الفصل الثامن

أنشودتان

إلى ناشري: أرماندو جيبرت.

figure
مبنى كرايزلر عام ١٩٢٩م.

صرخة إلى روما

(من فوق مبنى كرايزلر)
تفاحاتٌ ذات جراح سطحية،
من سيوف زينة دقيقة فضية.
سحبٌ خمشتها يد مرجانية،
تحمل على ظهرها لوزة من النيران.
سمكاتٌ زئبقية كأنها أسماك القرش:
أسماك قرش كأنها قطرات لعويل،
تسمل عيون الجمهور.
ورود تجرح،
وإبر مثبتة في قصبات الدماء.
عوالم بعضها لبعض عدو،
وحبٌ تغطيه الديدان،
ستسقط عليك.
ستسقط على القبة العظيمة،
التي تمسح الألسنة الحربية بالزيت،
حيث يبول رجل فوق حمامة بارقة،
ويبصق فحمًا مهروسًا،
يحوط به آلاف الأجراس الصغيرة.

•••

لأنه لا يوجد الآن من يوزع الخبز والنبيذ،
ولا من يزرع العشب في أفواه الموتى،
ولا من يبسط أقمشة الراحة،
ولا من يبكي على الأفيال الجريحة.
لا يوجد سوى مليون حداد،
يصوغون الأغلال،
لمن سيولد غدًا من أطفال.
لا يوجد سوى مليون نجار،
يصنعون توابيت،
خالية من الصلبان.
لا يوجد سوى جمهرة من أناس ينوحون،
ويشقُّون ملابسهم في انتظار الرصاص.
كان على الرجل الذي يحتقر الحمامة أن يتكلم،
وأن يصرخ عاليًا وسط الأعمدة،
وأن يحقن نفسه كيما يصاب بالجذام،
وأن يبكي بنواح مخيف،
يذيب من هوله خواتمه وتليفوناته الماسية.
ولكن الرجل الذي يتشح بالملابس البيضاء،
يتجاهل سر السنبلة،
يتجاهل أنين اللائي يلدن،
يتجاهل أن المسيح ما يزال قادرًا على منح المياه،
يتجاهل أن قطعة النقود تحرق قبلة الأعجوبة،
وتخلع دماء الخروف،
على منقار الديك البري الأبله.

•••

ويُنبه المدرسون الأطفال،
إلى نور عجيب يأتي من عند الجبل؛
ولكن ما يصل إليهم،
هو حشد من البالوعات،
حيث جنيات الغضب السمراوات يصرخن.
ويشير المدرسون في خشوع،
إلى القباب الضخمة،
التي يحترق فيها البخور.
ولكن ليس هناك من حب تحت التماثيل،
ليس هناك من حب تحت العيون الزجاجية النهائية؛
إنما الحب في الأجساد التي حطمها العطش،
في الكوخ الصغير الذي يكافح الفيضان.
الحب في قاع الأرض،
حيث تتصارع أفاعي الجوع،
في البحر الحزين،
الذي يهز جثث طيور النورس،
وفي القبلة المدلهمة المسنونة تحت الوسائد،
ولكن الشيخ ذا اليدين الشفافتين،
سيهتف: الحب، الحب، الحب.
‏فيصفق له ملايين المحتضرين؛
سيهتف: الحب، الحب، الحب.
وسط النسيج الذي يرجف من الحنان؛
سيهتف: السلام، السلام، السلام،
وسط رعشات السكاكين وشعور الديناميت الطويلة،
سيهتف: الحب، الحب، الحب.
إلى أن تتحول شفتاه إلى فضة.

•••

وفي تلك الأثناء، وفى تلك الأثناء، أواه!
في تلك الأثناء،
يجب على الزنوج الذين يرفعون المباصق،
والفتية الذين يرتجفون تحت خوف المديرين الشاحب،
والنسوة الغارقات في الزيوت المعدنية،
جمهور المطارق أو الفيولين أو السحب،
يجب أن يصرخوا،
حتى ولو حطموا أدمغتهم على الجدران،
يجب أن يصرخوا أمام القباب،
يجب أن يصرخوا في جنون من النيران،
يحب أن يصرخوا في جنون من الثلوج،
يجب أن يصرخوا ورءوسهم مليئة بالروث،
يجب أن يصرخوا كأنهم الليالي مجتمعة،
يحب أن يصرخوا بصوت يمزق القلوب،
إلى أن ترجف المدائن كأنما هي طفلات،
وتحطم سجون الزيت والموسيقى،
لأننا نريد خبزنا كفاف يومنا،
زهرة الحور والحنان الأبدي المتفتح.
لأننا نريد أن تتحقق إرادة الأرض،
التي تهب ثمارها للجميع.

أنشودة إلى وولت ويتمان

figure
وولت ويتمان، شاعر الشعب الأمريكي، (١٨١٩-١٨٩٢م)
على طول نهري إيست وبرونكس،
يغني الفتية ويصدحون.
وقد استبانت خصورهم عارية،
مع العجلات، والزيوت، والجلود، والمطارق.
وتسعون ألفًا من عمال المناجم،
يستخلصون الفضة من بين الصخور.
والأطفال يرسمون سلالم ومنظورات.

•••

ولكن …
لا أحد ينام.
لا أحد يريد أ ن يصبح نهرًا،
لا أحد يهيم بأوراق الشجر العريضة.
لا أحد يلقي بالًا إلى لسان الشاطئ الأزرق.

•••

على طول نهري إيست وكوينزبورو،
يتصارع الفتية مع الصناعة،
واليهود …
يبيعون زهرة الختان لإله النهر.
وتصب السماء من بين الجسور والأسطح،
قطعانًا من الثيران،
تسوقها الرياح إلى الأمام.

•••

ولكن …
لا أحد يتوقف،
لا أحد يريد أن يصبح سحابة.
لا أحد يبحث عن نباتات السرخس،
ولا طوق المزمار الأصفر.

•••

عند مطلع القمر،
تدور البكرات وتعكر صفو السماء،
وحدود من الإبر،
تحاصر الذكرى،
وتحمل توابيت من لا يعملون.

•••

آه يا نيويورك الأوحال،
آه يا نيويورك الأسلاك والموت،
أي ملائكة تخبئين بين ثنايا خديك؟
أي صوت كامل ينطق بحقائق القمح؟
وبالحلم المرعب لشقائق نعمائك الملطخة؟

•••

ولا لحظة واحدة يا وولت ويتمان،
أيها الجميل الهرم،
غابت عن عيني لحيتك المليئة بالفراشات،
ولا كتفيك المخمليين اللذين أضناهما القمر،
ولا فخذيك الأبوليين العذراوين،
ولا صوتك الشبيه بعمود من الرماد،
أيها الهرم الجميل الضبابي.
إنك تئن،
كالطائر الذي نفذت الإبر في أعضائه؛
يا عدو المجون،
يا عدو الكرمات.
يا حبيب الأجساد الملتفة بالثياب الخشنة.

•••

ولا لحظة واحدة،
يا ذا الجمال الرجولي،
يا من تحلم.
وسط جبال الفحم والإعلانات والسكك الحديدية.
بأن تصبح نهراً،
وأن تنام كالنهر،
مع ذياك الرفيق،
الذي يضع في صدرك،
شيئًا من آلام الفهد الجهول.

•••

ولا لحظة واحدة يا آدم الدماء،
أيها الرجل،
أيها الإنسان المتفرد في البحار،
يا وولت ويتمان الهرم الجميل؛
لأن المخنثين يومئون إليك يا وولت ويتمان،
في الأسطح،
مجتمعين في زحمة البارات.
خارجين في عناقيد من البالوعات،
راجفين بين سيقان السائقين.
أو دوارين على المسارح الندية بالأبسنت.

•••

هذا أيضًا! أيضًا!
ويتدفقون على لحيتك الطاهرة الوضاءة.
شقر الشمال، وزنوج الرمال،
جماهير تصيح وتشيح،
كالقطط أو كالثعابين،
والمخنثون يا وولت ويتمان،
المخنثون،
تكدرهم الدمعات،
أجساد خلقت لسياط المروضين وأحذيتهم وأسنانهم.

•••

هذا أيضًا! أيضًا!
أصابع ملطخة،
تشير إلى شاطئ أحلامك،
بينما الصديق يأكل تفاحتك،
التي لها مذاق البنزين.
والشمس تغني من حول سرات الشباب،
وهم يلهون تحت الجسور.

•••

ولكنك لم تكن تبحث عن العيون المخموشة،
ولا المستنقع المدلهم الذي يغمرون فيه الأطفال،
ولا الرضاب المثلوج،
‏ولا الجراح المقعية،
مثل بطون الضفادع البرية،
مما يحمل المخنثون في العربات والتراسات،
بينما القمر يسوطهم من حول جنبات الخوف،

•••

كنت تنشد عريًا كالنهر،
ثورًا، وحلمًا يربط بين العجلة والطحالب.
‏أب آلامك، زهرة موتك.
ويئن وسط شعلات خط استوائك الخفي.

•••

لأنه من العدل ألا يبحث الإنسان عن ملذاته،
وسط أحراش دماء صباح الغد،
فللسماء شطآن تحيد عنها الحياة،
وهناك أجسام يجب ألا تتكرر مع الفجر.

•••

ألم، ألم، حلم، غليان وحلم.
هكذا الدنيا يا صديقي، ألم، ألم.
تتحلل أجساد الموتى تحت ساعات المدائن،
وتطوف الحرب تنتحب مع ملايين الفئران الشهباء.
‏والأثرياء يهدون إلى حبيباتهم،
أمواتًا صغارًا منيرين،
والحياة لا هي سامية ولا طيبة ولا قدسية.

•••

باستطاعة الإنسان أن يقود رغباته لو أراد،
في طريق عري مرجاني أو سماوي،
وستتحول عواطف الحب في الغداة إلى صخور،
ويصبح الزمن نسمة تزحف ناعسة وسط الأفنان.

•••

لهذا لا أرفع صوتي يا وولت ويتمان الهرم،
ضد الفتى الصغير الذي يسطُر اسم فتاة على وسادته،
ولا ضد الشاب الذي يلبس ثوب العروس،
في ظلمات صوان الملابس.
ولا ضد الإنسان المنفرد في المنتديات،
الذي يشرب مياه العهر في غثيان.
‏ولا ضد الرجال ذوي النظرات الخضراء،
الذين يحبون الإنسان،
ويحرقون شفاههم في صمت.

•••

ولكني أرفعه ضدكم أنتم،
يا مخنثي المدائن،
بلحمكم المنتفخ وأذهانكم النجسة،
يا أمهات الوحل،
أيتها المسوخ الأسطورية،
أيها الأعداء الساهرون،
للحب الذي ينثر أكاليل الفرحة.

•••

ضدكم على الدوام،
أنتم يا من تعطون الفتيان،
قطرات من الموت القذر مع السم المرير.
ضدكم على الدوام،
يا من تدعون عصافير الجنة في أمريكا الشمالية،
والطيور في هافانا،
وخوتوس في المكسيك،
وساراساس في قادش،
وآبيوس في إشبيلية،
وكانكوس في مدريد،
وفلوراس في أليقانت،
وأديلايداس في البرتغال.

•••

يا مخنثي العالم كله،
يا قاتلي الحمائم،
يا عبيد النساء يا كلاب مخادعهن،
منفتحين في الميادين،
تصطخب فيكم حمى المروحة،
أو كامنين في مسارح الشوكران المتيبسة.

•••

لن يكون هناك من ملجأ!
ينبجس الموت من عيونكم،
ويكوم زهورًا قاتمة،
على شطآن القاذورات.
لن يكون هناك من ملجأ! انتباه!
فليغلق عليكم الحائرون، والطاهرون،
والكلاسيون؛ والمختارون، والمتضرعون.
أبواب التهتك والفجور.

•••

وأنت. يا وولت ويتمان،
نم على ضفاف نهر الهدسون،
بلحيتك ترنو إلى القطب ويديك المفتوحتين.
من صلصال طري أو من الثلج،
لسانك يدعو الرفاق،
للسهر على غزالك الذي لا جسم له،

•••

نم، فلا شيء يبقى.
رقصة الجدران،
تشيع الهزة في المروج.
وأمريكا تغرق نفسها،
في الآلات والنحيب.
أريد من هواء أعماق الليل القوى،
أن يزيل زهورًا وكلمات،
من على القوس الذي تضطجع عليه.
وأن يعلن صبي أسود،
للبيض. العطشى إلى الذهب.
عن وصول مملكة السنبلة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤