تمهيد
يُبدي «ول ديورانت» دهشةً بالغة من ازدهار الحضارة اليونانية، دون أن يكون للمرأة
فيها نصيب:
١ «فقد اختفَت النساء المتزوجات من تاريخ اليونان بين يومٍ وليلة، وكأنَّ الأقدار قد
أرادت أن تدحض حجة القائلين بأن ثمَّة ارتباطًا بين مستوى الحضارة في بلدٍ ما ومركز المرأة
فيه.»
٢ فقد كانت النساء في المجتمع اليوناني، ومعهنَّ العبيد، من أهم الفئات التي
انحصرَت داخل القطاعات الخاصة؛ فأماكن الخطاب السياسي العام كانت مقتصرةً على المواطنين
الذكور وحدهم، وليس للنساء ولا للعبيد دخلٌ بها؛ إذ لا بد أن يصمت لسانهم أمام مسائل
الحياة
اليومية العامة.
٣ ولقد كان ذلك قائمًا في أثينا وإسبرطة في آنٍ معًا على ما بين المدينتَين من
اختلاف.
لكنَّ ذلك كله لا يعني أن المرأة لم تُسهم بنصيب قَط في الحياة اليونانية؛ فقد قامت،
في
أثينا، بدورٍ كبير في المنزل، في ذلك الركن المنعزل من الدار الذي يسمى ﺑ «الحريم
La
Gynecee» من تربيةٍ للأطفال، إلى نسجٍ للصوف وتمشيطه، وصناعة للملابس لها ولأطفالها وربما
لزوجها أيضًا … إلخ. مما مكَّن «الرجُل الحر» من أن يحيا حياةً عقلية وثقافية رفيعة؛
فقد
أتاحت له من الفراغ ما جعله قادرًا على الإنتاج الأدبي والفلسفي والعمل السياسي بصفةٍ
عامة؛
فقد كان المنزل الذي يرى فيه الرجل اليوناني أنه «مجال خاص» هو مجال «اللاحرية»، وإنْ
كان
هذا المنزل نفسه هو مجال الإنتاج والتناسل معًا؛
٤ فهو «سجنٌ منتج» يُسمح فيه للمرأة بالعمل والإنتاج، لكنْ لا يُسمح لها بالخروج
منه؛ إذ ينبغي، كما يقول ثوكيديدز، «أن يُحبس اسم السيدة المصونة في البيت كما يُحبس
فيها جسمها
…»
٥
وكان «زينوفون» يوصي بوضع متراس على أبواب الجناح المخصَّص للنساء في المنزل. ويقول
«أرستوفان» إنهم كانوا يحتفظون بكلاب الصيد لحراسة النساء وإخافة العشَّاق من الرجال.
٦ وهذا الوضع الغريب هو ما أمرَت به الآلهة وصدَّق عليه البشر، يقول زينوفون:
«الرجال، خلافًا لوحوش البرِّية، يحتاجون إلى مأوًى؛ لكنهم كذلك يحتاجون إلى الهواء الطلق.
أما
النساء فهنَّ بطبيعتهنَّ يصلحنَ للأنشطة داخل الدار؛ فالرجُل قادر على تحمُّل الحرِّ،
والبَرد، والرحلات
الطويلة، والخدمة العسكرية، والعمل خارجَ المنزل. لقد أمر الله بذلك وصدَّقت عليه قوانين
البشر؛ فمن الأشرف للمرأة أن تظلَّ داخل المنزل من أن تكون خارجه، والعكس صحيح بالنسبة
للرجُل.
ولو أنَّ الرجل سلَكَ في حياته على نحوٍ مخالف لمَا حدَّدَته له الآلهة، فسوف تعاقبه؛
لأنه أهمل في
واجباته، ولن تغفر له.»
٧ أمَّا المرأة الإسبرطية، على نحو ما سنرى بعد قليل، فقد شاركَت الرجُل في تشكيل
الأطفال، وصبِّهم في قالب الفرسان استعدادًا لإرسالهم إلى ميدان القتال. بل لقد دربَت
بناتها
في المنزل على الخشونة و«الرجولة» وقسوة العيش كيما تكون «أمًّا» شجاعة تلد الشجعان.
معنى
ذلك أن المرأة اليونانية «الحرة»،
٨ أسهمَت بنصيبٍ من نوع خاص في بناء الحضارة اليونانية عندما قامت بواجباتها
المنزلية في «أثينا»، أو قامت بالواجبات التي فرضَتها عليها الدولة في إسبرطة. دون أن
يكون
لها، هنا أو هناك، حقوق «المواطنة»، لا سِيَّما الحقوق السياسية؛ مما جعلها في منزلةٍ
وسط بين
العبيد والرجال الأحرار؛ ولهذا بدَت أفكار أفلاطون عن مركز المرأة — لا سِيَّما محاورة
الجمهورية، وما دعا إليه من تعليم للحراس الرجال والنساء معًا، وإشراك النساء مع الرجال
في
إدارة شئون الدولة — دعوةً جريئة وسط هذا الظلام الدامس. حتى قيل إنه كان أولَ فيلسوف
يدعو
بقوة إلى المساواة بين الرجُل والمرأة.
٩ ووصفه «جروب
Grube» بأنه كان رسولًا لحقوق المرأة.
١٠ كما كان ساخطًا على الحكومة الأثينية في ذلك الوقت لمعاملتها للنساء.
١١ وانتهى «ديورانت» — كما انتهى كثيرون غيره — إلى أن أفلاطون كان من أقوى أنصار المرأة.
١٢ والحق أنَّ موضوع «أفلاطون … والمرأة» من الموضوعات المحيِّرة للباحث إلى أقصى
حد؛ ومن ثَم اختلف فيه الباحثون وتعدَّدَت آراؤهم إلى حدِّ التناقض في بعض الأحيان …
مما جعل
باحثة مثل «سوزان أوكين» تصف المشكلة بأنها «لغز محيِّر غير قابل للحل»؛ إذْ كيف يمكن
لمفكرٍ
متَّسق التفكير مثل أفلاطون أن يجمع في وقتٍ واحد بين آراء محافِظة، ورجعية، بل ومعادية
للمرأة —
تعكس ما كان مسيطرًا في التراث اليوناني من عداء، إنْ لم نقُل كراهية، للمرأة وحطٍّ من
شأنها
— جنبًا إلى جنبٍ مع أفكارٍ «ثورية»، و«راديكالية» تصل إلى حدِّ رفع النساء إلى مستوى
الحكَّام
الفلاسفة في دولته المثالية؟
١٣
وسوف نحاول في هذا البحث إلقاء الضوء على هذه المشكلة آمِلين «حل اللغز» الذي تشير
إليه
الباحثة. وإن كان علينا أن نبدأ أولًا بدراسة الخلفية الثقافية التي كانت سائدةً في المجتمع
اليوناني في عصر أفلاطون؛ لنتعرف على «مركز المرأة»، ثم نسأل أنفسنا عن «الجديد» الذي
أتى به
فيلسوفنا في هذا الصدد.
والخلفية الثقافية التي نقصدها هي التراث اليوناني في العصور التاريخية المختلفة.
ولمَّا
كان المؤرخون يقسمون هذه العصور إلى عصرَين متميزَين من الناحية الثقافية، متقاربَين
من حيث
نظرتهما إلى المرأة؛ هما العصر البطولي والعصر الكلاسيكي، فإن علينا أن نعرض لهما بهذا
الترتيب نفسه.