كلمة في هذا التأليف
لست أريد بما أثبته من هذه الكلمة أن أظهر الاستبصار فيما ألفت من هذا الكتاب، أو أستطيل بما تهيأ لي من طريقته؛ فذلك مني جهد المُقِلِّ، وقوة الضعيف الذي لا يمضي حتى يكل، وبعد فما أنا وهذا الأمر؟ وأين أقع منه؟ وهل ولدت مع التاريخ فأكون شاهد نشأته، والقاضي في خصومة أهله، ومن إليه الكلمة في الجرح والتعديل، والطرح والتبديل؟ وهل أنا إلا رجل يقرأ ليكتب، ويكتب ليقرأ الناس؛ فإن أصاب فلهم ولا هَمَّ، وإن أخطأ فعليه وخلاهم ذم.
بيد أن تلك العصور إذا صلحت أن تكون أجزاء للحضارة العربية التي هي مجموعة الصور الزمنية لضروب الاجتماع وأشكاله؛ فلا تصلح أن تكون أبوابًا لتاريخ آداب اللغة التي بلغت بالقرآن الكريم مبلغ الإعجاز على الدهر، ولم تكد تطوي عصرها الأول حتى كان أول سطر كتب لها في صفحة العصر الثاني شهادة الخلود وما بعد أسباب الخلود من كمال!
ثم إن تاريخ الآداب ليس فنًّا من الفنون العملية التي يحذو فيها الناس بعضهم حذو بعض، ويأخذ الآخر منها مأخذ الأول، وتتساوق فيها الأمم على وضع واحد؛ لأنها لا تتغير على الجملة في تعرف مادتها وتصرف أداتها حتى يتعين علينا أن نجعل آداب لغتنا حميلة على آداب اللغات الأعجمية، يفصل على أزيائها، وإن ضاقت به وخرج فيها باذَّ الهيئة مجموع الأطراف متداخل الأعضاء وكأنه مشدود الوثاق، أو مأخوذ بالخناق. إنما التاريخ حوادث قوم بغيتهم، والآداب اللسانية ليست أكثر من مواضعات يتواطأ عليها أولئك القوم، تخرج منها الحوادث المعنوية التي هي ميراث التاريخ كله في أيديهم من العادات والأخلاق على أنواعها. فتاريخ الآداب في كل أمة ينبغي أن يكون مفصلًا على حوادثها الأدبية؛ لأنها مفاصل عصوره المعنوية، والشأن في هذه الحوادث التي يقسم عليها التاريخ أن تكون مما يحدث تغييرًا محسوسًا في شكله، وأن تلحق بمادته تنوعًا خاصًّا بنوع كل حادثة منها؛ فإذا لم تكن كذلك لم يكن التاريخ متجددًا إلا باعتباره الزمني فقط؛ وهذا ليس بشيء؛ لأن تغير الزمن طبيعة الوجود؛ من أجل ذلك تجد الأمة التي لا حوادث لها ليس لها تاريخ.
على أن مثل تلك الحوادث التي وصفناها قد تعقم بها الأزمنة المتطاولة في تاريخ بعض الأمم، وقد تتساوق في بعض عصورها الراقية: كآداب اللغات الأوربية؛ وقد تكون متقطعة كما هي في تاريخ الأدب العربي.
وهذا التاريخ فضلًا عن تداخل أدواره بعضها في بعض حتى لا حد بينها ولا يتعين لأحدها مفصل يبتدئ منه أو ينتهي إليه، فإنه يمتاز عن كل ما سواه بذهاب الكثير من أصول حوادثه، لانقطاع متن التأليف من أوله عهده، واضطراب النسق التاريخي فيما ألف بعد ذلك بحيث يستحيل أن تُنَضَّد كل حوادثه في متعاقب أزمانه، أو تنزَّل على مراتب عصوره.
وهذا الجاحظ إمام الكتَّاب، ورأس الآداب، والذي لا يستعصي عليه من داء القلم إلا ما يعيي طب أساته، ويمتنع أن يكون من قدرة كاتب متأخر وضع دوائه في دواته — قد حاول بعض ذلك مرة في باب من كتابه «البيان والتبيين»؛ فلم يصنع شيئًا، ورهقه من العجز ما سوَّغ له أن يجعل عجزه في معنى استطاعته، فاكتفى به عذرًا!
هذا على أنه في شباب اللغة وريعان الأدب، والرواة يومئذ متوافرون، ومادة العرب لا تزال باقية؛ فكيف بنا وقد بعد العهد، وانقطعت الأسانيد، وبليت الصحف؛ وليس التدبير في أسماء الخطباء الذي أعجز الجاحظ وهو ما هو، إلا جزءًا مما يجب من التدبير في أصول التاريخ كله إذا وسعنا في الكثير ما ضاق عنه في القليل؛ ولكن الذي ينظر أمامه إلى حد، قلما ينتبه إلى مقدار ما وراءه مما لا يحد.
وعلى هذه السبيل وضعت الكتب في «تاريخ أدبيات اللغة العربية»؛ فقد تصوروا حدودًا معينة من الزمن، لا يلبث أحدهم أن يمد إليها قلمه حتى يتجاوزها ويكاد يؤرخ ما في الغيب أيضًا.
وقد رأينا لتاريخ الحضارة في كل أمة راقية أربعة أبواب متفرقة على أركانه: وهي الأدب، والسياسة، والدين، والعلم؛ فتلج الأمة من باب الأدب إلى نوع الكمال في عواطفها، ومن باب السياسة إلى مبلغ القوة في كيانها، ومن باب الدين إلى درجة السعادة في أنفسها، ومن باب العلم إلى ما تعز به في مجتمعها من هذه الثلاث. بيد أن تلك الأركان لا تستوي في جميعها ضعفًا وقوةً، ولا في اعتماد أصل التاريخ على بعضها دون بعض؛ فقد كانت دعامة التاريخ العربي في قيامه أدبية محضة، ثم جاء الدين فاستتبع السياسة والعلم، لا جرم كان للأدب عندهم تاريخ خاص لا يمتزج بالدين ولا بالسياسة ولا بالعلوم، إلا من جهات معلومة تُعرف بها وجوه الاتصال بين أجزاء تاريخهم في جملته وإفضاء بعضها إلى بعض في المخالطة والارتباط.
وبديهي أن تعاقب ثلاثة عشر قرنًا من تاريخ الأدب الإسلامي لم ينشئ لغة أفصح مما نطقت به العرب قبل ذلك، ولا جاء بشعر يباين أشعارهم في الجملة، ولا جعل لأدبائنا مذاهب متميزة في تكوين الدين والسياسة والعلم، بل ليس في تعاقب تلك العصور الأدبية على الأغلب إلا موت رجال وقيام رجال، وإلا أمور عرضية مما يترك في مادة الأدب آثارًا قليلة تدل على اختلاف القرائح وتباين الغرائز في أولئك الرجال الذين قاموا عليه، وتاريخها متعلق بمواقع رجالها من طبقات الزمن؛ ثم هي من قلتها بحيث لا تبلغ إلا أن تلويَ عليها بعض عرى التاريخ ويبقى سائره على تفصيله الذي أشرنا إليه آنفًا.
ثم هم يجهلون أن لتاريخ كل أمة تباين غيرها مباينة طبيعية — مزاجًا معنويًّا تتعلق به حوادثها، كما تتعلق أخلاق الفرد بنوع مزاجه الفطري؛ ومن أين يكون للعصبي في أبواب التحمل والأناة والسعة والخفض ما يكون لذي المزاج الليمفاوي مثلًا؟ فأيما امرؤ أجرى على الاثنين حكمًا واحدًا ظلمهما كليهما، وكذلك الأمر في أمزجة التاريخ.
وأنت خبير بأن الرجال في تاريخ الآداب الأوربية هم قطعُهُ التي يتألف منها، لأنهم متصرفون في اللغة كأنها إنما توضع لعهدهم أوضاعًا جديدة، فكل رجل منهم في طريقته ومذهب فنِّه علم، أو هو على الحقيقة قطعة متميزة في تركيب التاريخ العقلي؛ ولكن الرجال عندنا في قياسهم بأولئك ينزَّلون منزلة التشبيهات من المعاني الأصلية، إلا ما ندر، ولا حكم للنادر؛ وذلك لأن في لغتنا معنى دينيًّا هو سرها وحقيقتها، فلا تجد من رجل روى أو صنَّف أو أملى في فن من فنون الآداب أول عهدهم بذلك، إلا خدمةً للقرآن الكريم؛ ثم استقلت الفنون بعد ذلك وبقي أثر هذا المعنى في فواتح الكتب؛ والقرآن نفسه حادثة أدبية من المعجزات الحقيقية التي لا شبهة فيها، وإن لم يفهم سر ذلك «من لا يفهمونه».
أفيصلح بعد هذا أن يكون تاريخ الأدب العربي مبنيًّا على غير حوادثه التي كونته وتعلق بأكثرها رجاله دون أن تتعلق بهم، كما هو الشأن في سواه؟
إن صنيع أولئك (المستشرقين) وهؤلاء (المستغربين) لا يعتبر في حقيقة التأليف إلا توسعًا من ضيق، وتوفيرًا من قلة، وإغراقًا في الحشد والاجتلاب؛ والفرق بعيد بين علم يورد منه المؤلف إشباعًا لكتاب، وبين كتاب يفرده إشباعًا للعلم نفسه؛ ولهذا بقي تاريخ آداب العرب محتاجًا إلى طريقة أخرى، لا يختصر فيها الزمن بسرعة النقل، ولا يرفه على الفكر بهذا «الاضطراب الرياضي» في وثوبه بين الكتب، ولا يستر فيها قبح التأليف بحسن التقسيم، ولا يقوى ضعف المعنى بما يكون من العناية، ولا تنفتق الفصول الهزيلة سمنًا بما تلبس من الأوراق الكثيرة!
ولم تسقط دولة العقول في هذه الأمة إلا منذ ابتدأ العلماء يعتبرون العلم فهم العلم كما هو؛ فتهافتوا على ذلك باختصار الكتب وشرحها وتفتيقها بالحواشي والتعاليق «الهوامش»، وتلخيص المتون؛ ونحو ذلك مما يورث الاضمحلال، ويفقد العقل معنى الاستقلال، ويجعل القرائح كالظل المتنقل: كل آونة يقرب إلى الزوال.
وقد بلغ من أثر ذلك أن صار العلماء يجهلون حتى أسماء العلوم التي لم تمسخ على أيديهم، وخاصةً في مصر؛ فهذا شيخ الإسلام محمد بن عبد البر السبكي المتوفى بدمشق سنة ٧٧٧ﻫ يقول: إنه يعرف عشرين علمًا لم يسأله عنها بالقاهرة أحد.
ونقلوا عن القاضي عز الدين بن جماعة المتوفى سنة ٨١٩ — وهو الذي كان يفاخر به المصريون علماء العجم في كل فن، ويشيرون إليه في أنواع المعقول — أنه كان يقول: أعرف ثلاثين علمًا لا يعرف أهل عصري أسماءها!
وإذا كان عمود التاريخ سياقة الحوادث كما أسلفنا، فلا ترغم هذه الحوادث على أن تقع في غير وقتها، وتنفصل عن طبيعتها، وتتصل بغير طبقتها في التاريخ؛ ولذلك رأينا الطريقة المثلى أن نذهب في تأليفنا مذهب الضم لا التفريق، وأن نجعل الكتاب على الأبحاث التي هي معاني الحوادث لا على العصور؛ فنخصص الآداب بالتاريخ، لا التاريخ بالآداب كما يفعلون؛ وبذلك يأخذ كل بحث من مبتدئه إلى منتهاه، متقلبًا على كل عصوره، سواء اتسقت أم افترقت؛ فلا تسقط مادة من موضعها، ولا تقتسر على غير حقيقتها، ولا تلجأ إلى غير مكانها، ثم لا يكون بعد ذلك في التاريخ إلا التاريخ نفسه، ولا ما يزين به من العبارة المونقة، ولا ما توصل به الحقائق القليلة من تصورات الخيال وشعر التأليف، إلى أمثال ذلك من مواضع الاستكراه وضيق المضطرب؛ وأمثلته فيما بين أيدينا ماثلة لا تحتاج إلى انتزاع، وهي على نفسها شاهدة فلم يبق في أمرها نزاع.
وإذا تدبرت طريقتنا هذه، وقابلت آثارها بما شئت من آثار الطريقة الأخرى، وأحكمت ذلك بعقل راجح؛ وأنعمت فيه بنظر غير مدخول — رأيت أي هذه الكتب أحسن قيامًا على تاريخ الأدب، وأوفى بالحاجة منه، وأرَدُّ بالفائدة على طالبه، وتبينت أيها أضعف منزعة من الرأي والتدبير في طريقته، بما يكشف لك خلو باطنه من ورم ظاهره، وما تجده من سرعة الاتصال في هذا «الفراغ المعنوي» بين أوله وآخره.