لقطة مقربة: منقطع الأنفاس

شكل ٤-٣١: فيلم «منقطع الأنفاس» (جان لوك جودار، ١٩٦٠).
  • إخراج: جان لوك جودار.
  • سيناريو: جان لوك جودار، ارتكازًا على معالجة أصلية لفرانسوا تروفو.
  • إنتاج: جورج دي بوريجار.
  • تصوير: راءول كوتار.
  • مونتاج: سيسيل دوكيجيز.
  • موسيقى: مارسيال سولال.
  • إصدار: ١٩٦٠ في فرنسا، ١٩٦١ في الولايات المتحدة.
  • اللغة: الفرنسية مع ترجمة مرئية إنجليزية.
  • زمن الفيلم: ٨٩ دقيقة.
الأبطال:
  • جان سيبيرج بدور باتريشيا فرانكيني.

  • جان بول بلموندو بدور ميشيل بواكار.

  • ليليان دريفوس بدور ليليان.

  • دانيال بولونجر بدور المفتش فيتال.

  • جان بيير ميلفيل بدور بارفيوليسكو.

  • هنري جاك أويت بدور أنتونيو بيروتي.

  • كلود مانسار بدور تاجر السيارات المستعملة.

  • روجيه حنين بدور كارل زامباك.

  • فان دود بدور المحرر.

  • جان لوك جودار بدور المُخبِر.

يُعتبر فيلم «منقطع الأنفاس» لجان لوك جودار إحدى علامات السينما العالمية. حقق الفيلم ضجة كبيرة عندما صدر عام ١٩٦٠، وما زال يُدرَّس في معاهد السينما في كل مكان. كانت مراجعاته الأولى متفاوتة؛ فبينما وصفته مجلة «سايت آند ساوند» البريطانية بأنه فيلم «قاسٍ بنحو جامح وفوضوي بلا رحمة»، أشادت به الصحافة الفرنسية باعتباره «ضربة مُعلِّم بقوة استثنائية» (جريدة «لوموند») وقالت إنه فيلم يعِدُ ﺑ «مستقبل جديد لفن السينما» (صحيفة «لوفيجارو ليتيرير»). ووصفه النقاد الأمريكيون بأنه فيلم «بائس ودنيء» (جريدة «ذا نيويورك تايمز»)، و«تكعيبي بنحو جريء» (مجلة «تايم») و«ذو بناءٍ متماسك لا تشوبه شائبة، وصدقٍ لا تنازُلَ فيه» (مجلة «ذا نيو ريببلك»).1 وفي الوقت الذي ربما لا يُعَدُّ فيه الفيلم بالنسبة إلى الجميع مثالًا للفن الرائع أو الترفيه الجذاب، فإن النقاد والباحثين بوجهٍ عامٍّ يتفقون أنه يمثِّل لحظةً فارقة في تاريخ السينما.

غالبا ما تبرز الأفلام الرائدة الفارقة عندما يكون المناخ جاهزًا لهذا؛ ففي عام ١٩٦٠، كان الوقت مواتيًا لظهور فيلم مثل «منقطع الأنفاس» الذي يمكن ترجمة عنوانه الفرنسي بنحوٍ أكثر دقةً إلى «لاهث» أو «آخر نفس». كانت السينما المعتمدة على الأداء المصقول التي انتشرت في فرنسا لمدة طويلة قد بدأت تفقد نفوذها، وكانت الأفلام التقليدية في هوليوود تفقد قوتها كذلك. وكان هناك جيل جديد من الشباب المتمرد الجريء مستعِدٌّ من أجل إدخال نفَسٍ جديد ينعش السينما. اكتسح فيلم جودار دورَ العرض ممتطيًا جوادَ الموجة الفرنسية الجديدة في أعقاب صدور فيلم «سيرج الوسيم» («ذا هانسم سيرج»، ١٩٥٨) لكلود شابرول، و«٤٠٠ ضربة» (١٩٥٩) لفرانسوا تروفو.

في تلك اللحظة، كان تروفو وشابرول ومجموعة من المخرجين الشباب الآخرين (التي تضم جاك ريفيت وإيرك رومير وآلان رينيه) مشغولين بصنع موجات التغيير. وبرفضهم أساليبَ وموضوعاتِ السينما الكلاسيكية، انطلقوا بمعداتهم وميزانياتهم الضئيلة عازمين على إعادة إنعاش الوسيط السينمائي. ومثل الإيطاليين من أتباع الواقعية الجديدة في الأربعينيات والخمسينيات، كانوا يُفضِّلون الممثلين غير المحترفين والمواقع الخارجية لتخفيض التكاليف وإكساب الأفلام نكهةً وثائقية. وقدَّموا أجزاءً من الحياة بدلًا من قصص محبوكة بعناية، وشخصيات من عامة الناس بدلًا من كبار النجوم، وركزوا على الحاضر بدلًا من ماضي البلاد الملحمي أو تراثها الأدبي. كما جرَّبوا كذلك أساليبَ سينمائيةً مبتكرة، مثل: التصوير في إضاءة خفيضة على فيلم تصوير خام حساس، واستخدام الكاميرا لتسجيل لقطات طويلة، وكسر قواعد مونتاج الاستمرارية. والتزم الكثير منهم بالقضايا الاجتماعية المعاصرة وانخرطوا في تناول سياسات التحرر والألم الوجودي لتلك الحقبة. ورغم ذلك، فقد استعاروا بحريةٍ من أفلام الأنواع السينمائية التجارية، ودمجوا بين عدة أشكال فنية؛ رفيعة كانت أو وضيعة. وعلى الرغم من أن الأفلام الناتجة عن هذا لم تكوِّن مدرسةً أو حركةً رسمية، فقد كانت قوية ومُبتكرة و«أصيلة».

في الوقت الذي نشأ فيه معظم أفراد الحرس القديم من صنَّاع السينما داخلَ نظام الأستديو وتدربوا على أساليب الصناعة خاصته، فقد بدأ أهم أعضاء هذا الجيل الجديد نقادًا وشبابًا متحمسًا للسينما، وانضموا لنوادي السينما في باريس، وشاهدوا آلافَ الأفلام القديمة من أرشيفات مؤسسة السينما الفرنسية (السينماتيك)، كما كتبوا مئات المراجعات لأفلامٍ أحدثَ في المجلة السينمائية ذات الأثر الكبير المسماة ﺑ «كايه دو سينما» داعين إلى سينما من المخرجين ذوي الأسلوب الخاص بهم (أي، المخرجين الصانعين لأفلامهم) تميِّزهم طريقةُ تصميمهم المَشاهِد (أي، كيفية ترتيبها وتأطيرها وتصويرها). لم يرَ جودار فَرْقًا كبيرًا بين صناعة السينما والنقد، وكتب عام ١٩٦٢ قائلًا: «عندما كنتُ ناقدًا، كنتُ أعتبر نفسي صانعَ سينما بالفعل. اليومَ … بدلًا من كتابة مراجعة نقدية، فأنا أُخرِج فيلمًا. إنني أعتبر نفسي كاتب مقالات؛ فأنا أكتُب مقالات لكني … أصوِّرها بدلًا من أضعها على الورق.»2 لاحقًا، أصرَّ جودار على أن «السينما ليست حرفة، بل فنًّا. دائمًا ما يكون المرء وحيدًا في موقع التصوير كما لو كان أمامَ صفحة بيضاء.»3

من الصعب تحديد هُوية جان لوك جودار كمخرج وشخص؛ فهو مفكر يعمل بغريزته، مُتهم بالكسل إلى حدٍّ مزعج لكنه حازم لدرجة العناد، متعجرف لكنه خجول، وهو يروق نطاقًا مختلفًا من الجمهور بمزيج فريد من التلقائية والمنهج؛ من الثقافة الشعبية والفن الرفيع، وحتى هُويتُه الوطنية تتجاوز الحدود. وُلد جودار في باريس عام ١٩٣٠، وكان الابنَ الثاني من بين أربعة أبناء لأسرة فرنسية سويسرية من الطبقة البرجوازية. كان والده طبيبًا ووالدته من عائلة من المصرفيين الأغنياء، وخلال الحرب العالمية الثانية، حصل على الجنسية السويسرية ودرس أولًا في سويسرا ثم في فرنسا. طوَّرَ جودار خلال المرحلة الأولى من حياته منذ عام ١٩٤٩ وحتى ١٩٦٠ حماسَه للسينما، وبالرغم من انضمامه رسميًّا لبرنامج لدراسة علم الأعراق في جامعة السوربون، فقد كان يقضي معظمَ وقته في نوادي السينما والسينماتيك. أعادَتْه المشكلات العائلية إلى سويسرا مُوقِفةً طموحاتِه لمدة ثلاث سنوات، لكنه عاد إلى باريس وبدأ يكتب في مجلة «كايه دو سينما» عاملًا في عدة وظائف متنوعة متعلقة بالسينما وصانعًا عدةَ أفلام قصيرة خاصة به؛ أحد تلك الأفلام كان بعنوان «تشارلوت وجول» (١٩٦٠)، وفيه يثرثر جان بول بلموندو بلا انقطاعٍ عن النساء، بينما تعدِّلُ حبيبته السابقة من هندامها وتمطُّ شفتَيْها استياءً في صمتٍ أثناء تجوُّلها في غرفة نومه. تبدو إيماءات وحوار بلموندو الحر بروفةً لأول أفلام جودار الروائية الطويلة.

بارتكاز فيلم «منقطع الأنفاس» في الأساس على معالجةٍ من سبع صفحات لتروفو،4 فإنه يمثل بضعة أيام في حياةِ لصٍّ صغير يُدعَى ميشيل بواكار (جان بول بلموندو)، وحبيبته الأمريكية باتريشيا فرانكيني (جان سيبيرج). يُقال إن جودار وصف الفيلم ذات مرة بأنه «فيلم وثائقي عن بلموندو وسيبيرج».5 يُعبِّر تعليقه عن الألفة الطبيعية بين الكاميرا والممثلين كما لو كانوا يجسِّدون شخصياتهم الحقيقية بينما نتابع نحن مسارَ علاقتهما. سيبيرج أمريكية من ولاية أيوا «اكتشفها» المخرج أوتو بريمينجر الذي اختارها من بين آلاف المتنافسات للقيام بدور البطولة في فيلم «القديسة جان» («ساينت جان»، ١٩٥٧). وقد كانت تجربةً مؤلمة للممثلة الشابة الطموحة حيث كانت تبلغ من العمر السابعة عشرة فقط وقتَ اختبار الشاشة. وبعد فشل الفيلم، ادَّعَتْ أن بريمينجر، المنتج والمخرج، كان يرهبها داخلَ موقع التصوير وخارجه، على الرغم من أنها صنعت فيلمًا ثانيًا معه، وهو «صباح الخير أيها الحزن» («بونجور تريستيس»، ١٩٥٨)، وفشل كذلك، لتقرر العيشَ في عزلة في الريفيرا الفرنسية. وإذا كانت هوليوود قد تخلت عنها، فإن الفرنسيين رأوا شيئًا واعدًا في أدائها. كان تروفو هو من اقترح على جودار أن سحر سيبيرج الذي ينتمي لوسط غرب الولايات المتحدة له جانبٌ مظلم يمكنه أن يعمل بنحو جيد في فيلم «منقطع الأنفاس». وللاستعانة بها، يُقال إن منتج الفيلم جورج دي بوريجار دفع لبريمينجر ١٥ ألف دولار؛ أيْ سُدس ميزانية الفيلم بالكامل. أما بلموندو فكان قصة أخرى؛ فقد وُلِد عام ١٩٣٣ وهو فرنسي عن ظهر قلب، وكان شابًّا هادئًا رياضيًّا تدرَّبَ ليكون ملاكمًا قبل أن يتجه إلى التمثيل. وكان قدوة بلموندو السينمائية بيير براسور وهمفري بوجارت. استغل جودار رونقَ بلموندو الطبيعي وبهاءَه وحبَّه لبوجارت في دفعه ليجسِّدَ شخصيةَ لصٍّ صغيرٍ وزيرِ نساءٍ يتخيَّل نفسَه بطلًا في فيلم جريمة.

ارتكزت شخصية بواكار على قصةٍ حقيقية بطلُها ميشيل بورتاي، وهو مجرمٌ صغير رُحِّلَ من الولايات المتحدة بسبب جرائمَ صغيرة. وقع بورتاي في حب صحفية أمريكية، وعاش حياةً سريعةَ الإيقاع في باريس حتى وقع في مشكلات مع الشرطة الفرنسية. في أحدِ أيامِ عامِ ١٩٥٢، سرق سيارةً وقادها لزيارة والدته المريضة في غرب فرنسا، وانتهى به الأمر بقتلِ شرطيٍّ يقود دراجةً نارية على الطريق السريع، وبعدَ الاختباء في باريس لمدة أسبوعَين، سلَّمَتْه حبيبته إلى الشرطة. قرأ تروفو قصةَ بورتاي في الصحف وكتب معالجته لها عام ١٩٥٦ وأعطاها لاحقًا إلى صديقه جودار الذي استخدمها بجانب اسم تروفو ليُؤمِّن التمويلَ اللازم لفيلمه. ومن أجل طاقم الفيلم، استعان دي بوريجار بمواهب من إنتاجاتٍ سابقةٍ له. أصبح راءول كوتار، وهو مصور حربي سابق، مصوِّرَ جودار في الفيلم؛ وأصبحت سيسيل دوكيجيز، التي تعاونت مع تروفو من قبل، المونتيرة؛ كما قام بيير ريسي بدور مساعد المخرج.

لاحقًا، شهد طاقمُ ممثلي وعاملي الفيلم طُرقَ جودار غير التقليدية في الإخراج؛6 فقد راجَعَ جودار تصوُّرَ تروفو للقصة وصنع عدةَ تعديلات وغيَّرَ في الشخصيات وزاد من مدةِ مشهدٍ في غرفة النوم وأضافَ نهايةً خاصةً به. ويبدو أنَّ قدرًا كبيرًا من الحوار كان يُرتَجَل يومًا بيوم. وقد كان جودار يكتب جملًا من الحوار في اللحظات الأخيرة ويخبر بها ممثِّليه أثناء التصوير. وفي بعض الأيام، كان يصور لساعات متواصلة. وفي أخرى، كان يتوقف بعد تصوير بضعة مشاهِدَ مُعلِنًا أنه لا يملك أيَّ أفكار. وبسبب أن كاميرا كاميفليكس الرخيصة كانت لا تُزامِن الصورةَ بنحوٍ جيد مع الصوت، فقد سُجِّل الحوارُ بالكامل لاحقًا ممَّا أعطاه سمةَ عدمِ الترابط؛ وكان هذا مناسبًا لفكرة الفيلم عن الاغتراب. في الواقع، فإن الكثير من ابتكارات جودار، التي أصبح بعضها علاماتٍ مميزةً للموجة الفرنسية الجديدة، صُنِع بدافع الضرورة؛ فنظرًا إلى عدم امتلاك المال اللازم لشراء المعدات التقليدية، استخدم جودار عربةَ بريد أو كرسيًّا متحركًا لتصوير لقطات المتابعة الخاصة به، وهو الأمر الذي أثبَتَ أنه أكثر فاعليةً من تحريك الكاميرا على مسارات. وعندما يدخل ميشيل وكالةَ سفريات باحثًا عن السيد تولماكوف، تتحرك الكاميرا معه دائرةً إلى يساره في حركة واحدة مستمرة، بينما تشير امرأةٌ واقفة أن مكتبَ الاستقبال في ذلك الاتجاه. وعندما يسير إلى اليسار، تتراجع الكاميرا بسلاسةٍ أمامه مُواكِبةً مشيته العازمة، ثم متحرِّكةً حولَه مرةً أخرى عندما يُغيِّر مسارَه. تُوصِّل لقطةُ المتابَعة الطويلة المستمرة طاقتَه المتوترة وعزمَه الذي لا يلين.

دون إضاءة أستديو باهظة التكلفة، جرَّب كوتار فيلم تصوير خامًا حساسًا للضوء جعل تصويره الداخلي، مثل المشهد داخل غرفة باتريشيا في الفندق الذي تبلغ مدته ٢٥ دقيقة، يبدو أكثر طبيعية. هذا الأسلوب الارتجالي امتد ليشمل المونتاج. لتوفير الوقت، قلَّل جودار من زمن المشاهد بقص أجزاء من داخل اللقطات المفردة مما نتج عنه القطع المونتاجي المفاجئ الشهير الذي يخل بالتوقعات التقليدية للاستمرارية. نرى هذا عندما نشاهد باتريشيا في المطعم تتناول الطعام مع ناشرها. أو قبل أن تتصل بالشرطة مباشرة، نراها تمشي متجهة من اليسار إلى اليمين حاملة صحيفة. تسير الكاميرا بصحبتها في لقطة بعيدة ثم تقطع فجأة منتقلة للقطة متوسطة لها وهي تمشي في الاتجاه المقابل. هل يُلمِّح هذا القطع إلى التوتُّر أم تغيُّر رأيها؟ ربما لا يوجد شيء مميز، أو مثيرًا للضيق بالنسبة إلى البعض، فيما يتعلق بالفيلم مثل حب جودار للتلميحات والإشارات الضمنية. يمتلئ الفيلم بالاقتباسات الأدبية والتلميحات ما بعد الحداثية والنكات التي لا يقدرها سوى بعض الفئات. انظر إلى المشهد الذي يقبِّل فيه ميشيل باتريشيا قبلة طويلة في دار عرض نابليون. الفيلم الذي يُعرَض هو فيلم «متجه غربًا» («ويست باوند»، ١٩٥٩) لباد بيتيكر وهو مخرج يحتفي به نقاد مجلة «كايه دو سينما»، لكن ما يبدو كحوار الفيلم هو في الحقيقة قصيدتان فرنسيتان مسجلتان بصوت جودار. هذا المزج الماكر بين الثقافتَين الأمريكية والفرنسية علامة مميزة لجودار.

إن انبهار جودار بالثقافة الأمريكية وأفلام هوليوود يظهر بوضوح على مدار فيلم «منقطع الأنفاس»، متراوحًا ما بين الشكر والتقدير والانتقاد. فالفيلم مُهدًى لأستديو مونوجرام بيكتشرز وهو أستديو أمريكي للأفلام ذات الميزانية الصغيرة كان يُنتِج أفلامًا تجارية منذ عام ١٩٣١ وحتى ١٩٥٣. وفي بعض الأوقات، كان جودار يبدو مستمتعًا بالتلاعب بتقاليد صناعة أفلام النوار وأنواع أخرى من أفلام الجريمة مقدمًا التحية للعديد من المخرجين الذين أُعجب بهم من خلال السينماتيك. فهناك إشارات لنيكولاس راي وجون هيوستن وجان بيير ميلفيل الذي ظهر في دور صغير بدور الأديب الشهير بارفيوليسكو. وفي أوقات أخرى، يبدو جودار كما لو كان يسخر من الشخصية الرئيسية في فيلمه بسبب تبنِّيها للمُثُل والرموز الأمريكية. يسرق ميشيل سيارة أمريكية ويقلد إيماءات ممثلي هوليوود حيث يمشي مختالًا مثل جيمس كاجني ويختفي وراء صحيفة وسحابة من دخان السجائر ويمرر إبهامه على شفتَيه مثل همفري بوجارت. وعندما يمر بملصق إعلاني لفيلم «عشر ثوانٍ على الجحيم» («تين سكندز تو هيل») لروبرت ألدريتش، ندرك أن شعار الفيلم الذي يقول «عش حياة خطرة حتى النهاية» يمكن أن يكون بكل سهولة المبدأ الذي يعيش ويموت به هذا الشاب المتطلع لأن يكون مجرمًا. على العكس، فإن الفتاة الأمريكية، باتريشيا، منجذبة أكثر إلى الثقافة الأوروبية الرفيعة المستوى المرتبطة في الفيلم برينوار وبيكاسو وموتسارت وشوبان. هذا الاختلاف يتردد في الجملتَين الموسيقيتَين للفيلم حيث الأولى لحن لموسيقى الجاز مصاحب لميشيل والثانية موسيقى رومانسية مصاحبة لباتريشيا. كما أنه يشير إلى الطريقة التي يستعمل بها فيلم «منقطع الأنفاس» أفكار وجماليات أفلام الطريق، رابطًا بين نماذج أولية أوروبية مثل فيلم «رحلة إلى إيطاليا» (١٩٥٣) لروبرتو روسيليني وأسلاف أمريكيين مثل فيلم «بوني وكلايد» (١٩٦٧) لآرثر بين.

اليوم، يُدرس فيلم «منقطع الأنفاس» على نطاق واسع كبيان لأسلوب حركة الموجة الفرنسية الجديدة. إن كاميرا جودار المحمولة باليد تبدو متوترة ومضطربة كميشيل؛ فهي في حالة حركة دائمة أثناء تتبُّعها له. لكن المخرج لا يريدنا أن نتوحد مع بطله. فهو يذكرنا دومًا بأننا نشاهد فيلمًا؛ بناءٌ يشبه الواقع وليس الواقع نفسه. أحيانًا ما تكون شفاه ميشيل غير متزامنة مع صوته. وفي أوقات أخرى، عندما نتوقع أن تنتقل الكاميرا بين متحدثين بالنمط التقليدي للقطة التقليدية واللقطة المعاكسة لها، فإن جودار يتحدى التوقعات جاعلًا إيانا مدركين بانزعاج أنه يكسر القواعد. يكسر القطع المونتاجي المفاجئ الذي يقاطع محادثة باتريشيا مع ناشرها عن عمد تدفق الكلام والأفعال، محطمًا سحر محاكاة الواقع. إن هذا الابتعاد عن الأسلوب الهوليوودي الكلاسيكي يبقينا على مسافة من القصة؛ فبدلًا من الاستغراق داخلها، نُدفَع للنظر إلى ميشيل والعقلية التي يمثلها من موقع الناقد المستقل. يظهر العديد من هذه السمات الأسلوبية لاحقًا في أفلام طريق أمريكية لمخرجين مستقلين شعروا بارتباط بالوجودية الأوروبية.

مع ذلك، فإن ما أعجب الجمهور بأكبر نحو في الستينيات لم يكن أسلوب الفيلم بقدر طاقته الصِّرفة وأصالته والإحساس الذي يبثه بأن «الواقع يهاجمك بأقصى سرعة من دون تفسير» وذلك بحسب تعبير دي إيه بينيبيكر.7 وبعد فيلم «منقطع الأنفاس»، وجدت طاقة جودار اتجاهات أخرى جديدة. يقسم دودلي أندرو مسيرته التالية لمراحل.8 ففي المرحلة الثانية من عام ١٩٦١ وحتى ١٩٦٨، أصبح جودار صانع أفلام «محترف» كاسرًا ارتباطه بمجموعة ناقدي مجلة «كايه دو سينما» ومنتجًا ١٤ فيلمًا طويلًا تتنوع ما بين الكوميديا الغنائية والخيال العلمي والجريمة والأفلام المناهضة للحروب التي تحمل طابعه الشخصي والسياسي المتزايد. أما المرحلة الثالثة فقد بدأت بالمظاهرات السياسية الراديكالية عام ١٩٦٨ وانتهت عام ١٩٧٢، وهي فترة اتسمت بإعادة تقييم ذاتي شديد، صنع فيها العديد من الأفلام التجريبية والنضالية وأفلام النقد الذاتي. ومنذ ذلك الحين، استمر جودار في إعادة اكتشاف ذاته مضيفًا مقاطع الفيديو وأشكالًا فنية أخرى مُهَجَّنة لِمُجمل أعماله، مثيرًا إعجاب البعض وغيظ البعض الآخر، لكنه دائمًا كان يتبع طريقه الخاص.

أسئلة

  • (١)

    كان «منقطع الأنفاس» يُعتبر فيلمًا رائدًا ومجددًا عندما عُرِض لأول مرة عام ١٩٦٠. ما الذي جعله مبتكرًا بنحو كبير آنذاك؟ وبأي نحو كانت هذه الريادة والتجديد؟ وما مدى الأصالة التي يبدو عليها اليوم؟ وما التغييرات التي حدثت في صناعة السينما وتوقعات الجمهور منذ عام ١٩٦٠ والتي ربما تساهم في الطريقة التي يُنظَر بها للفيلم في عصرنا الحالي؟

  • (٢)

    ما دوافع رجل مثل ميشيل بواكار؟ صف مظهره وتصرفاته وفكِّر فيما يجعله يتصرف هكذا. افعل نفس الشيء مع باتريشيا فرانكيني. ما الذي يجعلهما منجذبَين أحدهما للآخر من وجهة نظرك وبم تُفسِّر فشلهما في التواصل؟ وإلى أي مدًى تبدو هاتان الشخصيتان وعلاقتهما عتيقة أو مقتصرة على زمان ومكان بعينهما؟ وإلى أي مدًى يمكننا التوحد والتعاطف معهما اليوم؟

  • (٣)

    حلل مشهدًا يُعد نموذجًا لإخراج جودار. ما خيارات التأطير أو التصوير أو الإضاءة أو الصوت أو المونتاج التي تجعل المشهد «جوداريًّا»؟ فكر كيف كان مخرج هوليوودي كلاسيكي سيخرج المشهد. وما الأثر العام لخيارات جودار عليك كمشاهد؟

  • (٤)

    يُعرَف جان لوك جودار بأنه أحد أكثر الشخصيات المؤثرة والمجددة في السينما الحديثة. اكتشف المزيد عن حياته وفكره وأفلامه. شاهد بعض عينات من أعماله من مراحل مختلفة من مسيرته المتنوعة. ما الاستنتاجات التي تصل إليها بشأن قيمة مساهماته؟

  • (٥)

    ابحث في أصول وأثر الموجة الفرنسية الجديدة. من كان أقوى نصرائها ومؤيديها؟ ما الذي كانوا يحاولون إنجازه؟ وكيف أثروا على مسار السينما في فرنسا وأماكن أخرى من العالم؟

  • (٦)

    شاهد أفلامًا أخرى من الموجة الفرنسية الجديدة وقارنها بفيلم «منقطع الأنفاس». انظر إلى الشخصيات والأفكار والقصص والأساليب السينمائية، وبناءً على ملاحظاتك، هل تكوِّن هذه الأفلام حركة واحدة مثل التعبيرية الألمانية أو الواقعية الجديدة الإيطالية أم هي فقط مجموعة من الأفلام يوجد بينها عدد من الصلات؟

قراءات إضافية

  • Andrew, Dudley, ed. Breathless. Rutgers University Press, 1987.
  • Breathless. DVD, 2 Discs. The Criterion Collection, 2007. (Includes À bout de souffle, a booklet containing interviews, the Truffaut treatment, Godard’s scenario, and an essay by Dudley Andrew, “Breathless Then and Now.”)
  • Milne, Tom, ed. Godard on Godard. Viking, 1972.
  • Mussman, Toby, ed. Jean-Luc Godard. Translated by Rose Kaplan. Dutton, 1968.

هوامش

(1) Dudley Andrew, ed., Breathless (Rutgers University Press, 1987), 189–194.
(2) Quoted in Cahiers du Cinéma (December 1962), in Toby Mussman, ed., Jean-Luc Godard, trans. Rose Kaplan (Dutton, 1968), 101.
(3) Jean-Luc Godard, in Tom Milne, ed., Godard on Godard (Viking, 1972), 76.
(4) Truffaut’s treatment is reproduced in Andrew, Breathless, 154–160.
(5) Quoted in D.A. Pennebaker, “Pennebaker on Breathless,” video interview (Criterion Collection DVD, 2007), Disc 2.
(6) Interviews on Criterion DVD.
(7) Interview on Criterion DVD.
(8) Andrew, Breathless, 22–24.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤