على تخوم العالمين
(١) الصحراء١
بيتى على حدود الأبد — لو أنه كان للأبد حدود! — وليس هو ببيتى وإن كنت ساكنه، وما أعرف لى شبر أرض فى كل هذه الكرة، ولقد كانت لى قصور — ولكن فى الاَخرة!! — بعت بعضها والبعض مرهون بحينه من الضياع، ووقفت معلقًا بين الحياتين، كما سكنت على تخوم العالمين!
•••
ولغيرى الأحراز والأملاك، ولكنّ من الصعب أن يتصور المرء أن «أرضًا» ملكه — ملكه كيف؟! يستطيع أن يزرعها إذا شاء، أو يبنى فوقها إذا أحب، ولكن هذا ليس إلانوعًا من الارتفاق. فأما أن يفهم العقل على وجه مقبول جلى أن هذا القطعة من الأرض — هذه القشرة المنتشرة على كتلة العالم، هذه الطبقة المتصلة بطبقاتٍ دونها — ملكه! فمما لا أصدقه ولا أدركه!! وتصور أن جبلًا من الجبال ملكك؟! جبلًا أشم شامخًا تتجاوب فى مخارمه الأصداء، وتصارع كتلته الرازحة الرياج والأنواء — ملكك؟! لأصدقُ من ذلك وأقربُ إلى الصواب فيه أن تقول إنك أنت ملكه!
•••
وإلى يمينى الصحراء، وإلى يسارى.. الصحراء، وفى كل ناحية يرتمى فى فجاجها الطرف.. الصحراء، وفى الصدر.. لا أدرى سوى أنه قواء!!
وفى كل يوم أهبط إلى ساحل الحياة وأتريث على حفافيها برهةً أشهد عبابها المتدفق ينهزم على الرمال ويتكسر على الحصى والصخور ويقذف بأشلاء غرقاه ثم يرتد ليؤوب بسواهم، مطويين فى أكفان أثباجه، محمولين على نعوش من مربد أمواجه. وبعد أن أقضى حق العين من التأمل والشهود، كأنى موكل بعدّ الموتى وحساب البيود، أكر راجعًا إلى صحراواتى!
والقمر يضيئها كما يضيئكم أبناء الحياة! ويبسط على رمالها الصفراء نوره الفضى اللين اللألاء، ويضربها سارى الطل ضربة الروضة الفيحاء، وتوامض بلوراتها الأنجم الزهراء، وتطلع عليها الشمس وتغيب كل صباح ومساء، فما تميز «العناية» بين ممرعة وجدباء، وكل شىء عند الطبيعة ككل شىء سواء بسواء، ولو خلت منكم الدنيا لما أحست فقدكم لا الأرضُ ولا السماء!
•••
ويزحف الليل فأبرز إلى الصحراء، فيلفنى الظلام فى شملته، وتلطمنى الريح وتدفعنى وترد من خطاى كأنما تريد لتصدنى عن هولها، وأعود كبعض ذراتها لا تراها العين، ولا يحسها ولا يحفل بها كون، فليت من تخدعهم الحياة وتنسيهم ضآلة أقدارهم يخرجون ليلة إلى الصحراء!
وماذا يعرف عن الليل من يسكن المدن ويعيش بين أضوائها الناسخة للظلمة، المضيعة لوقعها فى النفس؟! ها هنا الليل الطاغى العاتى يا من ألفتم نعومة الحياة وطراوة العيش! فوقك السماء لا تراها ولكن تحس أنها دنت منك، وأسفَّت إلتك، فلو رفعت يدك لدفعتها.. وتحتك الرمل تغوص فيه قدمك وتريد أن تقتلعها منه ويأبى أن يدعها لك كأنما شوّقه طولُ الجدب إلى غرسٍ ولو كان إنسانًا!! ومن الريح فى أذنيك الرعدُ مرسلًا دافقًا — هل رأيت «الدوامة» فى الماء؟ إليها تنحدر كل موجة، وصوبها يجرى كل طاف، وفيها يغرق كل محمول على متن التيار — كذلك تكون أذناك للريح! فيهما ينصب صفيرها، وإليهما يجرى مزمزمها. كأنما آضتا قطبًا شماليّا يجذب الرياح من الجهات الأربع! فيالفرحة الريح بطارق الصحراء!!
•••
ويتجرد الإنسان فيها من اسمه، ولا يعود فلانًا بن فلان — كائنًا من كان هذان الفلانان — بل بعضها وأهون ما فيها، وتسقط عن نفسه — كأوراق الشجر الذاوية — عواطف الغضب والألم والمراح واالأمل واليأس والندم والأسف والطماح، وتسكن الشهوات الجامحة وتختفى النزعات المقلقة الطائشة ولا يبقى سوى طمأنينة وادعة، كصفحة الغدير المصقولة إذ يمسحها النسيم الوانى، حتى والريح تعصف والظلمة مسحنككة.
ويحدّث نفسه إذا شاء — بل هو لا يسعه إلا أن يحدثها — ولا ينكر صوته ولا يستغرب أو يلحظ أنه تغير وأنه صار أشبه شىء بالصدى واثبًا عن جوانب الغار.
ويغنيها فى الليلة القمراء..
•••
وقد تزاحف الناس ببناهم فما عمروا منها فيما أرى خرابًا، ولا تحيفوا منها طرفًا أو ضيقوا لها رحابًا، هى أبدٌ صغير، وله ينتقص من الأبد كر الأيام والشهور!
والمرء ينفض فوقها غبار الحياة، وينضو عندها كل ثوب مستعار، وينسى أنه سعى وفاز أو خاب، وأن عليه أن يعود كرته إلى خوض قديم العباب.
ويا عجبًا لها! أهبط إلى ساحل العيش كل يوم وأعود وبى حاجة إلى أن أميط عن نفسى ما علق بها من الأوحال، فأغشى الصحراء فأصفو من الأخلاط والأوشاب، وأرجع ولم يعلق حتى بثوبى التراب..
(٢) صفحة سوداء من مذكراتى
أنا الساعة فى خلوة بنفسى — لا سمير إلا طيف الماضى — هذا أنيسى، يعمر لى فجاج الصحراء، ويكظها بالأشباح الجوفاء، ويحيطنى بحاشية من الذكريات ليس لها، انتهاء، ويُطرفنى بأحاديث أيامى التى تقضت، وأحلامى التى انتسخت، وهماتى التى فترت، وبساتين امالى التى صوّحت..
رقدتُ على الرمال وجعلت عينى قيد هذه السماء المجلوة التى لا تعرف فن الإمطار. وكان القمر طالعًا ولكنه باهت كابى الضوء، كالذكرى، يغرى بالوجوم ولا يُشيع فى النفس حرارة.. وهفا فوقى عصيفير حط على صخرة.. هناك!.. هناك حيت لم أكن أجلس وحدى! … وانطلق يغرد.
اه لو علمت عُصيفيرى أن صوتك كان يكون أصفى، وتغريدك أحلى وأشجى.. ولكن عينها لن تُفتح على هذه السماء، وسمعها لن يرده هذا الغناء!!
والمرء فى خلوته يكون أقرب إلى الجنون إذا ذهبتَ تعتبر سلوكه، كما يقول ماكسيم جوركى، لأنه يرسل نفسه على سجيتها حين يأمن عيون الرقباء، وتقول أو يفعل ما بدا له غير محتشم. وقد أذكرتنى كلمة جوركى أنى أحيانًا أجدنى أنحنى ساخرًا من شخص لا وجود له إلا فى وهمى، أو أحك أنفى بأصبعى مكايدًا من أتخيل أنى أعابثه، أو أخرج لسانى لصورتى فى المرآة!
وكأن العصفور أعدانى فرحت أغنى.. وما أنا بالمحتمل الصوت ولا هذا من عاداتى، وإنّ فى طبعى لاحتشامًا، كثيرًا ما ينغص علىّ متعى ولذاذاتى. غير أنى لم ألتفت إلى صوتى ولا أحسبنى حتى سمعته، وإنما هو ذهول عرانى فمضيت أرسل من الأصوات ما كان يطربنى حين يصافح أذنى كأنما أردت لأستدنى به نائيًا … فخيل إلىّ أنى سامع وقع قدمين تدلفان نحوى … ولكن الطيف مرّ بى لم يتريث، واشتمل عليه ظلام الليل كما طوى صاحبه ظلامُ الأبد!
•••
وا أسفى عليكِ! — لا بل علىّ — لم يبق منك إلا طيفٌ يعتاد ذاكرتى! لا أثر على الرمال الخائنة التى كنا نمشى فوقها ونرقد عليها، ونملأ أكفنا منها، وندعُ ذراتها تتساقط خيوطًا من بين فروج أصابعنا! ولقد نسيتكِ النجومُ التى كنت تحبينها وتشيرين إليها ببنانك وتعدينها ولم تستوحش خلو مكانك إلى جانبى تحت عيونها المتلامحة — بل هى لم تذكرك حتى يقال نسيتك — والقمر الذى كنت تأنسين بطلعته وتخالسينه النظر من بين خصل شعرك الدجوجى المرخى على وجهك تحت ضوئه الفضى اللين — لا يزال يبتسم كالعهد به ابتسامة السخر والسهوم كأنه لم يفتقدك!
كلا! ما من شىء فيما أرى يحس افتقادك كأنك لم تحبى وجه هذه الطبيعة الخامدة الحس، الميتة المشاعر، التى تروعنا وهى لا تحفلنا، وتسبينا ولا تذكرنا. حتى أنا الباكى عليك تعرونى رعدة كلما تصورت ما يصنع البلى بك! شفتاك الحساستان اللتان كانتا تستديران لتتلقيا قبلتى، ماذا صارتا الآن؟ صديدًا سائلًا! وعيناك؟ أليستا الساعة كهفين بشعين أعالج أن أطرد من مخيلتى صورتهما؟ وأنفك الأشم المنسجم لعله فى هذه اللحظة مرتع ديدان ومرعى حشرات! وأناملك الغضة التى كانت تضاغط كفى عن أرق عاطفة وأحناها؟ إيه ما أشنعها صورة وأهولها!!
وماذا أنا الآن؟ حى من الأحياء لايدرى الناس أنى مت منذ سنين وأنى قبر متحرك كشمشون ملتون، أو جثة لم تجد من يدفنها أو صورة باهتة لما كنتُه فى حياتى. وما أعد فيمن لا يزالون على قيد الحياة إلا لأنى ينقصنى أن تكتب لى شهادة بالوفاة! ولقد كنتُ كما يتوهمنى الناس الآن، حيّا تتدفق الدماء الحارة فى عروقى، فلما تأملت مصائر الخلق ركدت الدماء قليلًا وابتردت ومات منى شىء! ثم قضى ولدانا فأحسست دبيب الفناء، وضَحِىَ ظلُّك فتساقطت أزهار الحياة بين يدىّ وذوت نوارات امإلى تحت عينى، وإذا كفى ملأى بميت الزهر مما قطفت قدمًا، فشاع فىّ الموت علوّا وسفلًا..!!
وإنى لأقضى أيامى على نحو ما — أروح وأجىء وأكتب وأتكلم وأضحك واَكل وأشرب، ولكنى لا أرجو ولا أغضب، ولا أحزن ولا أطرب، ولا أرهب ولا أرغب لأنى لست أحيا الآن!!
•••
وإنى لغارق فى لجج هذه الخواطر، وإذا بفتاة رودٍ تعدو إلى وتنادينى باسمى، فأفقت ورُددت إلى الدنيا ولكن كما يفيق المغشىّ عليه: يتلفت فى كل ناحية ويسأل أين هو؟ ويعجب لنفسه ولمن حوله، وبذهنه بعض الكلال، وعلى عينيه كالغشاوة، ثم اعتدلت فوق الرمل ونبهت حواسى ومداركى بجهد وقلت: «من عسى تكونين يا فتاتى؟».
قلت: نعم (ولكنى لم أذكرها).
فمضت فى كلامها وهى تلهث وتلقى علىّ الأسئلة ولا تنتظر جوابها: «إنى كل ليلة أتسلل إلى البيت وجرتى تحت مُلاءتى وأدفع الباب برفق. لماذا لا توصد بابك؟ ألا تخشى سارقًا؟ ولكن لو كنت توصده لتعذر علىّ أحيانًا الدخول ولكنت أخجل أن أزعجكم كل ليلة من أجل جرة ماء! وبعد أن أدخل وأضع جرتى فى الحوض أتركها تمتلئ على مهل وأرود الحديقة، ولكنى والله لم أقطف منها شيئًا، وإن كنت أحب ثمر الحناء! وقد انتهرتنى ليلة وأنا أتمشى تحسبنى أريد أن أسرق، فخفت وبكيت فى الطريق وقلت: كيف يسىء الظن بى؟ نعم كيف أسأت الظن بى؟!». فقلت: «لم أكن أعرفك يا فتاتى فلا تغضبى وخذى ما شئت من الحديقة فما بها ما يستحق أن يضن به المرء». فانحنت إلىّ وأنا قاعد على الرمل، ووضعت راحتيها على ركبتيها وأكبّت بوجهها على وجهى وحدّقت فى عينىّ وقالت بلهجة العاتب المحاسب: «كيف لم تكن تعرفنى؟ ألستُ أحييك كلما دخلت ورأيتك جالسًا فى ذلك الركن المظلم تحت الكرمة؟».
فتناولت وجهها بين كفىّ وجذبته إلىّ فى رفق وقبلتها إذ لم يكن ثمة بد من ذلك، وقلت: «لا تغضبى يا فتاتى. وإذا كنت تريدين ثمر الحناء فاجنيه كله، أو العنب فعناقيده لك، ولكن خبرينى: من دلك على مكانى؟» ونهضتُ. فعادت إلى التحذر وقالت: «من دلنى؟! يا له من سؤال! كأن الدنيا كلها لا تعرف! ولقد وجدت بابك الليلة موصدًا فعلمت أنك خرجت إلى هنا فجئت أبحث عنك لتفتحه لى فإنى أستحيى أن أقرعه». قلت: «أحسنت، فتعالى إلى هذه الصخرة». قالت: «لماذا؟». قلت: «لتعدّى لى النجوم!». قالت: «أوَ هذا ممكن؟ إنها كثيرة جدّا جدّا!». قلت: «نعم، ولكنك كلما عددت نجمًا وأشرت إليه بإصبعك اختفى واستسر حتى لا يبقى فى السماء ولا الأرض إلا عيناك!». قالت: «أصحيح هذا؟»
وجعلت تثب وتصفق حتى لخلتها إحدى بنات الليل.. ومضينا إلى الصخرة، وجلست وأجلستها على ركبتى وطوقتها بذراعى وانطلقت هى تعد النجوم وأنا ألثم فاها كلما عدَّت واحدًا، وهى فرحة بلثماتى، تردها مضاعفة حارة وتهز رأسها وتنفض شعرها ثم تلقى بنفسها على ذراعى كرة أخرى وتستأنف العد، ووجهها إلى السماء، وشعرها المرسل متدل إلى الأرض. ولبثنا كذلك لا أدرى كم! ولكن الذى أدريه أن سنى حسنها طرد خفافيش خواطرى التى كانت تمرح فى ظلام رأسى!
الغريرة
•••
فى جوارها
•••
•••
•••