
يخلف نمالًا من الهلع ومن خمر الزنابق.
ها هو يقترب من الصخرة،
لا تمدد جذورك!
إنه يقترب. يئن.
لا تجهش بالبكاء في نومك يا صديقي.
انهض يا صديقي،
لتسمع عواء الكلب الآشوري.

طلل

إلى رخينو ساينث دي لاماثا.

دون أن يعثر على ذاته،
مسافرًا في ثنايا جذعه الأبيض،
هكذا يرحل الهواء.

•••

وسريعًا،
ظهر أن القمر كان جمجمة حصان،
والهواء تفاحة عتماء.

•••

ومن وراء النافذة،
كان يبين صراع الرمال مع المياه،
بالسياط والأضواء.

•••

وشاهدت مجيء الأعشاب،
وألقيت إليها خروفًا يثغو،
تحت أسنانها الصغيرة ومشارطها.

•••

وطارت أول حمامة،
في كساء من الريش والبلاستيك،
داخل قطرة واحدة.

•••

والسحائب،
زرافات زرافات،
ظلت نائمة،
ترقب عراك الصخور مع الفجر.

•••

ها هي الأعشاب تأتي يا ولدي،
ها هي سيوفها الرضابية تدوي،
على طول صفحة السماء الخالية.

•••

امسك يدي، يا حبي.
الأعشاب!
وحلَّت الدماء إسار خصلاتها،
عبر زجاج البيت المحطوم.

•••

ولم يبقَ أحد سواك وسواي.
فلتجهز هيكلك العظمى لمسرى الهواء.
لم يبقَ أحدٌ سواي وسواك.

•••

فلتجهز هيكلك العظمي.
يجب أن تبحث سريعًا يا حبي،
سريعًا عن صورتنا الجانبية،
التي لا تعرف منامًا.

قمر وبانوراما الحشرات

(قصيدة حب)
القمر يضوي على البحر،
وعلى الستارة تئن الرياح،
وترفع موجات من لجين وزرقة،
في حركة لينة عطوف.
اسبرو نثيدا
لو أن كل قرية كان لها جنية بحرها،
لاتخذ قلبي شكل حذاء.
ولكن الليل لا تبين له نهاية،
حين يرتكز على المرضى،
وثمة سفائن تسعى إلى لفت الأنظار،
حتى تستطيع أن تغرق في سلام.
لو أن الهواء يهب في لين،
فإن قلبي يتخذ شكل طفلة.
ولو رفض الهواء أن يخرج من أعواد البوص،
فسيتخذ قلبي شكل روث الثور ذي الألف عام.

•••

جدِّف، جدِّف، جدِّف، جدِّف،
نحو كتيبة الأطراف غير المتساوية،
نحو منطقة الترصدات المتفتتة،
ليل الثلوج المتماثل، ليل النظم المهجورة.
والقمر،
القمر!
ولكن لا، ليس القمر.
إنه ثعلب الحانات،
الديك الياباني الذي التهم عينيه،
والأعشاب الممضوغة.

•••

لن ينقذنا الدود المعروض في الزجاجات،
ولا العطارون،
حيث الماورائي،
يلاقي سفوح السماء الأخرى.
ما الأشكال إلا أكاذيب،
وليس هناك إلا دائرة أفواه الأوكسوجين.
والقمر.
ولكن لا، ليس القمر.
إنها الحشرات،
الدقاق، الميتة على الشطآن،
ألم متطاول.
ذرة من يود،
جمهرة على رأس الدبوس،
والعري الذي يعجن دماء الجميع.
وحبي الذي ليس حصانًا ولا حرقًا،
بل كائنًا مأكول الصدر.
حبي!

•••

ها هم يغنون، يصرخون، يئنون.
وجه. وجهك! وجه.
التفاحات واحدة والداليات متشابهات،
والنور له مذاق المعدن المهترئ؛
والحقل الذي يتلألأ بهاءً،
ستكفيه وجنة قطعة نقدية مكانًا.
ولكن وجهك يغطي مأدبة السماوات.
ها هم يغنون، يصرخون، يئنون.
غطوا! تسلقوا! انثروا الرعب!

•••

لا بد من مواصلة السير، بسرعة!
عبر الموجات، عبر الأفنان،
عبر دروب القرون الوسطى المهجورة،
التي تنحدر صوب النهر،
عبر محلات الجلود،
حيث يرن قرن بقرة جريحة،
عبر السلالم، دونما خوف، عبر السلالم.
ثمة رجل شاحب اللون يستحم في البحر؛
كان رقيقًا،
حتى أن أنوار الكشافات اللاهية،
التهمت فؤاده.
أيتها الحشرات!
في «بيرو» تعيش ألف امرأة،
تنسجن ليليات واستعراضات،
فيما بين شرايينهن.

•••

ويوقفني قفازٌ مستدقٌّ قارضٌ،
کفى!
لقد أحسست في منديلي،
حفيف الشريان الأول يتمزق.
انتبه إلى قدميك يا حبي، يديك!
إذ إنني مضطر إلى تسليم وجهي،
وجهي، وجهي!
آه، وجهي المتآكل.

•••

تلك النيران التي تطهر رغباتي،
ذلك الاضطراب سعيًا وراء الاتزان،
ذلك الألم المسحوق البريء في عينيَّ،
سوف يخفف من أشجان فؤاد آخر،
التهمته السحائب.

•••

لن ينقذنا أهل محلات الأحذية،
ولا المناظر الطبيعية التي تتحول إلى موسيقى،
عندما تعثر على المفاتيح الصدئة.
ما الهواءات إلا أكذوبة.
لا يوجد سوى مهد صغير في غرفة المهملات،
يتذكر كل ما حدث.
والقمر،
ولكن لا، ليس القمر.
إنها الحشرات،
الحشرات وحدها،
مطقطقة.
قارضة، راجفة، محتشدة.
والقمر،
يجلس على باب حطامه بقفاز من الدخان،
القمر!
نيويورك ٤ يناير ١٩٣٠م

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤