«مدخل عام»
خذْ مثلًا النظرة الجديدة التي جاء بها السيد المسيح، ومواقفه الإنسانية مع المرأة، وهو موضوع سوف نعرض له بالتفصيل في العدد الثالث من هذه السلسلة عندما نتحدث عن «الفيلسوف المسيحي … والمرأة»؛ تجد أن التراث الاجتماعي الذي صاغه الفلاسفة على نحوٍ نظري مجرد، كان أقوى من الفكر الديني الجديد، حتى إنه طغى عليه وطمس معالمه، مع فارقٍ واحد هو أن الأفكار السيئة عن المرأة اكتسَت ثوبًا دينيًّا، وراحت تبحث لها عن أسانيد من «العهد القديم» فوجدتها في الخطيئة الأُولى، خطيئة آدم التي أخرجَته من الجنة، وأدخلَت الموت إلى العالَم، وكان سببها غواية المرأة!
على هذا النحو، تطغى عادات المجتمع وتقاليده وأعرافه، وربما منفعة الرجُل وإشباع غُروره بأنه السيِّد، على الكثير من الأفكار السامية، ثم يأتي الفيلسوف ليقنِّن هذا التراث الاجتماعي السائد في عصره، بعد أن يحفر تحته ليستخرج الأعمدة الفكرية والركائز العقلية التي يستند إليها.
-
هناك رأي يقول: قد يكون السببُ الضَّعفَ الظاهر للمرأة ومحاولة تفسيره، أيكون هذا الضَّعف جزءًا من طبيعتها لا يمكن لها أن تتجاوزه، أم أنه شيء فرضه عليها المجتمع؟ وربما كانت هذه هي المشكلة التي سبَّبَت اضطهاد المرأة حتى اللحظة الراهنة، فيما يرى بعض الباحثين الذين يذهبون إلى أن دعائم هذه المشكلة قد أرسيَت في العصر اليوناني حيث تحوَّلَت إلى مشكلة «الطبيعة والعُرف». وظهَرَ السؤال: هل الضَّعف الذي تبدو عليه المرأة هو ضعفٌ اجتماعي فرَضَه العُرف والعادات والتقاليد، أم فرضَته الطبيعة؟ وانحازَت مجموعة الفلاسفة الكبار — وعلى رأسهم سقراط وأفلاطون وأرسطو، ومَنِ اشتهر عنهم اضطهاد المرأة واحتقارها — إلى الفكرة القائلة بأنَّ القوانين والمؤسسات، والأنظمة البشرية طبيعةٌ وليست عُرفًا. وهاجموا السفسطائيين الذين ذهبوا إلى أن الأخلاق، والقِيَم، والأنظمة الاجتماعية … إلخ، هي عُرفٌ قابِلٌ للتغيير.٧
أي أنَّ هذا الفريق يُرجِع سوء العلاقة بين «الفيلسوف … والمرأة» إلى نظرته العامة، أو مذهبه الفلسفي الشامل.
-
لكنْ، هناك فريقٌ آخَر يردُّ هذه العلاقة السيئة إلى طبيعة الفلسفة نفسها، وليس إلى فلسفة كلِّ فيلسوف على حِدة؛ ذلك لأنَّ الفلسفة، فيما يرى هذا الفريق، تبحث فيما هو عام ومجرد، وما يرتفع فوق الحسِّ والمحسوسات. ومن هنا، جاء موقف الفيلسوف المعارِض، بل المحتقِر أحيانًا، للمرأة التي كثيرًا ما ينظر إليها على أنها رمز للحسِّ، وللجسد، والحياة الحسية الجزئية بصفةٍ عامة؛ فهو يعتقد أنها تشدُّه إلى الأرض، في الوقت الذي يريد فيه التحليقَ فيما وراء الطبيعة حتى يبني لنفسه نسقًا فلسفيًّا عامًّا … إلخ.٨
- الزاوية الأُولى: أنَّ الفيلسوف نفسه هو الذي يجعل المرأة مرادِفةً للجسد والحياة الحسِّية ولمَا هو جزئي؛ فهو الذي يعطينا هذه الصورة الخاطئة التي يشكو منها بعد ذلك.
- الزاوية الثانية: هي أنه كثيرًا ما تكون هناك أمثلةٌ لنساء فلاسفة أو مفكِّرات، لكنه يرفضها، أو يغضُّ النظر عنها، ويتجاهلها عامدًا، ويعتبرها كأن لا وجودَ لها؛ فلقد كان أمام أفلاطون «أسباسيا» صاحبة الصالون الذي كان يرتاده هو نفسه في أثينا، وهي المرأة التي كان لها دورٌ بارز في السياسة، والتي يذكُرها في محاوراته لبلاغتها صديقه بركليس؛ كما كان هناك «ديوتيما»، معلِّمة سقراط التي أدار حولها حديث الحُب السقراطي في المأدبة؛ كما كان هناك نساء فلاسفة في المدرسة الفيثاغورية.٩ كما كان أمام أرسطو «أوليمبياس Olympias»، زوجة الملك فيليب المقدوني، ووالدة الإسكندر الأكبر — أميرة أبيروس وكاهنتها الشهيرة — والتي كان المعلِّم الأول يهرول لاستقبالها وتحيتها بمجرد وصول عربتها الملكية إلى المدرسة، والتي وصفَته بأنه «ذلك الألثغ الذي لا يملك أفكارًا خلَّاقة»، «ثم أضافت إنَّ شهرته ربما عادت إلى أنه واحد من تلامذة أفلاطون المفضَّلين …»!١٠
وهناك رأيٌ ثالث يقول: ربما كانت الظروف الشخصية للفيلسوف وعلاقته بزوجته أو محبوبته، هي التي تعكس موقفه من المرأة.
ونحن لا نُنكر أنه ربما كان لهذا العامل دورٌ بارز في آراء بعض الفلاسفة، كما هي الحال مثلًا عند سقراط قديمًا، والذي كان يشكو من زوجته ومع ذلك يقول لتلاميذه: «تزوجوا فإمَّا أن تكونوا سعداء، أو تصبحوا فلاسفة مثلي!» وكما هي الحال أيضًا عند بعض الفلاسفة المسيحيين على نحوِ ما سنرى في العدد الثالث من هذه السلسلة. لكن، هناك أيضًا فلاسفة لم يحدُث أن تزوجوا قَط، مثل أفلاطون، ومع ذلك كانت فكرتهم عن المرأة بالغةَ السوء. وهناك فلاسفة مثل أرسطو تزوجوا مرتَين، ولا نعلم من حياتهم الخاصة ما يفسِّر كراهيتهم للمرأة؛ بل يبدو، على العكس، أن أرسطو كان سعيدًا في المرتَين!
غير أن التفسير الأرجح، في نظرنا، يعتمد على توضيح العمل الذي يقوم به الفيلسوف، وهو الحفر في التراث الثقافي في عصره، بغيةَ الكشف عن الأفكار التي تُعدُّ بمثابة الركائز التي يعتمد عليها هذا التراث، ثم يتولاها بالنقد والتمحيص فإن صادفت هذه الأفكار هوًى في نفسه عمد إلى تدعيمها وتأكيدها؛ ولا شكَّ أنَّ الآراء المناهضة للمرأة والتي تجعلها ملكيةً خاصة للرجُل، كانت نافعةً ومفيدة للفيلسوف كما أنها أرضَت غروره وكبرياءه. ومن هنا عمل، ربما دون وعي، على تدعيمها وسلكها في نظريةٍ فلسفية مجردة!
والأساس في هذه التفرقة هو أن ارتكابَ الزوجة لجريمة الزنا يلوِّث نسلَ المُواطن؛ وبالتالي يجلب أطفالًا ليسوا من صُلبه يرثون ثروته المادية أو المعنوية أو هما معًا، في حين أنَّ إثمَ الزوج لا يؤدِّي إلى هذه النتيجة. ومن هنا، شدَّدت المجتمعات القديمة كلُّها على زنا الزوجة حتى كانت عقوبتها الإعدام، أو الرَّجم حتى الموت، في الوقت الذي أباحت فيه للرجُل أن يمارس الجنس مع الجواري، والغواني، والبغايا … إلخ؛ ذلك لأنَّ ابن الجارية — دعْ عنك البغي — لا يرث، كما أنه يُنسب إلى أمِّه، فإذا كانت هناك امتيازاتٌ أدبية أو سياسية … إلخ — على نحو ما كان الحال في المجتمع اليوناني أو الروماني — فلا خوف من تسرُّبها إلى «دماء غريبة».
وهكذا كان الارتباط قويًّا، طوالَ التاريخ، بين الملكية الخاصَّة، ووضع المرأة في الحريم لحجبها عن الأنظار فلا يراها أحدٌ قَط، في محاولةٍ «لتعقيمها» لتكون وعاء نقيًّا لإنتاج سلالةٍ مضمونة من صُلب الرجُل، ترث ما لديه من ممتلكات وامتيازات مادية أو معنوية أو هما معًا؛ وكان دور الفيلسوف، لحقبةٍ طويلة من الزمن، تقنينَ هذا الوضع المتدني للمرأة، وتقديم المبرِّرات العقلية، أو الطبيعية أو البيولوجية أو السياسية … إلخ، التي تبرهن على أن تلك هي طبيعة الأشياء وأن هذا هو الوضع الأمثَل الذي فرضَته الطبيعة، أو فرضته السماء أو هما معًا؛ أن يكون الرجل هو السيد، الآمِر الناهي، والمرأة هي الخاضع التابع المطيع! وفي ظنِّي أن القارئ العربي يقرأ نظريةَ أرسطو عن المرأة — العدد الثاني من هذه السلسلة — ويطَّلع على ما يقدِّمه من مبررات مرةً من الميتافيزيقا، وأخرى من البيولوجيا، وثالثة من السياسة … إلخ؛ سيجد نفسه في بيته، فكل ما قاله المعلِّم الأول يتجسَّد حوله ثقافةُ مجتمعه مرتديًا ثوبًا دينيًّا، مع أن أرسطو، للأسف، كان وثنيًّا!
تلك هي السلسلة التي نقدِّمها اليوم إلى القارئ العربي «الفيلسوف … والمرأة»، وهي تعالج موضوعًا بالغَ الأهمية؛ لأنه يمسُّ حياتنا اليومية مسًّا مباشرًا من ناحية، ولأنه موضوعٌ جديد غير مسبوق ولا مطروق من ناحيةٍ أخرى، فلَمْ يكتب فيه، على ما أعلم، أحدٌ من قبل!
وأخيرًا، فإنني أرجو أن أكون بتقديم هذه السلسلة، قد أضفتُ جديدًا إلى المكتبة العربية، وأسهمتُ بقدرٍ، ولو ضئيل، في مسيرة التنوير.
واللهَ نسأل أن يهدينا جميعًا سبيلَ الرشاد.
إمام عبد الفتاح إمام